بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)﴾ [آل عمران: 62-66]
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)﴾ [آل عمران: 62]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ هَذَا»؛ أَيْ: هٰذَا الَّذِي قُصَّ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: «لَهُوَ» فِيهِ «هُوَ» فَصْلٌ بَيْنَ اسْمِ «إِنَّ» وَخَبَرِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً، وَ«الْقَصَصُ الْحَقُّ» خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «إِنَّ». وَإِنَّمَا جَازَ دُخُولُ اللَّامِ عَلَى الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا جَازَ دُخُولُهَا عَلَى الْخَبَرِ، فَدُخُولُهَا عَلَى الْفَصْلِ أَجْوَزُ؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمُبْتَدَإِ، وَأَصْلُهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْمُبْتَدَإِ.
وَقَوْلُهُ: «وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ»؛ فَـ«مِنْ» فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَهُوَ فِي إِفَادَةِ الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي هٰذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ. ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: «وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»؛ أَيْ: الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ، وَالْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ وَأَحْكَامِهِ، يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)﴾ [آل عمران: 63]
أَيْ: فَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا دُعُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا الْحَقَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ إِفْسَادِهِمْ شَيْءٌ، وَفِي ذٰلِكَ وَعِيدٌ لَهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى إِعْرَاضِهِمْ وَفَسَادِهِمْ.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾ [آل عمران: 64]
الْمُخَاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ» هُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَقِيلَ: هُمْ وَفْدُ نَجْرَانَ، وَقِيلَ: يَهُودُ الْمَدِينَةِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»؛ أَيْ: إِلَى كَلِمَةٍ عَادِلَةٍ مُسْتَوِيَةٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَا اخْتِلَافَ فِيهَا بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. ثُمَّ فَسَّرَ هٰذِهِ الْكَلِمَةَ بِقَوْلِهِ: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ».
وَمَعْنَى ذٰلِكَ: تَعَالَوْا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَتَرْكِ الشِّرْكِ بِهِ، فَلَا يُقَالُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَلَا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَشَرٌ مِثْلُنَا، هُوَ بَعْضُنَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَكَذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ نُطِيعَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ فِيمَا أَحْدَثُوهُ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إِلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمْ وَيُحَرِّمُونَ، فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «هُوَ ذَاكَ» رواه الترمذيّ . وكَانُوا يَأخُذُونَ بتَحلِيل وتَحرِيم أَحْبَارِهِم على اعتِقَادٍ، لا على اعتِبَارِ أنّهم يَأخُذُونَ مِنَ الكِتَابِ الْمُنَزَّلِ فكَانَ هَذا عِبادَةً لهم، أمّا تَقلِيدُ عَوامّ المسلمِينَ للأئمَّةِ والعَمَلُ بمُوجَبِ فتَاوَاهُم في التّحلِيلِ والتّحرِيم فإنّما هوَ لاعْتِقَادِهم أنّهم يَأخُذُونَ مِن كِتَابِ اللهِ فلَيسَ ذلكَ عِبَادَةً للأئِمَّةِ.
ثُمَّ قَالَ: «فَإِنْ تَوَلَّوْا»؛ أَيْ: فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا هٰذِهِ الْكَلِمَةَ السَّوَاءَ، «فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»؛ أَيْ: قَدْ قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةُ، وَظَهَرَ أَنَّا نَحْنُ الْمُسْتَسْلِمُونَ لِلَّهِ دُونَكُمْ، وَهٰذَا نَظِيرُ مَا يَقُولُهُ الْغَالِبُ لِلْمَغْلُوبِ فِي جِدَالٍ أَوْ صِرَاعٍ: اعْتَرِفْ بِأَنِّي أَنَا الْغَالِبُ، وَسَلِّمْ لِي بِالْغَلَبَةِ.
المُكَلَّفُ هُوَ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ، أَيْ: بَلَغَهُ أَصْلُ الدَّعْوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَمَنْ تَحَقَّقَ فِيهِ ذٰلِكَ كَانَ مُلْزَمًا بِأَنْ يَدِينَ بِدِينِ الإِسْلَامِ، وَأَنْ يَعْمَلَ بِشَرِيعَتِهِ؛ فَيُؤَدِّيَ الوَاجِبَاتِ، وَيَجْتَنِبَ المُحَرَّمَاتِ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ [آل عمران: 85]. فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، وَأَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَقَدْ أَعْرَضَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِيَّاهُ.
وَأَمَّا مَنْ مَاتَ قَبْلَ البُلُوغِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَسْؤُولِيَّةٌ فِي الآخِرَةِ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ، وَكَذٰلِكَ مَنْ اتَّصَلَ جُنُونُهُ إِلَى مَا بَعْدَ البُلُوغِ، فَمَاتَ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وَكَذٰلِكَ مَنْ عَاشَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ أَصْلًا، فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ أَنْ تَبْلُغَ الإِنْسَانَ تَفَاصِيلُ عَقَائِدِ الإِسْلَامِ وَأَدِلَّتُهَا، بَلْ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِمُجَرَّدِ بُلُوغِ أَصْلِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ رِسَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، وَفِيهَا: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ»، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾ [آل عمران: 64]. وَقَدْ رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
فَاعْتَبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هٰذَا البَيَانَ دَعْوَةً كَافِيَةً تَقُومُ بِهَا الحُجَّةُ. وَلَا يَكُونُ لِلإِنْسَانِ عُذْرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِي حَقِّيَّةِ الإِسْلَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَ بُلُوغِ أَصْلِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؛ فَمَنْ سَمِعَ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الأَذَانِ، وَهُوَ يَفْهَمُ العَرَبِيَّةَ، فَقَدْ بَلَغَهُ أَصْلُ الدَّعْوَةِ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ بَعْدَ ذٰلِكَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِوَعِيدِ اللهِ تَعَالَى.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي قِيَامِ الحُجَّةِ مُجَرَّدُ بُلُوغِ أَصْلِ الدَّعْوَةِ؛ فَإِنَّ هٰذَا يُخَالِفُ مَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَدْ كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ لِقِتَالِ الرُّومِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَدَّدَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ بَعْدَ كِتَابِهِ المَذْكُورِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ غَزَا بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَمَوَاشِيهِمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَاتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ. وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ لِعَامِلِ كِسْرَى بِنَهَاوَنْدَ: «فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ».
وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، فَيَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّ العِبَادَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ وَالبَيَانُ وَإِقَامَةُ الحُجَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِي القُلُوبِ، فَيَجْعَلُهَا مُذْعِنَةً قَابِلَةً لِلحَقِّ.
وَيُؤَيِّدُ هٰذَا المَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾ [يونس: 99]، أَيْ: لَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِ جَمِيعِ النَّاسِ لَآمَنُوا، وَأَمَّا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَلَا تَمْلِكُ خَلْقَ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِمْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24].
فَإِذَا تَقَرَّرَ هٰذَا، ظَهَرَ فَسَادُ مَنْ يَحْمِلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ عَلَى إِلْغَاءِ الجِهَادِ وَنَشْرِ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ، أَوْ يَزْعُمُ أَنَّ الإِسْلَامَ يُقِرُّ كُلَّ إِنْسَانٍ عَلَى أَنْ يَتَدَيَّنَ بِأَيِّ دِينٍ يَرَاهُ وَيَرْتَضِيهِ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا بِالبَاطِلِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)﴾ [البقرة: 193]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39].
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عَلِيًّا، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ فَقَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا، وَكَانَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ فِيهِمَا وَدَعَا لَهُ، فَبَرِئَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ ﷺ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ».
وَفِي ذٰلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ الأَصْلِيَّ مِنَ الجِهَادِ فِي مَوَاضِعِهِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ دَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى الإِسْلَامِ، وَإِدْخَالُهُمْ فِي الدِّينِ الحَقِّ، مَعَ مُرَاعَاةِ الأَحْكَامِ الَّتِي قَرَّرَهَا الشَّرْعُ فِي ذٰلِكَ.
وَمِنْ مَعَانِي هٰذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِسْقَاطَ شَرِيعَةِ الجِهَادِ، وَلَا نَفْيَ وُجُوبِ الدَّعْوَةِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ خَلْقَ الهِدَايَةِ فِي القُلُوبِ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ البَشَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى. فَإِذَا أَدَّى المُؤْمِنُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ البَيَانِ وَالدَّعْوَةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذٰلِكَ خَلْقُ الإِذْعَانِ فِي القُلُوبِ.
