بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
[آل عمران: 40]
لَمَّا دَعا نَبِيُّ اللَّهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ رَبَّهُ أَن يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، وَكانَ قائِمًا يُصَلِّي فِي المِحرابِ، نادَتهُ المَلائِكَةُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي ناداهُ هُوَ جِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ، بِأَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُهُ بِيَحيَى. فَلَمَّا سَمِعَ هٰذِهِ البُشرى قالَ: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، وَلَيسَ هٰذا عَلَى وَجهِ الاِعتِراضِ، بَل عَلَى وَجهِ التَّسليمِ لِلَّهِ سُبحانَهُ، وَطَلَبِ بَيانِ الكَيفِيَّةِ، وَإِظهارِ عِظَمِ النِّعمَةِ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ بَلَغَ مِنَ العُمُرِ نَحوَ تِسعٍ وَتِسعينَ سَنَةً، وَأَنَّ امرَأَتَهُ بَلَغَت نَحوَ ثَمانٍ وَتِسعينَ سَنَةً، وَمِثلُ هٰذا فِي العادَةِ لَا يَكونُ مَظِنَّةً لِلوِلادَةِ؛ لِأَنَّها كانَت عاقِرًا، أَي: لَا تَلِدُ.
فَجاءَهُ الجَوابُ مِن رَبِّهِ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
أَي: هٰذَا الأَمرُ وَإِن خَرَجَ عَن مَألُوفِ العادَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى اللَّهِ يَسيرٌ؛ لِأَنَّهُ سُبحانَهُ يَفعَلُ ما يَشاءُ، وَيُعطِي مَن يَشاءُ، وَيَمنَعُ مَن يَشاءُ، وَيُعِزُّ مَن يَشاءُ، وَيُذِلُّ مَن يَشاءُ، وَهُوَ الحَكيمُ فِي جَمِيعِ أَفعالِهِ.
وَفِي هٰذَا تَعليمٌ لَنا أَن نَكونَ عَلَى كَمالِ التَّسليمِ لِلَّهِ تَعالى فِي جَمِيعِ الأَحوالِ، وَأَلَّا نَعتَرِضَ عَلَى تَدبيرِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ، وَلَيسَ فَرضًا عَلَيهِ أَن يُدخِلَ الطّائِعينَ الجَنَّةَ، وَلَا أَن يُدخِلَ الكافِرينَ النّارَ، بَل إِن أَثابَ فَبِفَضلِهِ، وَإِن عاقَبَ فَبِعَدلِهِ، وَهُوَ سُبحانَهُ لَا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ.
وَمِن هٰذا البابِ يُعلَمُ أَنَّ أَفضَلَ الخَلقِ هُمُ الأَنبِياءُ، وَأَفضَلَ الأَنبِياءِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَعَ ذٰلِكَ كانُوا أَشَدَّ النّاسِ بَلاءً فِي هٰذِهِ الدُّنيا.
وَقَد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنكُم». فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَكيمٌ فِيما يُجريهِ عَلَى عِبادِهِ، وَأَنَّ هٰذِهِ الدُّنيا، وَإِن طالَت، فَإِنَّها قَصيرَةٌ فانِيَةٌ، وَأَنَّ الدّارَ الباقِيَةَ هِيَ الآخِرَةُ. فَالعاقِلُ مَن آثَرَ الباقِيَةَ عَلَى الفانِيَةِ، وَالعاقِلُ مَن خَرَجَ مِنَ الدُّنيا سالِمًا، وَالعاقِلُ مَن أَخرَجَ الدُّنيا مِن قَلبِهِ قَبلَ أَن يَخرُجَ هُوَ مِنها بِجَسَدِهِ.
وَالأَنبِياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، مَعَ عُلُوِّ مَقامِهِم، قَد يَسأَلونَ أَحيانًا بَعضَ الأَسئِلَةِ لِأَجلِ البَيانِ، وَلِتُبَيَّنَ الأُمورُ لِلأُمَّةِ، وَلِإِظهارِ الحِكمَةِ، وَلِأَداءِ نِعمَةِ الشُّكرِ، لَا عَلَى وَجهِ الشَّكِّ أَوِ الاِعتِراضِ. وَفِي هٰذا المَعنى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِم». فَالوَاجِبُ عَلَى العَبدِ أَن يُسَلِّمَ لِلَّهِ فِي أُمورِهِ كُلِّها، وَأَلَّا يَتَسَخَّطَ عَلَى أَقدارِهِ.
وَمِن أَحسَنِ ما يُذكَرُ فِي هٰذا البابِ ما نُقِلَ عَن بَعضِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَهُوَ شَقيقُ البَلخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ أُسِرَ فِي بَعضِ الغَزَواتِ، وَقُيِّدَ، وَقامَ الكُفّارُ عَلَيهِ يُريدونَ ذَبحَهُ، فَقالَ: ماِ اضطَرَبَ قَلبي، وَما تَحَرَّكَ خَوفًا مِنهُم، بَل كُنتُ أَتَفَكَّرُ فِي قَلبي، وَأَقولُ: أَنظُرُ ماذا يَحكُمُ اللَّهُ بَيني وَبَينَ هٰذا الكافِرِ. فَرَفَعَ ذٰلِكَ الكافِرُ السَّيفَ، فَجاءَهُ سَهمٌ مِن حَيثُ لَا يُعرَفُ مَصدَرُهُ، فَقَتَلَهُ، فَقامَ شَقيقٌ. وَالمَقصودُ مِن ذِكرِ هٰذِهِ القِصَّةِ التَّمثيلُ لِأَنَّ اللَّهَ يَفعَلُ ما يَشاءُ، وَأَنَّ لِكُلِّ أَمرٍ حِكمَةً، وَإِن خَفِيَت عَلَينا.
وَقَد يَخفى عَلَى بَعضِ النّاسِ وَجهُ الحِكمَةِ فِي كَثيرٍ مِنَ الأَقدارِ، وَلٰكِن يَجِبُ عَلَينا أَن نُسَلِّمَ لِلَّهِ سُبحانَهُ. فَاللَّهُ أَمَرَ جَميعَ العِبادِ بِالإِيمانِ، وَلٰكِن لَم يُؤمِنِ الخَلقُ كُلُّهُم، قالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وَإِبليسُ لَعَنَهُ اللَّهُ أُمِرَ بِالسُّجودِ فَاعْتَرَضَ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ. فَمَن سَأَلَ: ما الحِكمَةُ مِن وُقوعِ هٰذِهِ الأُمورِ مَعَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِمَشيئَةِ اللَّهِ؟ فَالجَوابُ أَنَّ مِن حِكَمِ ذٰلِكَ أَن يَتميَّزَ الخَبيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، أَيِ الكافِرُ مِنَ المُؤمِنِ، وَأَن يَظهَرَ الصّابِرُ مِن غَيرِهِ، لِيَظهَرَ ذٰلِكَ لِلنّاسِ، لَا لِأَنَّ اللَّهَ يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ.
وَالإِنسانُ فِي هٰذِهِ الدُّنيا يَتَقَلَّبُ فِي الاِبتِلاءاتِ كُلَّ يَومٍ؛ يَومًا يَضعُفُ فِيهِ البَدَنُ، وَيَومًا تَأتِي الأَخبارُ المُكَدِّرَةُ، وَيَومًا يَحمِلُ هَمَّ المُسلِمينَ وَمَصائِبَهُم، مِن مُصابٍ فِي القُدسِ، أَوِ الأَقصى، أَو فِلَسطينَ، أَو غَيرِها. وَهٰذَا كُلُّهُ يَقتَضِي مِنَ العَبدِ أَن يَكونَ عَلَى التَّسليمِ لِلَّهِ، فَلَا يَجوزُ لَهُ أَن يَتَسَخَّطَ عَلَيهِ، أَو يَقولَ كَلامًا يَدُلُّ عَلَى الاِعتِراضِ عَلَى رَبِّهِ. فَمَن خَلَقَنا؟ اللَّهُ سُبحانَهُ. فَلَو لَم يَرزُقنَا الوَلَدَ، لَم يَكُن ذٰلِكَ ظُلمًا، وَلَو جَعَلَنا فُقَراءَ، لَم يَكُن ظُلمًا، بَل هُوَ سُبحانَهُ المُنعِمُ المُتَفَضِّلُ.
