بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]
المَعنى: إِنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ وَتَعالى اختارَ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبراهيمَ وَآلَ عِمرانَ، وَخَصَّهُم بِالتَّشرِيفِ وَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسالَةِ وَفَضَّلَهُم عَلَى عالَمِي زَمانِهِم. فَأَمَّا آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ فَقَدِ اصطَفاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسالَةِ، وَهُوَ أَبُو البَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنبِياءِ وَأَوَّلُ الرُّسُلِ. وَقَد خُلِقَ يَومَ الجُمُعَةِ فِي السّاعَةِ الأَخيرَةِ مِنها، وَمَكَثَ فِي الجَنَّةِ مِئَةً وَثَلاثينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهبِطَ إِلَى الأَرضِ. وَلَا يَجوزُ أَن يُقالَ: طُرِدَ مِنَ الجَنَّةِ، بَل يُقالُ: أُهبِطَ، وَكانَ ذٰلِكَ ابتِلاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بَعدَ أَن أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الأَكلِ مِنها. فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الأَرضِ أَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَعَلَّمَهُ شَريعَةً، وَعَلَّمَ أَولادَهُ الصَّلاةَ وَالحَجَّ، وَقَد حَجَّ آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ.
وَمِن عَظيمِ ما يُروى عَن سَيِّدِنا آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ أَنَّهُ دَعا عِندَ المُلتَزَمِ، وَهُوَ ما بَينَ بابِ الكَعبَةِ وَالحَجَرِ الأَسوَدِ، بِدُعاءٍ عَظيمٍ، وَالمُلتَزَمُ مِن أَعظَمِ المَواضِعِ الَّتِي يُرجى فِيها إِجابَةُ الدُّعاءِ؛ لِأَنَّ النّاسَ يَلتَزِمونَهُ عِندَ الدُّعاءِ. وَمِمَّا نُقِلَ أَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ قالَ هُناكَ: اللّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ سِرِّي وَعَلانِيَتِي فَاغفِر لِي، وَتَعلَمُ ما فِي نَفسِي فَاقبَل مَعذِرَتِي، وَتَعلَمُ حاجَتِي فَأَعطِنِي سُؤلِي، اللّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ إِيمانًا يُباشِرُ قَلبِي، وَيَقينًا صادِقًا حَتّى أَعلَمَ أَنَّهُ لَن يُصيبَنِي إِلَّا ما كَتَبتَ لِي، وَالرِّضا بِما قَضَيتَ عَلَيَّ. وَذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ أَوحى إِلَيهِ أَنَّهُ قَدِ استَجابَ لَهُ، وَأَنَّهُ لا يَدعو بِهِ أَحَدٌ مِن أُمَّتِهِ إِلَّا أَعطاهُ اللَّهُ حاجَتَهُ، وَجَعَلَ الغِنى فِي قَلبِهِ، وَآتاهُ سُؤلَهُ. فَمَن يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ الوُصولَ إِلَى الكَعبَةِ الشَّريفَةِ، فَلْيَحرِصْ عَلَى الدُّعاءِ عِندَ المُلتَزَمِ إِنِ استَطاعَ، وَإِلَّا فَلْيَقتَرِبْ مَا استَطاعَ، فَإِنَّ ذٰلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَن آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَفِيهِ نَفعٌ عَظيمٌ.
وَآدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ أَبُو البَشَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأَنبِياءِ وَأَوَّلُ الرُّسُلِ، وَلَم يَكُن يَعيشُ فِي هٰذِهِ الدُّنيا عَيشَ البَهائِمِ، كَما يَقُولُ بَعضُ المُلحِدينَ وَالفَلاسِفَةِ. وَلا يَجوزُ قَولُ مَن يَزعُمُ أَنَّ «آدَمَ» لَيسَ إِنسانًا مُعَيَّنًا، أَو أَنَّهُ كانَ قَبلَهُ «آدَمٌ» وَقَبلَهُ «آدَمٌ»؛ فَهٰذا مِن كَلامِ المُلحِدينَ. بَل آدَمُ هُوَ آدَمُ، وَقِيلَ: سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِن أَديمِ الأَرضِ؛ إِذ أَخَذَ المَلَكُ مِن تُربَةِ الأَرضِ مِن أَبيَضِها وَأَسوَدِها وَما بَينَ ذٰلِكَ، وَمِن طَيِّبِها وَرَدِيئِها، وَمِن سَهلِها وَحَزنِها، وَمِن لَيِّنِها وَقاسِيها، فَجاءَت أَلوانُ البَشَرِ وَطِباعُهُم عَلَى وِفقِ ذٰلِكَ. ثُمَّ عُجِنَ هٰذا التُّرابُ بِماءِ الجَنَّةِ، ثُمَّ صُوِّرَ، وَتُرِكَ حَتّى صارَ صَلصالًا كَالفَخّارِ. وَفِي ذٰلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 26-27]، وَقالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28-29].
وَقَد كانَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ حَسَنَ الوَجهِ، حَسَنَ الصَّوتِ، حَسَنَ الصُّورَةِ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَإِنَّ نَبِيَّكُمْ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا». فَلَيسَ فِي الأَنبِياءِ مَن مَنظَرُهُ قَبيحٌ، أَو رائِحَتُهُ غَيرُ طَيِّبَةٍ، بَل هُم جَميعًا جَميلو الشَّكلِ وَالهَيئَةِ، وَأَجمَلُهُم عَلَى الإِطلاقِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ. فَإِن قِيلَ: كَيفَ يَكونُ أَجمَلَ مِن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلامُ؟ قِيلَ: إِنَّ جَمالَ يُوسُفَ كانَ ظاهِرًا، وَجَمالَ نَبِيِّنا ﷺ كانَ مَصونًا بِالهَيبَةِ، وَهُوَ فِي الحَقيقَةِ أَجمَلُ البَشَرِ.
وَالأَنبِياءُ كُلُّهُم مَعصومونَ مِنَ الرَّذائِلِ، مِن سَيِّدِنا آدَمَ إِلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ. وَمَعنى العِصمَةِ: أَنَّهُم مَحفوظونَ مِنَ الكُفرِ، وَمِنَ الكَبائِرِ، وَمِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها خِسَّةٌ أَو دَناءَةٌ. أَمَّا بَعضُ الصَّغائِرِ الَّتِي لا خِسَّةَ فِيها وَلا دَناءَةَ، كَأَكلِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَد يَقَعُ مِثلُ ذٰلِكَ، وَلٰكِن يُنَبَّهُونَ فَورًا لِلتَّوبَةِ، قَبلَ أَن يَقتَدِيَ بِهِم غَيرُهُم فِي ذٰلِكَ. وَيَجِبُ لِكُلِّ نَبِيٍّ الصِّدقُ وَالأَمانَةُ وَالفَطانَةُ، وَيَستَحيلُ عَلَيهِمُ الكَذِبُ وَالخِيانَةُ وَالسَّفاهَةُ وَالرَّذالَةُ.
وَعِندَما نَقولُ: نَبِيٌّ رَسولٌ، فَقَد بَيَّنَ العُلَماءُ أَنَّ كُلَّ رَسولٍ نَبِيٌّ، وَلَيسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسولًا. وَالنَّبِيُّ هُوَ مَن أُوحِيَ إِلَيهِ أَن يَتَّبِعَ شَرعَ النَّبِيِّ الَّذِي قَبلَهُ، وَأُمِرَ بِالتَّبليغِ، أَمَّا الرَّسولُ فَهُوَ مَن أُوحِيَ إِلَيهِ بِشَرعٍ جَديدٍ، أَو بِنَسخِ بَعضِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، وَهُوَ أَيضًا مَأمورٌ بِالتَّبليغِ. وَمِنَ الخَطَإِ الفاحِشِ ما ذُكِرَ فِي بَعضِ الكُتُبِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ لَيسَ مَأمورًا بِالتَّبليغِ، فَإِنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، وَقَولُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم مَأمورونَ بِالتَّبليغِ.
وَقَد عاشَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ أَلفَ سَنَةٍ: مِئَةً وَثَلاثينَ سَنَةً فِي الجَنَّةِ، وَثَمانِمِئَةً وَسَبعينَ سَنَةً فِي الأَرضِ. وَهٰذا مِن عَظيمِ الاِبتِلاءِ؛ لِأَنَّهُ عاشَ فِي الجَنَّةِ حَيثُ لا تَعَبَ وَلا مَرَضَ وَلا هَمَّ وَلا غَمَّ وَلا حُزنَ، وَكُلُّ ما يَتَمَنّاهُ يَأتيهِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ فَعاشَ فِيها تِلكَ السِّنينَ الطَّويلَةَ، فَصَبَرَ عَلَى بَلائِهِ، وَصَبرُهُ دَليلٌ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». فَالأَنبِياءُ، مَعَ أَنَّهُم أَحَبُّ الخَلقِ إِلَى اللَّهِ، هُم أَكثَرُ النّاسِ بَلاءً، لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ البَلاءَ دَليلُ عَدَمِ المَحبَّةِ، بَل قَد يَكونُ رَفعًا لِلدَّرَجاتِ.
وَقَدِ ابتُلِيَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ أَيضًا بِقَتلِ قابيلَ لِهابيلَ، فَحَزِنَ حُزنًا شَديدًا، حَتّى قالَ: تَغَيَّرَتِ البِلادُ وَمَن عَلَيها، فَوَجهُ الأَرضِ مُغبَرٌّ قَبيحٌ. فَكانَ فِي بَلاءٍ عَظيمٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ صَبَرَ وَاحتَسَبَ.
وَقَد قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أَي كُلُّهُم عَلَى الإِسلامِ. فَفِي زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ النّاسُ عَلَى الإِسلامِ، وَكَذٰلِكَ فِي زَمَنِ شِيثٍ عَلَيهِ السَّلامُ، وَكَذٰلِكَ فِي زَمَنِ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلامُ. وَقَد أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثٍ خَمسينَ صَحيفَةً، وَعَلَى إِدرِيسَ ثَلاثينَ صَحيفَةً، فَهٰذِهِ ثَمانونَ صَحيفَةً، وَعَلَى إِبراهيمَ عَشرُ صُحُفٍ، وَعَلَى موسى عَشرُ صُحُفٍ، فَيَكونُ مَجموعُ الصُّحُفِ مِئَةً. وَمَعَ الكُتُبِ الأَربَعَةِ: التَّوراةِ وَالإِنجيلِ وَالزَّبورِ وَالقُرآنِ، يَكونُ المَجموعُ مِئَةً وَأَربَعَةً. وَالتَّوراةُ نَزَلَت عَلَى موسى بِاللُّغَةِ العِبرِيَّةِ، وَالزَّبورُ عَلَى داوودَ وَكَذٰلِكَ بِالعِبرِيَّةِ، وَالإِنجيلُ عَلَى عِيسَى بِالسُّريانيَّةِ، وَالقُرآنُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِالعَرَبِيَّةِ.
وَبَعدَ وَفاةِ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلامُ حَصَلَ الكُفرُ فِي الأَرضِ، فَكانَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ أَوَّلَ رَسولٍ إِلَى أَهلِ الأَرضِ بَعدَ ظُهورِ الكُفرِ وَانتِشارِهِ. وَمِن هٰذا يُفهَمُ قَولُهُم فِي حَديثِ الشَّفاعَةِ: إِنَّ نُوحًا أَوَّلُ رُسُلِ اللَّهِ إِلَى أَهلِ الأَرضِ؛ أَي: بَعدَ أَن وَقَعَ الكُفرُ وَانتَشَرَ، لَا عَلَى الإِطلاقِ؛ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ نَبِيٌّ رَسولٌ، وَلا يَجوزُ إِنكارُ نُبُوَّتِهِ وَرِسالَتِهِ. وَقَد نَقَلَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلانِيُّ وَغَيرُهُ الإجماعَ عَلَى ذٰلِكَ.
وَذُكِرَ فِي التَّواريخِ أَنَّ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلامُ، الَّذِي قِيلَ سُمِّيَ بِذٰلِكَ لِكَثرَةِ دِراسَتِهِ، بَعْضُهُم يَذكُرُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَن بَنى الأَهراماتِ، وَأَنَّ الفَراعِنَةَ زادُوا عَلَيها بَعدَ ذٰلِكَ، وَأَنَّهُ كانَ يَحفَظُ فِيها صُحُفَهُ. ثُمَّ بَعدَ وَفاتِهِ بِزَمَنٍ حَصَلَ الكُفرُ فِي الأَرضِ، فَعُبِدَ وَدٌّ وَسُواعٌ وَيَغوثُ وَيَعوقُ وَنَسرٌ. وَقَد كانَ بَينَ آدَمَ وَإِدرِيسَ أَلفُ سَنَةٍ، وَمِن وَفاةِ إِدرِيسَ إِلَى بَعثَةِ نُوحٍ أَلفُ سَنَةٍ أُخرَى، وَتُسَمّى تِلكَ الفَترَةُ الَّتِي ظَهَرَ فِيها الكُفرُ: الجاهِلِيَّةَ الأُولى، وَفِيها وَقَعَت فِتَنٌ كَثيرَةٌ، وَمِنها ما كانَ مِن تَبَرُّجِ النِّساءِ وَفِتنَتِهِنَّ، وَفِي التَّنفيرِ مِن ذٰلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. ثُمَّ جاءَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ، وَدَعا إِلَى اللَّهِ، وَكانَ هُوَ أَيضًا نَبِيًّا رَسولًا.
وَأَمَّا ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾، فَهُم ذُرِّيَّتُهُ مِنَ الأَنبِياءِ وَالأَخيَارِ. فَمِن إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ إِسماعيلُ وَإِسحاقُ، وَمِن نَسلِ إِسماعيلَ جاءَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمِن نَسلِ إِسحاقَ جاءَ يَعقوبُ، وَمِن يَعقوبَ جاءَ يُوسُفُ، وَمِن أَبناءِ إِخوَةِ يُوسُفَ كانَ الأَسباطُ، لَا أَنَّ الأَسباطَ هُم إِخوَةُ يُوسُفَ أَنفُسُهُم، بَل مِن أَبنائِهِم. وَمِن هٰذِهِ الذُّرِّيَّةِ جاءَت بَقِيَّةُ أَنبِياءِ بَنِي إِسرائيلَ.
