مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ للهِ الَّذِي فَرَضَ الصِّيَامَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ، وَجَعَلَهُ مِن أَجَلِّ القُرُبَاتِ، وَرَتَّبَ عَلَيهِ أَعظَمَ المُثُوبَاتِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى المُسلِمِينَ صِيَامَ شَهرِ رَمَضَانَ، وَوَعَدَ الصَّائِمِينَ بِالأَجرِ الجَزِيلِ، وَلِعِظَمِ فَضلِ هَذِهِ العِبَادَةِ اختَصَّ اللهُ تَعَالَى ثَوَابَهَا لِنَفسِهِ، فَلَم يُطلِع عَلَيهِ أَحَدًا مِن خَلقِهِ، لِيَكُونَ ذٰلِكَ أَبلَغَ فِي التَّشوِيقِ، وَأَعظَمَ فِي الجَزَاءِ.
الصِّيَامُ عِبَادَةٌ اختَصَّ اللهُ بِجَزَائِهَا
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجزِي بِهِ».
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى شَرَفِ الصِّيَامِ وَعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ؛ إِذ أَضَافَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى نَفسِهِ تَشرِيفًا وَتَعظِيمًا، وَجَعَلَ أَجرَهُ غَيرَ مَحدُودٍ بِعَدَدٍ، بَل مَوكُولًا إِلَى كَرَمِهِ وَجُودِهِ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَتحُ أَبوَابِ الجِنَانِ وَإِغلَاقُ أَبوَابِ النِّيرَانِ
وَمِن فَضلِ اللهِ تَعَالَى وَوَاسِعِ إِحسَانِهِ أَنَّهُ يَفتَحُ فِي هَذَا الشَّهرِ المُبَارَكِ أَبوَابَ الجَنَّةِ، وَيُغَلِّقُ أَبوَابَ النَّارِ، وَيَكُفُّ شَرَّ الشَّيَاطِينِ عَن عِبَادِهِ، تَرغِيبًا لِلنُّفُوسِ، وَشَحذًا لِلهِمَمِ، وَتَشوِيقًا إِلَى مَا عِندَ اللهِ مِن جَلِيلِ الإِنعَامِ.
فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ، وَسُلسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِل، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِر، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذٰلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ». رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه.
بَابُ الرَّيَّانِ تَكرِيمٌ خَاصٌّ لِلصَّائِمِينَ
وَيَكفِي الصَّائِمِينَ شَرَفًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعَدَّ لَهُم بَابًا فِي الجَنَّةِ لَا يَدخُلُ مِنهُ غَيرُهُم، تَكرِيمًا لِهَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ وَإِظهَارًا لِمَنزِلَتِهَا.
فَفِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، فَإِذَا دَخَلُوا أُغلِقَ، فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
فَيَا لَهُ مِن نِدَاءٍ يَومَ الحَسرَةِ يَصِيرُ بُشرَى، وَيَا لَهُ مِن مَوقِفٍ تُشهَدُ فِيهِ كَرَامَةُ الصَّائِمِينَ، وَتُعلَنُ فِيهِ مَنزِلَتُهُم عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ.
أَبوَابُ الجَنَّةِ وَسَعَةُ فَضلِ اللهِ
وَمَعَ خُصُوصِيَّةِ بَابِ الرَّيَّانِ لِلصَّائِمِينَ، فَإِنَّ لِلجَنَّةِ أَبوَابًا كَثِيرَةً، تَدخُلُ مِنهَا المَلَائِكَةُ عَلَى أَهلِهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدنٍ يَدخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِن آبَائِهِم وَأَزوَاجِهِم وَذُرِّيَّاتِهِم وَالمَلَائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بَابٍ﴾ [سورة الرعد: 23].
وَقَد جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» أَنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ، وَفِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لَا يَدخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ.
سَعَةُ الرَّحمَةِ وَعِظَمُ البُشرَى لِأَهلِ التَّوحِيدِ
وَمِن أَعظَمِ مَا يُبَشَّرُ بِهِ المُؤمِنُ أَنَّ أَصلَ النَّجَاةِ مَبنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ التَّوحِيدِ وَسَلَامَةِ الإِيمَانِ، فَمَن لَقِيَ اللهَ مُوَحِّدًا صَادِقًا نَالَ فَضلَ اللهِ وَرَحمَتَهُ، وَهِيَ رَحمَةٌ تَسَعُ العِبَادَ، وَتَظهَرُ آثَارُهَا فِي المَوَاقِفِ العِظَامِ.
وَفِي «الصَّحِيحَينِ» عَن عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن شَهِدَ أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ».
وَمَعنَاهُ أَنَّ مَن مَاتَ عَلَى التَّوحِيدِ الصَّحِيحِ مُجتَنِبًا الشِّركَ، مُصَدِّقًا بِالرُّسُلِ، مُؤمِنًا بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُدخِلُهُ الجَنَّةَ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ، وَيَكُونُ التَّفَاضُلُ بَعدَ ذٰلِكَ بِحَسَبِ الأَعمَالِ وَالإِخلَاصِ وَصِدقِ التَّقوَى.
نِدَاءٌ لِاغتِنَامِ الفُرصَةِ وَحُسنِ السَّيرِ إِلَى اللهِ
فَسَارِعُوا إِلَى الخَيرَاتِ، وَاغتَنِمُوا أَيَّامَ رَمَضَانَ وَلَيَالِيَهُ، وَاحفَظُوا صِيَامَكُم عَمَّا يَخدِشُهُ، وَزَيِّنُوا عِبَادَتَكُم بِالإِخلَاصِ، وَعَمِّرُوا أَوقَاتَكُم بِالقُرآنِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالإِحسَانِ؛ فَإِنَّ الفُرصَةَ عَزِيزَةٌ، وَالأَجرَ عَظِيمٌ، وَالبَابَ مَفتُوحٌ لِمَن أَرَادَ اللهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
خَاتِمَةٌ وَدُعَاءٌ
اللَّهُمَّ ثَبِّتنَا عَلَى دِينِ الإِسلَامِ العَظِيمِ، وَاجعَلنَا مِنَ الصَّائِمِينَ القَائِمِينَ المُخلِصِينَ، وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ الأَبرَارِ، وَاجعَلنَا مِن عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.