وَمِمَّا يُذكَرُ هٰهُنا ما رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْحَامِدُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». فَهُم يَحمَدونَ اللَّهَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ، وَلَا يَتَغَيَّرُونَ عَن مَقامِ الرِّضا وَالتَّسليمِ. وَمِن جَميلِ العِباراتِ الَّتِي تُذكَرُ فِي هٰذا السِّياقِ ما نُقِلَ عَنِ العِزِّ بنِ عَبدِ السَّلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كانَ يَقولُ: إِنَّ المَصائِبَ تَحمِلُ بَينَ ثَناياها الفَرَجَ؛ فَقَد يَراها الإِنسانُ مُصيبَةً مِن كُلِّ وَجهٍ، وَفِي طَيّاتِها مِنَ الفَرجِ ما لَا يَشعُرُ بِهِ. وَهٰذا ظاهِرٌ فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ؛ فَقَدِ ابتُلِيَ طَويلًا بِتَأَخُّرِ الوَلَدِ، حَتّى بَلَغَ مَا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ، ثُمَّ جاءَتهُ البُشرى بَعدَ ذٰلِكَ، فَكانَ الفَرَجُ بَعدَ طُولِ الاِنتِظارِ.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41]
ثُمَّ قالَ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾
أَي: اجعَل لِي عَلامَةً أَعلَمُ بِها وُقوعَ ما وُعِدتُ بِهِ، أَو أَعلَمُ بِها أَنَّ الحَملَ قَد حَصَلَ، لِأَزدادَ شُكرًا لَكَ، وَفَرَحًا بِنِعمَتِكَ.
فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾
أَي: عَلامَتُكَ أَنَّكَ إِذا حَصَلَ الحَملُ لَن تَقدِرَ عَلَى مُخاطَبَةِ النّاسِ بِكَلامِهِم ثَلاثَةَ أَيّامٍ. وَلَيسَ المَعنى أَنَّهُ يَصيرُ أَخرَسَ؛ فَإِنَّ الخَرَسَ مِنَ الآفاتِ، وَالأَنبِياءُ مَحفوظونَ مِن مِثلِ هٰذِهِ النَّقائِصِ، وَلٰكِنِ المَعنى أَنَّهُ يُمنَعُ فِي تِلكَ المُدَّةِ مِن كَلامِ النّاسِ عَلَى الوَجهِ المُعتادِ، فَلَا يَجرِي لِسانُهُ إِلَّا بِذِكرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَولُهُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ أَي: إِلَّا إِشارَةً؛ فَإِنِ احتيجَ إِلى إِفهامِ النّاسِ شَيئًا، كانَ ذٰلِكَ بِالإِشارَةِ بِاليَدِ أَوِ الرَّأسِ أَو نَحوِ ذٰلِكَ، دُونَ أَن يَتَكَلَّمَ بِشَيءٍ مِن كَلامِ النّاسِ. فَإِن جَرى لِسانُهُ، فَإِنَّما يَجرِي بِذِكرِ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِأَمرَينِ جَليلَينِ
فَقالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾
أَي: أَكثِر مِن ذِكرِ اللَّهِ شُكرًا لَهُ، وَتَعَبُّدًا لَهُ، وَتَعَلُّقًا بِهِ
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾
وَالمُرادُ بِالعَشِيِّ آخِرُ النَّهارِ، وَبِالإِبكارِ أَوَّلُهُ، وَخُصوصًا مِن وَقتِ الفَجرِ إِلى الضُّحى. وَهٰذَا وَقتٌ يَغفُلُ عَنهُ كَثيرٌ مِنَ النّاسِ، وَقَد جاءَ فِي الحَديثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا». فَوَقتُ الإِبكارِ وَقتٌ مُبارَكٌ، وَهُوَ مِن أَوقاتِ الرِّزقِ، وَمِن أَوقاتِ الذِّكرِ وَالتَّسبيحِ، وَفِيهِ مِنَ البَرَكَةِ ما لَيسَ فِي غَيرِهِ.
وَقَد ذَكَرَ بَعضُ الأَكابِرِ أَنَّ النَّومَ عِندَ الفَجرِ سَبَبٌ لِفَواتِ كَثيرٍ مِنَ الرِّزقِ، وَأَنَّ الأَرضَ تَكادُ تَضيقُ وَتَشتَكي مِنَ الَّذِي يَنامُ فِي هٰذَا الوَقتِ. وَالمَقصودُ مِن ذٰلِكَ التَّنبيهُ عَلَى شَرَفِ هٰذَا الوَقتِ، وَأَنَّ الرِّزقَ يُطلَبُ فِيهِ بِذِكرِ اللَّهِ وَطاعَتِهِ، كَما أَنَّ الطُّيورَ تَخرُجُ فِيهِ طالِبَةً أَرزاقَها، فَيُطعِمُها اللَّهُ وَيَسقيها فِي الحَرِّ وَالبَردِ وَالثَّلجِ.
وَمِن فَضائِلِ هٰذَا الوَقتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا شَكا إِلَيهِ بَعضُ أَصحابِهِ، قالَ لَهُم: «أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ تَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ». فَيُستَحَبُّ لِلعَبدِ أَن يَشتَغِلَ فِيهِ بِالتَّسبيحِ، كَقَولِهِ: سُبحانَ اللَّهِ، وَسُبحانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، وَسُبحانَ اللَّهِ العَظيمِ. وَذُكِرَ فِي بَعضِ الرِّواياتِ فَضلُ الإِكثارِ مِن هٰذِهِ الأَذكارِ فِي هٰذَا الوَقتِ.
وَمِن جُملَةِ ما وَرَدَ فِي فَضلِ الجُلوسِ بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ لِلذِّكرِ، ما جاءَ أَنَّ مَن صَلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ قَعَدَ يَذكُرُ اللَّهَ حَتّى تَطلُعَ الشَّمسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيِ الضُّحى، كانَ لَهُ أَجرٌ عَظيمٌ يُشابِهُ أَجرَ حَجَّةٍ وَعُمرَةٍ تامَّةٍ. وَالمَعنى أَنَّهُ يَنالُ ثَوابًا عَظيمًا يُشبهُ ثَوابَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، فَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَحرِصَ عَلَى هٰذَا الجُلوسِ، وَأَن يَبقى فِي مُصَلّاهُ ذاكِرًا لِلَّهِ، مُقبِلًا عَلَيهِ، مُستَقبِلًا القِبلَةَ، فَإِنِ اضطُرَّ إِلى الحَرَكَةِ أَوِ القِيامِ لِحاجَةٍ، لَم يَضُرَّهُ ذٰلِكَ، وَلٰكِنَّ الأَكمَلَ أَن يَبقى عَلَى هٰذِهِ الحالِ مَا أَمكَنَهُ.
وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ تَوجيهٌ لِلعِبادِ إِلى أَنَّ شُكرَ النِّعَمِ يَكونُ بِكَثرَةِ الذِّكرِ، وَأَنَّ أَشرَفَ ما يَملَأُ بِهِ العَبدُ أَوقاتَهُ، خُصوصًا أَوقاتَ البَرَكَةِ، هُوَ التَّسبيحُ وَالتَّهليلُ وَالتَّحميدُ وَسائِرُ أَنواعِ الذِّكرِ. فَمَن عَمَّرَ هٰذِهِ الأَوقاتَ بِطاعَةِ اللَّهِ، جاءَتْهُ بَرَكَةُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَمَن غَفَلَ عَنها فَقَد فَوَّتَ عَلَى نَفسِهِ خَيرًا كَثيرًا.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾ [آل عمران: 42]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، مَعطوفٌ عَلى قَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾، وَيَجوزُ أَن يَكونَ التَّقديرُ: وَاذكُرْ إِذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَريَمُ. وَقَد رُوِيَ أَنَّهُم كَلَّمُوها مُشافَهَةً.
وَقَولُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾
أَيِ اختارَكِ أَوَّلًا، حينَ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ، وَرَبَّاكِ، وَخَصَّكِ بِالكَرامَةِ الرَّفيعَةِ وَالمَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾
أَي: طَهَّرَكِ مِمَّا يُستَقذَرُ مِنَ الأَفعالِ وَالأَحوالِ، فَجَعَلَكِ نَقِيَّةَ السِّيرَةِ، زَكِيَّةَ الحَالِ. ثُمَّ أَعادَ سُبحانَهُ قَولَهُ: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾
أَيِ اختارَكِ آخِرًا وَاختِيارًا خَاصًّا فَوقَ ذٰلِكَ الِاصطِفاءِ الأَوَّلِ. وَكانَ هٰذا الِاصطِفاءُ الثَّاني
﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
أَي: فَضَّلَكِ عَلَى نِساءِ العالَمينَ في زَمانِكِ، بَل وَبِما خَصَّكِ بِهِ مِنَ الآيَةِ العُظمى؛ إِذْ وَهَبَ لَكِ عيسى عَلَيهِ السَّلامُ مِن غَيرِ أَبٍ، وَلَم يَكُن ذٰلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ.