بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى بَعضُكُم مِن بَعضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئسَ المِهَادُ (197) لٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم لَهُم جَنّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِندِ اللهِ وَما عِندَ اللهِ خَيرٌ لِلأَبرارِ (198)﴾ [آل عمران: 195-198]
﴿فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى بَعضُكُم مِن بَعضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]
﴿فَاستَجَابَ لَهُم﴾ [آل عمران: 195]، أَي: لِمَن تَقَدَّمَ ذِكرُهُم فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 191-193] إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا لَجَؤُوا إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَتَمَسَّكُوا أَوَّلًا بِأَعظَمِ نِعمَةٍ، وَهِيَ نِعمَةُ الإِيمَانِ، كَانَ جَوَابُ الحَقِّ لَهُم أَنَّهُ استَجَابَ لَهُم. وَنِعمَةُ الإِيمَانِ أَمنٌ وَأَمَانٌ، وَمَن خَرَجَ مِن هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى نِعمَةِ الإِيمَانِ، فَقَد خَرَجَ بِرَأسِ مَالٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ سَالِمٌ، لَابُدَّ أَن يَكُونَ مَآلُهُ الجَنَّةَ. فَهَذِهِ النِّعمَةُ هِيَ أَعظَمُ نِعمَةٍ أَنعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَينَا، أَن نَكُونَ مُؤمِنِينَ. وَلَا تُوجَدُ نِعمَةٌ تُمَاثِلُهَا، لَا المَالُ، وَلَا الصِّحَّةُ، وَلَا غَيرُ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ فَالفَرقُ كَبِيرٌ جِدًّا بَينَ أَهلِ الإِيمَانِ وَأَهلِ الكُفرِ وَالشِّركِ وَالطُّغيَانِ، وَلَا يَستَوُونَ عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُم شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ﴾ [آل عمران: 99]. فَلَا يَستَوِي أَهلُ الإِيمَانِ مَعَ أَهلِ الكُفرِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنتَسِبُونَ إِلَى الكِتَابِ، لَكِنَّهُم لَيسُوا مُسلِمِينَ، مَن كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَيسَ مُؤمِنًا وَلَا مُسلِمًا، وَلَو قَالَ: أَنَا أَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ مَا دَامَ قَد كَفَرَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَا يَكُونُ مِن أَهلِ الإِيمَانِ وَلَا مِن أَهلِ الإِسلَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ: هَذَا مُسلِمٌ، وَلَا فَرقَ بَينَنَا وَبَينَهُ. بَلِ اللهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ المُسلِمِينَ لَا يَستَوُونَ مَعَ الكَافِرِينَ. فَمَن هُم أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم؟ نَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنَا مِنهُم.
﴿فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم﴾ [آل عمران: 195]، أَي: أَجَابَهُم. وَيُقَالُ: استَجَابَ لَهُ، وَاستَجَابَهُ. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى﴾ [آل عمران: 195]، مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُثِيبُ المُؤمِنَ عَلَى طَاعَاتِهِ وَحَسَنَاتِهِ، وَلَا يُضِيعُ شَيئًا مِن ذَلِكَ عِندَ الحَقِّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّأكِيدُ بِذِكرِ الذَّكَرِ وَالأُنثَى، فَالمُهِمُّ أَن يَكُونَ الإِنسَانُ عَلَى الإِيمَانِ. وَفِي هَذَا بَيَانُ مَسأَلَةٍ مُهِمَّةٍ جِدًّا، وَهِيَ أَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ. فَمَعنى ذَلِكَ أَنَّ مَن كَانَ عَلَى غَيرِ الإِيمَانِ، مَهمَا فَعَلَ، وَمَهمَا قَدَّمَ، لَو قَامَ اللَّيلَ، وَلَو بَنَى المُدُنَ لِلمُسلِمِينَ، وَلَو تَكَفَّلَ الأَيتَامَ وَالأَرَامِلَ وَأَصحَابَ الحَاجَاتِ، وَهُوَ لَيسَ مُؤمِنًا، فَلَا تُكتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ. مَهمَا عَمِلَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجعَلُ لَهُ حَسَنَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ الشَّرطَ الَّذِي إِذَا لَم يَتَحَقَّق لَم يَصِحَّ العَمَلُ وَلَم يُقبَل. وَنِعمَةُ الإِيمَانِ تَجعَلُ الإِنسَانَ يَقُولُ: أَنَا اليَومَ مُبتَلًى، وَأَنَا اليَومَ فِي ضِيقٍ، وَأَنَا اليَومَ مَهمُومٌ، وَأَشعُرُ أَنَّ هَذِهِ الدُّنيَا فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الصِّعَابِ وَالتَّحَدِّيَاتِ، نَعَم، وَلَكِنِ احمَدِ اللهَ عَلَى نِعمَةِ الإِيمَانِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَهُونُ. وَزِد عَلَى ذَلِكَ بِالتَّقوَى، فَإِنَّ مَن كَانَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ يَخرُجُ مِن هَذِهِ الدُّنيَا آمِنًا مُطمَئِنًّا، لَا يَخَافُ وَلَا يَحزَنُ بَعدَ ذَلِكَ. أَمَّا الدُّنيَا فَهِيَ دَارُ كَربٍ، وَدَارُ غُرُورٍ، وَدَارُ بَلَاءٍ.
فَمَاذَا نَعمَلُ نَحنُ فِي الدُّنيَا؟ نُسَلِّمُ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَهَذِهِ مَسأَلَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا. فَالتَّسلِيمُ لِلَّهِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ يَعنِي أَن يَكُونَ فِي قَلبِ المُسلِمِ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِتَقدِيرِ اللهِ، وَكُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ، وَكُلَّ شَيءٍ يَحصُلُ بِخَلقِ اللهِ، وَبِعِلمِ اللهِ، وَبِمَشِيئَةِ اللهِ. كَمَا قَالَ المُعَلِّمُ ﷺ: «مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن». وَوَاللهِ إِنَّ القَلبَ يَستَرِيحُ بِهَذَا. وَمَعَ ذَلِكَ نَأخُذُ بِالأَسبَابِ، فَلنَأخُذ بِالأَسبَابِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ: لَا تَأخُذُوا بِالأَسبَابِ. بَل كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَذهَبُ فَيَأكُلُ، وَفِي مِثلِ هَذِهِ الحَرَارَةِ إِذَا عَطِشَ فَمَاذَا يَفعَلُ؟ يَشرَبُ. فَهُوَ يُؤمِنُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَشرَبُ أَخذًا بِالسَّبَبِ. وَأَكلُهُ عِندَ الجُوعِ، وَشُربُهُ عِندَ العَطَشِ، وَذَهَابُهُ إِلَى الطَّبِيبِ عِندَ المَرَضِ، لَا يَتَنَافَى مَعَ الإِيمَانِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ. وَالعَبدُ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَيسَ كَمَا يَقُولُ بَعضُهُم: إِمَّا مُسَيَّرٌ وَإِمَّا مُخَيَّرٌ، بَلِ الحَقُّ أَنَّ العَبدَ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، لَهُ مَشِيئَةٌ وَلَهُ اختِيَارٌ، لَكِنَّهُمَا تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ.
وَهَذَا المُؤمِنُ الَّذِي أَكرَمَهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِنِعمَةِ الإِيمَانِ، وَثَبَّتَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعمَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ، وَلَو تَأَخَّرَ النَّصرُ. فَلَو قُلتَ لِي: كَم مَضَى عَلَينَا اليَومَ فِي غَزَّةَ؟ أَقُولُ لَكَ: إِنَّ سَيِّدَنَا صَلَاحَ الدِّينِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، لَمَّا رَدَّ اللهُ عَلَى يَدَيهِ المَسجِدَ الأَقصَى مُحَرَّرًا سَالِمًا، كَانَ المَسجِدُ الأَقصَى قَد مَضَى عَلَيهِ نَحوُ تِسعِينَ سَنَةً تَحتَ يَدِ الفِرنِجِ، حَتَّى حَرَّرَهُ وَطَهَّرَهُ بَعدَ تِلكَ المُدَّةِ. وَلَكِنَّ طَرِيقَ التَّحرِيرِ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ أَخَذَ زَمَنًا لَيسَ بِالقَصِيرِ؛ فَمِن وَقتِ مَا كَانَ أَمِيرَ جُندٍ، وَأَمِيرًا، وَحَاكِمًا عَلَى بَعضِ الأَمَاكِنِ، إِلَى أَن صَارَ أَمِيرًا عَلَى مِصرَ، ثُمَّ إِلَى أَن صَارَ سُلطَانًا لِلمُسلِمِينَ، مَا الَّذِي كَانَ يَفعَلُهُ؟ كُلُّهُ كَانَ إِعدَادًا. إِعدَادًا بِمَاذَا؟ لَيسَ كَحَالِ النَّاسِ اليَومَ، يَنَامُونَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعضُهُم: نَحنُ نَدعُو، وَلَم يَتَحَقَّقِ الأَمرُ بَعدُ! فَانظُر أَنتَ فِي وَصفِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءَ ذِكرُهُم فِي قَولِهِ: ﴿فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم﴾ [آل عمران: 195]، وَارجِع إِلَى الأَربَعِ أَوِ الخَمسِ الآيَاتِ المَاضِيَةِ؛ لِتَعلَمَ كَيفَ كَانَ حَالُهُم. وَانظُر فِي حَالِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَمَا كَانَ بِهِ صَلَاحُ المُسلِمِينَ. مَاذَا فَعَلَ؟ لَم يَبنِ بَيتًا لِنَفسِهِ، وَلَكِنَّهُ بَنَى المَدَارِسَ الإِسلَامِيَّةَ، تَدَرَّسُ القُرآنَ الكَرِيمَ، وَتُدَرِّسُ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. وَكَانَ شَافِعِيَّ المَذهَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَت مَدَارِسُ لِبَقِيَّةِ المَذَاهِبِ الإِسلَامِيَّةِ: لِلمَالِكِيَّةِ، وَالحَنَفِيَّةِ، وَالحَنَابِلَةِ. وَبَقِيَ يَعتَنِي بِهَذَا الجِيلِ.
