بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ (200)﴾ [آل عمران: 200]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 200]، هَذَا خِطَابٌ لِأَهلِ الإِيمَانِ، ثَبَّتَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دِينِ الإِسلَامِ. وَمَعنَى ذَلِكَ: اصبِرُوا عَلَى الدِّينِ وَتَكَالِيفِهِ. وَقَد قَالَ الإِمَامُ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: الصَّبرُ حَبسُ النَّفسِ عَلَى المَكرُوهِ بِنَفيِ الجَزَعِ. أَي: أَن يَحبِسَ الإِنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا يُصِيبُهُ مَكرُوهٌ، وَأَن يَنفِيَ عَنهَا الجَزَعَ، فَلَا يَجزَعُ إِذَا أَصَابَهُ القَضَاءُ، وَلَا يَجزَعُ إِذَا نَزَلَ بِهِ البَلَاءُ، سَوَاءٌ أَكَانَ البَلَاءُ خَاصًّا أَم كَانَ عَامًّا؛ بَل يَنبَغِي أَن تَكُونَ نَفسُهُ صَابِرَةً، مُسَلِّمَةً بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ.
﴿اصبِرُوا﴾ [آل عمران: 200]، فَالعَمَلُ بِالطَّاعَةِ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ. وَلَو وَقَفنَا عِندَ كَلِمَةِ الصَّبرِ ابتِدَاءً، فَمَا هُوَ الصَّبرُ؟ الصَّبرُ حَبسُ النَّفسِ وَقَهرُهَا عَلَى مَكرُوهٍ تَتَحَمَّلُهُ، أَو عَلَى لَذِيذٍ تُفَارِقُهُ. ثُمَّ إِنَّ الصَّبرَ الَّذِي يُعَدُّ مِنَ الوَاجِبَاتِ القَلبِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَنوَاعٍ. أَوَّلُهَا: الصَّبرُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، بِأَن يَصبِرَ الإِنسَانُ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَأَن يَصبِرَ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَن يَصبِرَ عَلَى مَا يَنَالُهُ عِندَمَا يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ. فَهَذَا كُلُّهُ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ.
فَأَنتَ اليَومَ، وَأَنتَ فِي بَيتِكَ، قَاعِدًا، لَا تُكَلِّمُ أَحَدًا، يَختَلِفُ حَالُكَ عَمَّا إِذَا خَرَجتَ إِلَى النَّاسِ، فَرَأَيتَ مُنكَرًا، فَقُلتَ لِمَن فَعَلَهُ: هَذَا مُنكَرٌ، لَا تَفعَل كَذَا. فَهُنَا قَد يُلَاقِيكَ بِالمُعَارَضَةِ، وَقَد يَشتُمُكَ، وَقَد يَطعَنُ فِيكَ مِن خَلفِكَ، وَقَد يَضرِبُكَ أَحيَانًا، وَقَد يَتَكَلَّمُ عَلَيكَ، وَيَمشِيَ بَينَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ؛ لِأَنَّكَ لَم تَسكُت لَهُ عِندَمَا تَكَلَّمَ وَوَقَعَ فِي شَيءٍ مِنَ المُنكَرَاتِ. فَهَذَا كُلُّهُ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ. وَالَّذِي لَا يَكُونُ عِندَهُ صَبرٌ عَلَى هَذَا، كَيفَ تَكُونُ عِندَهُ قُوَّةٌ وَهِمَّةٌ فِي الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ؟
وَأَنتَ اليَومَ، عِندَمَا تَجِدُ مَن يُحَرِّفُ دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَقعُدُ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الحَقَّ، تَجِدُ أَنَّ بَعضَ النَّاسِ يُعَادِيكَ لِمُجَرَّدِ أَنَّكَ قُلتَ الحَقَّ. وَلَو سَأَلتَ: هَل بَينَكَ وَبَينَهُ شَيءٌ شَخصِيٌّ؟ لَقُلتَ: مَا بَينِي وَبَينَهُ شَيءٌ شَخصِيٌّ. فَلِمَاذَا إِذَن يَطعَنُ فِيكَ مِن خَلفِكَ؟ وَلِمَاذَا يَتَكَلَّمُ عَلَيكَ؟ وَلِمَاذَا يَغتَابُكَ؟ وَلِمَاذَا يَنِمُّ؟ لِأَنَّكَ قُلتَ الحَقَّ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُلِ الحَقَّ وَلَو كَانَ مُرًّا». فَقَولُكَ الحَقَّ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ.
فَالصَّبرُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَمرٌ عَظِيمٌ، وَقَد حَذَّرَ المُصطَفَى ﷺ مِمَّا سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ؛ فَفِي آخِرِ الزَّمَانِ عَجَائِبُ. وَمِن ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخبَرَ فَقَالَ: «بَدَأَ الإِسلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصلِحُونَ مَا أَفسَدَ النَّاسُ مِن سُنَّتِي». وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ، كَمَا كَانَ الأَمرُ فِي بَدَايَةِ دَعوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالحَقِّ يُعَادَى مِن أَكثَرِ النَّاسِ، وَيُستَهزَأُ بِهِ، وَيُشَوَّشُ عَلَيهِ؛ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالحَقِّ. وَكَانَ المُشرِكُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ يَقُولُونَ لِمَن أَسلَمَ: صَبَأَ. فَإِذَا أَسلَمَ وَاحِدٌ مِنهُم قَالُوا: صَبَأَ وَدَخَلَ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ.
