بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ (199)﴾ [آل عمران: 199]
﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم﴾ [آل عمران: 199]
قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: المُرَادُ بِهَذَا مَن أَسلَمَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَنَعَم، قَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: إِنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَصحَمَةُ النَّجَاشِيُّ، مَلِكُ الحَبَشَةِ. وَلَكِنَّ الإِمَامَ الطَّبَرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ وَغَيرَهُ قَالُوا: أَولَى الأَقوَالِ فِي تَأوِيلِ الآيَةِ هُوَ القَولُ الَّذِي قَدَّمتُهُ لَكُم، وَهُوَ قَولُ مُجَاهِدٍ؛ أَي: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَشمَلُ مَن أَسلَمَ مِن أَهلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَأَصحَمَةُ النَّجَاشِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ مِنهُم. فَأَصحَمَةُ، الَّذِي كَانَ مَلِكًا عَلَى الحَبَشَةِ، استَقبَلَ مَن هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمَّا سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنهُم سَيِّدُنَا جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ وَغَيرُهُ، ذَرَفَت عَينَاهُ، وَبَكَى، وَأَعلَنَ إِسلَامَهُ، وَمَكَّنَ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أَرضِ الحَبَشَةِ، حَتَّى انتَشَرَ الإِسلَامُ هُنَاكَ. وَلَكِنَّهُ لَم يُسَافِر إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأَنَّ المُشرِكِينَ كَانُوا كَثرَةً فِي تِلكَ البِلَادِ، فَكَانَ يُوجَدُ خَوفٌ، لَو أَنَّهُ تَرَكَ البَلَدَ. لَكِنَّهُ أَسلَمَ، بَل حَسُنَ إِسلَامُهُ. ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى عَلَيهِ. وَمَكَانُ الصَّلَاةِ عَلَى أَصحَمَةَ، لِمَن يَعرِفُ مِنكُم مَسجِدَ الغَمَامَةِ، فِي نَوَاحِي سُوقِ التَّمرِ القَدِيمِ، فِي تِلكَ النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا مَسجِدُ الغَمَامَةِ، وَمَسجِدُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَمَسجِدُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي تِلكَ النَّاحِيَةِ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَصحَمَةَ، كَمَا وَرَدَتِ السِّيرَةُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُقَالُ لِذَلِكَ المَكَانِ أَيضًا: مُصَلَّى العِيدِ. فَالنَّبِيُّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصحَمَةَ النَّجَاشِيِّ هُنَاكَ. ثُمَّ إِنَّ بَعضَ المُنَافِقِينَ أَخَذَ يَقُولُ: كَيفَ يُصَلِّي عَلَيهِ مُحَمَّدٌ وَهُوَ نَصرَانِيٌّ؟ هَكَذَا أَرَادَ بَعضُ المُنَافِقِينَ الطَّعنَ فِي النَّبِيِّ ﷺ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصحَابِهِ: «صَلُّوا عَلَى أَخِيكُم أَصحَمَةَ، فَإِنَّهُ قَد مَاتَ اليَومَ عَبدٌ صَالِحٌ». فَشَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ عَبدٌ صَالِحٌ، وَلَهُ مَقَامٌ يُزَارُ إِلَى يَومِنَا هَذَا فِي تِلكَ البِلَادِ.
وَكَانَ أَيضًا مِمَّن أَسلَمَ مِنَ اليَهُودِ الحُصَينُ بنُ سَلَامٍ، الَّذِي صَارَ بَعدَ ذَلِكَ عَبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، وَغَيرُهُ مِنَ الأَحبَارِ. فَهَذِهِ الآيَةُ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ، وَنَقَلَ ذَلِكَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، المُرَادُ بِهَا مَن أَسلَمَ مِن أَهلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنهُم مَن سَيَدخُلُ فِي الإِسلَامِ؛ فَمِنهُم مَن أَسلَمَ، وَمِنهُم مَن سَيَدخُلُ فِي الإِسلَامِ.
﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم﴾ [آل عمران: 199]، يَعنِي: مَا أُنزِلَ إِلَيكُم، وَالخِطَابُ هُنَا لِلمُؤمِنِينَ؛ أَي: يُوجَدُ مِن هَؤُلَاءِ مَن سَيُؤمِنُ بِاللهِ، وَسَيُؤمِنُ أَيضًا بِمَا أُنزِلَ إِلَيكُم، أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، أَي: بِمَا أُنزِلَ إِلَيكُم مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَبِمَا بَلَّغَكُم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مِمَّا أَوحَى اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَيهِ. فَمِنهُم مَن سَيُؤمِنُ بِاللهِ، وَسَيُؤمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغَيرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِن يَهُودِيٍّ وَلَا نَصرَانِيٍّ يَسمَعُ بِي، ثُمَّ لَا يُؤمِنُ بِي وَبِمَا جِئتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِن أَصحَابِ النَّارِ». فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي يَسمَعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَا يُؤمِنُ بِهِ، فَهُوَ مِن أَصحَابِ النَّارِ. فَهُوَ لَا يَكُونُ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَا عَلَى دِينِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَا عَلَى دِينِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَا عَلَى دِينِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، بَل لَا يَكُونُ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ. فَمِن أَهلِ الكِتَابِ مَن سَيُؤمِنُ بِاللهِ، وَبِمَا أُنزِلَ إِلَيكُم، أَيُّهَا المُؤمِنُونَ.
﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم﴾ [آل عمران: 199]
إِذًا هُنَا قَالَ: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم﴾ [آل عمران: 199] لِلمُؤمِنِينَ، وَقَالَ: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم﴾ [آل عمران: 199]، أَي: مَا نَزَلَ عَلَى أَهلِ الكِتَابِ مِنَ الكُتُبِ، مِنَ التَّورَاةِ، وَالإِنجِيلِ، وَالزَّبُورِ. وَلَكِنِ المُرَادَ هُنَا بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِم: الكِتَابُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسمُهُ التَّورَاةُ، وَالكِتَابُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسمُهُ الإِنجِيلُ، وَالكِتَابُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسمُهُ الزَّبُورُ. وَفِي تِلكَ الكُتُبِ، كَمَا فِي جَمِيعِ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، تَوحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَفِي الآثَارِ أَنَّ عَدَدَ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ مِائَةٌ وَأَربَعَةٌ، وَكُلُّهَا فِيهَا تَوحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. كُلُّهَا فِيهَا تَوحِيدُ اللهِ، وَلَيسَ فِي كِتَابٍ مِنها أَنَّ اللهَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَيسَ فِي كِتَابٍ مِنها التَّكذِيبُ بِأَنبِيَاءِ اللهِ، وَلَيسَ فِي كِتَابٍ مِنها هَذِهِ الفَوَاحِشُ الَّتِي عَلَيهَا أَهلُ الشِّركِ. فَكُلُّهَا فِيهَا الحَقُّ، وَفِيهَا تَوحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَمَّا مَا كَانَ مُحَرَّفًا عَمَّا أُنزِلَ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى كِتَابًا سَمَاوِيًّا، وَلَا يَكُونُ مُعَظَّمًا إِلَّا مَا كَانَ حَقًّا. فَلَا يُعَظَّمُ إِلَّا مَا كَانَ حَقًّا، وَمَا كَانَ مِن عِندِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَعِندَمَا يُقَالُ: كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ، فَهُوَ مُعَظَّمٌ. وَإِمَّا أَن يَكُونَ مَعنَى «سَمَاوِيٍّ» أَنَّهُ مُشَرَّفٌ، هَكَذَا مِن حَيثُ اللُّغَةِ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ «سَمَاوِيًّا» عَلَى مَعنَى أَنَّهُ أُنزِلَ مِنَ السَّمَاءِ، أَي: بِأَمرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَاللهُ تَعَالَى لَا يَسكُنُ سَمَاءً وَلَا أَرضًا، وَلَكِنَّ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ مَكتُوبَةٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، وَاللَّوحُ المَحفُوظُ فَوقَ السَّمَاءِ، فَكُلُّهَا سَمَاوِيَّةٌ، نَزَلَت بِأَمرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. إِلَّا أَنَّ الكُتُبَ نَزَلَت دَفعَةً وَاحِدَةً عَلَى الأَنبِيَاءِ، إِلَّا القُرآنَ، فَقَد نَزَلَ مُنَجَّمًا، مُفَرَّقًا، عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَعِندَمَا تَقُولُ: هَذَا كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ، فَلَا تَعنِي بِذَلِكَ المُحَرَّفَ، وَلَا تَعنِي بِذَلِكَ الشَّيءَ الَّذِي دَخَلَهُ البَاطِلُ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلتَ: هَذَا كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ، فَهَذَا كِتَابٌ مُشَرَّفٌ وَمُعَظَّمٌ. فَإِذَا قُلتَ: التَّورَاةُ، لَا يَنصَرِفُ الكَلَامُ إِلَّا إِلَى الَّتِي نَزَلَت عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ. وَإِذَا قُلتَ: الإِنجِيلُ، فَلَا يَنصَرِفُ هَذَا الكَلَامُ إِلَّا إِلَى الكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ. وَإِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ قَد بَقِيَ شَيءٌ مِن هَذِهِ الكُتُبِ، مِنَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، لَم يَكُن مُحَرَّفًا فِي الصُّحُفِ. نَعَم، حَصَلَ التَّحرِيفُ قَبلَ ذَلِكَ، وَلَكِن كَانَ يُوجَدُ بَقِيَّةُ صُحُفٍ فِيهَا التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ. وَفِي عَدَدٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَمَا تَجِدُونَ صِفَتِي فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي بَينَ أَيدِيكُم؟ وَلَكِن بَعدَ ذَلِكَ حَتَّى هَذَا لَم يَبقَ. فَالآنَ لَا تَجِدُ نُسخَةً صَحِيحَةً. فَبَعدَ ذَلِكَ ذَهَبَت حَتَّى تِلكَ الصُّحُفُ الَّتِي بَقِيَت، فَلَم يَبقَ إِلَّا المُحَرَّفُ. فَلِذَلِكَ، اليَومَ، عِندَمَا تَقُولُ: التَّورَاةُ، فَلَا تَصِفُ بِذَلِكَ الشَّيءَ المُحَرَّفَ، وَإِذَا قُلتَ: الإِنجِيلُ، فَإِنَّمَا تَعنِي الَّذِي نَزَلَ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى ﷺ.