وَأَمَّا ﴿آلَ عِمْرَانَ﴾، فَقَد قالَ بَعضُ المُفَسِّرينَ: المُرادُ بِهِم آلُ عِمرانَ أَبي موسى وَهارونَ عَلَيهِمَا السَّلامُ، وَقالَ بَعضُهُم: هُوَ عِمرانُ بنُ ماثانَ، وَهُوَ والِدُ السَّيِّدَةِ مَريَمَ. وَعَلَى كُلِّ حالٍ فَإِنَّ المَقصودَ أَنَّ اللَّهَ اصطَفى هٰذِهِ البُيوتَ الكَريمَةَ، وَجَعَلَ فِيها النُّبُوَّةَ وَالخَيرَ وَالبَرَكَةَ.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 34]
المَعنى: أَنَّ هٰؤُلاءِ المُصطَفَينَ ذُرِّيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ، بَعضُها مِن بَعضٍ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ وَالاِصطِفاءِ. فَإِبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ إِسماعيلُ وَإِسحاقُ، وَمِن إِسماعيلَ جاءَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمِن إِسحاقَ جاءَ يَعقوبُ، وَمِن يَعقوبَ تَفَرَّعَت ذُرِّيَّةُ بَنِي إِسرائيلَ، وَمِنهُم كَثيرٌ مِنَ الأَنبِياءِ. وَكَذٰلِكَ آلُ عِمرانَ، فَإِنَّهُم رَاجِعونَ فِي أُصولِهِم إِلَى هٰذِهِ السِّلسِلَةِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾
أَي: سَميعٌ لِدُعائِكُم وَأَقوالِكُم، لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ مِنها، وَسَمعُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، يَسمَعُ بِلا أُذُنٍ وَلا آلَةٍ وَلا جارِحَةٍ؛ لِأَنَّهُ سُبحانَهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.
﴿عَلِيمٌ﴾
أَي: عالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، بِما كانَ، وَبِما يَكونُ، وَبِما سَيَكونُ، وَبِما لا يَكونُ لَو كانَ كَيفَ كانَ يَكونُ. فَهُوَ عَلِيمٌ بِأَحوالِكُم، وَبِحاجاتِكُم، وَبِما فِي صُدورِكُم، وَبِضَعفِكُم، وَبِفاقَتِكُم، وَبِما تَتَمَنَّونَ، وَبِكُلِّ هَمٍّ يَعرِضُ لَكُم.
وَقَد ذَكَرَ العُلَماءُ أَنَّ وَصفَ اللَّهِ بِالسَّمعِ وَالعِلمِ جاءَ فِي القُرآنِ فِي مَواضِعَ كَثيرَةٍ؛ لِأَنَّهُما مِنَ الصِّفاتِ الواجِبَةِ لِلَّهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، كَالبَصَرِ وَالكَلامِ وَالحَياةِ وَالقُدرَةِ وَالمَشيئَةِ وَالوَحدانِيَّةِ وَالأَزَلِيَّةِ وَالبَقاءِ وَالقِيامِ بِالنَّفسِ، أَيِ الاِستِغناءِ عَنِ المَخلوقاتِ، وَعَدَمِ المُشابَهَةِ لِلحَوادِثِ. فَالخالِقُ سُبحانَهُ لا بُدَّ أَن يَكونَ مُتَّصِفًا بِهٰذِهِ الصِّفاتِ، وَيَستَحيلُ عَلَيهِ ضِدُّها.
وَإِذا سَمِعَ العِبادُ مِثلَ هٰذِهِ الآياتِ، فَيَنبَغِي أَن يَملَأَ ذٰلِكَ قُلوبَهُم بِالإِقبالِ عَلَى اللَّهِ، وَكَثرَةِ سُؤالِهِ، وَاللُّجوءِ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَيُحِبُّ إِلحاحَ عِبادِهِ عَلَيهِ. أَمَّا ابنُ آدَمَ فَإِنَّهُ إِذا سُئِلَ كَثيرًا غَضِبَ، وَلَو كانَ أَبًا أَو قَريبًا، أَمَّا اللَّهُ سُبحانَهُ فَإِنَّهُ كُلَّما أَكثَرَ العَبدُ مِن سُؤالِهِ كانَ ذٰلِكَ أَحبَّ إِلَيهِ. وَلِهٰذا ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ تَحصيلَ المَراداتِ فِي لُزومِ المَحاريبِ وَالصَّلَواتِ، وَفِي كَثرَةِ الدُّعاءِ وَالاِفتِقارِ إِلَيهِ سُبحانَهُ.