فَهَذَا عَن أَوَّلِ الدَّعوَةِ، فَكَيفَ بِآخِرِهَا؟ فِي آخِرِ الزَّمَانِ سَتَجِدُ أَنَّ الَّذِي يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ، وَالَّذِي يُعَلِّمُ الحَقَّ، مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ عَنهُ: هَذَا جَاءَ بِدِينٍ جَدِيدٍ! وَيَقُولُ: مَا سَمِعتُ بِهَذَا مِن قَبلُ! ثُمَّ اليَومَ يَزدَادُ هَذَا التَّشوِيشُ مَعَ هَذَا الِانتِشَارِ الوَاسِعِ لِلفَضَائِيَّاتِ، وَمَا يُسَمَّى بِمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، فَتَجِدُ هَذَا يَتَكَلَّمُ، وَهَذَا يَتَكَلَّمُ، وَهَذَا يَتَكَلَّمُ، فَصَارَ النَّاسُ مُشَوَّشِينَ، وَصَارَ عَدَدٌ مِنهُم فِي ضَيَاعٍ. يَقُولُ لَكَ الوَاحِدُ: مِمَّن آخُذُ؟ وَلِمَن أَرجِعُ؟ ثُمَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالحَقِّ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُهَاجِمُونَهُ.
وَقَد بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «افتَرَقَتِ اليَهُودُ إِلَى إِحدَى وَسَبعِينَ فِرقَةً، وَافتَرَقَتِ النَّصَارَى إِلَى اثنَتَينِ وَسَبعِينَ فِرقَةً، وَسَتَفتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبعِينَ فِرقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصحَابِي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «كِتَابِ الفِتَنِ». وَذَكَرَ الأُستَاذُ عَبدُ القَاهِرِ بنُ طَاهِرٍ البَغدَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ إِمَامٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ، أَجَادَ أَكثَرَ مِن سَبعَةَ عَشَرَ فَنًّا، وَكَانَ فِي القَرنِ الرَّابِعِ، أَنَّهُ خَرَّجَ هَذَا الحَدِيثَ، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الفِرَقَ ظَهَرَت مِن ذَلِكَ الزَّمَنِ؛ يَعنِي: فِي القَرنِ الرَّابِعِ، كَانَتِ الفِرَقُ الَّتِي أَخبَرَ عَنهَا النَّبِيُّ ﷺ كُلُّهَا قَد ظَهَرَت. وَمَن يَأتِي بَعدَ ذَلِكَ تَجِدهُ يَرجِعُ إِلَى هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ إِنَّهُ، وَهُوَ إِمَامٌ حَافِظٌ، خَرَّجَ الحَدِيثَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَكثَرُ مِن سَبعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ. ثُمَّ صَنَعَ فِي كِتَابِهِ «الفَرقُ بَينَ الفِرَقِ» شَيئًا نَافِعًا؛ فَصَارَ يَذكُرُ هَذِهِ الفِرَقَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً. فَذَكَرَ، مَثَلًا، أَنَّ الفِرَقَ الِاثنَتَينِ وَالسَّبعِينَ هِيَ الفِرَقُ الشَّاذَّةُ، فَجَعَلَ مِنهَا عِشرِينَ فِرقَةً مِنَ الخَوَارِجِ، وَعِشرِينَ فِرقَةً مِنَ المُعتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ، وَعِشرِينَ فِرقَةً مِنَ الرَّوَافِضِ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنَ المُشَبِّهَةِ وَغَيرِهِم مِن أَهلِ الضَّلَالِ، حَتَّى وَصَلَ بَعدَ ذَلِكَ إِلَى الفِئَةِ النَّاجِيَةِ، إِلَى الفِرقَةِ النَّاجِيَةِ، إِلَى مَا كَانَ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
ثُمَّ بَعدَ أَن وَصَلَ إِلَى الفِرقَةِ النَّاجِيَةِ، أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، ذَكَرَ الأُصُولَ الَّتِي أَجمَعَ عَلَيهَا أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَصَارَ يَقُولُ لَكَ: أَهلُ السُّنَّةِ أَجمَعُوا عَلَى هَذِهِ المَسَائِلِ. وَمَعنَى ذَلِكَ: حَتَّى تَعرِفَ مَن هُم أَهلُ الحَقِّ، وَحَتَّى تَعرِفَ مَن هُم أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. فَهُوَ يَحكِي لَكَ فِي هَذَا المَوضِعِ مَا أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّةُ. فَمَن كَانَ فِي دِينِهِ، وَفِي عَقِيدَتِهِ، عَلَى مِثلِ هَؤُلَاءِ، فَهُوَ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
وَمِن جُملَةِ مَا قَالَهُ: أَجمَعُوا، أَي أَهلُ السُّنَّةِ، عَلَى أَنَّهُ، أَي: اللَّهُ، لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ. وَقَالَ الإِمَامُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجهَهُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ. وَقَالَ أَيضًا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، وَلَم يَتَّخِذهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ. ثُمَّ صَارَ يُعَدِّدُ، فَيَقُولُ: أَهلُ السُّنَّةِ مُجمِعُونَ عَلَى إِثبَاتِ عَذَابِ القَبرِ، وَعَلَى إِثبَاتِ نَعِيمِ القَبرِ، وَعَلَى الحَوضِ، وَالصِّرَاطِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَنَّهُم مُجمِعُونَ عَلَى الإِيمَانِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَمُجمِعُونَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ المُكَذِّبَ بِالقَدَرِ زِندِيقٌ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ القَاضِي، وَهُوَ أَشهَرُ تَلَامِيذِ أَبِي حَنِيفَةَ، إِذَا قِيلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، فَالصَّاحِبَانِ هُمَا: مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبَانِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ القَاضِي، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: المُعتَزِلَةُ زَنَادِقَةٌ.
