مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي شَرَعَ الصِّيَامَ تَزكِيَةً لِلنُّفُوسِ، وَتَطهِيرًا لِلقُلُوبِ، وَتَربِيَةً لِلضَّمَائِرِ، وَجَعَلَ شَهرَ رَمَضَانَ مَوسِمًا عَظِيمًا لِلطَّاعَاتِ، وَمِضمَارًا لِلتَّقوَى، وَمِفتَاحًا لِرِضوَانِهِ وَمَغفِرَتِهِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي بَيَّنَ لِلأُمَّةِ حَقَائِقَ العِبَادَاتِ، وَكَشَفَ لَهُم مَقَاصِدَهَا، وَدَلَّهُم عَلَى سَبِيلِ القَبُولِ عِندَ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ لَيسَ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ تُمسَكُ فِيهَا البُطُونُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا لَيَالِيَ يُقضَى أَكثَرُهَا فِي السَّهَرِ وَاللَّهوِ، بَل هُوَ مَوعِدٌ مَعَ طَاعَةِ اللهِ، وَمَحَطَّةٌ لِلتَّزَوُّدِ بِمَا يُقَرِّبُ إِلَى رِضَاهُ، وَفُرصَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن أَرَادَ أَن يَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ حَقًّا، وَمِنَ المُتَّقِينَ صِدقًا.
أَوَّلًا: رَمَضَانُ فُرصَةُ العُمُرِ وَمِحنَةُ الإِرَادَةِ
إِنَّ رَمَضَانَ مَوعِدٌ مَعَ طَاعَةِ اللهِ، وَمُنَاسَبَةٌ لِلتَّزَوُّدِ بِمَا فِيهِ رِضَاهُ، وَذٰلِكَ بِالابتِعَادِ عَن تَضيِيعِ أَيَّامِهِ بِالنَّومِ، وَلَيَالِيهِ بِالسَّهَرِ فِيمَا لَا يَنفَعُ، فَكَم ضَيَّعَ كَثِيرٌ مِنَّا عَلَى نَفسِهِ مِن ثَوَابٍ وَأَجرٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ تَفرِيطِهِ وَكَسَلِهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشَّهرِ وَلَم يَحمِل مِنهُ إِلَّا اسمَ الصِّيَامِ دُونَ حَقِيقَتِهِ.
فَاتَّقُوا رَبَّكُم، وَاشكُرُوهُ إِذ بَلَّغَكُم هَذَا الشَّهرَ الكَرِيمَ، وَاسأَلُوهُ سُبحَانَهُ أَن يُحَبِّبَ إِلَيكُم فِعلَ الخَيرَاتِ، وَأَن يُعِينَكُم عَلَى أَدَاءِ مَا شَرَعَ لَكُم مِنَ الطَّاعَاتِ وَالوَاجِبَاتِ وَالمُستَحَبَّاتِ، وَأَن يَصرِفَكُم عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُشتَبَهَاتِ، لَعَلَّكُم تَبلُغُونَ مَرَاتِبَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالتَّقوَى الحَقَّةِ.
ثَانِيًا: تِجَارَةُ الأَوقَاتِ الرَّابِحَةِ
يَا أَحِبَّتِي، عَمِّرُوا أَوقَاتَكُم بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِنَّهَا التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ الَّتِي لَا تَبُورُ، وَلَا تُضَيِّعُوا هَذِهِ السَّاعَاتِ الثَّمِينَةَ فِيمَا يُفسِدُ الصِّيَامَ، أَو يُخِلُّ بِكَمَالِهِ، أَو يُذهِبُ أَجرَهُ مِنَ الأَعمَالِ المُحَرَّمَةِ وَالأَقوَالِ الآثِمَةِ، فَإِنَّ العَبدَ قَد يَتَعَبُ جَسَدُهُ، وَيَجُوعُ بَطنُهُ، ثُمَّ يَخرُجُ مِن عِبَادَتِهِ مَحرُومًا مِنَ الثَّوَابِ.
ثَالِثًا: مَعنَى الصِّيَامِ الحَقِيقِيِّ
الصَّائِمُ الحَقِيقِيُّ لَيسَ مَن أَمسَكَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَط، بَل هُوَ الَّذِي صَامَت جَوَارِحُهُ عَنِ الآثَامِ، فَحَفِظَ لِسَانَهُ عَنِ الكَذِبِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَقَولِ الزُّورِ، وَصَانَ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ عَنِ الحَرَامِ، وَحَفِظَ فَرجَهُ عَنِ الرَّفَثِ وَالفُجُورِ، فَإِن تَكَلَّمَ لَم يَتَكَلَّم بِمَا يَجرَحُ صِيَامَهُ، وَإِن فَعَلَ لَم يَفعَل مَا يُفسِدُ عِبَادَتَهُ، فَيَخرُجُ كَلَامُهُ نَافِعًا صَالِحًا، وَتَكُونُ أَعمَالُهُ طَيِّبَةً مُبَارَكَةً.
وَإِنَّ أَثَرَهُ فِي الخَيرِ كَأَثَرِ رَائِحَةِ المِسكِ، يَنتَفِعُ بِهَا مَن جَالَسَ حَامِلَهَا، فَكَذَلِكَ مَن جَالَسَ الصَّائِمَ الحَقِيقِيَّ انتَفَعَ بِمُجَالَسَتِهِ، وَأَمِنَ مِن زُورِهِ وَأَذَاهُ، وَسَلِمَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
فَهٰذَا هُوَ الصِّيَامُ الأَكمَلُ، لَا مُجَرَّدُ الإِمسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّ الإِمسَاكَ عَنِ الشَّهوَاتِ الحَلَالِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَجِبُ أَن يَصحَبَهُ إِمسَاكٌ أَعظَمُ عَنِ المُحَرَّمَاتِ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ.
رَابِعًا: خَطَرُ إِفسَادِ الصِّيَامِ بِالمَعَاصِي
وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفظُ لَهُ، مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّورِ، وَالعَمَلَ بِهِ، وَالجَهلَ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
وَمَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ مِنَ العَبدِ مُجَرَّدَ تَركِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَعَ إِقَامَةِ اللِّسَانِ عَلَى الزُّورِ وَالقَلبِ عَلَى الغَفلَةِ وَالجَوَارِحِ عَلَى المَعصِيَةِ، فَإِنَّ الرَّبَّ سُبحَانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَلٰكِنَّهُ تَحذِيرٌ مِنَ الحِرمَانِ وَنُقصَانِ الأَجرِ، وَأَنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَكُونُ حَظُّهُ مِن صِيَامِهِ الجُوعَ وَالعَطَشَ.
وَأَمَّا الغِيبَةُ فَهِيَ مِن أَخطَرِ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَهِيَ مِمَّا يَأكُلُ الحَسَنَاتِ وَيُضعِفُ ثَوَابَ العِبَادَاتِ، فَيَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ أَن يَتَحَفَّظَ مِنهَا، لكنَّها لا تُفطَرُ الصائمَ، فقد قالَ الإمامُ أحمدُ: «لو كانتِ الغيبةُ تُفَطَرُ ما كانَ لنا صومٌ». وعلى المؤمنِ وَأَن يَصُونَ صَومَهُ عَنِ المِرَاءِ وَالخُصُومَةِ وَسُوءِ الخُلُقِ.
خَامِسًا: العِبَادَةُ بِلَا عِلمٍ حِرمَانٌ
وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ قَائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن صِيَامِهِ إِلَّا الجُوعُ وَالعَطَشُ».
وَفِي هَذَا تَنبِيهٌ لِلعُقُولِ أَنَّ العِبَادَةَ لَا تُقَاسُ بِمُجَرَّدِ التَّعَبِ وَالمَشَقَّةِ، بَل تُقَاسُ بِالصِّدقِ وَالإِخلَاصِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَسَلَامَةِ المَقصِدِ، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَعَبُونَ وَلَا يَنَالُونَ الأَجرَ؛ لِأَنَّهُم أَخَلُّوا بِشَرطٍ، أَو وَقَعُوا فِيمَا يَهدِمُ أَعمَالَهُم، أَو جَهِلُوا أَحكَامَ عِبَادَاتِهِم.
وَلِهٰذَا كَانَ العِلمُ الشَّرعِيُّ نُورًا لَا يَستَغنِي عَنهُ مُكَلَّفٌ، يَبلُغُ بِهِ العَبدُ مَرتَبَةَ البَصِيرَةِ فِي دِينِهِ، فَيَعلَمُ كَيفَ يَكُونُ صِيَامُهُ مَقبُولًا، وَكَيفَ يَصِلُ إِلَى كَمَالِ الطَّاعَةِ.
وَقَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ»، وَالمُرَادُ بِهِ أَنَّ قَدرًا يَحتَاجُ إِلَيهِ المُسلِمُ فِي عَقِيدَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَهُ، لِيَعبُدَ اللهَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَيَسلَمَ مِنَ الزَّلَلِ وَالحِرمَانِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا جَهِلنَا، وَذَكِّرنَا مَا نَسِينَا، وَاجعَلِ القُرآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورًا لِأَبصَارِنَا وَجَوَارِحِنَا، وَتَوَفَّنَا عَلَى هُدَاهُ، وَأَكرِمنَا بِحِفظِهِ، وَاحفَظنَا بِبَرَكَتِهِ.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.