﴿وَمَآ أَهلَكنَا مِن قَريَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَاب مَّعلُوم (4) مَّا تَسبِقُ مِن أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَستَـٔخِرُونَ (5) وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ ٱلذِّكرُ إِنَّكَ لَمَجنُون (6) لَّو مَا تَأتِينَا بالمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ ٱلمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بالحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذا مُّنظَرِينَ (8)﴾.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾
كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَا أَهْلَكْنَا قَرْيَةً مِنَ الْقُرَى إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ، أَيْ: أَجَلٌ مَكْتُوبٌ مُعَيَّنٌ، قَدْ كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَبُيِّنَ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِإِهْلَاكِ كُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ شَاءَ إِهْلَاكَهَا مَوْعِدًا مَعْلُومًا لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. فَالْأُمَمُ الَّتِي كَذَّبَتْ أَنْبِيَاءَهَا، وَكَفَرَتْ بِرَبِّهَا، وَعَانَدَتْ وَأَعْرَضَتْ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَآذَتْ رُسُلَهَا، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا كِتَابًا مَعْلُومًا، وَأَجَلًا مَحْدُودًا. وَكَمْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ إِهْلَاكِ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ، فَأَيْنَ هُمْ الْيَوْمَ؟ وَأَيْنَ نَحْنُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ ذِكْرَ هَلَاكِهِمْ؟ أَيْنَ نَحْنُ إِذَا تَجَرَّأْنَا عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَرَأَيْنَا كَثْرَةَ الْفَسَادِ، وَقِلَّةَ الْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَشِدَّةَ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا؟ أَمَا لَنَا عِبْرَةٌ بِمَنْ مَضَى؟ أَمَا نَقِفُ عَلَى مَوَاطِنِ هَلَاكِهِمْ؟ أَلَمْ يَكُونُوا يَعِيشُونَ عَلَى هٰذِهِ الْأَرْضِ؟ فَإِلَى أَيْنَ صَارَ أَمْرُهُمْ؟ أَيْنَ قُرَاهُمْ، وَأَيْنَ بُيُوتُهُمْ، وَأَيْنَ مُدُنُهُمْ، وَأَيْنَ قُصُورُهُمْ، وَأَيْنَ ضِيَاعُهُمْ، وَأَيْنَ بَسَاتِينُهُمْ، وَأَيْنَ عِزَّتُهُمْ؟ كُلُّ ذٰلِكَ ذَهَبَ، وَكُلُّ ذٰلِكَ كَانَ بِكِتَابٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلٍ مَحْدُودٍ. فَلَا يَنْزِلُ بَلَاءٌ، وَلَا يُرْفَعُ، وَلَا تَنْزِلُ مُصِيبَةٌ، وَلَا تَذْهَبُ، وَلَا تَأْتِي نِعْمَةٌ، وَلَا تُسْلَبُ، إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾
لَا تَتَقَدَّمُ أُمَّةٌ أَجَلَهَا الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهَا، وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْهُ، فَمَوْعِدُ الْهَلَاكِ لَا يُقَدَّمُ وَلَا يُؤَخَّرُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، فَكَانَ فِيهِ تَهْدِيدٌ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ زِيَادَةً فِي الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾
قَالَ الْكَافِرُونَ، وَهُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ، عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّعْرِيضِ: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَكَيْفَ أَقَرُّوا بِنُزُولِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إِلَى الْجُنُونِ؟ هٰذَا مِنْ بَابِ التَّعْكِيسِ فِي الْكَلَامِ لِغَرَضِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّهَكُّمِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وَفِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، وَالْمَعْنَى: إِنَّكَ تَقُولُ قَوْلَ الْمَجَانِينِ، حَاشَاهُ ﷺ. وَهُنَا يَتَعَلَّمُ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ مِنْ صَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ هٰذَا الْقَوْلُ الْفَظِيعُ، وَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ. فَإِذَا أُوذِيَ الْمَرْءُ فِي طَرِيقِ الدَّعْوَةِ، فَلْيَتَذَكَّرْ مَا لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْجُوعِ وَالْأَذَى، حَتَّى رَبَطَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ الشَّرِيفِ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. وَالصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ سَبِيلُ نَيْلِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدُ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ، وَلَا أَنْ يُقَيِّدَ قَلْبَهُ بِهَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَكِّرَ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، وَفِي مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَهٰذِهِ الْمُرَافَقَةُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ.
﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾
أَيْ: هَلَّا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ، إِمَّا لِيَشْهَدُوا بِصِدْقِكَ، وَإِمَّا لِيَأْتُوا بِالْعَذَابِ عَلَى تَكْذِيبِنَا لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ، وَذٰلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالِاسْتِكْبَارِ، مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ.
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾
أَيْ: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا مُقْتَرِنِينَ بِالْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ، إِمَّا بِالرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ وَالتَّبْلِيغِ، وَإِمَّا بِالْعَذَابِ. فَلَوْ نَزَلُوا بِالْعَذَابِ ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾، أَيْ: لَمَا أُمْهِلُوا، وَلَمَا أُخِّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ، أَيْ: وَلَوْ نَزَّلْنَا الْمَلَائِكَةَ لَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ، وَلَحَلَّ بِهِمُ الْهَلَاكُ فَوْرًا، وَلِذٰلِكَ لَمْ تُنَزَّلِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَا اقْتَرَحُوا.