فَقَالَ الحَقُّ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم﴾ [آل عمران: 199]، أَي: مِنَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ.
﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199]
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءَ وَصفُهُم فِي الآيَةِ، وَقِيلَ فِيهِم: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199]، وَهُوَ حَالٌ مِن فَاعِلِ ﴿يُؤمِنُ﴾ [آل عمران: 199]. وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ حَالَهُم عَلَى الخُشُوعِ. وَنَلحَظُ هُنَا فَائِدَةً لُغَوِيَّةً أَيضًا، وَهِيَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن﴾ [آل عمران: 199]، فَلَم يَقُل: «الَّذِينَ»، بَل قَالَ: «مَن»، وَهِيَ ضَمِيرُ إِفرَادٍ، ثُمَّ قَالَ بَعدَ ذَلِكَ: ﴿خَاشِعِينَ﴾ [آل عمران: 199]، فَجَاءَ بِالجَمعِ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ فِي اللُّغَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ قَد يَأتِي ضَمِيرُ الإِفرَادِ وَيُرَادُ بِهِ الجَمعُ. وَهَذَا يَحصُلُ فِي القُرآنِ. وَمِن ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]، فَقَد قَالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ: المُرَادُ بِذَلِكَ المَلَائِكَةُ. وَجَاءَ فِي أَكثَرَ مِن مَوضِعٍ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ «مَن» قَد تَأتِي مُفرَدَةً، وَالمُرَادُ بِهَا الجَمعُ. وَهَذَا مِن جُملَةِ المَوَاضِعِ الَّتِي يُستَدَلُّ بِهَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَد قَالَ: ﴿لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم خَاشِعِينَ﴾ [آل عمران: 199]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الكَلَامَ عَن جَمعٍ. وَ«خَاشِعِينَ» نَصبٌ عَلَى الحَالِ.
فَمَا مَعنَى الخَاشِعِ لِلَّهِ؟ هُوَ المُتَذَلِّلُ لِلَّهِ، الخَائِفُ مِنَ اللهِ، قَلبُهُ سَاكِنٌ، مُطمَئِنٌّ، مُسَلِّمٌ لِلَّهِ، رَاضٍ بِمَا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَخَافُ اللهَ وَلَا يَخشَى إِلَّا اللهَ. فَهُوَ خَاشِعٌ، خَائِفٌ، مُتَذَلِّلٌ لِلَّهِ. وَمِن مَعَانِي العِبَادَةِ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ الحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ الكَافِي السُّبكِيُّ، وَكَانَ حَافِظًا مُجتَهِدًا وَإِمَامًا كَبِيرًا، حَيثُ قَالَ: «العِبَادَةُ أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ». وَقَالَ الرَّاغِبُ الأَصفَهَانِيُّ فِي «مُفرَدَاتِ القُرآنِ»: «العِبَادَةُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ». وَهَذَا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَا يَستَحِقُّ أَحَدٌ أَن يُعبَدَ إِلَّا اللهُ. وَنَحنُ نُعَظِّمُ الأَنبِيَاءَ، وَلَا شَكَّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: 157]، فَنُعَظِّمُ الأَنبِيَاءَ، وَلَكِن لَا نُعَظِّمُ أَحَدًا مِنَ الخَلقِ كَمَا نُعَظِّمُ اللهَ. فَالتَّعظِيمُ الَّذِي نُعَظِّمُ بِهِ اللهَ هُوَ أَقصَى التَّعظِيمِ، وَغَايَةُ التَّعظِيمِ، وَنِهَايَةُ التَّذَلُّلِ، وَهَذَا هُوَ مَعنَى العِبَادَةِ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، الَّتِي مَن صَرَفَهَا لِغَيرِ اللهِ صَارَ مُشرِكًا.
أَمَّا لَو أَنَّكَ عَظَّمتَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ، فَنَحنُ نَقُولُ:
اللهُ عَظَّمَ قَدرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ
وَأَنَالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظِيمًا
فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ قَالَ لِخَلقِهِ
صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ لَهُ شَرَفٌ وَلَهُ جَاهٌ. وَحَتَّى الصَّالِحُونَ لَهُم شَرَفٌ وَلَهُم جَاهٌ. وَالشَّرَفُ هُنَا مَعنَاهُ أَنَّ لَهُم قَدرًا. وَفِي دُعَاءِ الخُرُوجِ إِلَى المَسجِدِ، مَا نَصُّهُ؟ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَمشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَم أَخرُج أَشَرًا، وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمعَةً، خَرَجتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابتِغَاءَ مَرضَاتِكَ، أَسأَلُكَ أَن تُنقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَن تَغفِرَ لِي ذُنُوبِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ». وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الحَافِظُ نُورُ الدِّينِ الهَيثَمِيُّ، أَنَّ مَن قَالَ هَذَا وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبعِينَ أَلفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيهِ، أَي: يَدعُونَ لَهُ، حَتَّى يَنصَرِفَ مِن مُصَلَّاهُ. فَحَاوِل أَلَّا تَضَعَ قَدَمَكَ فِي دَاخِلِ المَسجِدِ إِلَّا وَقَد قُلتَ هَذَا الدُّعَاءَ، وَلَو أَنَّكَ وَقَفتَ خَارِجَ المَسجِدِ لِتَقُولَهُ ثُمَّ دَخَلتَ. وَهَذَا النَّصُّ فِيهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ». فَمَا مَعنَى «بِحَقِّ»؟ أَي: بِجَاهِهِم، لِمَا لَهُم مِن بَرَكَةٍ، وَلِمَا لَهُم مِن شَرَفٍ عِندَ اللهِ تَعَالَى. وَلَكِن هَذَا لَيسَ عِبَادَةً لَهُم، وَهَذَا مُهِمٌّ جِدًّا بَيَانُهُ.
فَإِذًا نَحنُ نَتَكَلَّمُ هُنَا عَن حَالِهِم فِي أَنَّهُم ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199]، أَي: مُتَذَلِّلِينَ خَائِفِينَ. نَعَم، العِبَادَةُ لِلَّهِ، وَلَكِن بَعدَ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ المُسلِمُونَ فِي أَمرِ الخُشُوعِ. فَالخُشُوعُ مِن جُملَةِ مَعَانِيهِ استِحضَارُ الخَوفِ مِنَ اللهِ، أَوِ الخَوفُ مِنَ اللهِ خَوفَ الإِجلَالِ وَالتَّعظِيمِ. وَلَيسَ الخُشُوعُ مُجَرَّدَ استِحضَارِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، بَلِ الخُشُوعُ أَمرٌ قَلبِيٌّ، وَهُوَ مَطلُوبٌ فِي كُلِّ حَالٍ، فِي كُلِّ أَحوَالِكَ. وَهُوَ شَيءٌ قَلبِيٌّ. وَكُلَّمَا تَمَكَّنَ العَبدُ فِي ذَلِكَ، جَاءَ هُنَا مَا يُعرَفُ فِي الوَاجِبَاتِ القَلبيَّةِ: المُرَاقَبَةُ لِلَّهِ، أَن يَستَدِيمَ هَذَا الخَوفَ. وَهُنَا يَتَفَاوَتُ المُسلِمُونَ؛ فَمِنهُم مَن يَغِيبُ عَنهُ هَذَا الخَوفُ لِوَقتٍ، فَتَجِدُهُ يَقَعُ فِي الحَرَامِ. وَمِنهُم مَن يَكُونُ جَارًا لِلمَسجِدِ وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ الجَمَاعَةِ، وَمِنهُم مَن لَا يُصَلِّي الصَّلَاةَ المَكتُوبَةَ أَصلًا، وَمِنهُم، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، مَن يَزنِي، وَمِنهُم مَن يَشرَبُ الخَمرَ، وَمِنهُم مَن يَأكُلُ الرِّبَا، وَمِنهُم مَن يَشهَدُ الزُّورَ، وَمِنهُم مَن يَأكُلُ أَموَالَ إِخوَانِهِ بِغَيرِ حَقٍّ، اعتِمَادًا عَلَى المَنصِبِ، أَو عَلَى الجَاهِ، أَو بِطَرِيقِ المَالِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ المُهلِكَاتِ. وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّ الخَوفَ لَم يَتَمَكَّن فِي قَلبِهِ.
فَإِذًا حَالُ هَؤُلَاءِ، وَمِنهُم مَن صَارَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ؛ آمَنَ بِاللهِ. وَعِندَمَا قَالَ: ﴿لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ﴾ [آل عمران: 199]، فَمَا مَعنَى الإِيمَانِ؟ قَد بَيَّنَّا مَعنَى العِبَادَةِ. وَأَصلًا مَن كَانَ لَا يَعبُدُ اللهَ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا بِاللهِ. وَالإِيمَانُ بِاللهِ، إِذَا أَخَذنَا المَعنَى اللُّغَوِيَّ، فَهُوَ التَّصدِيقُ. فَكَلِمَةُ «الإِيمَانِ» مَعنَاهَا: التَّصدِيقُ. وَأَمَّا فِي الاصطِلَاحِ الشَّرعِيِّ، فَالإِيمَانُ هُوَ تَصدِيقٌ مَخصُوصٌ لِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ، وَلِمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِذَا كَانَ الكَلَامُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَلَو أَنَّ وَاحِدًا لَم يُصَدِّق بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَل يَكُونُ مُؤمِنًا بِاللهِ؟ الجَوَابُ: لَا. وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخبَرَ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ صَادِقٌ، وَاللهُ تَعَالَى أَمَرَنَا أَن نُطِيعَ مُحَمَّدًا ﷺ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]. فَلَو قَالَ وَاحِدٌ بِلِسَانِهِ: أَنَا أُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ، وَلَكِنِّي لَا أُصَدِّقُ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، نَقُولُ لَهُ: أَنتَ لَم تُؤمِن بِاللهِ، وَلَو قُلتَ هَذَا بِلِسَانِكَ؛ لِأَنَّ المُكَذِّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مُكَذِّبٌ بِاللهِ، فَلَا يَكُونُ مُؤمِنًا.
وَلِذَلِكَ، لِلدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، لَابُدَّ مِنَ النُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ. فَلَا يَكفِي أَن يَقُولَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَط، بَل لَابُدَّ أَن يَقُولَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، بِنِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ. فَمَن كَانَ عَلَى غَيرِ الإِسلَامِ، ثُمَّ جَاءَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَن أَدخُلَ فِي الإِسلَامِ، نَقُولُ لَهُ: تَشَهَّد. نَعَم، لَو قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، يَكفِي، وَلَا يُشتَرَطُ لَفظُ «أَشهَدُ»، وَإِن كَانَ الأَفضَلُ أَن يَأتِيَ بِأَشهَدُ؛ لِأَنَّ فِي لَفظِ «أَشهَدُ» مِن تَأكِيدِ المَعنَى مَا لَيسَ فِي غَيرِهِ؛ لِأَنَّ «أَشهَدُ» فِيهَا: أَعلَمُ، وَأَعتَقِدُ، وَأَعتَرِفُ. وَلَكِن لَو قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَلَو بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَت، يَدخُلُ فِي الإِسلَامِ، بِشَرطِ أَن يَأتِيَ بِمَعنَى الشَّهَادَتَينِ. وَلَيسَ الدُّخُولُ فِي الإِسلَامِ بِالِاغتِسَالِ، فَلَو قَالَ وَاحِدٌ: أُرِيدُ الإِسلَامَ، فَلَا تَقُل لَهُ: اذهَب فَاغتَسِل. وَمَن قَالَ: إِنَّ الغُسلَ يُدخِلُ فِي الإِسلَامِ؟ بَلِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَقُولُوا». وَهَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ. قَالَ ﷺ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ». أَي: أَنَا أَحكُمُ عَلَى الظَّاهِرِ. فَإِذَا سَمِعتُ مِنهُ الشَّهَادَتَينِ، لَم أُكَلَّف أَن أَشُقَّ عَن قَلبِهِ، بَل أُحسِنُ الظَّنَّ، وَأَحكُمُ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الإِسلَامِ، وَأُعَامِلُهُ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَم يَتَشَهَّد، فَالظَّاهِرُ مِنهُ الكُفرُ، فَأُعَامِلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
فَالإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنقُصُ، كَمَا قَالَ العُلَمَاءُ. وَالإِسلَامُ وَالإِيمَانُ مُتَلَازِمَانِ كَالظَّهرِ مَعَ البَطنِ. فَالإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنقُصُ، لَكِن مَسَمَّى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ كَيفَ يَحصُلُ؟ يَحصُلُ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ. ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ يَتَكَلَّمُ العُلَمَاءُ عَنِ الكَمَالِ. فَفِي الحَدِيثِ: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ». فَمَا المَعنَى هُنَا؟ المَعنَى: المُسلِمُ الكَامِلُ. فَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُ إِذَا كَذَبَ عَلَى أَخِيهِ صَارَ كَافِرًا وَخَارِجًا عَنِ الدِّينِ؛ وَإِلَّا لَكَانَ فِي ذَلِكَ تَكفِيرٌ لِأَغلَبِ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وَهُوَ مُؤمِنٌ»، فَمَعنَى ذَلِكَ: لَا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ. وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا أَصلًا. نَعَم، الزِّنَا مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَمُوبِقَةٌ مِنَ المُوبِقَاتِ، وَفَاحِشَةٌ، وَلَكِنَّنَا لَا نَحكُمُ بِالكُفرِ عَلَى مُسلِمٍ وَقَعَ فِي جَرِيمَةٍ مِن جَرَائِمِ المَعَاصِي، إِلَّا إِذَا استَحَلَّهَا، وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَنها: إِنَّهَا حَرَامٌ، فَعِندَهَا يَكُونُ كَافِرًا، أَو جَحَدَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أَو وَقَعَ فِي نَوعٍ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ بِالقَولِ، أَو بِالفِعلِ، أَو بِالِاعتِقَادِ، أَو وَقَعَ فِي بَابٍ مِن أَبوَابِ الكُفرِ، كَالتَّشبِيهِ، أَوِ التَّكذِيبِ، أَوِ التَّعطِيلِ، فَنَفَى صِفَاتِ اللهِ، أَو نَفَى وُجُودَ اللهِ، أَو نَفَى وَحدَانِيَّةَ اللهِ تَعَالَى. فَهَذِهِ قَوَاعِدُ لَابُدَّ مِن فَهمِهَا.
فَمُسَمَّى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ يَحصُلُ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ تَكُونُ المَرَاتِبُ. وَأَمَا سَمِعتُم بِذَلِكَ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَاحَةِ القِتَالِ، وَكَانَ كَافِرًا مِنَ المُشرِكِينَ، وَلَم يَكُن قَد أَسلَمَ قَبلَ ذَلِكَ، وَلَا صَلَّى؟ جَاءَ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ هُنَاكَ مَن يُرِيدُ أَن يُقَاتِلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: هَذَا مِن قَبِيلَتِي، وَإِن كُنتُ عَلَى غَيرِ دِينِهِ، فَأَنَا لَا أَترُكُهُ. فَجَاءَ مُسرِعًا إِلَى سَاحَةِ القِتَالِ، فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ، وَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَأُسلِمُ أَم أُقَاتِلُ؟ فَأَرَادَ أَن يُقَاتِلَ حَمِيَّةً. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَسلِم». فَأَسلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ فِي تِلكَ المَعرَكَةِ. لَا صَلَّى، وَلَا صَامَ، وَلَا زَكَّى، وَلَا حَجَّ. وَلَكِن حَصَلَ لَهُ مُسَمَّى الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ. فَلَمَّا قُتِلَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا»، وَنَالَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَنَالَ شَرَفَ الإِيمَانِ، ثُمَّ شَرَفَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَعَ أَنَّهُ لَم يَمضِ عَلَى إِسلَامِهِ إِلَّا وَقتٌ قَصِيرٌ. فَاللهُ يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ.
فَإِذًا، فِي هَذِهِ المَرَاتِبِ فِي الإِيمَانِ، تَجِدُ مِنهُم مَن يَكُونُ خَاشِعًا لِلَّهِ، وَهَذَا مِن وَصفِهِم.