﴿بَعضُكُم مِن بَعضٍ﴾ [آل عمران: 195]، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا. قِيلَ: مَعنَاهَا أَنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنثَى، وَالأُنثَى مِنَ الذَّكَرِ، وَالمَعنَى: كُلُّكُم بَنُو آدَمَ. وَقِيلَ: بَلِ المَعنَى فِي النُّصرَةِ وَالدِّينِ، فَالمُؤمِنُ أَخُو المُؤمِنِ. فَإِنِ استَنصَرُوكُم فَانصُرُوهُم. وَإِخوَانُكُم فِي الدِّينِ إِذَا استَغَاثُوا بِكُم، أَوِ استَنصَرُوكُم، أَوِ استَعَانُوا بِكُم، فَلَا تَخذُلُوهُم. فَإِن كُنتَ قَادِرًا عَلَى النُّصرَةِ وَلَم تَفعَل، فَمَاذَا تَقُولُ غَدًا يَومَ القِيَامَةِ؟ وَإِغَاثَةُ المَلهُوفِ وَاجِبَةٌ لِهَذَا المُضطَرِّ. فَلَا تَترُك أَخَاكَ. لَا يَنبَغِي. أَخِي يَأْلَمُ فَأَنَا آلامُ، وَأَخِي يَفرَحُ فَأَنَا أَفرَحُ، وَأَخِي يَحزَنُ فَأَنَا أَحزَنُ. هَكَذَا المُؤمِنُ. وَ«المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا»، وَهُوَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ. هَكَذَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ، لَا أَن يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَا مَا شَأنِي! وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «انصُر أَخَاكَ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَفنَا كَيفَ نَنصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظلُومًا، فَكَيفَ نَنصُرُهُ إِذَا كَانَ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَكُفُّ يَدَهُ عَنِ الظُّلمِ». فَإِذَا رَأَيتُ أَخِي وَقَعَ فِي مُنكَرٍ وَجَبَ عَلَيَّ، وَهَذَا نُصرَةٌ لَهُ، أَلَّا أَتَخَلَّى عَنهُ، بَل وَجَبَ عَلَيَّ أَن أَزجُرَهُ عَن ذَلِكَ المُنكَرِ. وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ مِنَ الأَمَانَةِ، وَمِن كَمَالِ الإِيمَانِ. وَمِن كَمَالِ الإِيمَانِ أَيضًا الجُرأَةُ فِي قَولِ الحَقِّ، فَلَا يُبَالِي المُؤمِنُ، وَلَا يَقُولُ: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ عَنِّي؟ بَل لَا يَلتَفِتُ إِلَى هَذَا.
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: 195]، نَعَم، هَذَا الكَلَامُ عَن ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَلَكِن قَالُوا: هَذَا يَصدُقُ أَيضًا فِي الأَزمِنَةِ الَّتِي تَأتِي بَعدَ ذَلِكَ. وَنَعَم، «لَا هِجرَةَ بَعدَ الفَتحِ، وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»، لِأَنَّ مَكَّةَ صَارَت دَارَ إِسلَامٍ، وَلَكِن تُوجَدُ هِجرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالمُهَاجِرُونَ اليَومَ هُم غُرَبَاءُ الزَّمَانِ. فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ: «بَدَأَ الإِسلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ»، قِيلَ فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ: مَنِ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ القَبَائِلِ». وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُهَاجِرُ، أَي يَنتَقِلُ مِن أَرضٍ إِلَى أَرضٍ، إِلَى أَيِّ مَكَانٍ يَرَى أَنَّ فِيهِ مَجَالًا أَن يَنتَقِلَ إِلَيهِ لِيَنشُرَ الدِّينَ، وَلِيَنصُرَ الدِّينَ، وَلِيُقِيمَ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ. فَإِذًا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ استَجَابَ لَهُم، هُم ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [آل عمران: 195]. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُم بِهَذِهِ المُهَاجَرَةِ يَترُكُونَ دِيَارَهُم، وَيَترُكُونَ أَوطَانَهُم، وَمِنهُم مَن يَفِرُّ بِدِينِهِ. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم﴾ [آل عمران: 195]. وَلِذَلِكَ قَالَ بَعضُهُم: إِنَّ الهِجرَةَ كَائِنَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا كَانَت فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ، مَعَ اختِلَافِ طَرِيقَةِ الهِجرَةِ. فَهِيَ كَائِنَةٌ، أَي: مَوجُودَةٌ، وَسَتَقَعُ؛ يَنتَقِلُ الإِنسَانُ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لِأَجلِ أَن يَنشُرَ دِينَ اللهِ، وَلِيُدَافِعَ عَنِ الدِّينِ، وَلِيَنصُرَ الحَقَّ.
﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: 195]، أَي: أُوذُوا بِالضَّربِ، وَالشَّتمِ، وَنَهبِ الأَموَالِ. وَقَولُهُ: ﴿فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: 195]، أَي: فِي سَبِيلِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُم يَنشُرُونَ الإِسلَامَ، وَيُدَافِعُونَ عَن دِينِ اللهِ، فَيَلَاقَونَ الأَذَى مِنَ الكُفَّارِ، فَيَصبِرُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَمَا دَعَا دَاعٍ إِلَى اللهِ إِلَّا وَجَدتَ مَن يُؤذِيهِ. فَإِذَا كَانَ أَشرَفُ الخَلقِ مُحَمَّدٌ ﷺ لَم يَسلَم، فَمَن بَعدَهُ مِن بَابِ أَولَى. وَمَا أَحَدٌ سَالِمًا مِن أَلسِنَةِ النَّاسِ، وَلَو كَانَ ذَاكَ النَّبِيُّ المُطَهَّرُ. فَمَن يَمضِي فِي طَرِيقِ الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سَيَجِدُ مَن يَقَعُ فِي عِرضِهِ، وَمَن يَغتَابُهُ، وَمَن يَنهَشُ لَحمَهُ. وَلَكِنِ احذَر أَنتَ؛ فَهُوَ يَفعَلُ هَذَا بِلِسَانِهِ، وَلَكِن أَنتَ لَا تُصغِ بِأُذُنِكَ. وَتَذَكَّر قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللهُ النَّارَ عَن وَجهِهِ يَومَ القِيَامَةِ». فَعِندَمَا تُدَافِعُ عَن دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنِ الحَقِّ، وَعَن أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، وَعِندَمَا يَأتِي مَن يَطعَنُ، مَثَلًا، فِي البُخَارِيِّ اليَومَ، أَو فِي مُسلِمٍ، أَو فِي النَّسَائِيِّ، أَو فِي التِّرمِذِيِّ، أَو فِي ابنِ مَاجَه، أَو فِي أَبِي دَاوُدَ، أَو يَطعَنُ فِي أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، أَو فِي الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوا الأَحَادِيثَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرُدَّ عَن عِرضِ إِخوَانِكَ، وَدَافِع عَنهُم، وَلَا تَقُل: أَنَا مَالِي وَهَذَا. فَلَا يَجُوزُ أَن تَقُولَ هَذَا. وَمِن شِدَّةِ طَعنِ بَعضِهِم، وَهُوَ يَزعُمُ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالقُرآنِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ بَعِيدٌ عَنِ القُرآنِ، أَن يَقُولَ: كَيفَ نَأخُذُ مِنَ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ، وَالبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ يَهُودِيَّانِ! يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الدَّعوَى، وَيُوجَدُ مَن يُصغِي لَهُ، وَيَقُولُ: لِمَاذَا آخُذُ بِالبُخَارِيِّ وَبِمُسلِمٍ؟! فَنَقُولُ: وَهَل تَجِدُ خَيرًا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَسِّرًا وَمُبَيِّنًا؟ فَهَذِهِ رِسَالَةٌ لِلدُّعَاةِ وَلِلمُدَافِعِينَ عَنِ الحَقِّ.
﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: 195]، يَعنِي أَنَّ عِندَكَ حَالَينِ: إِذَا كُنَّا قَد غُزِينَا فِي أَرضِنَا، صَارَ الجِهَادُ فَرضَ عَينٍ مَعَ القُدرَةِ. وَإِذَا لَم يَكُن هُنَاكَ غَزوٌ لِأَرضِنَا، كَانَ فَرضَ كِفَايَةٍ. وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُم كَانُوا يَخرُجُونَ لِلغَزوِ كُلَّ سَنَةٍ. وَقَد قَالُوا: إِنَّ الخَلِيفَةَ لَا يَترُكُ سَنَةً مِنَ الجِهَادِ، بَل يُرسِلُ الكَتَائِبَ، وَالسَّرَايَا، وَالجُيُوشَ؛ لِنَشرِ الإِسلَامِ. حَتَّى تَعلَمَ أَنَّ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ نَعَم مِن جُملَةِ مَا شُرِعَ لَهُ أَن تُدَافِعَ عَن أَرضِكَ وَعَن دِينِكَ، وَلَكِن مِن مَقَاصِدِهِ أَيضًا أَن تَنشُرَ الإِسلَامَ. وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ﴾ [البقرة: 193]؛ لِأَنَّكَ إِن تَرَكتَ عَدُوَّكَ يَظُنُّ أَنَّ فِيكَ ضَعفًا، فَيَبدَأُ بِالإِغَارَةِ عَلَيكَ. أَمَّا إِن أَنتَ بَادَرتَهُ، فَإِنَّهُ يَرَى فِيكَ هَيبَةً، وَيَرَى فِيكَ قُوَّةً. وَلِذَلِكَ تَسمَعُ مَثَلًا فِي سِيرَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ رَحِمَهُ اللهُ، وَكَانَ صَالِحًا، وَلَيسَ كَمَا يُصَوَّرُ فِي الإِعلَامِ مِن أَنَّهُ كَانَ غِناءً وَرَقصًا وَنِسَاءً، بَل كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَغزُو عَامًا وَيَحُجُّ عَامًا. يَخرُجُ بِنَفسِهِ مَعَ أَنَّ الإِسلَامَ قَد وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَأَعدَاءَ الإِسلَامِ مَا عَادُوا يَتَجَرَّؤُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَخرُجُ بِنَفسِهِ لِلجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: 195] فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى الشَّهَادَةِ، شَهَادَةِ المَعرَكَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، الَّتِي يَسأَلُ اللهَ تَعَالَى كُلُّ مُؤمِنٍ أَن يَنَالَهَا. فَهِيَ مَنزِلَةٌ عَالِيَةٌ وَدَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ. وَشَهِيدُ المَعرَكَةِ، مَعَ أَوَّلِ قَطرَةِ دَمٍ تَنزِلُ مِنهُ، تُمحَى عَنهُ جَمِيعُ السَّيِّئَاتِ، الصَّغِيرَةُ وَالكَبِيرَةُ، وَلَا يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ، وَلَا يُعَذَّبُ فِي الآخِرَةِ، بَل هُوَ فِي أَمنٍ وَأَمَانٍ وَرَاحَةٍ، لَا يَلقَى نَكَدًا وَلَا عَنَاءً. وَأَروَاحُ الشُّهَدَاءِ عَلَى شَكلِ طَيرٍ تَعلَقُ مِن أَشجَارِ الجَنَّةِ.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195].
اُنظُرُوا مَاذَا جَمَعَ اللهُ لَهُم. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ استَجَابَ لَهُم، قَالَ فِيهِم: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللهِ﴾ [آل عمران: 195]. اللهُ يَجعَلُنَا مِن أَهلِ الجَنَّةِ. فَاللهُ قَالَ: ﴿وَلَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ﴾ [آل عمران: 195]. وَالجَنَّةُ الَّتِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ «مَوضِعَ سَوطِ أَحَدِكُم مِنَ الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا». وَالسَّوطُ مَوضِعُهُ شَيءٌ قَلِيلٌ صَغِيرٌ، فَإِذَا كَانَ مَوضِعُهُ فِي الجَنَّةِ خَيرًا مِنَ الدُّنيَا كُلِّهَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ؟ وَمَا أَحَدٌ مِنَّا مَلَكَ الدُّنيَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ «لَا رَاحَةَ لِمُؤمِنٍ إِلَّا بِلِقَاءِ رَبِّهِ». وَسَيِّدُنَا سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَالأَنبِيَاءُ هُم صَفوَةُ الخَلقِ، قَد مَلَكَ الدُّنيَا، بَل يُقَالُ: مَلَكَ الدُّنيَا كُلَّهَا، وَمَعَ ذَلِكَ يُقَالُ: لَمَّا خَرَجَ مِنَ الدُّنيَا كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ السِّجنِ؛ لِأَنَّ «الدُّنيَا سِجنُ المُؤمِنِ». وَالمُرَادُ بِهِ المُؤمِنُ الكَامِلُ. فَمَعَ أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنيَا كُلَّهَا، فَلَا رَاحَةَ لِمُؤمِنٍ إِلَّا بِلِقَاءِ رَبِّهِ.
وَقَولُهُ: ﴿ثَوَابًا مِن عِندِ اللهِ﴾ [آل عمران: 195]، أَي: هَذَا الثَّوَابُ مِن عِندِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَ﴿وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]، أَي: لَا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلَى الثَّوَابِ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ. وَقَد ذَكَرَ بَعضُ العُلَمَاءِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، كَمَا يَذكُرُ ذَلِكَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّ طَائِفَةً مِنَ المُؤمِنِينَ قَالُوا: إِنَّ أَعدَاءَ اللهِ، فِيمَا نَرَى، فِي خَيرٍ وَسَعَةٍ، وَنَحنُ قَد هَلَكنَا مِنَ الجُوعِ. وَهَذَا قَد يَقَعُ فِي النُّفُوسِ أَحيَانًا، فَيَقُولُ الإِنسَانُ: اُنظُر إِلَى أَعدَائِنَا، كَيفَ هُم مُتَنَعِّمُونَ، وَانظُر إِلَى حَالِنَا! فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ. وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: تُوجَدُ مُنَاسَبَةٌ أُخرَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عَن مُجَاهِدٍ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا، أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، يُذكَرُ الرِّجَالُ فِي الهِجرَةِ وَلَا نُذكَرُ؟ فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى﴾ [آل عمران: 195]. فَجَاءَ ذِكرُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَجَاءَ وَصفُهُم بِقَولِهِ: ﴿بَعضُكُم مِن بَعضٍ﴾ [آل عمران: 195].
ثُمَّ قَالَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]. وَلِمَنِ الخِطَابُ هُنَا؟ هُوَ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَقَد يَأتِي الخِطَابُ أَحيَانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالمُرَادُ بِهِ غَيرُهُ، وَإِلَّا فَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَلتَفِتُ إِلَى هَذَا. وَوَاقِعُنَا الَّذِي نَحنُ فِيهِ، مَاذَا تَرَى فِيهِ؟ تَرَى أَنَّهُم يَتَقَلَّبُونَ فِي البِلَادِ، أَلَيسَ كَذَلِكَ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]، أَي: عَلَى مَا هُم فِيهِ مِنَ الغُرُورِ وَالنَّعِيمِ، فَلَا تَحزَن، فَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ. يَضرِبُونَ فِي الأَرضِ، وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَيَحكُمُونَ، وَيَتَجَبَّرُونَ، وَلَكِن ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ [آل عمران: 196]. قُل هَذَا فَورًا لِنَفسِكَ، فَإِنَّهُ اليَومَ قَد يَدخُلُ إِلَى قُلُوبِ بَعضِنَا، فَيَقُولُ: أَينَ نَحنُ؟ وَانظُر إِلَى حَالِنَا، وَالكُفَّارُ هُمُ الَّذِينَ يَحكُمُونَ وَيَتَصَرَّفُونَ! فَنَقُولُ لَهُ: اِقرَأِ القُرآنَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]. لَا تَغتَرَّ بِهَذَا، فَاللهُ تَعَالَى يُمهِلُ.
وَهَؤُلَاءِ الكُفَّارُ قَد جَحَدُوا نِعمَةَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنِ انظُر: مَتَى جَاءَ النَّصرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ؟ بَعدَ أَيَّامٍ سَتَأتِينَا، إِن شَاءَ اللهُ، مُنَاسَبَةُ هِجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ. كَم سَنَةً مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَكَّةَ بَعدَ البِعثَةِ؟ مَكَثَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً. وَهَاجَرَ بَعدَ ذَلِكَ، وَأُوذِيَ ﷺ أَذًى شَدِيدًا، وَقُتِلَ مَن قُتِلَ مِن أَصحَابِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ الصَّبرُ وَكَانَ الِابتِلَاءُ. وَالقُرآنُ الكَرِيمُ يُخبِرُكَ بِهَذَا. وَلَكِن فِي المُقَابِلِ تُوجَدُ فِئَةٌ تَصبِرُ. وَمَا النَّتِيجَةُ؟ إِن قُلتَ لِي: مِنَ الآخِرِ، مَا النَّتِيجَةُ؟ قُلتُ لَكَ: النَّتِيجَةُ نَصرُ المُسلِمِينَ. فَإِن قُلتَ لِي: مَتَى؟ قُلتُ لَكَ: لَا أَنَا وَلَا أَنتَ، وَلَا أَحَدٌ، يَستَطِيعُ أَن يَقُولَ لَكَ: نَعَم، تَارِيخُ النَّصرِ هُوَ فِي السَّنَةِ الفُلَانِيَّةِ وَاليَومِ الفُلَانِيِّ، أَو زَوَالُ الكُفَّارِ فِي اليَومِ الفُلَانِيِّ. نَعَم، وَرَدَت أَخبَارٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَلَكِن لَم يَأتِ فِيهَا التَّحدِيدُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. نَعَم، سَيُقَاتِلُ المُسلِمُونَ اليَهُودَ، وَيَنطِقُ الشَّجَرُ وَالحَجَرُ، وَيَقُولُ: يَا مُسلِمُ، يَا عَبدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلفِي، تَعَالَ فَاقتُلهُ. وَهَذَا بَعدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ. وَنَفَسُ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الكُفَّارِ إِلَّا مَاتَ. وَمِنهُم مَن يُسلِمُ، وَمِنهُم مَن لَا يُسلِمُ. وَعِندَهَا لَا يَبقَى عَلَى الأَرضِ إِلَّا أَهلُ الإِسلَامِ، وَتَحلُو الحَيَاةُ، وَيُهلِكُ اللهُ المِلَلَ كُلَّهَا، فَلَا يَبقَى فِي الأَرضِ إِلَّا الإِسلَامُ. فَإِن قُلتَ: مَتَى؟ قُلتُ: سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الكُبرَى، وَنَحنُ لَم نَصِل بَعدُ إِلَى ذَلِكَ، بَل نَحنُ مَا زِلْنَا فِي العَلَامَاتِ الصُّغرَى، وَإِن كَانَ أَغلَبُهَا قَدِ انقَضَى، فَلَا يَزَالُ بَقِيَّةٌ مِنهَا.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]. قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وَاللهِ مَا غَرُّوا نَبِيَّ اللهِ ﷺ، وَلَا وَكَلَ إِلَيهِم شَيئًا مِن أَمرِ اللهِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ. فَمَاذَا يَكُونُ مِن أَمرِهِم؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران: 197]. فَلَو قُلتَ لِي: لَكِنَّهُم عِندَهُم كَثِيرٌ! قُلتُ لَكَ: يَا عَبدَ اللهِ، الدُّنيَا كُلُّهَا، كُلُّهَا مَتَاعٌ قَلِيلٌ. فَمَاذَا أَخَذُوا هُم؟ أَخَذُوا شَيئًا مِن أَرضِنَا، وَنَعَم، أَخَذُوا شَيئًا مِن بِلَادِنَا، وَنَهَبُوا خَيرَاتٍ كَثِيرَةً، وَأَموَالًا كَثِيرَةً، لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ زَائِلٌ. فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 197]. ثُمَّ مَاذَا بَعدَ ذَلِكَ؟ ﴿ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 197]. وَقَد تَقَدَّمَ مَا هُوَ حَالُ المُؤمِنِينَ الصَّابِرِينَ: الجَنَّةُ. وَأَمَّا الكُفَّارُ، فَإِنَّ الَّذِي يَنَالُونَهُ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 197]، كُلُّ مَا يَأخُذُونَهُ لِأَنَّهُ زَائِلٌ، ﴿ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران: 197].
وَقَولُهُ: ﴿وَبِئسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران: 197]، أَي: سَاءَ مَا مَهَّدُوا لِأَنفُسِهِم. فَهُم تَقَلَّبُوا فِي البِلَادِ مُتَعًا، حَتَّى اختَرَمَتهُمُ المَنِيَّةُ، ثُمَّ انصَرَفُوا عَن هَذِهِ الدُّنيَا إِلَى مَأوًى لَابُدَّ أَن يُلَاقُوهُ، وَلَيسُوا بِخَارِجِينَ مِنهُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]. فَإِيَّاكَ أَن تَسمَعَ لِوَاحِدٍ يَقُولُ: إِنَّ رَبَّنَا سَيُلغِي جَهَنَّمَ، وَسَيُخرِجُ الكُفَّارَ مِنهَا! فَالوَعِيدُ لَا يَتَخَلَّفُ. وَمَعنَى ﴿وَبِئسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران: 197] أَيضًا: الفِرَاشُ وَالمُضطَجَعُ. فَلَو أَنَّ إِنسَانًا هُيِّئَ لَهُ فِرَاشٌ مِن شَوكٍ، فَكَيفَ يَكُونُ نَومُهُ؟ فَكَيفَ إِذَا كَانَ مِن نَارٍ؟ وَكَيفَ إِذَا كَانَ مَحشُوًّا بِالحَيَّاتِ وَالعَقَارِبِ تَنهَشُهُ وَتَلسَعُهُ؟ فَكَيفَ يَكُونُ نَومُهُ؟ بَلِ الأَمرُ أَشَدُّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، عِندَمَا يَكُونُ الفِرَاشُ هُوَ جَهَنَّمُ. فَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَبِئسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران: 197].
﴿لٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم لَهُم جَنّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِندِ اللهِ وَما عِندَ اللهِ خَيرٌ لِلأَبرارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم﴾ جاءَ عَلَى وَجهِ الاستِدراكِ بَعدَ ذِكرِ حالِ الكافِرِينَ وَما هُم فِيهِ مِن تَقَلُّبٍ فِي البِلادِ وَمَتاعٍ قَلِيلٍ زائِلٍ، فَكَأَنَّ المَعنى: لا يَغُرَّنَّكَ ما هُم فِيهِ مِن مُتَعِ الدُّنيا، فَإِنَّهُ مَتاعٌ مُنقَطِعٌ، لٰكِنَّ الخَيرَ الباقِيَ وَالنَّعِيمَ الدّائِمَ لِلَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم.
وَالمُرادُ بِقَولِهِ: ﴿اتَّقَوا رَبَّهُم﴾ أَيِ اتَّقَوا الشِّركَ وَالكُفرَ، وَثَبَتُوا عَلَى الإِيمانِ، وَاجتَنَبُوا ما يُسخِطُ اللهَ تَعالى. فَالتَّقوى أَصلُها أَن يَجعلَ العَبدُ بَينَهُ وَبَينَ عَذابِ اللهِ وِقايَةً بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ، وَأَعظَمُ ما يُتَّقَى هُوَ الشِّركُ بِاللهِ تَعالى.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَهُم جَنّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ﴾ أَي لَهُم فِي الآخِرَةِ بَساتِينُ عَظيمَةٌ وَجَنّاتٌ واسِعَةٌ، تَجرِي الأَنهارُ مِن تَحتِ قُصُورِها وَأَشجارِها، إِكرامًا لَهُم وَجَزاءً لِإِيمانِهِم وَتَقواهُم. وَهٰذَا النَّعِيمُ لَيسَ كَمَتاعِ الدُّنيا الَّذِي يَفنى وَيَزُولُ، بَل هُوَ نَعِيمٌ باقٍ لا يَنقَطِعُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أَي باقِينَ فِي تِلكَ الجَنّاتِ بَقاءً لا نِهايَةَ لَهُ، لا يَخرُجُونَ مِنها، وَلا يَعرِضُ لَهُم فِيها مَوتٌ وَلَا فَناءٌ وَلَا انقِطاعُ نَعِيمٍ. فَأَهلُ الجَنَّةِ فِي سُرورٍ دائِمٍ، وَنَعِيمٍ مُتَّصِلٍ، وَرِضوانٍ مِنَ اللهِ أَكبَرُ مِن كُلِّ نَعِيمٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿نُزُلًا مِن عِندِ اللهِ﴾ أَي رِزقًا وَعَطاءً وَإِكرامًا مِن عِندِ اللهِ تَعالى. وَالنُّزُلُ هُوَ ما يُهَيَّأُ لِلضَّيفِ وَالنّازِلِ مِن ضِيافَةٍ وَقِرًى، فَفِي اللَّفظِ إِشارَةٌ إِلى كَرامَةِ أَهلِ الجَنَّةِ، وَأَنَّ ما أُعِدَّ لَهُم فِيهَا إِنَّما هُوَ مِن فَضلِ اللهِ وَإِحسانِهِ.
وَقِيلَ: النُّزُلُ بِمَعنى الرِّزقِ، وَقِيلَ: بِمَعنى العَطاءِ، وَالمَعاني مُتَقارِبَةٌ؛ فَالجَنّاتُ وَما فِيها مِن أَنهارٍ وَنَعِيمٍ هِيَ عَطاءٌ مِن عِندِ اللهِ، وَرِزقٌ كَرِيمٌ أَعَدَّهُ لِعِبادِهِ المُتَّقِينَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَما عِندَ اللهِ خَيرٌ لِلأَبرارِ﴾ أَي وَما عِندَ اللهِ مِنَ النَّعِيمِ الكَثِيرِ الدّائِمِ، وَالثَّوابِ الباقِي، وَالرِّضوانِ الأَكبَرِ، خَيرٌ لِلأَبرارِ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِن مَتاعِ الدُّنيا القَلِيلِ الزّائِلِ.
وَالأَبرارُ هُمُ المُؤمِنُونَ الصّادِقُونَ الَّذِينَ بَرُّوا رَبَّهُم بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ، وَاجتَنَبُوا الكُفرَ وَالمَعاصِي، وَآثَرُوا ما عِندَ اللهِ عَلَى شَهَواتِ الدُّنيا. فَهٰؤُلاءِ لَهُمُ الخَيرُ الحَقِيقِيُّ، لأَنَّهُم لَم يَغتَرُّوا بِزَهرَةِ الحَياةِ الدُّنيا، بَل نَظَرُوا إِلى ما عِندَ اللهِ مِنَ الثَّوابِ الباقِي.
وَقَد ذُكِرَ أَنَّ الآيَةَ نَزَلَت فِي عَبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ وَغَيرِهِ مِن مُسلِمِي أَهلِ الكِتابِ، الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَاتَّقَوا رَبَّهُم، فَكانَ لَهُم موعِدُ الجَنّاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ. وَالعِبرَةُ بِعُمُومِ المَعنى، فَكُلُّ مَنِ اتَّقى اللهَ وَآمَنَ بِرَسُولِهِ ﷺ دَخَلَ فِي هٰذا الوَعدِ الكَرِيمِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ الكافِرُونَ وَالفُجّارُ فِي الدُّنيا قَلِيلٌ زائِلٌ لا بَقاءَ لَهُ، أَمّا الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم فَلَهُم جَنّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ، يَخلُدُونَ فِيهَا أَبدًا، نُزُلًا وَإِكرامًا مِن عِندِ اللهِ. وَما عِندَ اللهِ مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ وَالثَّوابِ الباقِي خَيرٌ لِلأَبرارِ مِن كُلِّ مَتاعٍ زائِلٍ يَتَقَلَّبُ فِيهِ أَهلُ الدُّنيا.