بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهَذَا النَّبِيُّ، وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ، وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)﴾ [آل عمران: 67-71]
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)﴾ [آل عمران: 67]
ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا؛ أَيْ: مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، مُسْلِمًا مُسْتَسْلِمًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يُفِيدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُنَزَّهًا عَنِ الشِّرْكِ كُلِّهِ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ هُنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ لِمَا نُسِبَ إِلَى بَعْضِهِمْ مِنَ الْقَوْلِ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِ وَمِلَّتِهِ.
لا دِينَ صَحِيحٌ إِلَّا الإِسْلَامُ
الدِّينُ الحَقُّ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الإِسْلَامُ، أَيْ: الدِّينُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ [آل عمران: 85]، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ طَلَبَ دِينًا غَيْرَ الإِسْلَامِ يَدِينُ بِهِ فَلَنْ يَقْبَلَهُ اللهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، أَيْ: إِنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ عِنْدَ اللهِ هُوَ الإِسْلَامُ وَحْدَهُ.
وَلَيْسَ مَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ لَفْظُ الدِّينِ عَلَى مَا سِوَى الإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَوِ الإِخْبَارُ عَنْ أَهْلِهِ، فَيُقَالُ: دِينُ اليَهُودِ، وَدِينُ النَّصَارَى، وَدِينُ المَجُوسِ، وَلَكِنَّهُ دِينٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللهِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ [الكافرون: 6]، أَيْ: أَنَا ثَابِتٌ عَلَى دِينِي الحَقِّ، وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِكُمُ البَاطِلِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ.
وَالإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا؛ فَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ أَنْبِيَاءَهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ، فَلَا يَأْتِي نَبِيٌّ يَنْقُضُ نَبِيًّا فِي أَصْلِ العَقِيدَةِ؛ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا مُبَلِّغُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى. فَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اتِّبَاعًا صَحِيحًا فَهُوَ مُسْلِمٌ مُوسَوِيٌّ، وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اتِّبَاعًا صَحِيحًا فَهُوَ مُسْلِمٌ عِيسَوِيٌّ، وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ مُسْلِمٌ مُحَمَّدِيٌّ، أَيْ: مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى.
وَمَعْنَى قَوْلِنَا: «مُسْلِمٌ مُحَمَّدِيٌّ» أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ، وَتَصْدِيقِ الأَنْبِيَاءِ، وَالإِيمَانِ بِالمَلَائِكَةِ، وَالكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ لِلأَجْسَامِ وَلَا لِشَيْءٍ مِنَ الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى. فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِهٰذَا الأَصْلِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ شَرَائِعِهِمْ فِي بَعْضِ الأَحْكَامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَبِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ مَصَالِحِ عِبَادِهِ.
فَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَعْضِ الأُمَمِ أَحْكَامًا، ثُمَّ نَسَخَهَا فِي شَرِيعَةٍ أُخْرَى؛ فَفَرَضَ عَلَى بَعْضِ أُمَمِ الأَنْبِيَاءِ صَلَاتَيْنِ، وَأَنْزَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَحْكَامًا فِي الزَّكَاةِ وَالقِصَاصِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ، وَأَبَاحَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ زَوَاجَ الأَخِ مِنَ الأُخْتِ الَّتِي لَيْسَتْ تَوْأَمَتَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذٰلِكَ بَعْدَ ذٰلِكَ. وَكُلُّ شَرِيعَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى نَبِيٍّ فِي زَمَانِهِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ ذٰلِكَ الزَّمَانِ التَّقَيُّدُ بِهَا.
فَلَمَّا جَاءَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ شَرِيعَةً خَاتِمَةً بَاقِيَةً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الأَحْكَامِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَهُ، كَجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، وَمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ أَوِ العَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَقَدْ عَلِمَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ المُحَمَّدِيَّةَ قَائِمَةٌ بِمَصَالِحِ العِبَادِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَجَعَلَهَا خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، فَلَا يُبْعَثُ بَعْدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ، وَلَا يُغَيَّرُ مِنْ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
وَلَا يُسَمَّى اللهُ تَعَالَى «مُسْلِمًا»؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ فِي اللُّغَةِ هُوَ المُنْقَادُ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَنْقَادُ لِغَيْرِهِ، بَلِ الخَلْقُ كُلُّهُمْ يَنْقَادُونَ لَهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ يُطْلَقُ المُسْلِمُ عَلَى العَاقِلِ الَّذِي صَدَّقَ بِقَلْبِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَنَطَقَ بِهِمَا، وَهٰذَا لَا يَجُوزُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى. وَإِنَّمَا يُسَمَّى اللهُ «السَّلَامَ»، أَيْ: السَّالِمَ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، وَيُسَمَّى «المُؤْمِنَ» كَمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُصَدِّقُ عِبَادَهُ وَعْدَهُ، وَيَفِي لَهُمْ بِمَا ضَمِنَهُ لَهُمْ، لَا بِالمَعْنَى الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى الإِنْسَانِ المُؤْمِنِ.
وَالأَصْلُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى أَنْهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، فَلَا يُسَمَّى اللهُ إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ. وَقَدْ قَرَّرَ الأَئِمَّةُ هٰذَا الأَصْلَ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى اللهُ تَعَالَى بِاسْمٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ الإِذْنُ الشَّرْعِيُّ، كَتَسْمِيَتِهِ «سَبَبًا» أَوْ «عِلَّةً» أَوْ «رُوحًا»، فَإِنَّ هٰذِهِ أَلْفَاظٌ لَا تَلِيقُ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ كَانَ البَشَرُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَافِرٌ، وَذٰلِكَ فِي زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ فِي زَمَنِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَإِنَّمَا حَدَثَ الشِّرْكُ وَالكُفْرُ بَعْدَ وَفَاةِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ الوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّهُ أَوَّلُ رُسُلِ اللهِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ: أَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ بَعْدَ انْتِشَارِ البَشَرِ فِي الأَرْضِ، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ أَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ عَلَى الإِطْلَاقِ؛ فَقَدْ سَبَقَهُ آدَمُ وَشِيثٌ وَإِدْرِيسُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. فَالأَوَّلِيَّةُ هُنَا أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، لَا مُطْلَقَةٌ.
وَالمُدَّةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ هِيَ الجَاهِلِيَّةُ الأُولَى الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. ثُمَّ تَوَالَى الأَنْبِيَاءُ بَعْدَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا سِيَّمَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَتَّى رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ مَضَى بَعْدَ ذٰلِكَ نَحْوُ سِتِّمِائَةِ عَامٍ أَوْ يَزِيدُ مِنْ غَيْرِ بِعْثَةِ نَبِيٍّ، إِلَى أَنْ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَقَامَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، بَعْدَ أَنْ انْقَطَعَ وُجُودُ المُسْلِمِينَ بَيْنَ البَشَرِ عَلَى الأَرْضِ، فَكَانَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ فِي زَمَانِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]، أَيْ: أَوَّلُ المُسْلِمِينَ فِي زَمَانِهِ ﷺ.
ثُمَّ دَعَا ﷺ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، مُؤَيَّدًا مِنْ رَبِّهِ بِالمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، فَدَخَلَ فِي الإِسْلَامِ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ مِنْ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ وَغَيْرِهِمْ، وَآمَنَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، عَالِمِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وَكَأَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، مَلِكِ الحَبَشَةِ، الَّذِي كَانَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ، وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الغَائِبِ.
وَالمَبْدَأُ الإِسْلَامِيُّ الجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الإِسْلَامِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ هُوَ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ، وَالإِيمَانُ بِنَبِيِّ الزَّمَانِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى قَوْمِهِ. فَهٰذَا الأَصْلُ جَمَعَ أَهْلَ الإِسْلَامِ كُلَّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا.
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهَذَا النَّبِيُّ، وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)﴾ [آل عمران: 68]
الْمُرَادُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ، وَأَخَصَّهُمْ بِهِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَى طَرِيقِهِ وَمِلَّتِهِ، هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ فِي زَمَانِهِ، وَهٰذَا النَّبِيُّ ﷺ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ. فَلَيْسَتِ الْمُنَاسَبَةُ بِالِانْتِسَابِ الدَّعْوِيِّ، وَلَا بِالْأَسْمَاءِ وَالشِّعَارَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِصِدْقِ الِاتِّبَاعِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى مِلَّةِ التَّوْحِيدِ. ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»؛ أَيْ: نَاصِرُهُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، يَحْفَظُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ.
