مُقَدِّمَةٌ
الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، فَتَّاحِ أَبوابِ الخَيرِ لِطالِبِيهِ، وَمُيَسِّرِ سُبُلِ الطَّاعَةِ لِمَن أَرادَها بِصِدقٍ وَإِخلاصٍ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذي دَلَّ الأُمَّةَ عَلَى أَبوابِ الخَيرِ، وَناداهُم فِي أَفضَلِ الأَوقاتِ أَن يُقبِلُوا وَلَا يُعرِضُوا، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّجاةَ لَا تَكُونُ بِالأَمانِيِّ، وَلَكِنَّها بِالصِّدقِ وَالعَمَلِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ أَسئِلَةِ المُراجَعَةِ وَالمُحاسَبَةِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ أَن يَسأَلَ العَبدُ نَفسَهُ: هَل أَحَدٌ مِنَّا لَا يُرِيدُ الخَيرَ؟ وَالجَوابُ أَنَّنا كُلَّنا نُحِبُّ الخَيرَ وَنَرجُوهُ، وَلَكِنَّ العِبرَةَ لَيسَت بِالإِرادَةِ المُجَرَّدَةِ، بَل بِتَحوِيلِها إِلَى عَمَلٍ صالِحٍ، وَسَعيٍ صادِقٍ، وَمُجاهَدَةٍ لِلنَّفسِ فِي أَيّامِ الخَيرِ وَمَواسِمِ الرَّحمَةِ.
أَوَّلًا: نِداءُ رَمَضَانَ لِطالِبِي الخَيرِ
ثَبَتَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إِذا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَت أَبوابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَت أَبوابُ النَّارِ، وَسُلسِلَتِ الشَّياطِينُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفِي رِوايَةٍ أُخرَى: «وَيُنادِي مُنادٍ: يا باغِيَ الخَيرِ أَقبِل، وَيا باغِيَ الشَّرِّ أَقصِر، وَلِلهِ عُتَقاءُ مِنَ النَّارِ، وَذٰلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ». رَواهُ التِّرمِذِيُّ.
إِنَّهُ نِداءٌ جَليلٌ يَتَرَدَّدُ فِي أَيّامِ رَمَضَانَ وَلَيالِيهِ: يا باغِيَ الخَيرِ أَقبِل؛ أَي: يا طالِبَ الخَيرِ، يا مَن يُحِبُّ الطَّاعَةَ وَيَرجُو الرَّحمَةَ، أَقبِل عَلَى أَبوابِها الَّتي فُتِحَت لَكَ، فَإِنَّ الفُرَصَ قَد هَيَّأَها اللهُ تَعَالَى لِمَن صَدَقَ وَأَخلَصَ.
ثانِيًا: الإِرادَةُ لَا تَكفِي مِن غَيرِ عَمَلٍ
هَل أَحَدٌ مِنَّا لَا يُرِيدُ الخَيرَ؟ كُلُّنا يُرِيدُهُ، وَلَكِنَّ الإِرادَةَ إِذا لَم تُصحَب بِعَمَلٍ صالِحٍ صَارَت دَعوَى لَا بَيِّنَةَ لَها. وَقَد قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولٰئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكُورًا﴾ [سورةُ الإِسرَاءِ: ١٩].
فَلَم يَكتَفِ القُرآنُ بِذِكرِ الإِرادَةِ، بَل قَرَنَها بِالسَّعيِ وَالعَمَلِ، وَجَعَلَ ثَوابَ السَّعيِ وَقَبُولَهُ مَرهُونًا بِالإِيمانِ الصّادِقِ.
وَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعدَ المَوتِ، وَالعاجِزُ مَن أَتبَعَ نَفسَهُ هَواها، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمانِيَّ».
فَالأَمانِيُّ مِن غَيرِ عَمَلٍ غُرُورٌ وَتَسوِيفٌ، وَالخَيرُ لَهُ أَبوابٌ لَا تُفتَحُ إِلَّا بِخُطُواتِ العَمَلِ وَصِدقِ المُجاهَدَةِ.
ثالِثًا: أَبوابُ الخَيرِ الَّتي دَلَّ عَلَيها النَّبِيُّ ﷺ
وَلِتَكُونَ الطَّريقُ واضِحَةً، بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَبوابَ الخَيرِ بَيانًا شافِيًا. فَعَن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنِي بِعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُباعِدُنِي مِنَ النَّارِ. فَقالَ: «لَقَد سَأَلتَ عَن عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَن يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيهِ: تَعبُدُ اللهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيتَ».
