بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)﴾ [آل عمران: 44-47]
قَولُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾
الإِشارَةُ في ﴿ذَلِكَ﴾ إِلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ حَنَّةَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحيى، وَمَريَمَ. وَالمَعنى: أَنَّ هٰذا الَّذي قُصَّ عَلَيكَ مِن أَخبارِهِم مِن أَنباءِ الغَيبِ الَّتي لا تُدرَكُ بِالرَّأيِ وَلا بِالمُشاهَدَةِ، وَإِنَّما عَرَفتَهُ بِوَحيِ اللَّهِ إِلَيكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾
أَي: ما كُنتَ حاضِرًا عِندَهُم حِينَ يَطرَحونَ أَقلامَهُم لِلقُرعَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالأَقلامِ أَزلامُهُم وَهِيَ القِداحُ الَّتي أَلقَوها في النَّهرِ مُقتَرِعينَ بِها، وَقِيلَ: هِيَ الأَقلامُ الَّتي كانوا يَكتُبونَ بِها التَّوراةَ، فَاختارُوها لِلقُرعَةِ تَبَرُّكًا بِها.
وَقَولُهُ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾
مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ دَلَّ عَلَيهِ قَولُهُ: ﴿يُلْقُونَ﴾، كَأَنَّهُ قيلَ: يُلقونَها لِيَنظُروا أَيُّهُم يَكفُلُ مَريَمَ، أَو لِيَعلَموا ذٰلِكَ، أَو يَقولونَ: أَيُّهُم يَكفُلُها.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
أَي: وَما كُنتَ عِندَهُم حِينَ كانَ يَقَعُ بَينَهُمِ التَّنازُعُ وَالتَّنافُسُ في شَأنِها، وَفي مَن يَتَوَلّى كَفالَتَها.
ثُمَّ قالَ سُبحانَهُ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾
أَي: وَاذكُرْ هٰذَا الوَقتَ الَّذي قالَت فيهِ المَلائِكَةُ لِمَريَمَ هٰذا القَولَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾
أَي: يُبَشِّرُكِ بِعيسى عَلَيهِ السَّلامُ. وسُمِّيَ عِيسَى كَلِمَةُ اللهِ لأنه يخلقه الله بأمره من غير أب، أو مُصَدِّقًا بكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ مُؤمِنًا بكِتَابٍ مِنهُ، كلمة الله أي البشارة التي بشرت بها الملائكة مريم.
وَقَولُهُ: ﴿مِنْهُ﴾
في مَوضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِـ«كَلِمَةٍ».
ثُمَّ قالَ: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾
فَـ«اسْمُهُ» مُبتَدَأٌ، وَذُكِّرَ الضَّميرُ، مَعَ أَنَّ «الكَلِمَةَ» مُؤَنَّثَةٌ، لِأَنَّ المُسَمَّى بِها مُذَكَّرٌ. وَ«الْمَسِيحُ» خَبَرُهُ، وَالجُملَةُ في مَوضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِـ«كَلِمَةٍ». وَ«المَسِيحُ» لَقَبٌ مِنَ الأَلقابِ المُشَرِّفَةِ، كَالصِّدِّيقِ وَالفاروقِ. وَأَصلُهُ في العِبرِيَّةِ «مَشِيحًا»، وَمَعناهُ: المُبارَكُ، كَما قالَ عيسى عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. وَقِيلَ: سُمِّيَ مَسيحًا؛ لِأَنَّهُ كانَ لا يَمسَحُ ذا عاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كانَ يَمسَحُ الأَرضَ بِالسِّياحَةِ، فَلا يَستَوطِنُ مَكانًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾
فَـ«عِيسَى» بَدَلٌ مِنَ «الْمَسِيحِ»، وَ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خَبَرُ مُبتَدَإٍ مَحذوفٍ، أَي: هُوَ ابنُ مَريَمَ. وَلا يَجوزُ أَن يَكونَ صِفَةً لِعيسى؛ لِأَنَّ اسمَهُ هُوَ «عِيسَى» فَقَط، لا «عِيسَى ابنُ مَريَمَ». وَإِنَّما قيلَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إِعلامًا لَها بِأَنَّهُ سَيُولَدُ مِن غَيرِ أَبٍ، فَيُنسَبُ إِلى أُمِّهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