﴿لَا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 199]
أَي: لَا يَبِيعُونَ دِينَهُم بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا، قَلِيلًا كَانَ أَو كَثِيرًا. فَلَا يَبِيعُ دِينَهُ. وَبَعضُ النَّاسِ عِندَهُ استِعدَادٌ أَن يُغَيِّرَ الفَتوَى لِأَجلِ المَالِ، وَبَعضُهُم عِندَهُ استِعدَادٌ أَن يُغَيِّرَ حُكمَ الدِّينِ. وَبَعضُهُم، وَهُوَ يَعلَمُ، يَقُولُ: هُنَاكَ شُبهَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: نَعَم، الرِّبَا صَحِيحٌ أَنَّهُ جَاءَ النَّصُّ فِي تَحرِيمِهِ، وَلَا نُنكِرُ أَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، لَكِن هَذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، أَمَّا الآنَ فَالنَّاسُ فِي حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ! فَمَاذَا نُسَمِّي هَذَا؟ نُسَمِّيهِ حَلًّا لِعُرَى الإِسلَامِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُرِيدُهُ أَعدَاءُ الإِسلَامِ.
فَمَنِ الَّذِي أَنزَلَ القُرآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ اللهُ تَعَالَى. وَمَنِ الَّذِي خَلَقَ الخَلقَ؟ اللهُ تَعَالَى. أَلَيسَ اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]؟ فَاللهُ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ يَعلَمُ أَنَّهُ سَيَأتِي وَقتٌ يَكُونُ فِيهِ حَالُ النَّاسِ كَذَا وَكَذَا. فَهَل يَكُونُ حُكمُ الدِّينِ مُرتَبِطًا بِتَغَيُّرِ الأَحوَالِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتَّى يُمحَى؟ أَلَيسَ اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]؟ فَمَا مَعنَى ذَلِكَ؟ مَعنَاهُ أَنَّهُ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ تَمَّت قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ. فَلَا تُنقَضُ، وَلَا تُمحَى. وَحَتَّى سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، عِندَمَا يَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، سَيَحكُمُ بِشَرِيعَةِ الإِسلَامِ. فَعِندَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهُوَ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الكُبرَى، لَن يُوحَى إِلَيهِ بِشَرعٍ جَدِيدٍ، بَل سَيَدعُو النَّاسَ إِلَى شَرعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيُصَلِّي صَلَاتَنَا، بَل وَسَيَزُورُ نَبِيَّنَا ﷺ. وَرَوَى الحَاكِمُ وَغَيرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيَهبِطَنَّ عِيسَى بنُ مَريَمَ حَكَمًا مُقسِطًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِمَامًا عَدلًا»، «وَلَيَسلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَو مُعتَمِرًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَيَسلُكَنَّ فَجَّ الرَّوحَاءِ». وَقَالَ ﷺ: «وَلَيَأتِيَنَّ قَبرِي حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيهِ السَّلَامَ». فَلَا يَكُونُ لَهُ شَرعٌ جَدِيدٌ. يَعنِي أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ نَفسَهُ يَحكُمُ بِشَرعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَم يَنسَخ شَرعَ النَّبِيِّ ﷺ. فَالحَالُ الَّذِي يَنبَغِي أَن يَكُونَ عَلَيهِ هَذَا المُؤمِنُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّفُ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي وَصفِ هَؤُلَاءِ: ﴿لَا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 199]، أَي: لَا يُحَرِّفُونَ مَا أُنزِلَ إِلَيهِم فِي الكُتُبِ مِن نَعتِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِعَرَضٍ خَسِيسٍ مِنَ الدُّنيَا.
﴿أُولَئِكَ لَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم﴾ [آل عمران: 199]
أَي: مَا يَختَصُّ بِهِم مِنَ الأَجرِ، وَهُوَ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ. وَقَد قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿أُولَئِكَ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَرَّتَينِ﴾ [القصص: 54]. فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَجزِيهِمُ الثَّوَابَ العَظِيمَ، وَيُثِيبُهُم فِي الآخِرَةِ مَغفِرَةً مِنهُ، وَرِضوَانًا. وَقَولُهُ: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199] فِيهِ التَّأكِيدُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِن أَعمَالِ خَلقِهِ، وَأَنَّهُ يُوَفِّيهِم جَزَاءَهُم، لَا يَظلِمُ أَحَدًا، وَلَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنهُم.
﴿وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيكُم وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَئِكَ لَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم ۗ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ (199)﴾ [آل عمران: 199]
﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]
اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُكَلِّمُ العِبَادَ يَومَ القِيَامَةِ، كُلَّ العِبَادِ؛ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ، فَكُلُّهُم يُحَاسِبُهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَومَ القِيَامَةِ، لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرجُمَانٌ، وَلَا حَاجِبٌ يَحجُبُهُ». فَيَكشِفُ اللهُ تَعَالَى الحِجَابَ المَعنَوِيَّ عَن أَسمَاعِ العِبَادِ، فَيُسمِعُهُم كَلَامَهُ الذَّاتِيَّ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ، الَّذِي لَيسَ حَرفًا، وَلَيسَ صَوتًا، وَلَيسَ لُغَةً.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «وَيَتَكَلَّمُ»، أَي: اللهُ، «لَا كَكَلَامِنَا، نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلَاتِ مِنَ المَخَارِجِ وَالحُرُوفِ، وَاللهُ يَتَكَلَّمُ بِلَا آلَةٍ، وَلَا حَرفٍ، وَلَا صَوتٍ». وَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى كَسَائِرِ صِفَاتِهِ؛ فَكُلُّ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ: الوُجُودُ، وَالوَحدَانِيَّةُ، وَالقِدَمُ، أَيِ الأَزَلِيَّةُ، وَالبَقَاءُ، وَالقِيَامُ بِنَفسِهِ، أَي: أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَالتَّنَزُّهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، وَالحَيَاةُ، وَالسَّمعُ، وَالبَصَرُ، وَالكَلَامُ، وَالقُدرَةُ، وَالإِرَادَةُ، أَيِ المَشِيئَةُ، وَالعِلمُ. فَكُلُّ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ صِفَةُ الكَلَامِ.
وَالوَاحِدُ مِنَّا يَتَكَلَّمُ، فَيَقُولُ مَثَلًا: بِسمِ اللهِ، فَالبَاءُ قَبلَ السِّينِ، وَالسِّينُ قَبلَ المِيمِ. فَكَلامُ المَخلُوقِ فِيهِ ابتِدَاءٌ، وَفِيهِ انتِهَاءٌ، وَفِيهِ تَقَطُّعٌ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ المَخلُوقِ. وَلِذَلِكَ يُقَالُ: هَذَا نُطقٌ مِنكَ. أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَا يُسَمَّى كَلَامُهُ نُطقًا، بَل يُسَمَّى كَلَامًا. وَالقَاعِدَةُ، كَمَا قَالَ إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ: «وَمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفسَهُ وَصَفنَاهُ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا». فَاللهُ تَعَالَى يُكَلِّمُ العِبَادَ بِلَا كَيفٍ، وَهَذَا لَيسَ مِمَّا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ، يُسمِعُهُ العِبَادَ يَومَ القِيَامَةِ بِلَا كَيفٍ، وَلَا حَرفٍ، وَلَا صَوتٍ، وَلَا آلَةٍ، وَلَا لُغَةٍ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ كَلَامُ اللهِ مُبتَدَأً، وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ كَلَامُهُ تَعَالَى مُختَتَمًا، وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ فِيهِ سَابِقٌ، أَو لَاحِقٌ، أَو تَجَزُّؤٌ، أَو تَبَعُّضٌ، أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ نَفسَهُ بِالقَولِ فِي قَولِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]. فَلَو كَانَ يَتَكَلَّمُ سُبحَانَهُ بِحَرفٍ وَصَوتٍ، لَمَا كَانَ الحِسَابُ يَنقَضِي فِي وَقتٍ قَصِيرٍ. فَسُرعَةُ الحِسَابِ وَوَصفُ اللهِ تَعَالَى بِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ لَيسَ حَرفًا، وَلَا صَوتًا، وَلَا لُغَةً.
وَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كَلَامُهُ وَاحِدٌ بِإِجمَاعِ الأُمَّةِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ السَّكُونِيُّ الإِشبِيلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «كَلَامُ اللهِ وَاحِدٌ». أَلَسنَا نَقُولُ: مِن صِفَاتِ اللهِ الوَحدَانِيَّةُ؟ وَبِمَاذَا بَيَّنَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَحِمَهُ اللهُ مَعنَى الوَحدَانِيَّةِ؟ قَالَ: «اللهُ وَاحِدٌ، لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ، وَلَكِن مِن طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا مِثيلَ لَهُ». وَلِمَاذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «وَاحِدٌ لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ»؟ لِأَنَّ الوَاحِدَ فِي العَدَدِ يَعنِي أَنَّ هُنَاكَ اثنَينِ وَثَلَاثَةً، وَأَنَّ الوَاحِدَ يَنقَسِمُ إِلَى نِصفٍ وَنِصفٍ، أَو رُبعٍ وَرُبعٍ، وَهَكَذَا، وَالعَدَدُ يَزِيدُ وَيَنقُصُ. أَمَّا مَعنَى قَولِنَا: اللهُ وَاحِدٌ، فَهُوَ أَنَّهُ لَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثيلَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ، وَلَا زَوجَةَ لَهُ، وَلَا وَلَدَ لَهُ. فَلَو كَانَ لِلَّهِ وَلَدٌ مَا كَانَ وَاحِدًا، بَل لَكَانَ لَهُ أَمثَالٌ كَثِيرَةٌ لَا تُحصَى. وَلَو كَانَ جِسمًا مَا كَانَ وَاحِدًا. وَاللهُ تَعَالَى ذَمَّ المُشرِكِينَ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبَادِهِ جُزءًا﴾ [الزخرف: 15].
فَإِذًا فِي قَولِ الحَقِّ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحَاسِبُ العِبَادَ يَومَ القِيَامَةِ، وَيُكَلِّمُهُم بِلَا كَيفٍ، وَلَا جِهَةٍ، وَلَا مَكَانٍ، وَلَا زَمَانٍ، وَلَا حَرفٍ، وَلَا صَوتٍ. فَاللهُ تَعَالَى يَكشِفُ الحِجَابَ عَن أَسمَاعِ العِبَادِ، فَيَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ.
وَهُنَا نَنتَبِهُ إِلَى شَيءٍ: كَلَامُنَا الآنَ عَنِ الكَلَامِ، فَإِذًا الكَلَامُ يَكُونُ لِلمُؤمِنِ وَالكَافِرِ، أَمَّا الرُّؤيَةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الآخِرَةِ، فَهِيَ لِلمُؤمِنِينَ فَقَط، أَمَّا الكُفَّارُ فَإِنَّهُم مَحجُوبُونَ يَومَ القِيَامَةِ عَن رُؤيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجُوبُونَ (15)﴾ [المطففين: 15]. وَكَمَا قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَلَمَّا حُجِبَ الكُفَّارُ وَهُم فِي حَالِ السَّخَطِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ المُؤمِنِينَ يَرَونَ اللهَ تَعَالَى وَهُم فِي حَالِ الرِّضَا». لَكِنِ المُؤمِنُونَ يَرَونَ اللهَ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ بِالعَينِ البَاقِيَةِ، كَمَا كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ يَقُولُ: «البَاقِي يُرَى بِالبَاقِيَةِ»، أَي: لَيسَ بِهَذِهِ العَينِ الفَانِيَةِ. وَالرُّؤيَةُ لِلَّهِ فِي الآخِرَةِ، وَلَيسَت فِي هَذِهِ الدُّنيَا.
ثُمَّ إِنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]، سُرعَةُ الحِسَابِ مِن جُملَةِ دَلَالَتِهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَحوَالِ العِبَادِ. فَإِذَا أَرَادَ إِنسَانٌ مَخلُوقٌ أَن يُحَاسِبَ إِنسَانًا، فَإِنَّهُ يَحتَاجُ أَن يَقُولَ: ائتُوا بِالشُّهُودِ، ائتُوا بِالبَيِّنَاتِ، هَذِهِ نَحتَاجُ أَن نَتَأَكَّدَ مِنهَا، وَهَذِهِ نَحتَاجُ أَن نَتَحَرَّى عَنهَا. فَلِذَلِكَ تَأخُذُ المُحَاكَمَةُ جَلَسَاتٍ وَجَلَسَاتٍ وَجَلَسَةً تُؤَجَّلُ، وَأُخرَى تُفتَحُ، وَبِحَاجَةٍ إِلَى استِجمَاعٍ وَتَثَبُّتٍ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ المَخلُوقِ. أَمَّا الخَالِقُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُوَ عَالِمٌ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنَ العِبَادِ، وَكُلِّ مَا يَكُونُ، بَل وَمَا لَا يَكُونُ لَو كَانَ كَيفَ يَكُونُ. فَعِلمُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى شَامِلٌ. وَاللهُ تَعَالَى لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ. بَل حَتَّى نَحنُ قَبلَ أَن نَعمَلَ العَمَلَ، اللهُ تَعَالَى يَعلَمُ تَفَاصِيلَهُ. فَهَل أَحصَى أَحَدٌ مِنَّا كَم خُطوَةً خَطَا مِن بَيتِهِ حَتَّى صَارَ الآنَ فِي مَكَانِ صَلَاتِهِ؟ وَهَل ضَبَطَ أَحَدٌ مِنَّا عَدَدَ ضَرَبَاتِ قَلبِهِ مِن وَقتِ خُرُوجِهِ مِن بَيتِهِ إِلَى أَن صَارَ الآنَ فِي المَسجِدِ؟ وَهَل ضَبَطتَ عَدَدَ أَنفَاسِكَ؟ لَا. بَل أَبسَطُ مِن ذَلِكَ: هَل ضَبَطتَ عَدَدَ كَلِمَاتِكَ؟ لَا. وَهَكَذَا نَحنُ لَا نَعلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنَا اللهُ، أَمَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَعلَمُ تَفَاصِيلَ مَا سَيَكُونُ مِن أَعمَالِنَا قَبلَ أَن نَعمَلَهَا.
وَلَيسَ اللهُ بِحَاجَةٍ إِلَى «رَقِيبٍ» وَ«عَتِيدٍ»، وَلَا إِلَى المَلَائِكَةِ، فَلِمَاذَا إِذًا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ [ق: 18]؟ نَقُولُ: هَذَا كُلُّهُ لِيَكُونَ رَادِعًا لِمَن يَتَجَرَّأُ عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ مِنَ العِبَادِ؛ فَيَعلَمَ أَنَّ هُنَاكَ مَلَائِكَةً تَكتُبُ وَتُسَجِّلُ. وَكَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَبلَغَ فِي الحُجَّةِ عَلَى العِبَادِ؛ فَتُوجَدُ مَلَائِكَةٌ تُحصِي بِأَمرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَكُونُ مِنهُم. وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَى أَعوَانٍ؛ فَالمَلَائِكَةُ لَيسُوا أَعوَانَ اللهِ، بَل هُم جُنُودُ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31]، وَهُم عِبَادٌ طَائِعُونَ مُكرَمُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
وَيَومَ القِيَامَةِ، يَومَ الحِسَابِ، عِندَمَا يَكُونُ العِبَادُ عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، حَيثُ يَكُونُ الحِسَابُ، وَقَد تَقَدَّمَ فِي الدَّرسِ المَاضِي كَيفَ تُبَدَّلُ الأَرضُ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يَصِيرُونَ صُفُوفًا يُحِيطُونَ بِالعِبَادِ مِن كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَهوَالٌ يُظهِرُهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لِتَكُونَ أَزجَرَ لِلعِبَادِ، وَأَردَعَ، وَلِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلَيهِم أَبلَغَ، وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَكُونُ. وَسُرعَةُ الحِسَابِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِهَذَا العَبدِ، حَتَّى يَأتِيَ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ بِأَشيَاءَ هُوَ لَا يَذكُرُهَا، ثُمَّ يَجِدُهَا حَاضِرَةً أَمَامَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمٌ بِهَا، وَلِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ المَلَائِكَةَ بِالكِتَابَةِ.
وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَولَاهُمُ الحَقِّ أَلَا لَهُ الحُكمُ وَهُوَ أَسرَعُ الحَاسِبِينَ (62)﴾ [الأنعام: 62]. فَهُنَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]، وَهُنَاكَ قَالَ: ﴿وَهُوَ أَسرَعُ الحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 62]. فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حِسَابَ العِبَادِ يَكُونُ فِي وَقتٍ قَصِيرٍ جِدًّا، كُلُّهُ فِي سَاعَةٍ، أَي: فِي وَقتٍ يَسِيرٍ جِدًّا. وَهَذَا الوَقتُ جَرَيَانُهُ عَلَى المَخلُوقِ، أَمَّا الخَالِقُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يَجرِي عَلَيهِ الزَّمَانُ.
وَيَفهَمُ كُلُّ عَبدٍ مِنَ العِبَادِ سُؤَالَ اللهِ تَعَالَى لَهُ عَن نِيَّاتِهِ، وَعَن أَعمَالِهِ القَلبيَّةِ، وَعَن أَعمَالِ جَوَارِحِهِ، وَعَن أَقوَالِهِ، وَعَن كُلِّ مَا كَانَ مِنهُ. فَاللهُ تَعَالَى يُكَلِّمُ العِبَادَ، وَيُفهِمُهُم سُؤَالَهُ لَهُم عَن نِيَّاتِهِم، وَعَن أَقوَالِهِم، وَعَن أَعمَالِهِم. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيضًا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي «المُسنَدِ»، وَالتِّرمِذِيُّ فِي «الجَامِعِ»، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَومَ القِيَامَةِ، لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرجُمَانٌ، وَلَا حَاجِبٌ يَحجُبُهُ». فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى المَعنَى الأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرفَعُ الحِجَابَ المَعنَوِيَّ عَنِ العِبَادِ، فَيَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ، وَلَا حَرفٍ، وَلَا صَوتٍ.
ثُمَّ مَا هُوَ حَالُ العِبَادِ فِي المَوقِفِ؟ فَلنَتَكَلَّمَ الآنَ قَلِيلًا عَن حَالِهِم يَومَ القِيَامَةِ، تَكمِيلًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّرسِ المَاضِي. خَرَجَ العِبَادُ مِن قُبُورِهِم، وَسِيقُوا إِلَى أَرضِ المَحشَرِ، وَعُلِّقُوا فِي ظُلمَةٍ قُربَ الصِّرَاطِ، وَبُدِّلَتِ الأَرضُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48]. فَالآنَ العِبَادُ مَجمُوعُونَ عَلَى تِلكَ الأَرضِ، وَالشَّمسُ تَدنُو مِن رُؤُوسِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «تَدنُو الشَّمسُ مِن رُؤُوسِ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ، إِذِ استَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ» عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَلَيسَ هُنَاكَ مَا يَستَظِلُّونَ بِهِ. وَأَرضُ المَحشَرِ كَيفَ هِيَ؟ لَيسَ فِيهَا وَادٍ، وَلَا أَكَمَةٌ، وَلَا جَبَلٌ، وَلَا هَضبَةٌ. كَمَا قَالَ ﷺ: «يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى أَرضٍ مَلسَاءَ بَيضَاءَ عَفرَاءَ كَقُرصَةِ النَّقِيِّ، لَيسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ». فَلَا عَلَامَاتَ، وَلَا جِبَالَ، وَلَا أَودِيَةَ، وَالنَّاسُ كُلُّهُم مَجمُوعُونَ هُنَاكَ.
أَمَّا الأَنبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ، فَلَا يُصِيبُهُم مِن حَرِّ الشَّمسِ شَيءٌ، وَلَا يَلحَقُهُم هَمٌّ، وَلَا غَمٌّ، وَلَا حُزنٌ، وَلَا أَلَمٌ؛ هُم آمِنُونَ. نَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنَا مِنَ الآمِنِينَ غَدًا يَومَ القِيَامَةِ. اللَّهُمَّ قِنَا عَذَابَكَ يَومَ تَبعَثُ عِبَادَكَ. وَهَذِهِ الأَهوَالُ الَّتِي تَصِيرُ عِندَ البَعثِ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَستَحِبُّ لَنَا إِذَا أَوَينَا إِلَى فِرَاشِنَا أَن نَقُولَ هَذَا الدُّعَاءَ: «اللَّهُمَّ قِنَا عَذَابَكَ يَومَ تَبعَثُ عِبَادَكَ» ثَلَاثًا، فَإِن مَاتَ فِي لَيلَتِهِ بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ آمِنًا.
أَمَّا الكُفَّارُ، فَهُم فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَفِي خَوفٍ، وَفِي اضطرَابٍ. وَالمَلَائِكَةُ سَاقَتهُم عِندَ خُرُوجِهِم مِن قُبُورِهِم فِي ذُلٍّ، وَهُم يُعَانُونَ مِن حَرِّ الشَّمسِ. وَأَنتُم تَرَونَ هَذِهِ الأَيَّامَ كَيفَ أَنَّ الحَرَّ، مَعَ بُعدِ الشَّمسِ عَنَّا، إِذَا صَارَتِ الحَرَارَةُ فِي الثَّلَاثِينَ، يَبدَأُ الحَالُ فِي الشِّدَّةِ عِندَ النَّاسِ. فَكَيفَ إِذَا صَارَتِ الشَّمسُ قَرِيبَةً إِلَى نَحوِ مِيلٍ وَاحِدٍ فَوقَ الرُّؤُوسِ، وَلَيسَ هُنَاكَ مَا يُستَظَلُّ بِهِ؟ فَالكُفَّارُ مِن شِدَّةِ مَا يُقَاسُونَ مِن حَرِّ الشَّمسِ يَغرَقُ الوَاحِدُ مِنهُم بِعَرَقِهِ. سُبحَانَ اللهِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الأَرضَ مُستَوِيَةٌ، وَالنَّاسُ يَقِفُونَ عَلَيهَا، فَإِنَّ عَرَقَ هَذَا لَا يَجُوزُ إِلَى غَيرِهِ. فَقَد تَجِدُ هَذَا الكَافِرَ يَغرَقُ فِي العَرَقِ، وَتَجِدُ بَعضًا مِنَ العُصَاةِ بَلَغَ عَرَقُهُ رُكبَتَهُ، أَو بَلَغَ كَعبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ عَرَقُهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى الآخَرِ. فَلَو صَبَبتَ مَاءً عَلَى أَرضٍ مُستَوِيَةٍ لَسَرَى فِيهَا بِالتَّسَاوِي، أَمَّا هُنَا فَمِن عَجَائِبِ ذَلِكَ اليَومِ. وَأَمَّا الأَنبِيَاءُ وَالأَتقِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ فَلَا يُصِيبُهُم عَرَقٌ بِالمَرَّةِ، مَعَ أَنَّ الشَّمسَ قَرِيبَةٌ، لَكِن لَا يُصِيبُهُم شَيءٌ مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ فِي أَرضِ المَحشَرِ، وَنَحنُ نَتَكَلَّمُ الآنَ عَنِ الحِسَابِ، مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالوَزنُ يَومَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: 8]. فَيُنصَبُ المِيزَانُ، وَالمِيزَانُ يُشبِهُ مِيزَانَ الدُّنيَا، لَهُ كِفَّةٌ، وَعَمُودٌ، وَقَصَبَتَانِ. فِي كِفَّةٍ تُوضَعُ الحَسَنَاتُ لِلمُسلِمِينَ، وَفِي الكِفَّةِ الأُخرَى السَّيِّئَاتُ. أَمَّا الكُفَّارُ، فَلَيسَ لَهُم حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّمَا تُوضَعُ لَهُم كِفَّةُ السَّيِّئَاتِ فَقَط؛ لِأَنَّ الكَافِرَ لَيسَ لَهُ حَسَنَةٌ. مَهمَا عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، لَا يَقبَلُ اللهُ تَعَالَى مِنهُ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم أَعمَالُهُم كَرَمَادٍ اشتَدَّت بِهِ الرِّيحُ فِي يَومٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18]، وَقَالَ: ﴿وَقَدِمنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلنَاهُ هَبَاءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. فَلَيسَ لَهُم ثَوَابٌ بِالمَرَّةِ.
فَإِذًا الكَافِرُ لَيسَ لَهُ حَسَنَةٌ. فَلَا تَقُل لَهُ اليَومَ: تَقَبَّلَ اللهُ! فَمَا لَهُ حَسَنَةٌ قَبِلَهَا اللهُ. مَهمَا عَمِلَ. نَعَم، إِذَا أَسلَمَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقبَلُ مِنهُ العَمَلَ إِذَا كَانَ بِشُرُوطِهِ. فَعِندَمَا يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ، فَإِنَّ الكِفَّةَ الَّتِي فِيهَا السَّيِّئَاتُ هِيَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا أَعمَالُهُ، وَلَيسَ لَهُ شَيءٌ مِنَ الحَسَنَاتِ حَتَّى يُوضَعَ لَهُ فِي كِفَّةِ الحَسَنَاتِ. فَهُوَ مُعَذَّبٌ، وَفِي عَذَابٍ، وَهُوَ مَحرُومٌ، وَلَيسَ لَهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا رَاحَةٌ، وَلَا مَغفِرَةٌ، وَلَا رَحمَةٌ، وَلَا لَحظَةٌ وَاحِدَةٌ يَستَرِيحُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ. أَمَّا المُؤمِنُونَ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَومِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِن عَذَابِ رَبِّهِم مُشفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِم غَيرُ مَأمُونٍ (28)﴾ [المعارج: 26-28]. فَهُم كَانُوا خَائِفِينَ مِن عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانُوا فِي الدُّنيَا فِي أَعمَالِهِم بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الآمِنُونَ غَدًا.
ثُمَّ فِي المِيزَانِ، تُوضَعُ لِلمُؤمِنِينَ كِفَّةُ الحَسَنَاتِ وَكِفَّةُ السَّيِّئَاتِ، وَهَؤُلَاءِ المُؤمِنُونَ عَلَى أَحوَالٍ. فَمِنهُم مَن تَرجَحُ كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ عَلَى كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ، وَهَؤُلَاءِ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سَابِقِ عَذَابٍ. فَالحِسَابُ مَعنَاهُ: عَرضُ أَعمَالِ العِبَادِ عَلَيهِم. سَتُعرَضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَعمَالُهُ: مَا كَانَ مِن حَسَنَاتٍ، وَمَا كَانَ مِن سَيِّئَاتٍ. فَمَن رَجَحَت كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ عَلَى كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ مِنَ المُؤمِنِينَ، فَهَذَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سَابِقِ عَذَابٍ.
وَالصِّنفُ الثَّانِي: مَن تَسَاوَت كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ مَعَ كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ. وَهُنَا يَكُونُ العَبدُ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَنظُرُ وَيَنتَظِرُ الحَسَنَةَ، وَيَتَمَنَّى الحَسَنَةَ الوَاحِدَةَ؛ فَقَد تَكُونُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الَّتِي تُرَجِّحُ كِفَّةَ حَسَنَاتِهِ عَلَى كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ. وَلِذَلِكَ يَنبَغِي أَلَّا نَستَقِلَّ العَمَلَ، بَل يَنبَغِي أَن نُكثِرَ مِنَ العَمَلِ، وَأَن نَزِيدَ فِي الحَسَنَاتِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَشبَعُ مُؤمِنٌ مِن خَيرٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَن يَشبَعَ مُؤمِنٌ مِن خَيرٍ يَسمَعُهُ»، «حَتَّى يَكُونَ مُنتَهَاهُ الجَنَّةَ». فَكَلِمَةُ «حَتَّى» تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا العَبدَ يَتَرَقَّى شَيئًا فَشَيئًا. وَكُلَّمَا زَادَ فِي الحَسَنَاتِ، فَإِنَّهُ يَنتَفِعُ بِذَلِكَ. وَمَهمَا عَمِلَ التَّقِيُّ مِنَ الحَسَنَاتِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، فَإِنَّهُ يَومَ القِيَامَةِ يَقُولُ: يَا لَيتَنِي عَمِلتُ أَكثَرَ. لَكِن بِمَا أَنَّهُ تَقِيٌّ، فَهُوَ يَتَمَنَّى الزِّيَادَةَ مِنَ الحَسَنَاتِ مِن غَيرِ أَن يَلحَقَهُ أَلَمٌ أَو عَذَابٌ بِذَلِكَ. وَقَد تَكُونُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ عَمِلَهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِن حَيَاتِهِ، بِسَبَبِهَا رَجَحَت كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ عَلَى كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ. فَإِذًا، إِذَا رَجَحَت كِفَّةُ الحَسَنَاتِ عَلَى كِفَّةِ السَّيِّئَاتِ، فَهَذَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سَابِقِ عَذَابٍ.
وَأَمَّا مَن تَسَاوَت كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ مَعَ كِفَّةِ سَيِّئَاتِهِ، وَلَم يَبقَ لَهُ عَمَلٌ يُضَافُ، فَمَا حَالُهُ؟ هَؤُلَاءِ يُسَمَّونَ أَهلَ الأَعرَافِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: 46]. وَهُم نَاجُونَ، وَالكَلَامُ هُنَا عَنِ المُؤمِنِ وَلَا شَكَّ، وَلَكِنَّهُم يُؤَخَّرُونَ بُرهَةً عَن دُخُولِ الجَنَّةِ. يَكُونُونَ عَلَى أَعلَى سُورِ الجَنَّةِ، لَا يَدخُلُونَ النَّارَ، بَل يَدخُلُونَ الجَنَّةَ، وَلَكِن يُؤَخَّرُونَ عَنِ الطَّبَقَةِ الأُولَى مِنَ الدُّخُولِ. فَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُم: أَهلُ الأَعرَافِ.
وَالطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ المُؤمِنِينَ: مَن رَجَحَت كِفَّةُ سَيِّئَاتِهِ عَلَى كِفَّةِ حَسَنَاتِهِ. لَهُم حَسَنَاتٌ، وَلَكِنِ السَّيِّئَاتُ أَكثَرُ. وَيَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَن عَلَيهِ مَعَاصٍ كَبِيرَةٌ، وَفَعَلَهَا وَلَم يَتُب مِنهَا. أَمَّا لَو تَابَ مِنهَا، فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنبِ كَمَن لَا ذَنبَ لَهُ». فَهَذَا الَّذِي عَلَيهِ مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، كَتَركِ الصَّلَاةِ كَسَلًا، أَو شُربِ الخَمرِ، أَوِ الزِّنَا، أَو أَكلِ المُكسِ، أَوِ الغَصبِ، أَوِ النَّهبِ، أَوِ الرِّشوَةِ، أَو شَهَادَةِ الزُّورِ، أَو أَكلِ أَموَالِ المُسلِمِينَ بِالبَاطِلِ، أَو مَنعِ الزَّكَاةِ؛ فَهَؤُلَاءِ إِذَا رَجَحَت سَيِّئَاتُهُم، فَهُم تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ. وَمَا مَعنَى أَنَّهُم تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ؟ أَي: إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى عَذَّبَهُم فِي النَّارِ مُدَّةً، ثُمَّ أَخرَجَهُم وَأَدخَلَهُمُ الجَنَّةَ، وَإِن شَاءَ عَفَا عَنهُم بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. فَإِذًا هَذَا الكَلَامُ عَمَّن؟ عَن أَهلِ الكَبَائِرِ الَّذِينَ لَم يَعفُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَنهُم.
فَهَؤُلَاءِ يَدخُلُونَ النَّارَ، وَيُعَذَّبُونَ فَترَةً فِي النَّارِ، ثُمَّ يَخرُجُونَ. وَلَكِنَّ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ مَن يَعفُو اللهُ تَعَالَى عَنهُم بِشَفَاعَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَدخُلُونَ النَّارَ أَصلًا، بَلِ اللهُ يَعفِيهم مِن دُخُولِ جَهَنَّمَ وَيُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ. وَقَد قَالَ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «شَفَاعَتِي لِأَهلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِي». فَلِمَن هِيَ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ؟ نَعَم، تُوجَدُ أَنوَاعٌ أُخرَى مِنَ الشَّفَاعَةِ، مِنهَا مَا يَكُونُ فِي رَفعِ الدَّرَجَاتِ، وَلَكِنَّ كَلَامَنَا هُنَا عَنِ الأَغلَبِ، وَهُوَ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِلمُتَلَوِّثِينَ بِالكَبَائِرِ. وَقَد قَالَ ﷺ أَيضًا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيُّ: «مَن زَارَ قَبرِي وَجَبَت لَهُ شَفَاعَتِي». وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَن جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَعمَلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي، كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَن أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ». أَي: مَن زَارَ النَّبِيَّ ﷺ، وَلَيسَ لَهُ قَصدٌ إِلَّا زِيَارَتُهُ ﷺ، لَا يُرِيدُ نُزهَةً، وَلَا تِجَارَةً، وَلَا غَيرَ ذَلِكَ، بَل قَصدُهُ زِيَارَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَذَا مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «لَا تَعمَلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي»، «كَانَ حَقًّا عَلَيَّ» وَعدٌ مُؤَكَّدٌ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ المَصدُوقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، «أَن أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا»، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ: «أَو شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ».
فَإِذًا مَن كَانَ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ، فَمَآلُهُ فِي النِّهَايَةِ لَابُدَّ أَن يَكُونَ إِلَى الجَنَّةِ، لَابُدَّ. وَلَكِن تَدُلُّ هَذِهِ الآيَاتُ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ، وَهَذِهِ الأَخبَارُ، عَلَى أَنَّ قِسمًا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهُم مِن أَهلِ المَعَاصِي الكَبِيرَةِ، سَوفَ يَدخُلُونَ النَّارَ. آكِلُ مَالِ اليَتِيمِ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ، وَمَانِعُ الزَّكَاةِ، قِسمٌ مِنهُم سَيَدخُلُ النَّارَ، لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَا تَكُونُ دَرَجَتُهُ فِي العَذَابِ كَدَرَجَةِ الكَافِرِ. أَمَّا الكُفَّارُ فَهُم خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، لَا يَنقَطِعُ العَذَابُ عَنهُم، وَلَا تَفنَى جَهَنَّمُ، بَل هِيَ بَاقِيَةٌ، كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ بَاقِيَةٌ. وَقَد كَانَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ بَاقِيَتَانِ لَا تَفنَيَانِ وَلَا تَبِيدَانِ أَبَدًا». فَلَا يَأتِي وَقتٌ تَفنَى فِيهِ جَهَنَّمُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخبَرَ أَنَّ عَذَابَ الكُفَّارِ مُؤَبَّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. أَمَّا بَعضُ العُصَاةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، مِمَّن لَم يَتُوبُوا إِلَى اللهِ، وَمَاتُوا وَعَلَيهِم كَبَائِرُ، وَلَم يَعفُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَنهُم، فَهَؤُلَاءِ دَخَلُوا النَّارَ بِذُنُوبِهِم، لَكِن، كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَخرُجُ قَومٌ مِنَ النَّارِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ». فَقِسمٌ مِن هَؤُلَاءِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ شَاءَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُم أَن يَدخُلُوا النَّارَ، لِأَنَّنَا قُلنَا: إِنَّ مِنهُم قِسمًا يَعفُو اللهُ عَنهُ، وَلَكِنِ القِسمُ الَّذِي شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَدخُلَ النَّارَ مِنَ المُسلِمِينَ، لَن يَكُونَ خَالِدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
وَهَذِهِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ وَالأَخبَارُ تُؤَكِّدُ أَنَّ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي هَذَا هُوَ أَنَّ هُنَاكَ مَن يَدخُلُ النَّارَ مِنَ المُسلِمِينَ العُصَاةِ. وَهَذَا يُبطِلُ عَقِيدَةَ الإِرجَاءِ، الَّتِي حَذَّرَ مِنهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي دَرسٍ مَضَى، وَرَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَرَوَاهُ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَغَيرُهُ فِي «كِتَابِ القَدَرِ»، أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «صِنفَانِ مِن أُمَّتِي لَيسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الإِسلَامِ: القَدَرِيَّةُ وَالمُرجِئَةُ». وَالمُرجِئَةُ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا أَحَدَ مِنَ المُسلِمِينَ يَدخُلُ النَّارَ بِالمَرَّةِ، مَهمَا كَانَ عَاصِيًا، وَمَهمَا كَانَ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ. وَيَقُولُونَ: هَذَا مُرجَأٌ، أَي: لَا يُصِيبُهُ عَذَابٌ أَصلًا، وَلَو كَانَ تَارِكَ صَلَاةٍ، أَو مَانِعَ زَكَاةٍ، أَو آكِلَ مَالِ يَتِيمٍ. وَهَذَا بَاطِلٌ. فَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي «تَهذِيبِهِ»، وَالبَيهَقِيُّ فِي «القَدَرِ»، وَغَيرُهُمَا، بَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ قِسمًا سَيَدخُلُ النَّارَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلَكِن لَن يَكُونَ لَهُم خُلُودٌ فِي جَهَنَّمَ، بَل لَابُدَّ أَن يَخرُجُوا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونَ خُلُودُهُم بَعدَ ذَلِكَ فِي الجَنَّةِ.
فَإِذًا، فِي ذَلِكَ المَوقِفِ العَظِيمِ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنهُ فِي يَومِ الحِسَابِ، وَنَحنُ بَعضُنَا يُذَكِّرُ بَعضًا، كَمَا كَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: «حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَعمَالَكُم قَبلَ أَن تُوزَنَ عَلَيكُم، وَتَزَيَّنُوا لِلعَرضِ». وَكَانَ الإِمَامُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجهَهُ يَقُولُ: «ارتَحَلَتِ الدُّنيَا وَهِيَ مُدبِرَةٌ، وَارتَحَلَتِ الآخِرَةُ وَهِيَ مُقبِلَةٌ، فَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الدُّنيَا؛ اليَومَ العَمَلُ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا الحِسَابُ وَلَا عَمَلَ». فَالدُّنيَا اليَومَ دَارُ عَمَلٍ، وَلَيسَت دَارَ جَزَاءٍ. فَحَاسِب نَفسَكَ اليَومَ قَبلَ أَن تُحَاسَبَ غَدًا، فِي ذَلِكَ المَوقِفِ عِندَمَا تُعرَضُ أَعمَالُ العِبَادِ عَلَيهِم.
ثُمَّ، كَمَا قُلنا، العِبَادُ كُلُّهُم يُجمَعُونَ فِي تِلكَ الأَرضِ، أَرضِ المَحشَرِ، وَيُحشَرُونَ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ. أَمَّا بِالنِّسبَةِ إِلَى الأَنبِيَاءِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ استَعمَلُوا تَعبِيرًا آخَرَ، فَقَالُوا: الأَنبِيَاءُ يُسأَلُونَ إِظهَارًا لِشَرَفِهِم، وَأَمَّا غَيرُ الأَنبِيَاءِ فَيُحشَرُونَ وَيُحَاسَبُونَ. فَمَا مَعنَى قَولِهِم: يُسأَلُونَ إِظهَارًا لِشَرَفِهِم؟ أَي: يُقَالُ لِلنَّبِيِّ مِنَ الأَنبِيَاءِ: هَل بَلَّغتَ قَومَكَ؟ فَيَكُونُ هَذَا مِن إِظهَارِ شَرَفِهِ. فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُظهِرُ يَومَ القِيَامَةِ شَرَفَ الأَنبِيَاءِ.
وَلِذَلِكَ، عِندَمَا يَعَانِي النَّاسُ فِي حَرِّ المَوقِفِ مِن حَرَارَةِ الشَّمسِ، فَإِنَّ الكُفَّارَ، كَمَا قَدَّمنَا، لَا يَجِدُونَ تَخفِيفًا. أَمَّا المُؤمِنُونَ العُصَاةُ الَّذِينَ أَصَابَهُم مِن حَرِّ الشَّمسِ مَا أَصَابَهُم، فَهُم يُرِيدُونَ الخَلَاصَ. وَقَد قُلنا: الكُفَّارُ لَا خَلَاصَ لَهُم، أَمَّا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ فِيهِم قِسمٌ آمِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُصِيبُهُم مِن حَرِّ الشَّمسِ شَيءٌ، وَأَمَّا مَن أَصَابَهُ شَيءٌ مِن ذَلِكَ مِنَ المُسلِمِينَ، فَإِنَّهُم يَفزَعُونَ إِلَى أَنبِيَاءِ اللهِ. فَيَذهَبُونَ، كَمَا فِي «صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ»، إِلَى آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَآدَمُ هُوَ أَوَّلُ الأَنبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، اِشفَع لَنَا، أَي: خَلِّصنَا مِن حَرِّ الشَّمسِ. فَيَقُولُ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: لَستُ فُلَانًا، لَستُ فُلَانًا، ائتُوا نُوحًا. وَمَعنَى قَولِهِ: «لَستُ فُلَانًا» أَي: لَستُ صَاحِبَ تِلكَ الشَّفَاعَةِ. فَيَأتُونَ نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، اِشفَع لَنَا. فَيَقُولُ: لَستُ فُلَانًا، ائتُوا إِبرَاهِيمَ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبرَاهِيمُ، اِشفَع لَنَا. فَيَقُولُ: لَستُ فُلَانًا، ائتُوا مُوسَى. فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَستُ فُلَانًا، ائتُوا عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، اِشفَع لَنَا. فَيَقُولُ: لَستُ فُلَانًا، ائتُوا مُحَمَّدًا. فَيَأتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَيَقُومُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَيَسجُدُ تَحتَ العَرشِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اِرفَع رَأسَكَ، وَسَل تُعطَ، وَاشفَع تُشَفَّع. فَتِلكَ هِيَ الشَّفَاعَةُ العُظمَى، وَذَلِكَ هُوَ المَقَامُ المَحمُودُ. وَهَذَا المَقَامُ المَحمُودُ لَيسَ إِلَّا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحمُودًا﴾ [الإسراء: 79].
وَلِمَاذَا سُمِّيَت هَذِهِ الشَّفَاعَةُ «الشَّفَاعَةَ العُظمَى»؟ لِأَنَّ هَذَا المَقَامَ لَيسَ خَاصًّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَل هُوَ لِلمُؤمِنِينَ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، مِمَّن هُم مُحتَاجُونَ إِلَى الشَّفَاعَةِ لِتَخلِيصِهِم مِن حَرِّ الشَّمسِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ. فَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا: الشَّفَاعَةُ العُظمَى.
وَاليَومَ تُوجَدُ أَعمَالٌ نَعمَلُهَا تَكُونُ، بِإِذنِ اللهِ، غَدًا نَفعًا لَنَا. كَانَ ابنُ أَبِي الجَعدِ يَقُولُ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتَدفَعُ سَبعِينَ بَابًا مِنَ السُّوءِ، وَفَضلُ سِرِّهَا عَلَى عَلَانِيَتِهَا بِسَبعِينَ ضِعفًا». وَكَانَ لُقمَانُ يَقُولُ لِابنِهِ: «إِذَا أَخطَأتَ خَطِيئَةً، فَأَعطِ الصَّدَقَةَ». وَقَالَ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ: «مَا أَعرِفُ حَبَّةً تَزِنُ جِبَالَ الدُّنيَا إِلَّا الحَبَّةَ مِنَ الصَّدَقَةِ». وَكَانَ عَبدُ العَزِيزِ بنُ أَبِي رَوَّادٍ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ: كِتمَانُ المَرَضِ، وَكِتمَانُ الصَّدَقَةِ، وَكِتمَانُ المُصِيبَةِ». فَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيثُ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ».