بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَن آمِنُوا بِرَبِّكُم فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ (194)﴾ [آل عمران: 193-194]
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: 193]
مَن هُوَ المُنَادِي المُرَادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قَولُهُ: ﴿رَبَّنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: يَا رَبَّنَا. وَالرَّبُّ هُوَ خَالِقُنَا. وَاسْمُ «الرَّبِّ» مِنَ الأَسمَاءِ الخَاصَّةِ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا قُلتَ: «الرَّبُّ»، فَهَذَا لَا يُطلَقُ إِلَّا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمَعنَى «الرَّبِّ»: الخَالِقُ المَالِكُ. فَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ، أَي: خَالِقُهُم وَمَالِكُهُم. فَهَذَا الإِطلَاقُ، أَعني «الرَّبَّ» عَلَى وَجهِ الإِطلَاقِ، لَا يَجُوزُ أَن يُطلَقَ إِلَّا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ مِن جُملَةِ الأَسمَاءِ الخَاصَّةِ بِهِ.
وَهُنَا نَنتَبِهُ إِلَى مَسأَلَةٍ، وَهِيَ: مَاذَا لَو ذُكِرَت كَلِمَةُ «رَبٍّ» مُضَافَةً، فَلَم يُقَل: «الرَّبُّ»، بَل قِيلَ مَثَلًا: «رَبُّ البَيتِ»؟ يَقُولُ شَارِحُ القَامُوسِ، مُحَمَّدٌ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ: «رَبُّ كُلِّ شَيءٍ مُستَحِقُّهُ». فَإِذًا، إِذَا جَاءَت مَعَ الإِضَافَةِ، فَهَذَا غَيرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، أَعني: لَيسَ عَلَى وَجهِ الإِطلَاقِ. أَمَّا إِذَا جَاءَت مَعَ الإِضَافَةِ لِمَن كَانَ مَالِكًا لِلشَّيءِ، فَهَذَا يَصِحُّ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن رَبُّ هَذَا البَعِيرِ»، أَي: مَن مَالِكُهُ؟ لَمَّا جَاءَ الجَمَلُ يَشكُو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَكَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن رَبُّ هَذَا البَعِيرِ»، أَي: مَن مَالِكُهُ؟ فَيُقَالُ مَثَلًا: صَاحِبُ البَيتِ، أَو مَالِكُ البَيتِ، وَيُقَالُ: رَبُّ هَذَا البَيتِ، عَلَى مَعنَى المَالِكِ، وَرَبُّ هَذَا العَبدِ عَلَى مَعنَى المَالِكِ، فَهَذَا لِمَن كَانَ مَالِكًا لِلشَّيءِ يَصِحُّ.
لَكِن مِن هُنَا نَعلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لَا مِن حَيثُ اللُّغَةِ وَلَا مِن حَيثُ الشَّرعِ، أَن يُقَالَ: «فُلَانٌ رَبُّ العَائِلَةِ». وَالفَرقُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَملِكُهُم. فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعبِيرُ. ثُمَّ إِنَّ «العَائِلَةَ» أَصلًا هِيَ الأَقَارِبُ مِن نَاحِيَةِ الذُّكُورِ، أَي: أَقَارِبُ الرَّجُلِ مِن جِهَةِ الذُّكُورِ. فَلَا يُقَالُ: «فُلَانٌ رَبُّ العَائِلَةِ»، بَل هَذَا قَبِيحٌ وَمَمنُوعٌ. وَإِن شِئتَ فَقُل: صَاحِبُ البَيتِ، أَو مَسؤُولُ البَيتِ، أَو مُدَبِّرُ البَيتِ، وَلَكِن لَا يُقَالُ: «رَبُّ العَائِلَةِ». وَهَذَا غَلَطٌ قَدِ انتَشَرَ كَثِيرًا عَلَى أَلسِنَةِ النَّاسِ، وَهُوَ غَلَطٌ لَا يَستَقِيمُ لُغَةً، وَلَا يَستَقِيمُ شَرعًا.
فَكَلِمَةُ «رَبٍّ» هُنَا، إِذًا، مَعَ الإِضَافَةِ تُستَعمَلُ فِي مَحلِّهَا لِمَن كَانَ مَالِكًا لِلشَّيءِ. أَمَّا إِذَا رَجَعتَ إِلَى أَوَّلِ مَا قُلنَا، فَإِذَا قُلنَا: «الرَّبُّ»، فَهَذَا مِنَ الأَسمَاءِ الخَاصَّةِ بِاللهِ، وَلَا يُطلَقُ إِلَّا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿رَبَّنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: يَا رَبَّنَا. فَهُنَا دُعَاءٌ وَسُؤَالٌ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: 193]
قَالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ: المُنَادِي هُوَ القُرآنُ. وَقَالَ بَعضُهُم: المُنَادِي هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَاستَدَلَّ القَائِلُونَ بِهَذَا بِآيَاتٍ وَمَعَانٍ.
﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]
أَي: لِأَجلِ الإِيمَانِ، حَتَّى نُؤمِنَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهُنَا لَم يَقتَصِرِ القُرآنُ عَلَى ذِكرِ «مُنَادِيًا» فَقَط، بَل أَتبَعَهُ بِقَولِهِ: ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]. فَلَمَّا قِيلَ: ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]، وَأُتبِعَ قَولُهُ «يُنَادِي» بِقَولِهِ «مُنَادِيًا»، قَالُوا: فِي هَذَا تَفخِيمٌ لِشَأنِ المُنَادِي؛ إِذ لَا مُنَادِيَ أَعظَمُ مِن مُنَادٍ يُنَادِي لِلإِيمَانِ. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾ [فصلت: 33]. فَلَيسَ هُنَاكَ أَعظَمُ، بَينَ مَن يُنَادُونَ، مِن ذَلِكَ المُنَادِي الَّذِي يُنَادِي لِلإِيمَانِ.
وَزِد عَلَى ذَلِكَ أَنَّ المُنَادِيَ، عَلَى هَذَا التَّفسِيرِ، يَكُونُ هُوَ القُرآنَ، أَو يَكُونُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهَذَا أَعظَمُ مُنَادٍ عَلَى الإِطلَاقِ؛ لِأَنَّ أَفضَلَ مَن دَعَا إِلَى اللهِ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
﴿أَن آمِنُوا بِرَبِّكُم فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193]
أَي: قَالَ لَنَا: آمِنُوا بِرَبِّكُم، فَآمَنَّا.
﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]
فَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: مَا الفَائِدَةُ مِن هَذَا؟ فَقَد جَاءَ أَوَّلًا قَولُهُ: ﴿فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ قَولُهُ: ﴿وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]. فَنَقُولُ: نَعَم، بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ قَالَ: المَعنَى هُنَا التَّأكِيدُ. وَهَذَا قَولٌ. وَالقُرآنُ الكَرِيمُ فِي أَقصَى دَرَجَاتِ الفَصَاحَةِ وَالبَلَاغَةِ، وَفِيهِ مِنَ التَّنوِيعِ وَالتَّعدِيدِ بِالأَلفَاظِ مَا يَكُونُ المَعنَى فِيهِ وَاحِدًا، وَلِذَلِكَ لَا يَمَلُّ الإِنسَانُ مِن تِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَو خَتَمتَهُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ القُرآنِ أَنَّهُ «لَا يَخلَقُ مِن كَثرَةِ الرَّدِّ». فَأَنتَ لَا تَمَلُّ مِنهُ، تَسمَعُهُ مَرَّاتٍ وَلَا تَمَلُّ، وَكُلَّ مَرَّةٍ تَجِدُ فِيهِ لَذَّةً. حَتَّى لَو سَمِعتَهُ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ، ثُمَّ سَمِعتَهُ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ، سَمِعتَ قِرَاءَةَ حَفصٍ، وَسَمِعتَ قِرَاءَةَ وَرشٍ، كُلَّمَا سَمِعتَ تَتَلَذَّذُ، وَكُلَّمَا قَرَأتَ تَتَلَذَّذُ. ثُمَّ أَحيَانًا تَقرَأُ وَأَنتَ تُخفِضُ صَوتَكَ، فَتَجِدُ لَذَّةً، وَأَحيَانًا تَرفَعُ صَوتَكَ، فَتَجِدُ لَذَّةً. وَهَكَذَا. فَكَانَ مِن أَسَالِيبِ القُرآنِ، وَلَيسَ كَأَيِّ كِتَابٍ، أَن يَجُوزَ أَن يَأتِيَ اللَّفظُ فَيَختَلِفَ، وَالمَعنَى يَبقَى وَاحِدًا. فَهَذَا وَجهٌ.
لَكِنَّ بَعضَ العُلَمَاءِ قَالَ: ﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: كَبَائِرَنَا، وَ﴿وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: صَغَائِرَنَا. وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ عَطَاءٌ فِي التَّفسِيرِ. فَالذُّنُوبُ مِنهَا مَا هُوَ كَبِيرٌ، وَمِنهَا مَا هُوَ صَغِيرٌ، إِذَا ذُكِرَ هَذَا التَّفصِيلُ. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ [النساء: 31]. وَلَيسَ هَذَا تَشجِيعًا عَلَى فِعلِ المَعصِيَةِ، إِذَا قِيلَ: هَذِهِ مَعصِيَةٌ صَغِيرَةٌ، بَل لِبَيَانِ مَا جَاءَ فِي الشَّرعِ. فَالمَعصِيَةُ قَبِيحَةٌ، صَغِيرَةً كَانَت أَو كَبِيرَةً، لَكِنَّ الأَقْبَحَ أَن تَكُونَ المَعصِيَةُ كَبِيرَةً.
ثُمَّ زِد عَلَى ذَلِكَ: مَرَّةً سَأَلَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ أَكبَرُ؟ وَهُنَا الإِشَارَةُ الَّتِي تَأتِي فِي الحَدِيثِ هِيَ بَيَانُ أَنَّ الكُفرَ هُوَ أَكبَرُ الذُّنُوبِ. نَعَم، الكُفرُ ذَنبٌ، وَلَكِنَّهُ أَكبَرُ الذُّنُوبِ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ أَكبَرُ؟ فَقَالَ ﷺ: «أَن تَجعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». أَي: أَن تُشرِكَ بِاللهِ. فَهَذَا أَكبَرُ الذُّنُوبِ. فَإِذًا أَكبَرُ ذَنبٍ عَلَى الإِطلَاقِ لَيسَ مُجَرَّدَ أَن تَكذِبَ عَلَى أَخِيكَ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ أَن تُخلِفَ وَعدَكَ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَعَاصٍ، وَبَعضُ النَّاسِ يَقُولُ: هَذَا أَكبَرُ ذَنبٍ عِندِي! لَا، أَكبَرُ ذَنبٍ عَلَى الإِطلَاقِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ، وَالإِشرَاكُ بِاللهِ. فَحَتَّى بَعضُ النَّاسِ أَحيَانًا، مِن جَرَاءَتِهِم فِي الكَلَامِ، إِذَا فَعَلَ صَدِيقٌ لَهُ شَيئًا لَا يَمِيلُ إِلَيهِ، قَالَ لَهُ: هَذَا ذَنبٌ لَا يُغتَفَرُ! مِن أَينَ يَأتِي بِهَذَا الكَلَامِ؟ أَو يَقُولُ لَهُ: جَرِيمَةٌ لَا تُغتَفَرُ! فَهَل كُلُّ ذَنبٍ يُوصَفُ بِهَذَا؟ لَا. فَإِذًا أَكبَرُ ذَنبٍ عَلَى الإِطلَاقِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَن تَجعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». فَهَذَا هُوَ أَكبَرُ الذُّنُوبِ، وَهُوَ أَكبَرُ الظُّلمِ، وَأَكبَرُ الجَرِيمَةِ.
ثُمَّ سُئِلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ فَقَالَ ﷺ، بَعدَ أَن ذَكَرَ الأَوَّلَ: «أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ خَشيَةَ الفَقرِ»، أَو: «خَشيَةَ إِملَاقٍ». فَإِذًا، فِي تَرتِيبِ الذُّنُوبِ، بَعدَ الإِشرَاكِ بِاللهِ يَأتِي القَتلُ، قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ. ثُمَّ قِيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ ﷺ: «أَن تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ». فَالزِّنَا حَرَامٌ وَقَبِيحٌ، قَرِيبَةً كَانَتِ المَزنِيُّ بِهَا أَو بَعِيدَةً، وَلَكِن بِحَلِيلَةِ الجَارِ أَعظَمُ وَأَشدُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوصَى بِالجَارِ، وَاللهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمُرَاعَاةِ حَقِّ الجَارِ. فَأَن يَزنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، فَهَذَا جُرمٌ كَبِيرٌ، وَلِذَلِكَ نُصَّ عَلَيهِ فِي الحَدِيثِ.
فَإِذًا يُؤخَذُ مِن هَذَا أَنَّ الزِّنَا عُمُومًا شَدِيدٌ، وَأَنَّ التَّرتِيبَ هُوَ: الكُفرُ بِاللهِ، ثُمَّ القَتلُ، ثُمَّ الزِّنَا. وَقَولُهُ ﷺ: «أَن تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا ذَنبٌ كَبِيرٌ.
فَإِذًا يُوجَدُ كَبَائِرُ، وَيُوجَدُ صَغَائِرُ. وَلَكِن كَيفَ نُمَيِّزُ؟ الكَبِيرَةُ تُعرَفُ إِذَا وَرَدَ فِيهَا اللَّعنُ، أَو جَاءَ فِيهَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ، مِثلَ الوَعِيدِ بِالنَّارِ، أَو بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ. فَبِذَلِكَ تُعرَفُ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ. وَلَيسَ هَذَا بِالرَّأْيِ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَنَا أَرَى أَنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ. بَلِ الكَبِيرَةُ لَهَا ضَوَابِطُ. نَعَم، اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي عَدَدِ الكَبَائِرِ، وَبَعضُهُم قَد عَدَّ أَشيَاءَ لَيسَت مِنَ الكَبَائِرِ، فَعَدَّهَا مِنَ الكَبَائِرِ، حَتَّى أَوصَلَهَا بَعضُهُم إِلَى أَربَعِمِائَةٍ. لَكِنَّ العُلَمَاءَ قَالُوا: هَذَا غَيرُ سَدِيدٍ. وَبَعضُهُم قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبعِينَ أَقرَبُ. وَهُم إِنَّمَا تَتَبَّعُوا مَا وَرَدَ فِيهِ اللَّعنُ، أَو وَرَدَ فِيهِ الوَعِيدُ بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ، فَقَالُوا: هِيَ إِلَى السَّبعِينَ أَقرَبُ.
فَإِذًا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]، جَنَحَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ إِلَى أَنَّ المُرَادَ بِالذُّنُوبِ هُنَا: الكَبَائِرُ، وَبِقَولِهِ: ﴿وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: الصَّغَائِرُ.
وَلَا نَنسَى أَيضًا أَنَّهُ تُوجَدُ حَسَنَاتٌ، إِذَا عَمِلَهَا المُسلِمُ، مَحَا اللهُ تَعَالَى عَنهُ السَّيِّئَاتِ بِبَعضِ الحَسَنَاتِ. فَبَعضُ الحَسَنَاتِ، إِذَا عَمِلَهَا المُسلِمُ، مَحَا اللهُ بِهَا الذُّنُوبَ الكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ. وَمِثَالُ ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: «مَن حَجَّ فَلَم يَرفُث وَلَم يَفسُق، رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَمَا وَلَدَتهُ أُمُّهُ». وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلحَاجِّ وَلِمَنِ استَغفَرَ لَهُ الحَاجُّ». فَالحَجُّ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالحَجُّ المَبرُورُ، وَهَذَا شَرطٌ، يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ عَنِ العَبدِ أَيَّ ذَنبٍ؟ الكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، كُلَّ الذُّنُوبِ. فَهَذَا مِنَ الحَسَنَاتِ الَّتِي جَاءَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ، الكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ.
لَكِن أَرجُو أَن نَنتَبِهَ إِلَى شَيءٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَعنِي أَنَّ الحُقُوقَ الَّتِي عَلَيهِ قَد سَقَطَت بِحَجِّهِ. فَلَو كَانَ إِنسَانٌ قَد غَصَبَ مَالًا قَبلَ أَن يَخرُجَ إِلَى الحَجِّ، وَعَلَيهِ تَبِعَاتٌ مَالِيَّةٌ، وَأَكَلَ أَموَالًا بِغَيرِ حَقٍّ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَخرُجُ إِلَى الحَجِّ الآنَ، وَأُرَاعِي أَن يَكُونَ حَجِّي مِن مَالٍ حَلَالٍ، لَيسَ مِنَ المَالِ الحَرَامِ الَّذِي أَخَذتُهُ، وَآتِي بِالأَركَانِ، وَآتِي بِالشُّرُوطِ، وَأُحَقِّقُ مَا يُحتَاجُ إِلَيهِ فِي الحَجِّ المَبرُورِ؛ نَقُولُ لَهُ: نَعَم، لَكِن هَذَا لَا يُسقِطُ الحَقَّ الَّذِي فِي رَقَبَتِكَ. فَإِذَا كَانَ عَلَيكَ تَبِعَاتٌ مَالِيَّةٌ، لَابُدَّ مِن أَدَائِهَا، وَلَو حَجَجتَ. بَل وَلَو كُنتَ تَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ، لَا يَسقُطُ عَنكَ هَذَا.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ عَلَيهِ مَثَلًا قَضَاءُ صَلَوَاتٍ، عَلَيهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ مَفرُوضَةٌ، أَو كَانَ عَلَيهِ قَضَاءُ صِيَامٍ مِن رَمَضَانَ لِسَنَوَاتٍ، أَو كَانَ تَارِكًا لِلزَّكَاةِ سِنِينَ، ثُمَّ خَرَجَ فَحَجَّ، فَهَل يَسقُطُ عَنهُ هَذَا القَضَاءُ؟ لَا يَسقُطُ عَنهُ بِالإِجمَاعِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، فَلَا يَسقُطُ عَنهُ، وَلَو عَمِلَ حَسَنَةً كَحَسَنَةِ الحَجِّ.
وَهُنَاكَ أَشيَاءُ مِنَ الحَسَنَاتِ العَظِيمَةِ يَغفُلُ عَنهَا بَعضُ النَّاسِ. فَمِن ذَلِكَ أَنَّ مَن قَالَ بَعدَ صَلَاةِ الصُّبحِ عَشرَ مَرَّاتٍ، قَبلَ أَن يَقُومَ مِن مَكَانِهِ، وَمِثلُ هَذَا فِي صَلَاةِ المَغرِبِ، وَقَبلَ أَن يَثنِيَ رِجلَهُ، وَقَبلَ أَن يَنتَقِلَ مِن مَوضِعِهِ، وَقَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ، عَشرَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، يُحيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ»، كَتَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ عَشرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنهُ عَشرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ، أَي مِنَ الكَبَائِرِ، وَكَانَ فِي حِرزٍ مِنَ الشَّيطَانِ يَومَهُ، أَو إِذَا قَالَهَا بَعدَ المَغرِبِ كَانَ فِي حِرزٍ مِنَ الشَّيطَانِ لَيلَتَهُ. أَي: يَجعَلُ اللهُ تَعَالَى لَهُ حِفظًا مِنَ السِّحرِ، وَحِفظًا مِنَ الأَذَى. وَهَذِهِ حَسَنَةٌ سَهلَةٌ. عَشرُ مَرَّاتٍ بَعدَ أَن أُسَلِّمَ مِن صَلَاةِ الفَجرِ، وَعَشرُ مَرَّاتٍ بَعدَ أَن أُسَلِّمَ مِن صَلَاةِ المَغرِبِ، أَبدَأُ فَورًا بِقَولِهَا. فَإِذًا تُوجَدُ حَسَنَاتٌ تُذهِبُ السَّيِّئَاتِ. نَعَم، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. وَفِي الحَدِيثِ: «وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا». فَهَذَا مِن أَسرَارِ الحَسَنَاتِ.
وَبَعضُ الحَسَنَاتِ يَكُونُ لَهَا شَأنٌ كَبِيرٌ جِدًّا. وَمِن ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: «مَن قَالَ: أَستَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ قَد فَرَّ مِنَ الزَّحفِ». وَالفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ. فَبِهَذِهِ الحَسَنَةِ، بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، «أَستَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيهِ»، يَحصُلُ غُفرَانٌ عَظِيمٌ. فَإِذًا تُوجَدُ مُكَفِّرَاتٌ.
فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]، عَلَى مَا قَالَهُ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ، أَي: الكَبَائِرَ، وَ﴿وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: الصَّغَائِرَ.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ﴾ [آل عمران: 193]
أَي: مَخصُوصِينَ بِصُحبَتِهِم. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُصَاحِب إِلَّا مُؤمِنًا، وَلَا يَأكُل طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ». وَهَذَا عَلَى مَعنَى الأَكمَلِ. وَخُصُوصًا صُحبَةُ الصَّالِحِينَ. وَقَد قَالَ بَعضُ الأَكَابِرِ:
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَستُ مِنهُمُ
لَعَلِّي أَن أَنَالَ بِهِم شَفَاعَةً
وَأَكرَهُ مَن تِجَارَتُهُ المَعَاصِي
وَإِن كُنَّا سَوَاءً فِي البِضَاعَةِ
وَكَانَ بَعضُ الأَكَابِرِ يَقُولُ: أَكثِر مِن صُحبَةِ الأَخيَارِ، مِن صُحبَةِ الصَّالِحِينَ، فَلَا تَدرِي يَومَ القِيَامَةِ بِأَيِّ شَفَاعَةٍ، وَمِن أَيِّ وَاحِدٍ مِنهُم، يُنَجِّيكَ اللهُ تَعَالَى. فَأَكثِر مِنَ الإِخوَةِ، لَكِن أَيُّ نَاسٍ؟ الَّذِينَ عَلَى الخَيرِ وَالصَّلَاحِ. مَن تَرَى فِيهِ الخَيرَ وَالصَّلَاحَ، فَالتَصِق بِهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُثُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ الأَخيَارِ. أَمَّا الأَشرَارُ، فَإِنِ استَطَعتَ أَن تَكُونَ فِي المَشرِقِ وَهُوَ فِي المَغرِبِ، فَافعَل. ابتَعِد عَنهُ أَقصَى مَا تَستَطِيعُ؛ لِأَنَّكَ إِن كُنتَ مَعَهُ أَضَرَّكَ، وَإِن غِبتَ عَنهُ أَضَرَّكَ. فَابتَعِد عَنهُ، إِلَّا إِن كُنتَ ذَهَبتَ إِلَيهِ لِتَنصَحَهُ.
فَقَولُهُ: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ﴾ [آل عمران: 193]، الأَبرَارُ هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِالسُّنَّةِ. وَيُمكِنُ أَن تَقُولَ: «الأَبرَارُ» جَمعُ «بَرٍّ»، أَو جَمعُ «بَارٍّ». فَمَن هُوَ البَرُّ؟ البَرُّ هُوَ المُتَمَسِّكُ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]. وَمَاذَا كَانَ قَبلَهَا؟ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]. ثُمَّ جَاءَ بَعدَهَا: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]. فَهَذَا يَكُونُ سَبَبًا لِلرَّحمَةِ. فَإِذًا ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ﴾ [آل عمران: 193]، أَي: مَعَ الَّذِينَ هُم عَلَى الخَيرِ وَالصَّلَاحِ.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]، أَي: يُنَادِي إِلَى الإِيمَانِ، أَو لِأَجلِ الإِيمَانِ، أَو لِأَجلِ الهِدَايَةِ. فَالمَعنى: يَا رَبَّنَا، سَمِعنَا دَاعِيًا يَدعُو إِلَى الإِيمَانِ. وَالإِيمَانُ هُوَ التَّصدِيقُ بِالقَلبِ.
وَهُنَا، عِندَمَا نَقُولُ «الإِيمَانَ» فِي المَعنَى الِاصطِلَاحِيِّ الشَّرعِيِّ، فَإِنَّ الإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصدِيقُ. تَقُولُ: آمَنتُ بِكَذَا، أَي: صَدَّقتُ بِكَذَا. لَكِن فِي المَعنَى الشَّرعِيِّ، الإِيمَانُ هُوَ تَصدِيقٌ مَخصُوصٌ، بِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ، وَبِمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنهُ ﷺ: «ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا». فَالإِيمَانُ هُوَ التَّصدِيقُ، التَّصدِيقُ الجَازِمُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَم يَرتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. ﴿لَم يَرتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، أَي: لَم يَشُكُّوا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ عِندَهُ شَكٌّ فِي الإِيمَانِ، لَا يَكُونُ قَدِ انعَقَدَ قَلبُهُ. فَالعَقِيدَةُ هِيَ عَقدُ القَلبِ، وَالَّذِي يَكُونُ عِندَهُ شَكٌّ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا. فَلَو شَكَّ فِي وُجُودِ اللهِ، أَو شَكَّ فِي وَحدَانِيَّةِ اللهِ، أَو شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ، أَو شَكَّ فِي صِفَةٍ مِن صِفَاتِ اللهِ الواجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا، أَو شَكَّ فِي مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، أَو دَخَلَ إِلَى قَلبِهِ احْتِمَالٌ يَنتَفِي مَعَهُ الجَزمُ، فَهَذَا هُوَ الشَّكُّ. وَفِي الإِيمَانِ لَابُدَّ مِن عَقدِ القَلبِ جَازِمًا.
وَأَمَّا لَو أَنَّ وَاحِدًا كَانَت تَأتِيهِ خَوَاطِرُ، مِن وَسَاوِسِ الشَّيطَانِ، يُلقِي فِي قَلبِهِ شَيئًا لِيُبعِدَهُ عَنِ الإِيمَانِ، فَهَذَا خَاطِرٌ. فَإِن هُوَ صَرَفَهُ، فَهَذَا لَيسَ شَكًّا، وَلَا يُؤَاخَذُ العَبدُ بِهِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا إِذَا وَصَلَ إِلَى مَرحَلَةٍ صَارَ فِيهَا فِي القَلبِ شَكٌّ. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: 10]. وَهَذَا اسْتِفهَامُ إِنكَارٍ، أَي: لَا شَكَّ فِي اللهِ. فَإِذَا كَانَ فِي القَلبِ شَكٌّ، وَلَو لَم يَتَكَلَّمِ اللِّسَانُ، فَقَد وَصَلَ الأَمرُ إِلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ.