أَي: ذا جاهٍ وَمَنزِلَةٍ وَقَدرٍ. وَكانَ وَجاهَتُهُ في الدُّنيا بِالنُّبُوَّةِ، وَالطَّاعَةِ، وَشَرَفِ الرِّسالَةِ، وَفي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، وَعَظيمِ المَنزِلَةِ، وَالشَّفاعَةِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾
أَي: وَهُوَ مِمَّن قَرَّبَهُمُ اللَّهُ إِلَيهِ، وَرَفَعَ مَنزِلَتَهُم، وَمِن تَقرِيبِهِ لَهُ أَن يَرفَعَهُ إِلَى السَّماءِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَجِيهًا﴾
حالٌ مِن «كَلِمَةٍ»؛ لِكَوْنِها مَوصوفَةً
وَكَذٰلِكَ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾
أَي: وَثابِتًا مِنَ المُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾
أَي: وَيُكَلِّمُهُم في حالِ كَونِهِ في المَهدِ، وَفي حالِ كَونِهِ كَهلًا. وَالمَهدُ: ما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ مِن مَضجَعِهِ، وَسُمِّيَ بِالمَصدَرِ. وَالمَعنى: أَنَّهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ في هاتَينِ الحالَتَينِ كَلامَ الأَنبِياءِ، مِن غَيرِ تَفاوُتٍ بَينَ حالِ الطُّفولَةِ وَحالِ الكُهولَةِ، مَعَ أَنَّ الكُهولَةَ هِيَ الحالُ الَّتي يَشتَدُّ فيها العَقلُ، وَتَكمُلُ فيها الأَحوالُ، وَيُستَنبَأُ فيها الأَنبِياءُ. فَكانَ كَلامُهُ في المَهدِ آيَةً عَجيبَةً، وَكَلامُهُ كَهلًا جارِيًا عَلى سُنَّةِ النُّبُوَّةِ وَالكَمالِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
أَي: وَهُوَ مَعَ ذٰلِكَ مِن جُملَةِ الصَّالِحينَ كامِلِيِ الصَّلاحِ. وَالتَّقديرُ: يُبَشِّرُكِ بِهِ مَوصوفًا بِهٰذِهِ الصِّفاتِ الكَريمَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾
أَي: مِن أَينَ، وَكَيفَ، يَكونُ لي وَلَدٌ، وَأَنا لَم يَمسَسْنِي بَشَرٌ؟ وَهٰذا سُؤالُ تَعَجُّبٍ وَاستِعلامٍ عَن وَجهِ حُصولِ هٰذَا الأَمرِ، لا سُؤالُ شَكٍّ في قُدرَةِ اللَّهِ.
فَقالَ لَها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
أَي: الأَمرُ كَما بُشِّرتِ بِهِ، وَاللَّهُ يَخلُقُ ما يَشاءُ عَلى غَيرِ المَألوفِ، وَلا يَمتَنِعُ عَلَيهِ شَيءٌ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
أَي: إِذا قَدَّرَ إِيجادَ شَيءٍ وَأَرادَ تَكوينَهُ، فَإِنَّما يَأمُرُ بِهِ أَمرًا تَكوينيًّا، فَيَقَعُ مِن غَيرِ إِبطاءٍ. وَإِنَّما عُبِّرَ بِقَولِهِ: ﴿كُنْ﴾ إِخبارًا عَن سُرعَةِ تَكَوُّنِ الأَشياءِ بِتَكوينِهِ، لا أَنَّ هُناكَ لَفظًا يَحتاجُ إِلَيهِ في الإِيجادِ، بَل أَمرُهُ إِذا أَرادَ شَيئًا أَن يَكونَ، كانَ عَلى الفَورِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ يُوجِدُ الأَشْيَاءَ بِدُونِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ لَهُ، أَيْ أَنَّهُ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ الَّتِي شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا بِسُرْعَةٍ بِلا تَأَخُّرٍ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَ وُجُودَهَا فِيهِ، فَمَعْنَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإِيْجَادِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَىْءٍ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَإِلَّا لَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كُلَّ الْوَقْتِ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ.
ثُمَّ» كُنْ «لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَقَبْلَ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ فَعَلَى قَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سَاكِتًا قَبْلُ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنَّ يَتَكَلَّمَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ الأَعْرَاضِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مُحَالٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا دَائِمًا كَالنُّجُومِ وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ سَاكِنًا دَائِمًا كَالسَّمَوَاتِ، وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا فِي وَقْتِ وَسَاكِنًا فِي وَقْتٍ وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ وَالرِّيَاحُ وَالنُّورُ وَالظَّلامُ وَالظِّلالُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِكُنْ أَيْ بِالْحُكْمِ الأَزَلِيِّ بِوُجُودِهِ فَالآيَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْعَالَمَ بِحُكْمِهِ الأَزَلِيِّ، وَالْحُكْمُ كَلامٌ أَزَلِيٌّ فِي حَقِّ اللَّهِ لَيْسَ كَلامًا مُرَكَّبًا مِنْ حُرُوفٍ وَلا صَوْتٍ.
وَأَمَّا مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُجَسِّمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِالْكَافِ وَالنُّونِ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ سَفَهٌ لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا قَبْلَ إِيْجَادِ الْمَخْلُوقِ يَنْطِقُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ كَافٍ وَنُونٍ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِيْجَادِ الشَّىْءِ فَلا مَعْنَى لإِيْجَادِ الْمَوْجُودِ.
وَأَمَّا التَّفْسِيرَانِ اللَّذَانِ ذَهَبَ إِلَيْهِمَا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمَا مُوَافِقَانِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْمُجَسِّمَةِ بَشَاعَةٌ كَبِيرَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَتَفَرَّغُ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ كُنْ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَخْلُقُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ. فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا الْحَرْفِ. كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَنْطِقَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَافِ وَالنُّونِ بِعَدَدِ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْلُقُهُ فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلامٌ إِلَّا الْكَافُ وَالنُّونُ. فَمَا أَبْشَعَ هَذَا الِاعْتِقَادَ الْمُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْبَشَاعَةِ.
فَالتَّفْسِيرَانِ الأَوَّلانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأَوَّلُ قَالَ بِهِ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَالثَّانِي قَالَ بِهِ الأَشَاعِرَةُ كَالْبَيْهَقِيِّ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالنُّطْقِ إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْكَلامِ أَيْ بِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ فَلَوْ كَانَ كَلامُ اللَّهِ نُطْقًا لَجَاءَتْ بِذَلِكَ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ. وَالْمَوْجُودُ فِي الْقُرْآنِ الْكَلامُ وَالْقَوْلُ وَهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى قَائِمٍ بِذَاتِ اللَّهِ أَيْ ثَابِتٍ لَهُ مَعْنَاهُ الذِّكْرُ وَالإِخْبَارُ وَلَيْسَ نُطْقًا بِالْحُرُوفِ وَالصَّوْتِ. وَقَدْ أَلَّفَ الْحَافِظُ أَبُو الْمَكَارِمِ الْمَقْدِسِيُّ جُزْءًا فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الصَّوْتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لا يَصِحُّ حَدِيثٌ فِي نِسْبَةِ الصَّوْتِ إِلَى اللَّهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ بِلَفْظِ كُنْ الَّذِي هُوَ لَفْظٌ مَرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ خَلْقُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ وَهَذَا مُحَالٌ، إِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ الْمَخْلُوقَاتِ بِقُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ الْقَدِيمِ.
. يُقَالُ لَهُمْ أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا هُوَ فَكَيْفَ يَتَّصِفُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مُحْدَثٍ. بَلْ قَوْلُهُمْ فِيهِ نِسْبَةُ الْحُدُوثِ إِلَى ذَاتِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا يَتَّصِفُ بِالْحَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ. فَالْكَلامُ الأَزَلِيُّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْمَاضِي وَبِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَبِلْفَظِ الأَمْرِ فَكَلامُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ وَلا مُتَبَعِّضٍ كَمَا أَنَّ حَيَاتَهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لا تَتَجَزَّأُ وَلا يَتَخَلَّلُهَا انْقِطَاعٌ. هَذِهِ الآيَةُ فِى سُورَةِ يَس مَعْنَاهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوجِدُ الشَّىْءَ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهُ بِلا مَشَقَّةٍ وَلا تَعَبٍ. لا يَلْحَقُ اللَّهَ تَعَبٌ وَلا مَشَقَّةٌ وَلا يَتَأَخَّرُ مَا شَاءَ أَنْ يُوجَدَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِى سُورَةِ يَس أيضا مَعْنَاهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوجِدُ الشَّىْءَ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهُ بِلا مَشَقَّةٍ وَلا تَعَبٍ. لا يَلْحَقُ اللَّهَ تَعَبٌ وَلا مَشَقَّةٌ وَلا يَتَأَخَّرُ مَا شَاءَ أَنْ يُوجَدَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ وُجُودَهُ فِيهِ.
هَذَا مَعْنَى الآيَةِ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ بِعَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْلُقُهُ كُنْ كُنْ كُنْ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْقُرْآنُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَىْ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُنْ بِالنِّسْبَةِ لِلإِنْسَانِ أَسْهَلُ شَىْءٍ، الإِنْسَانُ يَلْفِظُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِلا تَعَبٍ حَرْفَانِ كَافٌ وَنُونٌ سَهْلٌ عَلَى الإِنْسَانِ أَىْ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ سَهْلَةٌ عَلَى لِسَانِ الْخَلْقِ فَاللَّهُ تَعَالَى سَهْلٌ عَلَيْهِ خَلْقُ كُلِّ شَىْءٍ، هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا خَلَقَهَا بِلا مَشَقَّةٍ وَلا تَعَبٍ. ثُمَّ فِى كُلِّ لَحْظَةٍ اللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ حِسَابٍ. كُلَّ لَحْظَةٍ كُلَّ يَوْمٍ يُمِيتُ خَلْقًا كَثِيرًا وَيُحْيِى خَلْقًا كَثِيرًا وَيُمْرِضُ خَلْقًا كَثِيرًا وَيُصِحُّ خَلْقًا كَثِيرًا وَكُلَّ يَوْمٍ يُنْزِلُ الْمَطَرَ إِلَى أَرْضٍ، مَا مِنْ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ إِلَّا وَيَكُونُ الْمَطَرُ نَازِلًا إِلَى أَرْضٍ بِمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ يَخْلُقُ هَذَا الْعَالَمَ كُلَّهُ. الآيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ هَكَذَا {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَهَذَا مَعْنَاهُ، لَيْسَ مَعْنَاهَا كَمَا يَزْعُمُ الْوَهَّابِيَّةُ وَبَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ وَيَلْفِظُ بِكَلِمَةِ كُنْ بِكَافٍ وَنُونٍ بِعَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَاتُهُ أَزَلِىٌّ أَبَدِىٌّ وَكَذَلِكَ حَيَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا يَتَخَلَّلُهَا انْقِطَاعٌ وَكَذَلِكَ كَلامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ أَىْ سَمْعُهُ لِلأَصْوَاتِ وَرُؤْيَتُهُ لِلْمُبْصَرَاتِ لَيْسَ حَادِثًا يَتَخَلَّلُهُ انْقِطَاعٌ أَوْ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ.
أَهَمُّ أُمُورِ الدِّينِ صِحَّةُ الْعَقِيدَةِ فَمَنْ صَحَّتْ عَقِيدَتُهُ إِذَا مَاتَ ثَابِتًا عَلَيْهَا مُتَجَنِّبًا لِلْكُفْرِ الْقَوْلِىِّ وَالْفِعْلِىِّ وَالِاعْتِقَادِىِّ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ جَنَّةَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ مِثْلُ الْجِبَالِ أَمَّا مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَقِيدَتُهُ فَلا تُقْبَلُ مِنْهُ أَعْمَالُهُ مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ لا تُقْبَلُ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ [قَالَهُ الْغَزَالِىُّ وَغَيْرُهُ].