وَلِلإِمَامِ البَغدَادِيِّ نَفسِهِ كِتَابٌ اسمُهُ «تَفسِيرُ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ»، وَهَذَا الكِتَابُ كَانَ مَخطُوطًا نَادِرًا، ثُمَّ طُبِعَ وَحُقِّقَ حَدِيثًا، وَقَالَ فِيهِ أَهلُ العِلمِ: إِنَّهُ أَجمَعُ كِتَابٍ فِي عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. وَمَاذَا يَقُولُ فِي هَذَا الكِتَابِ؟ يَقُولُ: أَصحَابُنَا أَجمَعُوا عَلَى تَكفِيرِ المُعتَزِلَةِ، يَعنِي: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ. فَإِذًا هُوَ يَحكِي لَكَ مَا أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّةُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ: لَا قَدَرَ، أَو يُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَكُونُ مِنَ المُسلِمِينَ.
فَنَرجِعُ إِلَى آيَةِ الصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ، يَا عِبَادَ اللَّهِ. فَإِذًا أَنتَ اليَومَ، عِندَمَا تَقعُدُ أَو تَمضِي بَينَ النَّاسِ تُعَلِّمُ الحَقَّ، تَجِدُ مُعَارَضَاتٍ كَثِيرَةً، فَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا التَّثبِيتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200].
وَقَد ذَكَرنَا النَّوعَ الأَوَّلَ مِنَ الصَّبرِ الوَاجِبِ، وَهُوَ الصَّبرُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللَّهُ. وَالنَّوعُ الثَّانِي: الصَّبرُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ. وَكَلَامُنَا الآنَ فِي الصَّبرِ الوَاجِبِ. وَالصَّبرُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ يَعنِي أَن يَحبِسَ الإِنسَانُ نَفسَهُ، وَأَن يُمسِكَ نَفسَهُ، عَنِ الوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ. فَحَتَّى تَحبِسَ لِسَانَكَ عَن غِيبَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ، تَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ. وَحَتَّى تَحفَظَ بَصَرَكَ مِن أَن يَقَعَ عَلَى عَورَةِ مُسلِمٍ أَو مُسلِمَةٍ، أَو مِن أَن يَقَعَ عَلَى شَيءٍ لَيسَ لَكَ أَن تَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَيهِ، تَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ. وَأَن تَغُضَّ بَصَرَكَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى العَورَاتِ، وَعَن تَتَبُّعِ العَورَاتِ، هَذَا يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ.
أَلَيسَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيسَت لَكَ الثَّانِيَةُ»؟ وَمَعنَى ذَلِكَ: أَنَّ النَّظرَةَ الأُولَى إِذَا لَم تَكُن بِقَصدٍ، كَأَن تَمشِيَ فِي الطَّرِيقِ، أَو تَقُودَ السَّيَّارَةَ، فَتَأتِي أَمَامَكَ امرَأَةٌ كَاشِفَةٌ لِعَورَتِهَا، وَأَنتَ لَم تَكُن تَقصِدُ أَن تَنظُرَ، وَلَم تَكُن تَعرِفُ أَنَّ هَذِهِ العَورَةَ سَتَظهَرُ أَمَامَكَ، فَهُنَا لَا مَعصِيَةَ عَلَيكَ؛ لِأَنَّكَ لَم تَتَعَمَّد. فَهَذَا هُوَ مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيسَت لَكَ الثَّانِيَةُ». أَمَّا بَعدَ ذَلِكَ، فَيَحرُمُ عَلَيكَ أَن تُدِيمَ النَّظَرَ، وَيَجِبُ عَلَيكَ أَن تُبعِدَ بَصَرَكَ. وَلَيسَ مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ، كَمَا يُحَرِّفُ بَعضُ النَّاسِ مَعنَاهُ، أَنَّ النَّظرَةَ الأُولَى، وَإِن طَالَت، فَهِيَ لَكَ! لَيسَ هَذَا مَعنَاهُ، بَل مَعنَاهُ أَنَّكَ لَم تَقصِد.
