بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]
المُرادُ بِقَولِهِ تَعالَى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾
الزَمِي الطَّاعَةَ لِرَبِّكِ، وَداوِمِي عَلَيها، فَإِنَّ القُنوتَ يُطلَقُ فِي كَلامِ العَرَبِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَقَد قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ: المَعنى أَدِيمِي الصَّلاةَ؛ لِأَنَّ القُنوتَ يُطلَقُ أَيضًا عَلَى الصَّلاةِ. وَقالَ آخَرونَ: بَلِ المَعنى أَدِيمِي الطَّاعَةَ عَلَى وَجهِ العُمومِ. فَالآيَةُ تَحتَمِلُ هٰذَا وَهٰذا، وَكِلَا المَعنَيَينِ يَرجِعُ إِلى لُزومِ العُبودِيَّةِ وَالمُواظَبَةِ عَلَى ما يُرضِي اللهَ تَعالَى.
وَمِن هٰذا البابِ يُذكَرُ دُعاءُ القُنوتِ الَّذي يَغفُلُ عَنهُ بَعضُ النّاسِ فِي صَلاةِ الفَجرِ، وَهُوَ عِندَ فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ، بَل عَبَّرَ عَنهُ بَعضُهُم، كَالشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، بِأَنَّهُ مِن أَبعاضِ الصَّلاةِ، الَّتي إِذا تُرِكَت يُسَنُّ لِتارِكِها سُجودُ السَّهوِ. وَالقُنوتُ هُنا يَكونُ عِندَ الرَّفعِ مِنَ الرُّكوعِ فِي الرَّكعَةِ الثّانِيَةِ، أَي فِي الِاعتِدالِ مِنها، وَيُسَنُّ لِلمُصَلِّي أَن يَقنُتَ، حَتّى لَو تَرَكَهُ الإِمامُ، فَإِنَّهُ يَنبَغي لِلمَأمومِ أَلّا يَفوتَهُ، وَلَو دَعا بِدُعاءٍ خَفيفٍ.
وَقَد يَتعَجَّبُ الإِنسانُ مِن بَعضِ الأَئِمَّةِ إِذا تَرَكوا القُنوتَ، ثُمَّ إِذا سُئِلَ بَعضُهُم عَن مَذهَبِهِ قالَ: إِنَّهُ شافِعِيٌّ، مَعَ أَنَّ المَذهَبَ الشّافِعِيَّ يَرى القُنوتَ فِي الفَجرِ مِن أَبعاضِ الصَّلاةِ الَّتي لَها مَكانَتُها المَعلومةُ. وَأَبعاضُ الصَّلاةِ عِندَهُم عَدَّها بَعضُهُم ثَمانِيَةً، وَعَدَّها بَعضُهُم سِتَّةً، وَهِيَ غَيرُ هَيَئاتِ الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ هَيَئاتِ الصَّلاةِ كَثيرَةٌ، وَقَد تَبلُغُ نَحوَ الأَربَعينَ. فَمِنَ الهَيَئاتِ، مَثَلًا، رَفعُ اليَدَينِ عِندَ التَّكبِيرِ، وَهٰذا إِن تُرِكَ لا يُسجَدُ لَهُ لِلسَّهوِ؛ لِأَنَّهُ هَيئَةٌ. أَمّا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، وَالقُنوتُ فِي الفَجرِ، فَمِنَ الأَبعاضِ الَّتي لَها حُكمٌ آخَرُ.
وَمَعنى القُنوتِ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ: الدُّعاءُ بِخَيرٍ. فَيَحصُلُ أَصلُ القُنوتِ بِكُلِّ دُعاءٍ صالِحٍ، فَلَو قالَ المُصَلِّي، مَثَلًا: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ»، أَجزَأَهُ ذٰلِكَ فِي تَحصِيلِ أَصلِ القُنوتِ. ثُمَّ يُسَنُّ بَعدَ دُعاءِ القُنوتِ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهٰذا يُعَدُّ عِندَهُم بَعضًا آخَرَ، ثُمَّ تُسَنُّ الصَّلاةُ عَلَى الآلِ بَعدَ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَإِن كانَ المُصَلِّي مُستَعجِلًا، أَو خافَ طُلوعَ الشَّمسِ وَخُروجَ وَقتِ الفَجرِ، أَمكَنَهُ أَن يَقتَصِرَ عَلَى نَحوِ قَولِهِ: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ»، ثُمَّ يَنزِلُ إِلى السُّجودِ، وَلٰكِن لا يَنبَغي لَهُ أَن يَترُكَ القُنوتَ بِالكلِّيَّةِ.
وَأَمّا الدُّعاءُ المَأثورُ فِي القُنوتِ، فَهُوَ: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». ثُمَّ يُصَلَّى بَعدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَيضًا التَّأمِينُ فِي المَواضِعِ الَّتي يُطلَبُ فِيها التَّأمِينُ؛ فَإِذا كانَ الإِمامُ يَدعو قالَ المَأمومُ: آمينَ. أَمّا إِذا وَصَلَ الإِمامُ إِلى مِثلِ قَولِهِ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيتَ وَلا يَعِزُّ مَن عادَيتَ»، فَهٰذا مَوضِعُ إِخبارٍ لا مَوضِعُ دُعاءٍ، وَعِندَئِذٍ يَسكُتُ المَأمومُ، وَلا يَرفَعُ صَوتَهُ بِقَولِهِ: أَشهَدُ، كَما يَفعَلُ بَعضُ النّاسِ، بَلِ المَطلوبُ هُنَا السُّكوتُ، وَإِنَّما التَّأمِينُ يَكونُ عِندَ مَواضِعِ الدُّعاءِ.
فَحاصِلُ المَعنى فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ أَنَّهُ يَحتَمِلُ: الدُّعاءَ بِخَيرٍ، وَيَحتَمِلُ المُداوَمَةَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَحتَمِلُ الإِكثارَ مِنَ الصَّلاةِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ تَرجِعُ إِلى كَمالِ العُبودِيَّةِ.
وَأَمّا قَولُهُ تَعالَى: ﴿لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾
فَالسُّجودُ جُزءٌ مِنَ الصَّلاةِ، وَإِنَّما خُصَّ بِالذِّكرِ تَنبيهًا عَلَى شَرَفِهِ وَعِظَمِ مَكانَتِهِ. وَلِهٰذا يُذكَرُ ما وَرَدَ فِي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» مِن حَديثِ رَبيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ خَدَمَ رَسولَ اللهِ ﷺ، وَكانَ مِن شَأنِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُكافِئَ مَن أَحسَنَ إِلَيهِ. فَلَمّا أَسدى رَبيعَةُ إِلَيهِ خِدمَةً قالَ لَهُ: «سَلْ». فَقالَ: أَسأَلُكَ مُرافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. فَلَم يَقُل لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن فَورِهِ: أَنتَ مِن أَهلِها، بَل قالَ لَهُ: «أَوَغَيْرَ ذٰلِكَ؟». فَقالَ: هُوَ ذاكَ يا رَسولَ اللهِ، ما لي طَلَبٌ غَيرُهُ. فَقالَ لَهُ ﷺ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». وَالمُرادُ بِكَثرَةِ السُّجودِ هُنا: كَثرَةُ الصَّلاةِ؛ لِأَنَّ السُّجودَ أَشرَفُ أَركانِها الفِعلِيَّةِ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنها. وَعَلَى هٰذا يَكونُ المَعنى فِي الآيَةِ: الزَمِي الصَّلاةَ، وَأَكثِرِي مِنها، وَاعتَنِي بِرُكنِ السُّجودِ الَّذي هُوَ أَشرَفُ أَركانِها.
وَأَمّا قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
فَقَد قالَ بَعضُ المُفَسِّرينَ: المَعنى انتَظِمِي فِي جُملَةِ المُصَلِّينَ، فَكونِي مَعَ جَماعَةِ العابِدينَ القانِتينَ. وَقالَ آخَرونَ: بَلِ المَعنى احضُرِي صَلاةَ الجَماعَةِ إِذا أُقِيمَت، فَاركَعِي مَعَ الرّاكِعينَ، وَلا تَنفَرِدِي عَن جَماعَةِ الطّاعَةِ وَالعِبادَةِ. وَالمَعنيانِ مُتَقارِبانِ؛ إِذ يَدُلّانِ عَلَى أَنَّ مَريَمَ عَلَيها السَّلامُ أُمِرَت بِالطّاعَةِ، وَالصَّلاةِ، وَالخُضوعِ، وَالِاندِراجِ فِي زُمرَةِ العابِدينَ لِلَّهِ تَعالَى.