الولايَةُ قِسمَان وِلايَةٌ عَامّةٌ ووِلايَةٌ خَاصّةٌ. الوِلايَةُ العَامّةُ كُلُّ مُسلِم يُقَالُ لهُ وَليُّ الله بمعنى أنّ اللهَ تَبارك وتعالى يُدخِلُه جَنّتَه في الآخِرَة، يُدخِلُه دارَ النَّعِيم لا دارَ الانتِقَام. هَذه الآيةُ مَعنَاها اللهُ تَعالى تَوَلّاهُم بالإنْعَام علَيهِم بالإيمانِ والإسلام وحفِظَهُم مِنَ الكُفر، بهذا المعنى أولياءُ المسلِمينَ، أمّا الولايةُ الخَاصّةُ فَهيَ أن يكونَ العَبدُ مُطِيعًا للهِ تَعالى طَاعةً كَاملَةً بأداءِ الفَرائِض واجتِنابِ المنَاهِي والإكثارِ مِنَ السُّنَن، وبالمعنى الأوّل قالَ أبو جَعفَر الطّحَاويّ” والمؤمنُونَ كُلُّهُم أَولياءُ الرّحمَن” هذه الولايةُ العَامّةُ
الإِسْلَامُ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، أَيْ: إِنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ المَقْبُولَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الإِسْلَامُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ دِينًا غَيْرَ الإِسْلَامِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ فِي الآخِرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ دِينَ الإِسْلَامِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ كَانُوا عَلَى هٰذَا الدِّينِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، وَقَالَ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى». فَشَبَّهَ ﷺ الأَنْبِيَاءَ بِالإِخْوَةِ لِعَلَّاتٍ؛ فَكَمَا أَنَّ الإِخْوَةَ لِعَلَّاتٍ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ مُخْتَلِفَاتٌ، فَكَذٰلِكَ الأَنْبِيَاءُ دِينُهُمْ وَاحِدٌ، أَيْ: عَقِيدَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ. فَهُمْ جَمِيعًا جَاؤُوا بِالتَّوْحِيدِ، وَدَعَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بَعْضُ الأَحْكَامِ العَمَلِيَّةِ بَيْنَ شَرِيعَةٍ وَأُخْرَى.
وَالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَيَّدَهُ بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَعْظَمُ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ القُرْآنُ الكَرِيمُ؛ فَإِنَّهُ تَحَدَّى بِهِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فِي زَمَنِ الفَصَاحَةِ وَالبَلَاغَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، فَعَجَزُوا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، وَتَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]. فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ ذٰلِكَ، ظَهَرَ أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ.
وَالمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلعَادَةِ، صَالِحٌ لِلتَّحَدِّي، لَا يَسْتَطِيعُ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي. وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْنَا خَبَرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ الخَبَرَ عَدَدٌ كَبِيرٌ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ، بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ فِي العَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الكَذِبِ.
فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُ النَّبِيِّ ﷺ بِالمُعْجِزَةِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ دِينًا غَيْرَ الإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُرْسِلَ اللهُ نَبِيًّا يَدْعُو إِلَى دِينٍ غَيْرِ مَقْبُولٍ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا سَيِّدُنَا عِيسَى المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهُوَ نَبِيٌّ مُسْلِمٌ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ آخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَّمَهُمْ شَرِيعَةَ اللهِ فِي زَمَانِهِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]. وَالحَوَارِيُّونَ هُمْ تَلَامِيذُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ شَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالإِسْلَامِ، فَكَانَ ذٰلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُمْ هٰذَا الدِّينَ.
وَكَيْفَ يُظَنُّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؟! فَإِنَّ زَعْمَ ذٰلِكَ يُؤَدِّي إِلَى لَازِمٍ بَاطِلٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ عَلَى دِينٍ غَيْرِ مَقْبُولٍ، وَهٰذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي شَأْنِ أَنْبِيَائِهِ: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86].
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالمَسِيحِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ سُمِّيَ بِذٰلِكَ لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ وَتَنَقُّلِهِ فِي الأَرْضِ، لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَ اللهِ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذٰلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى الأَبْرَصِ وَالأَكْمَهِ، أَيْ: الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، فَيُشْفَى بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَكَذٰلِكَ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى الإِسْلَامِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا بِالمَعْنَى البَاطِلِ الَّذِي آلَ إِلَيْهِ حَالُ مَنْ خَالَفُوا دِينَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ السَّحَرَةَ لَمَّا آمَنُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَسْلَمُوا، دَعَوُا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ، فَقَالُوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126]. فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ دِينَهُمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ الإِسْلَامَ، وَأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى دِينِ اللهِ الوَاحِدِ، الَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ.
فَائِدَةٌ فِي عِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُتَّصِفُونَ بِالعِصْمَةِ، وَهِيَ حِفْظُهُم مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَكَذٰلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ، لِأَنَّهُمْ مُصْطَفَوْنَ لِتَبْلِيغِ دِينِ اللهِ، فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ هٰذِهِ مَنْزِلَتُهُ أَنْ يَقَعَ فِي مَا يُنَافِي التَّنْزِيهَ وَالكَمَالَ.
وَمِمَّا يُورَدُ فِي هٰذَا البَابِ قَوْلُ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَمَا رَأَى الكَوْكَبَ: ﴿هَٰذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76]، فَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ الإِخْبَارِ وَالِاعْتِقَادِ، بَلْ هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِيِّ، أَيْ: أَهٰذَا رَبِّي كَمَا تَزْعُمُونَ؟ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَإِلْزَامِ الحُجَّةِ لِقَوْمِهِ. وَيُؤَيِّدُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ أُفُولِهِ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، أَيْ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَبًّا مَنْ يَغِيبُ وَيَزُولُ.
وَقَدْ تَدَرَّجَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُخَاطَبَةِ قَوْمِهِ عَلَى سَبِيلِ المُنَاظَرَةِ وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ، فَلَمَّا رَأَى الكَوْكَبَ قَالَ مَا قَالَ عَلَى سَبِيلِ الإِلْزَامِ، ثُمَّ لَمَّا غَابَ أَبْطَلَ صَلَاحِيَّتَهُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَكَذٰلِكَ فَعَلَ عِنْدَ رُؤْيَةِ القَمَرِ وَالشَّمْسِ، حَتَّى أَظْهَرَ لَهُمْ بُطْلَانَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ.
وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَفْسِهِ، فَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى قَبْلَ ذٰلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 41].
وَعَلَى هٰذَا فَمَا يُنْسَبُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الظَّنِّ أَوِ الِاعْتِقَادِ بِرُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ أَوِ القَمَرِ أَوِ الشَّمْسِ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، يُنَافِي أُصُولَ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، الَّتِي تَقْضِي بِعِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ مَنْ نَسَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ بِمَرْحَلَةِ شِرْكٍ أَوْ ظَنَّ فِيهَا أُلُوهِيَّةَ الكَوْكَبِ، فَإِنَّ هٰذَا يُخَالِفُ نُصُوصَ القُرْآنِ، وَيُنَاقِضُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ وُجُوبِ العِصْمَةِ لِلأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ، وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَمَا يَشْعُرُونَ (69)﴾ [آل عمران: 69]
الْمُرَادُ بِهٰذِهِ الطَّائِفَةِ: الْيَهُودُ، وَقَدْ وَدُّوا وَتَمَنَّوْا أَنْ يُوقِعُوا الْمُؤْمِنِينَ فِي الضَّلَالِ، وَأَنْ يَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ دَعَوْا حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا وَمُعَاذًا إِلَى الْيَهُودِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ مَكْرَهُمْ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ»؛ أَيْ: لَا يَعُودُ وَبَالُ هٰذَا الْإِضْلَالِ إِلَّا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْعَذَابَ يُضَاعَفُ لَهُمْ بِضَلَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَبِسَعْيِهِمْ فِي إِضْلَالِ غَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ: «وَمَا يَشْعُرُونَ»؛ أَيْ: لَا يُدْرِكُونَ حَقِيقَةَ مَا يَجُرُّونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْخُسْرَانِ.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)﴾ [آل عمران: 70]
فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالآيَاتِ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَكَانَ كُفْرُهُمْ بِهِمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا نَطَقَتْ بِهِ مِنْ صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْحَقِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْقُرْآنَ وَدَلَائِلَ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، مَعَ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ فِي كِتَابَيْهِمْ. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَعَمَّ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ؛ أَيْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهَا حَقٌّ؟ فَقَوْلُهُ: «وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ»؛ أَيْ: وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ وَتَعْلَمُونَ وَتُدْرِكُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)﴾ [آل عمران: 71]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ»؛ أَيْ: لِمَ تَخْلِطُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، مَعَ أَنَّ الْحَقَّ يَقْتَضِي الْإِيمَانَ بِهِمْ جَمِيعًا؟ وَقَوْلُهُ: «وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ»؛ أَيْ: تَكْتُمُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصِفَتَهُ وَبَيَانَ نُبُوَّتِهِ، مَعَ أَنَّكُمْ تَجِدُونَ ذٰلِكَ فِي كُتُبِكُمْ. وَقَوْلُهُ: «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» تَوْبِيخٌ آخَرُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ جُرْمَ مَنْ يَكْتُمُ الْحَقَّ عَنْ عِلْمٍ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِ مَنْ ضَلَّ عَنْ جَهْلٍ.