وَأَلَيسَ أَحيَانًا يَدخُلُ إِلَى سَمعِ الوَاحِدِ مِنَّا شَيءٌ قَهرًا؟ أَنتَ جَالِسٌ فِي البَيتِ، فَيَدخُلُ إِلَى سَمعِكَ، بِالأَسَفِ، صَوتُ بَعضِ النَّاسِ وَهُم لَا يُرَاعُونَ، وَلَا يَتَّقُونَ اللَّهَ، وَلَا يَستَحيُونَ، بَل يَتَجَرَّؤُونَ عَلَى المَعَاصِي. فَتَجِدُ بَعضًا مِنهُم قَد شَغَّلَ آلَاتِ اللَّهوِ المُحَرَّمَةِ، وَأَنتَ قَاعِدٌ فِي بَيتِكَ، أَو حَتَّى فِي المَسجِدِ أَحيَانًا، فَيَدخُلُ إِلَى سَمعِكَ صَوتُ المُوسِيقَى، وَآلَاتِ اللَّهوِ، وَالطَّرَبِ، قَهرًا. فَأَنتَ مَا قَصَدتَ الِاستِمَاعَ، فَلَا تَقَعُ فِي المَعصِيَةِ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ بَصَرُكَ عَلَى عَورَةٍ مِن غَيرِ قَصدٍ، فَأَنتَ مَا تَعَمَّدتَ، فَلَيسَ عَلَيكَ مَعصِيَةٌ، وَلَكِن بَعدَ ذَلِكَ لَا تُدِمِ النَّظَرَ. لَا تُدِمهُ. فَيُوجَدُ بَعضُ النَّاسِ يَتَجَرَّؤُونَ عَلَى المَعَاصِي، وَانظُر كَيفَ هِيَ جُرأَةٌ عَلَى مَعصِيَةِ اللَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يَستَحيُونَ، بَل مِنهُم مَن لَا يَستَحيِي أَصلًا.
فَإِذًا النَّوعُ الثَّانِي مِنَ الصَّبرِ فِي آيَةِ الصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا﴾ [آل عمران: 200]، هُوَ الصَّبرُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ؛ أَي: أَن يَصبِرَ الإِنسَانُ، وَأَن يَحبِسَ نَفسَهُ، عَنِ الوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ.
ثُمَّ زِد عَلَى ذَلِكَ النَّوعَ الثَّالِثَ مِن أَنوَاعِ الصَّبرِ الوَاجِبِ، وَهُوَ أَن يَصبِرَ الإِنسَانُ عَلَى مَا ابتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ؛ بِمَعنَى أَلَّا يَعتَرِضَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَتَسَخَّطَ عَلَى اللَّهِ. فَالبَلَاءُ نَازِلٌ لَا مَحَالَةَ، وَمَهمَا كَانَت أَنوَاعُ الحِيطَةِ وَالحَذَرِ الَّتِي يَأخُذُ بِهَا الإِنسَانُ، فَإِنَّ القَدَرَ لَن يَتَغَيَّرَ. لَابُدَّ أَن يَكُونَ مَا أَرَادَ اللَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَكُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ، الخَيرُ وَالشَّرُّ، كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ. فَهَيِّئ نَفسَكَ، فَالبَلَاءُ حَاصِلٌ.
وَأُعطِيكَ دَلِيلًا وَاحِدًا: أَلَيسَ المَوتُ حَقًّا؟ بَلَى. أَلَيسَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ (30)﴾ [الزمر: 30]؟ بَلَى. فَمَهمَا بَلَغَت عِنَايَتُنَا، وَمَهمَا استَحضَرتَ مَن كُنتَ تَعرِفُهُ، أَو تَسمَعُ عَنهُ، مِمَّن كَانَ يَعتَنِي بِصِحَّتِهِ، وَطَعَامِهِ، وَغِذَائِهِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ مَرِضَ وَمَاتَ، فَلَا بُدَّ مِنَ المَوتِ. وَهَذَا كُلُّهُ قَضَاءٌ وَقَدَرٌ.
وَقَد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ (163)﴾ [الأنعام: 162-163]. وَفِي هَذَا إِخبَارٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]، أَي: أَوَّلُ مُسلِمِي زَمَانِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِلَّا فَالإِسلَامُ دِينُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ. وَقَولُهُ: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162] هَذِهِ أَعمَالٌ اختِيَارِيَّةٌ لَكَ فِيهَا اختِيَارٌ، وَقَولُهُ: ﴿وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: 162] هَذِهِ تُسَمَّى أَعمَالًا اضطِرَارِيَّةً، أَو غَيرَ اختِيَارِيَّةٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَخبَرَ هُنَا بِبَيَانٍ مُهِمٍّ: ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162]، هَذِهِ الأَعمَالُ الِاختِيَارِيَّةُ، ﴿وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: 162]، هَذِهِ الِاضطِرَارِيَّةُ أَوِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا غَيرُ الِاختِيَارِيَّةِ، ﴿لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، أَي: هَذَا بِخَلقِ اللَّهِ، وَهَذَا بِخَلقِ اللَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَإِذًا المَوتُ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ مِنهُ. وَلَا بُدَّ أَن يَأتِيَ يَومٌ، وَأَن تَأتِيَ سَاعَةٌ، تُفَارِقُ فِيهَا حَبِيبًا جِدًّا عَلَى قَلبِكَ. وَلَا بُدَّ أَن تَسمَعَ هَذَا قَبلَ حُصُولِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَد حَصَلَ مَعَ أَكثَرِنَا، وَبَعدَ ذَلِكَ نَنتَظِرُ مَا يَأتِي. فَسَلِّم. فَإِذَا نَزَلَ هَذَا البَلَاءُ، فَلَا جَزَعَ، وَلَا تَسَخُّطَ، وَلَا اعتِرَاضَ عَلَى اللَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. فَتَقدِيرُ اللَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى نَافِذٌ، وَتَقدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى لَابُدَّ أَنَّهُ كَائِنٌ. وَمَعنَى تَقدِيرِ اللَّهِ: تَدبِيرُ اللَّهِ الأَشيَاءَ عَلَى وَجهٍ مُطَابِقٍ لِعِلمِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ، وَمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى الأَزَلِيَّةِ. وَكَمَا قَالَ المُصطَفَى ﷺ: «مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن». فَمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الأَزَلِ، بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ، أَنَّهُ سَيَكُونُ، لَابُدَّ أَن يَكُونَ فِي الوَقتِ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، مِن غَيرِ أَن يَتَأَخَّرَ. وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن؛ أَي: الَّذِي مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى حُصُولَهُ لَم يَكُن، وَلَوِ اجتَمَعَ أَكثَرُ النَّاسِ لِحُصُولِ ذَلِكَ لَم يَستَطِيعُوا. وَأَذكُرُ لَكُم مِثَالًا وَاحِدًا: الكُفَّارُ لَوِ استَطَاعُوا أَن يُبِيدُوا كُلَّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَيَفعَلُونَ أَم لَا يَفعَلُونَ؟ لَوِ استَطَاعُوا إِبَادَةَ كُلِّ الأُمَّةِ، أَيَفعَلُونَ أَم لَا يَفعَلُونَ؟ هَل يَدَّخِرُونَنَا؟ لَا.
﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]
إِذَا أَخَذنَا بِالمَعنَى الأَوَّلِ، وَالإِجمَالِيِّ، وَالأَكثَرِ شُهرَةً، فَمَعنَى ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]: صَابِرُوا أَعدَاءَ اللَّهِ فِي الجِهَادِ؛ أَي: غَالِبُوهُم فِي الصَّبرِ عَلَى شَدَائِدِ الحَربِ، وَلَا تَكُونُوا أَقَلَّ صَبرًا مِنهُم وَلَا أَقَلَّ ثَبَاتًا. فَمَا الفَرقُ هُنَا؟ قَد بَيَّنَّا مَعنَى الصَّبرِ، أَمَّا هُنَا فَالمَعنَى: اغلِبُوهُم بِالصَّبرِ. وَهَذَا دَرسٌ عَظِيمٌ: اغلِبُوهُم بِالصَّبرِ. فَأَحيَانًا عَدُوُّكَ يَختَبِرُكَ، وَيَختَبِرُ صَبرَكَ، فَإِن وَجَدَكَ صَابِرًا، لَانَ هُوَ، وَانهَزَمَ هُوَ. فَتَكُونُ قَد هَزَمتَهُ بِمَاذَا؟ بِصَبرِكَ. وَيَجعَلُ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ مَا يَجعَلُ مِنَ الأَسبَابِ.
وَمِن أَسبَابِ النَّصرِ، نَصرِ المُسلِمِينَ عَلَى الكُفَّارِ، الصَّبرُ وَالمُصَابَرَةُ. وَأُعطِي مِثَالًا وَاحِدًا: يَومَ الخَندَقِ، يَومَ غَزوَةِ الأَحزَابِ، اجتَمَعَ أَكبَرُ جَيشٍ لِمُحَاصَرَةِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَاشتَرَكَ فِيهِ يَهُودُ بَنِي قُرَيظَةَ وَغَيرُهُم مِمَّن كَانُوا يُؤَلِّبُونَ الأَحزَابَ وَيَجمَعُونَ عَلَى حَربِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَانَ العَرَبُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ إِذَا صَارَ فِيهِ قِتَالٌ، تَقَاتَلَت قَبِيلَةٌ مَعَ قَبِيلَةٍ، فَيَكُونُ العَدَدُ مِائَتَينِ، أَو ثَلَاثَ مِائَةٍ، أَو أَربَعَ مِائَةٍ، أَو خَمسَ مِائَةٍ، أَو أَلفًا. أَمَّا يَومَ الأَحزَابِ فَقَدِ اجتَمَعَ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَحَاصَرُوا المَدِينَةَ.
فَصَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَصَابَرَ، وَحَثَّ المُسلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَشَارَ سَلمَانُ الفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ بِحَفرِ الخَندَقِ، حَتَّى كَانَ يَحفِرُ الخَندَقَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ، وَالجُوعُ شَدِيدٌ، وَيَضَعُونَ الحَجَرَ عَلَى البَطنِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ. وَكَانَ حِصَارًا شَدِيدًا جِدًّا، لَا أَحَدَ يَدخُلُ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَا أَحَدَ يَخرُجُ مِنهَا، حِصَارٌ مُطبِقٌ. وَمَعَ الصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ كَانَ هُنَاكَ العَمَلُ بِالمُستَطَاعِ، وَالأَخذُ بِالأَسبَابِ؛ فَحُفِرَ الخَندَقُ، وَوُزِّعَتِ المَوَاقِعُ. وَحَتَّى نَحنُ إِلَى اليَومِ، عِندَمَا نَزُورُ المَدِينَةَ، اللَّهُ يَرزُقُنَا زِيَارَةً قَرِيبَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، هُنَاكَ مَا يُقَالُ لَهُ: المَسَاجِدُ السَّبعَةُ. فَيُقَالُ: إِنَّ هُنَاكَ، مَثَلًا، مَسجِدَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَعَلَ أَبَا بَكرٍ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَعُمَرَ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَعَلِيًّا فِي هَذَا المَوضِعِ. وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَسبَابِ، مِن جَمعِ الصَّحَابَةِ، وَاستِعدَادِهِم لِمُلَاقَاةِ العَدُوِّ.
وَلَكِنَّ العَدُوَّ كَانَ ضَخمًا جِدًّا. وَمِن فَوقِ الخَندَقِ حَاوَلَ بَعضُ كِبَارِ فُرسَانِ الجَاهِلِيَّةِ التَّسَلُّلَ، فَتَصَدَّى لَهُم سَيِّدُنَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَصَدَّى لَهُم مَن تَصَدَّى مِنَ الصَّحَابَةِ الأَبطَالِ رِضوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِم. فَكَانَ الأَخذُ بِالأَسبَابِ حَاضِرًا، وَمَعَ ذَلِكَ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو اللَّهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَلتَجِئُ إِلَيهِ. فَقَامَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي المَكَانِ الَّذِي هُوَ اليَومَ مَعرُوفٌ بِاسمِ مَسجِدِ الفَتحِ، فَدَعَا عَلَى الأَحزَابِ، كَمَا جَاءَ فِي «مُسنَدِ أَحمَدَ»، يَومَ الِاثنَينِ، فِي المَكَانِ الَّذِي فِيهِ الآنَ مِحرَابٌ مَنصُوبٌ دَاخِلَ مَسجِدِ الفَتحِ، وَقَالُوا: كَانَ هَذَا مَوقِفَ النَّبِيِّ ﷺ. فَكَانَ يَدعُو عَلَى الأَحزَابِ يَومَ الِاثنَينِ وَالثُّلَاثَاءِ، فَجَاءَتهُ الإِجَابَةُ يَومَ الأَربِعَاءِ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ. فَكَانَ، فِيمَا يَروِيهِ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي «مُسنَدِهِ» عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ، الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ، أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ أَتَعَرَّفُ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ فِي مَوقِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومَ الأَربِعَاءِ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ. فِي تِلكَ السَّاعَةِ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيَاحًا شَدِيدَةً قَلَعَت خِيَامَ المُشرِكِينَ، وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعبَ فِي قُلُوبِهِم، مَعَ أَنَّهُم هُمُ الكَثرَةُ، وَهُم المُحَاصِرُونَ، فَصَارَ المُحَاصِرُ كَأَنَّهُ مُحَاصَرٌ. فَهَرَبُوا، هَرَبُوا، وَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: أَنَا رَاجِعٌ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَهرُبُ؟ فَقَالَ: أَنَا لَا أَرَى إِلَّا أَنِّي رَاجِعٌ، هَذِهِ عَلَامَاتُ الهَلَاكِ وَالعَذَابِ.
فَرَجَعُوا، وَبَعدَ ذَلِكَ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ، وَجَاءَ سَيِّدُنَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَوحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَا أَعلَمَهُ بِهِ جِبرِيلُ، فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ العَصرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ». وَهُم الَّذِينَ كَانُوا يُؤَلِّبُونَ. فَدَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى اليَهُودِ، وَدَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى الأَحزَابِ، وَهَكَذَا تَوَالَتِ الأُمُورُ حَتَّى كَانَ فَتحُ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ. فَبِمَاذَا كَانَ هَذَا؟ كَانَ بِالصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ. وَلَيسَ دَائِمًا أَن تَنظُرَ إِلَى العَدَدِ، وَلَا أَن تَقُولَ: نَحنُ الحَلقَةُ الأَضعَفُ، وَنَحنُ المُحَاصَرُونَ، وَأَعدَاؤُنَا عِندَهُم مَا عِندَهُم. بَلِ الجَوَابُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200].
فَدَخَلَ فِي مَوضُوعِ الصَّبرِ أَوَّلًا: الصَّبرُ عَلَى أَدَاءِ الوَاجِبِ، وَالصَّبرُ عَلَى اجتِنَابِ المُحَرَّمِ، أَي: دَخَلَ الصَّبرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الصَّبرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ طَرِيقُ نَصرِ المُسلِمِينَ. وَهَذَا مَعنَى قَولِ الحَقِّ سُبحَانَهُ: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدَامَكُم (7)﴾ [محمد: 7]. ثُمَّ زَادَ بَعدَ ذَلِكَ: ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]، أَي: غَالِبُوهُم، وَاغلِبُوهُم بِالصَّبرِ، وَلَا تَكُونُوا أَقَلَّ مِنهُم صَبرًا.
﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200]
الرِّبَاطُ: أَن تُقِيمُوا فِي الثُّغُورِ، رَابِطِينَ خَيلَكُم فِيهَا، مُتَرَصِّدِينَ، مُستَعِدِّينَ لِلغَزوِ. فَإِذًا: اصبِرُوا عَلَى دِينِكُم، وَصَابِرُوا الكُفَّارَ، وَرَابِطُوهُم. فَصَبرُكُم عَلَى دِينِكُم، وَمُصَابَرَتُكُم عَدُوَّكُم، وَرِبَاطُكُم فِي وَجهِ عَدُوِّكُم، كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُ نَصرِكُم بِإِذنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَكُونُوا فِي الثُّغُورِ مُرَابِطِينَ.
وَأَرضُ الشَّامِ، وَمِنهَا الأُردُنُّ، كَانَت تُعَدُّ فِيمَا مَضَى أَرضَ رِبَاطٍ. وَفِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، لَمَّا استَلَمَ الخِلَافَةَ، وَصَارَ يُقَالُ لَهُ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ مُؤَذِّنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكُلُّنَا يَعلَمُ كَم كَانَ صَبرُ بِلَالٍ فِي الطَّاعَةِ، وَكَم كَانَ حُبُّ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَحُبُّ النَّبِيِّ ﷺ لِبِلَالٍ، حَتَّى إِنَّهُ مَرَّةً قَالَ: «الجَنَّةُ اشتَاقَت إِلَى ثَلَاثَةٍ»، فَذَكَرَ مِنهُم بِلَالًا، وَعَلِيًّا، وَعَمَّارًا، فَكَانَ بِلَالٌ مِنهُم.
وَكَانَ قَلبُ بِلَالٍ مُتَعَلِّقًا جِدًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ. فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بِلَالٍ كَثِيرًا، وَحَزِنَ حُزنًا كَبِيرًا. ثُمَّ إِنَّ بِلَالًا شَقَّ عَلَيهِ أَن يَمكُثَ فِي المَدِينَةِ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ؛ لِأَنَّ هَذَا المَكَانَ الَّذِي اعتَادَ أَن يَرَى فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ، أَن يَأتِيَ إِلَيهِ وَلَا يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَانَ شَاقًّا عَلَيهِ. فَاستَأذَنَ الخَلِيفَةَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكرٍ، ائذَن لِي بِالسَّفَرِ إِلَى الشَّامِ. وَلِمَاذَا الشَّامُ؟ لِأَجلِ الَّذِي ذَكَرنَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّامَ كَانَت تُعتَبَرُ أَرضَ رِبَاطٍ. كَانَت هَذِهِ الأَرضُ فِيهَا الرُّومُ، وَفِيهَا الكُفَّارُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ عِندَمَا يَتَقَدَّمُونَ يَأتُونَ إِلَى هَذِهِ الأَرضِ يُجَاهِدُونَ الكُفَّارَ. فَبِلَالٌ مَاذَا أَرَادَ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ؟ أَرَادَ أَن يَأتِيَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى يُقَاتِلَ وَيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهَا أَرضُ رِبَاطٍ.
فَقَالَ: ائذَن لِي، يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ. فَأَبُو بَكرٍ لَم يَأذَن لَهُ ابتِدَاءً، وَقَالَ لَهُ: يَا بِلَالُ، نَشتَهِي أَن تَبقَى مَعَنَا، نَشتَهِي أَن نَسمَعَ أَذَانَكَ كَمَا كُنَّا نَسمَعُهُ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ كَلِمَةً مُؤَثِّرَةً. وَمَن الَّذِي كَانَ قَد أَعتَقَ بِلَالًا؟ أَبُو بَكرٍ، هُوَ الَّذِي أَعتَقَهُ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكرٍ، أَأَعتَقتَنِي لِلَّهِ أَم أَعتَقتَنِي لِنَفسِكَ؟ فَقَالَ: بَل أَعتَقتُكَ لِلَّهِ. فَقَالَ: فَاترُكنِي أُسَافِر إِلَى الشَّامِ. فَأَذِنَ لَهُ.
فَسَافَرَ بِلَالٌ، وَجَاءَ إِلَى أَرضِ الشَّامِ، وَصَارَ مُرَابِطًا فِي أَرضِ الشَّامِ. وَأَينَ قَبرُ بِلَالٍ الآنَ؟ لَيسَ فِي البَقِيعِ، وَلَا فِي المَدِينَةِ، بَل فِي مَقبَرَةِ البَابِ الصَّغِيرِ فِي دِمَشقَ، فِي الشَّامِ، وَقَبرُ سَيِّدِنَا بِلَالٍ هُنَاكَ مَعرُوفٌ. فَبَقِيَ هُنَا يُقَاتِلُ وَيُرَابِطُ.
ثُمَّ لَا بَأسَ أَن أَقِفَ هُنَا عِندَ قِصَّةِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ. بَعدَ زَمَنٍ، وَهُوَ فِي الشَّامِ، وَلَم يَكُن قَد قَدِمَ المَدِينَةَ، كَانَ الشَّوقُ عَظِيمًا فِي قَلبِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَشغُولًا بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبِالقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَشتَاقُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَد مَضَى عَلَيهِ زَمَنٌ لَم يَذهَب فِيهِ إِلَى المَدِينَةِ.
وَيَروِي هَذِهِ القِصَّةَ الإِمَامُ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِ دِمَشقَ»، وَغَيرُهُ. ذَاتَ لَيلَةٍ، رَأَى بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ، يَقُولُ لَهُ: يَا بِلَالُ. مَن الَّذِي يَقُولُ لَهُ هَذَا فِي المَنَامِ؟ النَّبِيُّ ﷺ. وَرُؤيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي المَنَامِ حَقٌّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَد رَآنِي حَقًّا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِصُورَتِي»، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَزَيَّا بِي»، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِصُورَتِي». نَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يُكرِمَنَا بِرُؤيَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُحَمَّدٍ فِي المَنَامِ عَلَى الصِّفَةِ الأَصلِيَّةِ. فَهَذِهِ الرُّؤيَا حَقٌّ، وَلَيسَت مِنَ الشَّيطَانِ.
فَرَأَى بِلَالٌ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ. وَأَينَ كَانَ بِلَالٌ؟ كَانَ فِي الشَّامِ، وَقَد مَضَى عَلَيهِ زَمَنٌ لَم يَزُر فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَنَامِ: يَا بِلَالُ، أَمَا آنَ لَكَ أَن تَزُورَنَا؟ أَمَا آنَ لَكَ أَن تَزُورَنَا، يَا بِلَالُ؟ مَا هَذِهِ الجَفوَةُ، يَا بِلَالُ؟ ثُمَّ رَجَعَ بِلَالٌ، فَنَامَ، فَرَأَى نَفسَ الرُّؤيَا، ثُمَّ مَرَّةً ثَالِثَةً فَرَأَى نَفسَ الرُّؤيَا. فَلَمَّا أَفَاقَ بِلَالٌ، شَدَّ رَحلَهُ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَلَم يَتَأَخَّر، وَلَم يُبطِئ؛ فَالدَّعوَةُ إِلَى الحُضُورِ مِمَّن؟ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
فَسَافَرَ سَيِّدُنَا بِلَالٌ مِنَ الشَّامِ، مِن دِمَشقَ، قَاصِدًا زِيَارَةَ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَدَّ الرِّحَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى وَصَلَ المَدِينَةَ. فَلَمَّا وَصَلَ المَدِينَةَ، مَا ذَهَبَ إِلَى أَحَدٍ، بَل كَانَت وِجهَتُهُ الأُولَى مَسجِدَ النَّبِيِّ ﷺ. فَوَصَلَ إِلَى القَبرِ الشَّرِيفِ، فَوَضَعَ وَجهَهُ عَلَى القَبرِ، وَصَارَ يَبكِي، وَيُمَرِّرُ وَجهَهُ بِالتُّرَابِ. فَدَخَلَ الحَسَنُ وَالحُسَينُ، فَنَظَرَا، وَقَالَا: مَن؟ فَإِذَا هُوَ بِلَالٌ. فَقَالَا: يَا بِلَالُ، نَشتَهِي أَن نَسمَعَ أَذَانَكَ كَمَا كُنَّا نَسمَعُهُ أَيَّامَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَكَانَ قَد صَارَ وَقتُ الصَّلَاةِ، فَصَعِدَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ. فَمَا سَمِعَ النَّاسُ هَذَا الصَّوتَ مُنذُ أَن مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا قَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ، اللَّهُ أَكبَرُ، ارتَجَّتِ المَدِينَةُ. فَلَمَّا قَالَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ازدَادَت رَجَّتُهَا. فَلَمَّا قَالَ: أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، خَرَجَ النَّاسُ، وَحَتَّى النِّسَاءُ، مِن بُيُوتِهِنَّ يَبكِينَ؛ لِأَنَّهُم تَذَكَّرُوا زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَا سَمِعُوا هَذَا الصَّوتَ، وَلَا هَذَا النِّدَاءَ، وَلَا هَذَا الأَذَانَ، مُنذُ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَمَكَثَ بِلَالٌ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي المَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعَ، وَأَكمَلَ رِبَاطَهُ فِي أَرضِ الشَّامِ. فَلِذَلِكَ كَانَتِ الشَّامُ أَرضًا لِلرِّبَاطِ، وَكَانَت بَلَدًا لِلفَتحِ الإِسلَامِيِّ، فَهِيَ مِن جُملَةِ مَا فُتِحَ مِنَ البِلَادِ. وَفُتِحَت بِلَادُ الشَّامِ بِصَبرِ، وَمُصَابَرَةٍ، وَمُرَابَطَةِ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.