وَبَعضُ النَّاسِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، مِن سَفَاهَتِهِم قَد يُصَرِّحُ بِمِثلِ هَذَا. فَيَقُولُ: وَاللهِ أَنَا أَسمَعُ بِالإِسلَامِ، وَأَنَا نَشَأتُ بَينَ المُسلِمِينَ، وَأَقُولُ بِلِسَانِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَلَكِن أَنَا أَسمَعُ فِي وُجهَاتِ نَظَرٍ أُخرَى، وَأَنَا لَا أَدرِي، فَأَنَا أَصُومُ وَأُصَلِّي، وَإِن طَلَعَ الكَلَامُ صَحِيحًا وَإِن هُنَاكَ جَنَّةً وَنَارًا، فَقَد رَبِحتُ! فَنَقُولُ: هَذَا الشَّكُّ نَفسُهُ كُفرٌ. فَلَابُدَّ أَن يَكُونَ القَلبُ مَعقُودًا. فَالإِيمَانُ تَصدِيقٌ جَازِمٌ، لَا تَردُّدَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.
وَقَد يَطرَحُ بَعضُهُم سُؤَالًا، فَيَقُولُ: أَلَيسَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَا مَعنَاهُ، أَنَّهُ لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، فَيَقُولُونَ: اللهُ خَلَقَ الخَلقَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟ فَنَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَعرِضُ لَهُم هُوَ خَاطِرٌ، وَوَسوَسَةٌ، يَجِدُونَهَا فِي القَلبِ، ثُمَّ يَصرِفُونَهَا. فَلَمَّا قَالَ ﷺ: «وَجَدتُمُوهُ»، فَمَا الَّذِي وَجَدتُمُوهُ؟ لَيسَ المُرَادُ أَنَّهُم وَجَدُوا الوَسوَاسَ فَرَضُوا بِهِ، بَل المُرَادُ أَنَّهُم وَجَدُوا كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ، وَصَرَفُوا هَذَا الخَاطِرَ. فَأَنتَ إِذَا جَاءَ الشَّيطَانُ يَنفُثُ فِي قَلبِكَ شَيئًا فِيهِ تَشكِيكٌ بِالإِيمَانِ، أَو بِالوَحدَانِيَّةِ، أَو بِنُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو حَتَّى تَشكِيكٌ بِعِصمَةِ الأَنبِيَاءِ، فَإِذَا صَارَ فِي قَلبِكَ شَيءٌ مِن هَذَا، وَأَنتَ كَرِهتَهُ، فَقُل: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»، وَقُل: «آمَنتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ». وَمِمَّا يَنفَعُ جِدًّا لِطَردِ هَذَا الوَسوَاسِ أَن تَقُولَ: «اللهُ اللهُ رَبِّي، لَا أُشرِكُ بِهِ شَيئًا». فَإِذَا قُلتَ ذَلِكَ قَطَعتَهُ. وَأَنتَ تُؤجَرُ عَلَى هَذَا؛ تُؤجَرُ عَلَى طَردِ الوَسوَاسِ، وَتُؤجَرُ عَلَى هَذَا الذِّكرِ.
فَهَذِهِ قُلُوبٌ، وَقَد وُكِّلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِينٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَالشَّيطَانُ لَا يَترُكُكَ. قَد يَضَعُ فِي نَفسِكَ شَيئًا أَحيَانًا. أَلَيسَ بَعضُ النَّاسِ، عِندَمَا يَقَعُ البَلَاءُ فِي أُمَّةِ الإِسلَامِ، يَقَعُ فِي قُلوبِهِم شَيءٌ، فَيَقُولُ أَحَدُهُم: وَلِمَاذَا يَحصُلُ هَذَا لِلمُسلِمِينَ؟ وَقَد يَصِلُ بَعضُ النَّاسِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، إِلَى أَبعَدَ مِن ذَلِكَ، حَتَّى يَقُولَ: وَبَعدَينَ مَعَ رَبِّ العَالَمِينَ! وَهَذَا قَد يَصِلُ إِلَى الِاعتِرَاضِ عَلَى اللهِ، فَيَكفُرُ بِاللهِ تَعَالَى إِذَا اعتَرَضَ.
فَلِذَلِكَ نَقُولُ: لَو كَانَ شَيءٌ جَاءَ عَلَى قَلبِكَ مِن غَيرِ قَصدٍ مِنكَ، وَمِن غَيرِ رِضًا مِنكَ، وَغُلِبتَ عَلَيهِ قَهرًا، فَمَاذَا تَفعَلُ؟ تُقَاوِمُهُ، وَتَطرُدُهُ، وَتُؤجَرُ عَلَى طَردِكَ لِهَذَا الخَاطِرِ. وَتَقُولُ: آمَنتُ بِاللهِ. وَلِذَلِكَ تَذَكَّر مَا تَقَدَّمَ مَعَنَا فِي هَذِهِ العَشرِ الآيَاتِ الأَخِيرَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]. أَي: يَتَفَكَّرُونَ فِي الخَلقِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الخَالِقِ. فَلَا يَتَفَكَّرُ فِي ذَاتِ اللهِ، بَل يَصرِفُ عَن نَفسِهِ هَذَا؛ لِأَنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَاتِ اللهِ مَمنُوعٌ. وَإِنَّمَا يَتَفَكَّرُ فِي خَلقِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ.
فَإِذًا يَكُونُ جَوَابُنَا عَلَى مِثلِ ذَلِكَ: أَنَّنَا قَد صَدَّقنَا، وَقَد آمَنَّا. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193]، أَي: يُنَادِي إِلَى الإِيمَانِ، أَو لِأَجلِ الإِيمَانِ. يَا رَبَّنَا، سَمِعنَا دَاعِيًا يَدعُو إِلَى الإِيمَانِ، يَدعُو إِلَى التَّصدِيقِ بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالإِقرَارِ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ، وَاتِّبَاعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَطَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنهُ، مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. فَيَا رَبَّنَا، نَحنُ قَدَّمنَا ذَلِكَ، وَقَد صَدَّقنَا وَآمَنَّا.
﴿فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]
قَدَّمنا هُنَا وَجهًا فِي التَّفسِيرِ، وَهُوَ أَنَّ المُرَادَ: الكَبَائِرُ. وَقَالَ بَعضُهُم: يَا رَبِّ، استُر عَلَينَا الخَطَايَا، وَلَا تَفضَحنَا يَومَ القِيَامَةِ. فَنَحنُ نَخَافُ مِن فَضِيحَةِ الدُّنيَا، فَكَيفَ بِالفَضِيحَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الآخِرَةِ؟ وَفَضِيحَةُ الدُّنيَا رُبَّمَا تَكُونُ أَمَامَ أَهلِ المَسجِدِ، أَو أَهلِ الحَيِّ، أَو أَهلِ البَلَدِ. أَمَّا الفَضِيحَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الآخِرَةِ فَهِيَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ، لِمَن أَرَادَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَن يُفتَضَحَ وَأَلَّا يُستَرَ. وَتَعلَمُونَ أَنَّ مِن جُملَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الفَضِيحَةِ فِي ذَلِكَ الوَقتِ أَنَّ الأَرضَ تَشهَدُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَومَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحَى لَهَا (5)﴾ [الزلزلة: 4-5]. فَالأَرضُ الَّتِي اجتُرِحَت عَلَيهَا السَّيِّئَةُ، وَلَم يَتُب صَاحِبُهَا، وَشَاءَ اللهُ أَن يُفتَضَحَ بِهَا، يُنطِقُهَا اللهُ، فَتَتَكَلَّمُ، وَتَشهَدُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ. وَحَتَّى اليَدُ، يُنطِقُهَا اللهُ، وَالرِّجلُ، يُنطِقُهَا اللهُ، غَيرَ الشُّهُودِ وَالخُصَمَاءِ الَّذِينَ يُشهِدُهُمُ اللهُ تَعَالَى. فَهُنَاكَ تَكُونُ الفَضِيحَةُ يَومَ تَقُومُ الأَشهَادُ.
فَلِذَلِكَ مِن جُملَةِ مَعَانِي ﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]، أَي: يَا رَبِّ، اغفِر لَنَا، وَاستُر عَلَينَا الخَطَايَا؛ لِأَنَّهُ إِن غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَنَا الذَّنبَ، لَم نُعَاقَب عَلَيهِ. وَنَحنُ نَذكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنبِ كَمَن لَا ذَنبَ لَهُ». فَإِذَا وَقَعَ العَبدُ فِي ذَنبٍ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ، بِشَرطِ التَّوبَةِ: النَّدَمِ، لِأَجلِ أَنَّهُ عَصَى اللهَ، وَالعَزمِ عَلَى أَلَّا يَرجِعَ إِلَى ذَلِكَ الذَّنبِ، وَالإِقلَاعِ عَن ذَلِكَ الذَّنبِ، وَإِن كَانَتِ المَعصِيَةُ مَثَلًا تَركَ الصَّلَاةِ، شَرَعَ فِي القَضَاءِ، وَإِن كَانَ تَرَكَ صِيَامًا شَرَعَ فِي القَضَاءِ، وَإِن كَانَت عَلَيهِ زَكَاةٌ، أَو مَظَالِمُ، رَدَّهَا إِلَى أَصحَابِهَا. فَإِذَا غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ الذَّنبَ، لَم يُعَاقَب عَلَيهِ.
وَقَد يَغفِرُ اللهُ تَعَالَى لِلعَبدِ بِسَبَبٍ آخَرَ، مِثلَ أَن يَمُوتَ شَهِيدًا. فَإِنَّهُ، مَعَ أَوَّلِ قَطرَةِ دَمٍ تَنزِلُ مِن شَهِيدِ المَعرَكَةِ، تُمحَى عَنهُ الذُّنُوبُ، فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيهَا، وَلَا يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ، وَلَا يُعَذَّبُ يَومَ القِيَامَةِ. فَهَذَا أَيضًا مِن جُملَةِ سَترِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السَّيفُ مَحوُ الخَطَايَا». فَمَعَ أَوَّلِ قَطرَةِ دَمٍ تَنزِلُ مِنهُ تُغفَرُ لَهُ الذُّنُوبُ.