وَيُحْمَلُ عَلَى هٰذَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: 272]، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَخْلُقَ الهِدَايَةَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ ذٰلِكَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَالبَيَانُ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلُهُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ». وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ: حَتَّى يَتْرُكُونَا وَالدَّعْوَةَ إِلَى الإِسْلَامِ، بَلْ جَعَلَ الغَايَةَ شَهَادَةَ الحَقِّ وَالدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16]، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إِنَّ المَقْصُودَ بِهَؤُلَاءِ مُشْرِكُو العَرَبِ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا أَوْ يُسْلِمُوا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الحُكْمُ يَشْمَلُ المُرْتَدِّينَ وَسَائِرَ الكُفَّارِ سِوَى أَهْلِ الكِتَابِ وَالمَجُوسِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ بِالجِزْيَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذٰلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)﴾ [التوبة: 29]، فَهُوَ نَصٌّ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ قِتَالِ مَنْ شَمِلَهُمُ الحُكْمُ عِنْدَ تَحَقُّقِ شُرُوطِهِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73].
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]، فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّهُ نَزَلَ فِي أَوَائِلِ مَا أُذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ بِالقِتَالِ، فَكَانُوا فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ لَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، ثُمَّ جَاءَتِ النُّصُوصُ المُطْلَقَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ. فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ جَمِيعُ آيَاتِ الجِهَادِ المُطْلَقَةِ عَلَى هٰذِهِ الآيَةِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إِلَى إِلْغَاءِ مَعَانِيهَا.
وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ الجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي أَحْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وَاحْتَجَّ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لِبَعْضِ ذٰلِكَ بِحَدِيثٍ عَزَاهُ إِلَى ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَفْضَلُ العَمَلِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ». قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ». قَالَ: أَلِي وَالِدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أُوصِيكَ بِهِمَا خَيْرًا». فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَأُجَاهِدَنَّ وَلَأَتْرُكَنَّهُمَا، فَقَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ». وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الجِهَادَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ القِتَالُ خَارِجَ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَالحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَالحَاصِلُ أَنَّ القَوْلَ بِأَنَّ الجِهَادَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الدِّفَاعِ فَقَطْ مُخَالِفٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلِمَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ. وَمِنْ أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَاصَلُوا الجِهَادَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَامْتَدَّتِ الفُتُوحُ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ إِلَى جِهَاتٍ بَعِيدَةٍ.
وَيُسْتَدَلُّ أَيْضًا بِقِتَالِ الصَّحَابَةِ أَهْلَ الرِّدَّةِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ، وَبِمَا ثَبَتَ مِنْ قِتَالِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لِلزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَادَّعَوْا فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ، بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمُ البَاطِلِ. وَقَدْ قَالَ فِي ذٰلِكَ:
إِنِّي إِذَا رَأَيْتُ أَمْرًا مُنْكَرًا
أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا
وَذٰلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
وَمِنَ الفَوَائِدِ المُهِمَّةِ فِي هٰذَا البَابِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَ النَّصَارَى المَوْجُودِينَ اليَوْمَ دِينَهُمْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، دَعَا قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِلَى تَصْدِيقِ الأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ. وَكَذٰلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ جَمِيعًا.
وَقَدِ افْتَرَتِ اليَهُودُ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ أَوْصَاهُمْ أَلَّا يَقْبَلُوا شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ، وَأَنَّ شَرِيعَتَهُ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَالحَقُّ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ، جَاءَا بِالدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ الَّذِي اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَوَّلُهُمْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَآخِرُهُمْ وَخَاتَمُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَالأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ، مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَنَحْوِ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَقْتَضِي تَغْيِيرَ أُصُولِ العَقِيدَةِ بِاخْتِلَافِ العُصُورِ وَالأَجْيَالِ. وَأَمَّا الشَّرَائِعُ، وَهِيَ الأَحْكَامُ العَمَلِيَّةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الأُمَمِ وَالأَزْمِنَةِ، بِمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللهِ تَعَالَى.
فَمِنْ ذٰلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَوَازُ تَزَوُّجِ الأَخِ مِنْ أُخْتِهِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، لِحَاجَةِ النَّسْلِ إِلَى ذٰلِكَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذٰلِكَ فِي الشَّرَائِعِ اللَّاحِقَةِ. وَكَانَ مِنْ شَرِيعَةِ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرْضُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَانِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، ثُمَّ لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فُرِضَتْ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ البِعْثَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ.
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ نَصْرَانِيًّا غَيْرَ مُسْلِمٍ، أَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَهُودِيًّا غَيْرَ مُسْلِمٍ، فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً عَظِيمًا، بَلْ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ دِينُهُمُ الإِسْلَامُ، أَيْ: الِاسْتِسْلَامُ لِلهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَقَدْ بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَجْدِيدِ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ انْقَطَعَتْ عَنِ الأَرْضِ مُدَّةً، فَاتَّبَعَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلإِسْلَامِ، فَكَانُوا أَتْبَاعَهُ وَأَتْبَاعَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَصْلِ الدِّينِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 55].
فَالمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ المَسِيحِ وَشَرِيعَتِهِ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، ثُمَّ انْقَرَضَ أَتْبَاعُ المَسِيحِ المُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَّا مَنْ غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ، وَهُمْ عَلَى خِلَافِ دَعْوَتِهِ فِي التَّوْحِيدِ وَتَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى.
وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ الأَصْلِيَّةُ وَالإِنْجِيلُ الأَصْلِيُّ دَاعِيَيْنِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، وَعَنْ نِسْبَةِ الوَالِدِيَّةِ وَالوَلَدِيَّةِ إِلَيْهِ. وَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى العِصْمَةَ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَمِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ شَرِيعَةُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا أَبَاحَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50].
وَمِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ بَيْنِ شَرَائِعِ الأَنْبِيَاءِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَهُ تَخُصُّ الصَّلَاةَ بِأَمَاكِنَ مَعْلُومَةٍ. وَمِنْ خَصَائِصِ شَرِيعَتِهِ أَيْضًا إِبَاحَةُ الغَنَائِمِ، وَهِيَ الأَمْوَالُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الكُفَّارِ فِي الحَرْبِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَكَانُوا يَجْمَعُونَهَا، فَتَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُنَاكَ مُحَرَّمَاتٌ لَمْ تَحِلَّ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ، كَالزِّنَا، وَالمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وَمِنَ الأَوْهَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)﴾ [البقرة: 47]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَضَّلُونَ عَلَى العَالَمِينَ، وَهٰذَا فَهْمٌ فَاسِدٌ. بَلِ المَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُذَكِّرُهُمْ بِنِعْمَتِهِ عَلَى أَجْدَادِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، مُؤْمِنِينَ بِالأَنْبِيَاءِ، مُتَّبِعِينَ لَهُمْ، فَكَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَفِي ذٰلِكَ تَوْبِيخٌ لِمَنْ عَاصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُمْ، لِيَتَّبِعُوا أَسْلَافَهُمُ المُؤْمِنِينَ فِي الإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُوا أَتْبَاعَ الأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)﴾ [آل عمران: 65]
أَيْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، لِمَ تُجَادِلُونَ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَدَّعِي كُلُّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِهِ؟ فَقَدْ زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَجَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي ذٰلِكَ. فَجَاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ إِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةَ إِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ الْإِنْجِيلِ، وَكِلْتَا الشَّرِيعَتَيْنِ كَانَتَا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَدْ كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى أَلْفَا سَنَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِبْرَاهِيمُ عَلَى دِينٍ لَمْ يَظْهَرْ إِلَّا بَعْدَ عَهْدِهِ بِأَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ؟! ثُمَّ خَتَمَ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: «أَفَلَا تَعْقِلُونَ»؛ أَيْ: أَفَلَا تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمْ، فَتَدَعُوا هٰذَا الْجِدَالَ الْبَاطِلَ الْمُحَالَ؟
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)﴾ [آل عمران: 66]
قَوْلُهُ: «هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ» فِيهِ «هَا» لِلتَّنْبِيهِ، وَ«أَنْتُمْ» مُبْتَدَأٌ، وَ«هَؤُلَاءِ» خَبَرُهُ. وَقَوْلُهُ: «حَاجَجْتُمْ» جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَالْمَعْنَى: أَنْتُمُ الَّذِينَ ظَهَرَتْ حَمَاقَتُكُمْ وَقِلَّةُ عُقُولِكُمْ، إِذْ جَادَلْتُمْ فِيمَا ليس لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِمَّا نَطَقَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.
فَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ خُضْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ شُبْهَةُ عِلْمٍ، فَلِمَ تَخُوضُونَ وَتُجَادِلُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أَصْلًا، وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي كِتَابَيْكُمْ، كَدِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَقِيقَةِ مِلَّتِهِ؟
وَقِيلَ: إِنَّ «هَؤُلَاءِ» بِمَعْنَى «الَّذِينَ»، وَ«حَاجَجْتُمْ» صِلَتُهَا. وَقُرِئَ: «هَا أَنْتُمْ» بِالْمَدِّ وَغَيْرِ الْهَمْزِ فِي مَوَاضِعِهَا.
ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»؛ أَيْ: اللَّهُ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا تُجَادِلُونَ فِيهِ، وَأَنْتُمْ جَاهِلُونَ بِهِ، فَلَا عِلْمَ لَكُمْ بِمَا تَدَّعُونَ، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى إِثْبَاتِهِ.