بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)﴾ [آل عمران: 48-51]
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)﴾ [آل عمران: 48]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾، قُرِئَ بِالياءِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الحالِ، مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجِيهًا﴾، وَقُرِئَ بِالنُّونِ عَلَى أَنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْكِتَابَ﴾
أَيِ الكِتَابَةُ، وَقِيلَ: المُرَادُ كُتُبُ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خَطًّا فِي زَمَانِهِ.
وَالْمُرَادُ بِـ﴿الْحِكْمَةَ﴾
بَيَانُ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَقِيلَ: الكِتَابُ هُوَ الخَطُّ بِاليَدِ، وَالحِكْمَةُ هِيَ البَيَانُ بِاللِّسَانِ. ثُمَّ خَصَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِالذِّكْرِ؛ تَشْرِيفًا لَهُمَا، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَلِّمُهُ هَذِهِ الكُتُبَ وَمَا فِيهَا مِنَ الهُدَى وَالأَحْكَامِ.
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)﴾ [آل عمران: 49]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا﴾
أَيْ: وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ الحالِ أَيْ: يَكُونُ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَمَعْنَى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
أَيْ: بِعَلامَةٍ وَدَلالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾
قِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ ﴿آيَةٍ﴾، وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَمَعْنَى ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾
أَيْ: أُقَدِّرُ لَكُمْ، وَأُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ شَيْئًا عَلَى مِثَالِ صُورَةِ الطَّيْرِ. فَإِذَا نَفَخْتُ فِيهِ صَارَ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأَمْرِهِ، لا بِقُدْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِنِّي. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفَّاشِ.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
أَيْ: فَأَنْفُخُ فِي ذٰلِكَ الشَّيءِ المُصَوَّرِ المُشَابِهِ لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ عَائِدٌ إِلَى ذٰلِكَ الشَّيءِ الَّذِي صُوِّرَ مِنَ الطِّينِ عَلَى هَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَصِيرُ طَيْرًا حَقِيقِيًّا كَسَائِرِ الطُّيُورِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ، لَا بِقُدْرَةٍ ذَاتِيَّةٍ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ قُرِئَ: «طَائِرًا» فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
أَيْ: بِأَمْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَلَا يَخْلُقُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلْقًا حَقِيقِيًّا بِمَعْنَى الإِيجَادِ مِنَ العَدَمِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةً عَلَى هَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنفُخُ فِيهَا، فَيَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى فِيهَا الحَيَاةَ، فَتَصِيرُ طَيْرًا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُصَوِّرْ مِنْ ذٰلِكَ شَيْئًا غَيْرَ الخُفَّاشِ.
أَخْلُقُ هُنَا مَعنَاهُ أُصَوِّرُ، في لُغَةِ العَرب يُقَالُ خَلَقَ بمعنَى صَوّرَ، خَلَقَ فُلانٌ مِنَ الطِّينِ طَيرًا أي عَمِلَ صُورَةً مِنَ الطِّينِ ويُقَالُ بمعنَى التّقدِيرِ خَلَقتُ الثَّوبَ قَمِيصًا أي قَدَّرتُ أنْ أَجْعَلَه قَمِيصًا الخَيّاطُ يُقَدِّرُ أوّلًا ثمّ يُفَصِّلُ ويَخِيطُ ويُقَالُ أيضًا فُلانٌ خَلَق هَذا الخَبرَ أي افتَراه أمّا خَلَق بمعنَى أَوْجَدَ أَخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَلا يُطلَقُ إلّا في حَقِّ اللهِ، خَلَقَ اللهُ كَذا أي أَبْرَزَه مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أي كانَ مَعدُومًا ثم جعَلَه مَوجُودًا على هَذا المعنَى قَولُ اللهِ تَعالى “قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ” أي هوَ الذي أَبْرَزَ كُلَّ شَىءٍ مِنَ العَدمِ إلى الوُجُودِ
خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ وَمَعَانِي الخَلْقِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ
قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَعْمَالُ العِبَادِ فِعْلٌ مِنْهُمْ، وَخَلْقٌ لِلَّهِ». وَعَلَى هَذَا المَعْنَى مَضَى سَلَفُ الأُمَّةِ وَخَلَفُهَا؛ فَالعِبَادُ يَكتَسِبُونَ أَعْمَالَهُمْ وَيُبَاشِرُونَهَا، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ أَعْمَالِهِمْ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الخَلْقِ وَالإِيجَادِ. وَمَا خَالَفَ هَذَا الأَصْلَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَلِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ غَزْوٍ: «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَزْمَ الأَحْزَابِ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، مَعَ أَنَّ الهَزْمَ فِي الظَّاهِرِ حَصَلَ بِمُبَاشَرَةِ المُؤْمِنِينَ وَقِتَالِهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ بَيَانٍ عَلَى أَنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إِلَى العَبْدِ كَسْبًا وَمُبَاشَرَةً، وَإِلَى اللهِ تَعَالَى خَلْقًا وَإِيجَادًا.
وَتَدُلُّ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ العِبَادَ لَا يَخْلُقُونَ أَعْمَالَهُمْ بِمَعْنَى الإِبْرَازِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ (127)﴾ [النَّحْل: 127]، وَقَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هُود: 88]. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَبْرَ العَبْدِ وَتَوفِيقَهُ، وَسَائِرَ مَا يَصدُرُ عَنْهُ مِنْ أَعْمَالٍ، لَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ خَلْقِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَمَعْنَى الخَالِقِ أَنَّهُ الَّذِي أَبْدَعَ وَكَوَّنَ وَأَبْرَزَ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ؛ فَلَا خَلْقَ بِهَذَا المَعْنَى إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ فَقَدْ حَدَثَ بِخَلْقِهِ وَتَكْوِينِهِ وَإِبْدَاعِهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرَّعْد: 16]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾ [الصَّافَّات: 96]. فَهَاتَانِ الآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الأَجْسَامِ وَالأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ «الشَّيْءِ» يَشْمَلُ الأَجْسَامَ وَالأَعْرَاضَ وَالأَعْمَالَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾ [المُؤْمِنُون: 14]، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ غَيْرَ اللهِ يَخْلُقُ خَلْقًا حَقِيقِيًّا بِمَعْنَى الإِيجَادِ مِنَ العَدَمِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْسَنُ المُقَدِّرِينَ؛ إِذْ تَقْدِيرُهُ لَا يُخْطِئُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ. فَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الخَلْقِ عَلَى غَيْرِ اللهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، لَا بِمَعْنَى الإِيجَادِ وَالإِبْرَازِ مِنَ العَدَمِ.
وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ زُهَيْرٍ فِي مَدْحِ هَرِمِ بْنِ سِنَانٍ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
أَيْ: أَنْتَ تُقَدِّرُ ثُمَّ تُنَفِّذُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يُقَدِّرُونَ وَلَا يُنَفِّذُونَ؛ فَكَانَتْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِذَلِكَ. وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ: خَلَقْتُ الأَدِيمَ حِذَاءً، أَيْ: قَدَّرْتُ الجِلْدَ وَقَطَعْتُهُ عَلَى صُورَةِ الحِذَاءِ، ثُمَّ صَنَعْتُهُ وَأَنْفَذْتُ مَا قَدَّرْتُ.
وَيَأْتِي الخَلْقُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ وَالتَّهْيِئَةِ، كَمَا فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المَائِدَة: 110]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَان: 49]. فَمَعْنَى الخَلْقِ هُنَا: التَّصْوِيرُ وَالتَّقْدِيرُ، لَا الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ؛ فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ الرُّوحَ، فَيَطِيرُ بِإِذْنِ اللهِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَدْ قَرَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ الخَلْقَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ وَالتَّقْدِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ فِي «البَحْرِ المُحِيطِ» عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ: مَعْنَى «أَخْلُقُ»: أُقَدِّرُ وَأُهَيِّئُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنَى الإِنْشَاءِ وَإِبْرَازِ العَيْنِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ.
وَيُطْلَقُ الخَلْقُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ عَلَى افْتِرَاءِ الكَذِبِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العَنْكَبُوت: 17]، أَيْ: تَفْتَرُونَ كَذِبًا. وَهَذَا المَعْنَى لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى العَبْدِ، فَيُقَالُ: خَلَقَ فُلَانٌ الإِفْكَ، أَيْ: افْتَرَاهُ. وَبِهَذَا المَعْنَى جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)﴾ [ص: 7]، أَيْ: افْتِرَاءٌ وَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ.
وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: خَلَقْتُ هَذَا الخَشَبَ كُرْسِيًّا، أَيْ: سَوَّيْتُهُ وَمَلَّسْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ حَتَّى صَلَحَ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ؛ فَمَعْنَى «خَلَقَ» هُنَا: سَوَّى وَهَيَّأَ، لَا أَوْجَدَ مِنَ العَدَمِ.
وَالخُلَاصَةُ أَنَّ الخَلْقَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ وَالإِبْرَازُ إِلَى الوُجُودِ، فَهُوَ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى، لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ. وَأَمَّا إِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّقْدِيرُ، أَوِ التَّصْوِيرُ، أَوِ التَّهْيِئَةُ، أَوِ الافْتِرَاءُ، فَقَدْ يَرِدُ فِي اللُّغَةِ وَفِي بَعْضِ النُّصُوصِ مُضَافًا إِلَى غَيْرِ اللهِ، عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِالمَخْلُوقِ، لَا عَلَى مَعْنَى الخَلْقِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ العَالَمِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾
أَيْ: الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى.
﴿وَالْأَبْرَصَ﴾
أَيْ: أَشْفِيهِمَا بِإِذْنِ اللهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
كَرَّرَ فِيهِ ذِكْرَ الإِذْنِ؛ دَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ قَدْ يَتَوَهَّمُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ اللاهُوتِيَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَحْيَا سَامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
أَيْ: وَأُحْيِي بَعْضَ المَوْتَى، لَا بِقُدْرَتِي المُسْتَقِلَّةِ، وَلَا بِمَشِيئَتِي، وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَإِذْنِهِ؛ فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الخَالِقُ المُحْيِي المُميتُ، وَمَا جَرَى عَلَى يَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إِحْيَاءِ بَعْضِ المَوْتَى فَهُوَ مُعْجِزَةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ، تَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِهِ، وَبُرهَانًا عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْيَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ: عَازَرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، وَابْنَ العَجُوزِ، وَبِنْتَ العَاشِرِ، وَسَامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَخَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَقَدْ فَصَّلَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي بَيَانِ مَنْ أَحْيَاهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، فَذَكَرُوا أَخْبَارًا مُتَعَدِّدَةً فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا عَازَرُ، فَكَانَ صَدِيقًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مَوْتِهِ دَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُحْيِيَهُ، فَأَحْيَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِظْهَارًا لِمُعْجِزَتِهِ عَلَى يَدِ نَبِيِّهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَمَّا ابْنُ العَجُوزِ، فَكَانَ قَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، يُحْمَلُ إِلَى المَقْبَرَةِ، فَلَمَّا رَآهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِوَضْعِ السَّرِيرِ، ثُمَّ دَعَا اللهَ تَعَالَى، فَأَحْيَاهُ، فَقَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَأَخَذَ كَفَنَهُ، وَلَبِسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ.
وَأَمَّا بِنْتُ العَاشِرِ، فَقَدْ كَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ يَأْخُذُونَ العُشُورَ، فَمَاتَتْ لَهُ ابْنَتُهُ، فَدَعَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ، فَأَحْيَاهَا اللهُ تَعَالَى، فَعَادَتْ إِلَى الحَيَاةِ بَعْدَ مَوْتِهَا.
وَأَمَّا سَامُ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى قَبْرِهِ، فَدَعَا اللهَ تَعَالَى، فَأَحْيَاهُ، فَقَامَ مُبَادِرًا وَقَالَ: أَقَامَتِ القِيَامَةُ؟! وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا، وَلَكِنِّي أَنَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الأُوَلُ الَّذِينَ أُحْيُوا، فَقَدْ عَاشُوا بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ، وَاسْتَمَرَّتْ بِهِمُ الحَيَاةُ، حَتَّى وُلِدَ لَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا فُلانُ، أَكَلْتَ كَذَا، وَيَا فُلانُ، ادَّخَرْتَ كَذَا؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
وَ﴿مَا﴾ فِي المَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: إِنَّ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا دَلالَةً وَاضِحَةً لَكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَطْلُبُ الحَقَّ وَيُؤْمِنُ بِهِ.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)﴾ [آل عمران: 50]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾
أَيْ: وَجِئْتُكُمْ أَيْضًا مُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ الَّتِي سَبَقَتْنِي، مُقِرًّا بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾
مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ: جِئْتُكُمْ بِالآيَةِ، وَجِئْتُكُمْ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ. وَمِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: الشُّحُومُ، وَلُحُومُ الإِبِلِ، وَالسَّمَكُ، وَكُلُّ ذِي ظُفرٍ. فَأَحَلَّ لَهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْضَ ذَلِكَ.
ثُمَّ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
تَأْكِيدًا لِلحُجَّةِ وَتَقْرِيرًا لِلْمَعْنَى.
ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
أَيْ: خَافُوهُ فِي تَكْذِيبِي وَمُخَالَفَتِي.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾
فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)﴾ [آل عمران: 51]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾
فِيهِ إِقْرَارٌ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ نَفْيُ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، عَلَى خِلافِ مَا يَزْعُمُهُ النَّصَارَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾
أَيْ: أَفْرِدُوهُ بِالعِبَادَةِ دُونِي وَدُونَ غَيْرِي.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
أَيْ: هَذَا الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ هُوَ الطَّرِيقُ القَوِيمُ الَّذِي يُفْضِي بِسَالِكِهِ إِلَى النَّعِيمِ المُقِيمِ.