﴿وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]
أَي: امحُهَا عَنَّا بِفَضلِكَ وَرَحمَتِكَ إِيَّانَا. وَالصَّلَوَاتُ الخَمسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهَا. وَالوُضُوءُ، إِذَا تَوَضَّأتَ وُضُوءًا صَحِيحًا، كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لَا تُسرِفُ فِي المَاءِ، وَتَتَوَضَّأُ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ، ثَلَاثًا ثَلَاثًا فِي مَوَاضِعِهَا، لَا تَنقُصُ وَلَا تَزِيدُ، وَتَأتِي بِالوُضُوءِ كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّ الخَطَايَا الصَّغِيرَةَ تَخرُجُ وَتَنزِلُ مَعَ المَاءِ. وَهَذَا مِن رَحمَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَحيَانًا، بِسَبَبِ صَدَقَةٍ تَصَدَّقتَ بِهَا لِوَجهِ اللهِ، يُكَفِّرُ اللهُ عَنكَ الذُّنُوبَ. وَأَحيَانًا بِإِحسَانٍ أَحسَنتَهُ إِلَى أَخِيكَ. وَقَد قَالَ ﷺ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللهُ النَّارَ عَن وَجهِهِ يَومَ القِيَامَةِ». فَبِحَسَنَةٍ قَد تَعمَلُهَا، أَو بِكَلِمَةِ حَقٍّ، أَو بِإِعَانَةٍ عَلَى حَقٍّ، قَد يَرفَعُكَ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ دَرَجَاتٍ، وَيُكَفِّرُ عَنكَ مَا يُكَفِّرُ مِنَ السَّيِّئَاتِ.
﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ﴾ [آل عمران: 193]
قَالَ أَبُو الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: يَرحَمُ اللهُ المُؤمِنِينَ، مَا زَالُوا يَقُولُونَ: رَبَّنَا، رَبَّنَا، حَتَّى استُجِيبَ لَهُم. وَهَذَا مِن شَأنِ المُسلِمِ: «رَبَّنَا، رَبَّنَا». اُنظُر هُنَا كَم مَرَّةً تَكَرَّرَت: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: 193]، ﴿رَبَّنَا فَاغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ﴾ [آل عمران: 193]. وَقَد قَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: أَكثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ المُنَادِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 193] هُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: المُرَادُ هُوَ القُرآنُ. وَهَذَا وَجهٌ، وَهَذَا وَجهٌ، وَكِلَاهُمَا مَعنَاهُ الدَّعوَةُ إِلَى الهِدَايَةِ.
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194]
أَي: عَلَى تَصدِيقِ رُسُلِكَ، أَو مَا وَعَدتَّنَا مُنَزَّلًا عَلَى رُسُلِكَ، أَو عَلَى أَلسِنَةِ رُسُلِكَ.
﴿وَلَا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 194]
فِيهِ إِظهَارٌ لِلخُضُوعِ وَالضَّرَاعَةِ.
﴿إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]
أَي: مَا كَانَ مِمَّا وَعَدَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أَو مِمَّا تَوَعَّدَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا خُلفَ فِيهِ. فَيَا رَبَّنَا، عَجِّل لَنَا فِي ذَلِكَ. وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُم يَشُكُّونَ فِي وَعدِ اللهِ، أَو فِي وَعِيدِهِ. بَل قَالُوا: هَذَا مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا شَكَّ عِندَ المُؤمِنِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَاصِرُهُ عَلَى الكُفَّارِ. وَهَذَا يَقِينُنَا: أَنَّنَا مُنتَصِرُونَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الكُفَّارِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ. وَلَكِن، كَمَا يَقُولُ بَعضُ الإِخوَةِ: نَقُولُ: يَا رَبِّ، ارفَعِ البَلَاءَ عَن غَزَّةَ، وَيَا رَبِّ، ارفَعِ الكَربَ عَنِ الضِّفَّةِ، وَعَنِ الأَقصَى، وَيَا رَبِّ، عَجِّل لَنَا فِي ذَلِكَ. لَكِن مِن غَيرِ شَكٍّ فِي أَنَّ النَّصرَ سَيَكُونُ لِأُمَّةِ الإِسلَامِ. ﴿إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]؛ لِأَنَّ الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَن يَتَخَلَّفَ.
فَوَعدُ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ بِالجَنَّةِ حَقٌّ لَا خُلفَ فِيهِ، وَوَعِيدُ اللهِ لِلكَافِرِينَ بِالنَّارِ حَقٌّ لَا خُلفَ فِيهِ. وَلِذَلِكَ لَن تُلغَى جَهَنَّمُ. فَلَا مَجَالَ لِأَحَدٍ أَن يَقُولَ: إِنَّ رَبَّنَا، مِن بَابِ الرَّحمَةِ، قَد يُلغِي جَهَنَّمَ، وَيُخرِجُ الَّذِينَ فِيهَا! بَلِ اللهُ تَعَالَى أَعلَمَنَا بِأَنَّ الوَعِيدَ لِلكُفَّارِ أَنَّهُم أَهلُ جَهَنَّمَ، وَأَنَّ الوَعدَ بِالجَنَّةِ هُوَ لِأَهلِ الإِيمَانِ. فَنَسأَلُ اللهَ: اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن أَهلِ الجَنَّةِ، وَأَجِرنَا مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ.