مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَتَتَنَزَّلُ فَضَائِلُهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ تَنَزُّلًا يَزِيدُ القُلُوبَ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَيَفتَحُ لَهَا أَبوَابَ الرَّجَاءِ وَالبِشَارَةِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي بَشَّرَ الصَّائِمِينَ بِمَوَاعِيدِ اللهِ الحَقَّةِ، وَنَبَّهَهُم إِلَى مَا أَعَدَّهُ اللهُ لَهُم مِن فَضلٍ عَظِيمٍ وَأَجرٍ كَرِيمٍ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُثَبِّتُ القَلبَ فِي رَمَضَانَ وَيَحمِلُهُ عَلَى الصِّدقِ فِي الطَّاعَةِ أَن يَسمَعَ نِدَاءَ البِشَارَةِ: أَبشِرُوا بِفَضلِ اللهِ. فَهُوَ شَهرٌ تُفتَحُ فِيهِ أَبوَابُ الرَّحمَةِ، وَتَتَكَاثَرُ فِيهِ أَسبَابُ المَغفِرَةِ، وَيُضَاعَفُ فِيهِ الثَّوَابُ، وَتَتَجَلَّى فِيهِ كَرَامَةُ الصِّيَامِ الَّتِي خَصَّهَا اللهُ بِمَزِيَّةٍ لَا تُشبِهُهَا مَزِيَّةٌ فِي سَائِرِ الأَعمَالِ.
أَوَّلًا: بُشرَى الصَّائِمِينَ بِوَعدِ اللهِ الحَقِّ
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ، أَبشِرُوا بِوَعدِ اللهِ الَّذِي وَعَدَكُم، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ لَا يُخلِفُ وَعدَهُ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُخلِفُ المِيعَادَ﴾ [سورةُ آلِ عِمرَانَ: ٩]. وَمِن أُصُولِ العَقِيدَةِ أَنَّ الكَذِبَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَوَعدُهُ حَقٌّ، وَعَطَاؤُهُ صِدقٌ، وَفَضلُهُ سَابِقٌ، وَكَرَمُهُ عَظِيمٌ.
فَأَبشِرُوا بِفَضلِ اللهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَاشكُرُوا اللهَ عَلَى مَزِيدِ فَضلِهِ وَإِنعَامِهِ؛ فَإِنَّ الشُّكرَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ، وَمِفتَاحُ الدَّوَامِ، وَعَلَامَةُ حَيَاةِ القَلبِ بِمَعرِفَةِ المُنعِمِ سُبحَانَهُ.
ثَانِيًا: سِرُّ مَزِيَّةِ الصِّيَامِ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ
وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الَّذِي أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهوَتَهُ مِن أَجلِي، لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ، الصَّومُ جُنَّةٌ».
فَهُنَا يَتَجَلَّى شَرَفُ الصِّيَامِ؛ إِذ خَصَّهُ اللهُ بِقَولِهِ: «فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ»، فَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ يَغلِبُ عَلَيهَا السِّرُّ، وَتَعظُمُ فِيهَا مُرَاقَبَةُ العَبدِ لِرَبِّهِ، فَيَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهوَتَهُ لَا خَوفًا مِن خَلقٍ، وَلَا طَلَبًا لِمَدحِ بَشَرٍ، بَل إِخلَاصًا للهِ وَابتِغَاءً لِمَرضَاتِهِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ بُشرَى جَلِيَّةٌ لِلصَّائِمِ بِفَرحَتَينِ: فَرحَةٍ يَجِدُهَا عِندَ فِطرِهِ، إِذ يُتِمُّ نُسُكَهُ وَيَتَنَعَّمُ بِرِزقِ رَبِّهِ حَلَالًا طَيِّبًا، وَفَرحَةٍ أَعظَمُ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ، حِينَ يَرَى جَزَاءَ صِيَامِهِ مَدَّخَرًا لَهُ، وَيَرَى أَثَرَ صِدقِهِ فِي مِيزَانِهِ، وَيَفرَحُ بِقَبُولِهَا وَرِضوَانِ اللهِ عَنهُ.
ثَالِثًا: مَا الخُلُوفُ؟ وَمَا مَعنَى كَونِهِ أَطيَبَ مِنَ المِسكِ؟
وَقَد يَسأَلُ سَائِلٌ: مَا هُوَ الخُلُوفُ؟ وَمَا مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ»؟
الخُلُوفُ هُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الفَمِ، وَأَكثَرُ مَا يَعتَرِي الصَّائِمَ فِي آخِرِ النَّهَارِ؛ نَتِيجَةَ خُلُوِّ المَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَمَعَ أَنَّ هَذِهِ الرَّائِحَةَ قَد يَستَكرِهُهَا الطَّبعُ فِي العَادَةِ، فَإِنَّ الحَدِيثَ يُبَيِّنُ أَنَّهَا عِندَ اللهِ تَعَالَى عَظِيمَةُ القَدرِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَن طَاعَةٍ وَمُجَاهَدَةٍ وَإِخلَاصٍ.
فَمَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنزِلَتَهَا عِندَ اللهِ بِطِيبِ رَائِحَةِ المِسكِ عِندَ النَّاسِ، تَقرِيبًا لِلمَعنَى، وَدَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَا يَنشَأُ عَن طَاعَةِ اللهِ يَرتَفِعُ قَدرُهُ، وَيَسمُو أَثَرُهُ، وَيُجعَلُ مَحَلَّ الرِّضَا وَالثَّنَاءِ.
رَابِعًا: تَنزِيهُ اللهِ وَفَهمُ النُّصُوصِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
وَلَا يَجُوزُ أَن يُتَوَهَّمَ مِن قَولِهِ ﷺ: «أَطيَبُ عِندَ اللهِ» أَنَّ اللهَ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الخَلقِ؛ فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ، لَا يَشبَهُهُ شَيءٌ، وَلَا تَلحَقُهُ خَصَائِصُ البَشَرِ، وَإِنَّمَا المَعنَى: أَنَّهُ مَحَلُّ رِضًا وَثَوَابٍ، وَأَنَّ اللهَ يَجعَلُهُ طَيِّبَ القَدرِ عَظِيمَ الأَثَرِ فِي مَعنَى القَبُولِ وَالجَزَاءِ.
خَامِسًا: هَل ذٰلِكَ فِي الدُّنيَا أَم فِي الآخِرَةِ؟
وَقَد ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا الظُّهُورَ وَالتَّمَيُّزَ يَتَجَلَّى أَعظَمَ مَا يَتَجَلَّى يَومَ القِيَامَةِ؛ إِذ تَظهَرُ الحَقَائِقُ، وَتُوَفَّى النُّفُوسُ أُجُورَهَا، وَيَرَى العَبدُ ثَمَرَةَ عِبَادَتِهِ عِيَانًا، وَيَفرَحُ بِمَا ادَّخَرَهُ اللهُ لَهُ مِنَ الفَضلِ.
سَادِسًا: نِدَاءٌ لِاغتِنَامِ البُشرَى وَتَحقِيقِ الصِّدقِ
فَأَبشِرُوا ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ وَلَا تَكُونُوا مِمَّن يَسمَعُ البِشَارَةَ ثُمَّ يَفتُرُ، بَلِ اجعَلُوا هٰذِهِ البُشرَى زَادًا لِلصِّدقِ وَالثَّبَاتِ، وَاجعَلُوا صِيَامَكُم صِيَامَ قُلُوبٍ وَجَوَارِحَ مَعَ صِيَامِ بُطُونٍ، وَازدَادُوا مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّوبَةِ وَالاستِغفَارِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
اللَّهُمَّ ثَبِّتنَا عَلَى طَاعَتِكَ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيرِ رَمَضَانَ، وَاجعَلنَا مِنَ الصَّائِمِينَ الصَّادِقِينَ، وَمِنَ القَائِمِينَ المُخلِصِينَ، وَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَتَقَصُّرَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.