ثُمَّ قالَ ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبوابِ الخَيرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطفِئُ الماءُ النّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِن جَوفِ اللَّيلِ». ثُمَّ تَلا: ﴿تَتَجافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ فَلَا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانوا يَعمَلُونَ﴾ [سورةُ السَّجدَةِ: ١٦–١٧].
رابِعًا: مِيزانُ الخَيرِ وَمِلاكُ الأَمرِ كُلِّهِ
وَلَم يَقِفِ البَيانُ عِندَ ذٰلِكَ، بَل زادَ النَّبِيُّ ﷺ فقالَ: «أَلَا أُخبِرُكَ بِرَأسِ الأَمرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِروَةِ سَنامِهِ؟» قُلتُ: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: «رَأسُ الأَمرِ الإِسلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِروَةُ سَنامِهِ الجِهادُ».
ثُمَّ قالَ ﷺ: «أَلَا أُخبِرُكَ بِمِلاكِ ذٰلِكَ كُلِّهِ؟» فَأَخَذَ بِلِسانِهِ وَقالَ: «كُفَّ عَلَيكَ هذا».
فَإِذا صَلُحَ اللِّسانُ صَلُحَتِ الأَعمالُ، وَإِذا تُرِكَ ضَبطُهُ أَفسَدَ عَلَى العَبدِ دِينَهُ وَخَيرَهُ، وَقَد قالَ ﷺ: «مَن أُعطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفقِ فَقَد أُعطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيرِ، وَمَن حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفقِ فَقَد حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيرِ».
خامِسًا: الخَيرُ مُيَسَّرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ
وَمِن رَحمَةِ اللهِ أَنَّ أَبوابَ الخَيرِ لَم تُجعَل خاصَّةً بِأَهلِ العِلمِ أَوِ الحِفظِ، بَل فُتِحَت لِكُلِّ مَن صَدَقَ فِي القَصدِ وَحَسُنَت نِيَّتُهُ. فَعَن عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوفَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا قالَ: إِنِّي لَا أَستَطِيعُ أَن آخُذَ مِنَ القُرآنِ شَيئًا، فَعَلِّمنِي ما يُجزِئُنِي. فَقالَ ﷺ: «قُل: سُبحانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».
قالَ: هذا لِلهِ، فَماذا لِي؟ قالَ ﷺ: «قُل: اللَّهُمَّ ارحَمنِي، وَعافِنِي، وَاهدِنِي، وَارزُقنِي». فَقالَ ﷺ: «أَمَّا هذا فَقَد مَلَأَ يَدَيهِ مِنَ الخَيرِ».
خاتِمَةُ المَقَالِ
فَليَنظُرِ العَبدُ فِي نَفسِهِ: أَينَ أَنا مِنَ الخَيرِ فِي شَهرِ الخَيرِ؟ هَل كُنتُ مِمَّن طَلَبَهُ بِصِدقٍ، وَأَخَذَ بِأَسبابِهِ، وَدَخَلَ مِن أَبوابِهِ؟ فَإِن كانَ كَذٰلِكَ فَطُوبَى لَهُ، وَإِن كانَ مُقَصِّرًا فَليُبادِر بِالرُّجُوعِ وَليَترُكِ التَّسوِيفَ، فَإِنَّ الشَّهرَ يَمضِي، وَالأَعمارَ تُسرِعُ، وَالفُرَصَ لَا تَدُومُ.
رَحِمَ اللهُ امرَأً حاسَبَ نَفسَهُ وَهُوَ فِي وَسَطِ شَهرِهِ، فَنَظَرَ فِيمَا مَضَى، وَأَخَذَ لِمَا يَأتِي، فَإِن كانَ مُحسِنًا ازدَادَ، وَإِن كانَ مُقَصِّرًا تابَ وَأَصلَحَ وَعَزَمَ.
يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعافِيَةَ، وَأَن تَقِيَنا شَرَّ ما نَتَخَوَّفُ، وَأَن تَغفِرَ لَنا، وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ، وَلِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِماتِ، الأَحياءَ مِنهُم وَالأَمواتَ.