بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)﴾ [آل عمران: 72-74]
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)﴾ [آل عمران: 72]
الْمُرَادُ بِهٰذِهِ الطَّائِفَةِ: طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ: أَظْهِرُوا الْإِيمَانَ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ: بِالْقُرْآنِ، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِهِ فِي آخِرِهِ. وَقَوْلُهُ: «وَجْهَ النَّهَارِ» ظَرْفٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَوَّلُهُ. فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَظْهِرُوا التَّصْدِيقَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَظْهِرُوا الرُّجُوعَ وَالْإِنْكَارَ آخِرًا؛ لِيَقُولَ الْمُسْلِمُونَ: مَا رَجَعَ هٰؤُلَاءِ، وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، إِلَّا لِأَمْرٍ ظَهَرَ لَهُمْ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ سَبَبًا فِي ارْتِيَابِ بَعْضِ الضُّعَفَاءِ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ. فَقَوْلُهُ: «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» أَيْ: لَعَلَّهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَرْجِعُونَ بِسَبَبِ هٰذَا التَّلْبِيسِ وَالِاحْتِيَالِ.
نَزَلَتْ هٰذِهِ الآيَةُ فِي كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ اليَهُودِ، حِينَ قَالُوا لِلسِّفْلَةِ مِنْ قَوْمِهِمْ: أَظْهِرُوا الإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِهِ فِي آخِرِهِ؛ لَعَلَّ ذٰلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ فِي قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ، وَسُمِّيَ أَوَّلُهُ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُوَاجَهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَحْسَنُ أَوْقَاتِهِ وَأَظْهَرُهَا. وَقَدْ جَاءَ ذٰلِكَ فِي كَلَامِ العَرَبِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَتُضِيءُ فِي وَجْهِ النَّهَارِ مُنِيرَةٌ … كَجُمَانَةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نِظَامُهَا
وَقَوْلِ الآخَرِ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ … فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ: ﴿آخِرَهُ﴾ أَيْ: آخِرَ النَّهَارِ. وَالطَّائِفَةُ فِي الأَصْلِ: الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَى نَفْسٍ طَائِفَةٍ، أَيْ: جِهَةٍ مُنْفَرِدَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّ بَعْضَ اليَهُودِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَظْهِرُوا الإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ أَظْهِرُوا الكُفْرَ بِهِ فِي آخِرِهِ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذٰلِكَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، دَخَلَتِ الرِّيبَةُ عَلَى مَنْ يَتَّبِعُهُ، وَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّ هٰؤُلَاءِ وَجَدُوا فِي دِينِهِ خَلَلًا لَمَا رَجَعُوا عَنْهُ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ سَبَبًا فِي تَشْكِيكِ المُؤْمِنِينَ وَرَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذٰلِكَ لِيُشَكِّكُوا المُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ المَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا: آمِنُوا بِصَلَاتِهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإِنَّ ذٰلِكَ هُوَ الحَقُّ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِصَلَاتِهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ إِلَى الكَعْبَةِ؛ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ. وَهٰذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَى الآيَةِ أَنَّهُمْ جَاؤُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ رَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالُوا لِلسِّفْلَةِ: هُوَ حَقٌّ فَاتَّبِعُوهُ، ثُمَّ قَالُوا: حَتَّى نَنْظُرَ فِي التَّوْرَاةِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ رَجَعُوا، فَقَالُوا: قَدْ نَظَرْنَا فِي التَّوْرَاةِ، فَلَيْسَ هُوَ بِالنَّبِيِّ المَوْعُودِ. وَمَا أَرَادُوا بِذٰلِكَ إِلَّا التَّلْبِيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَإِدْخَالَ الشَّكِّ فِي قُلُوبِهِمْ.
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)﴾ [آل عمران: 73]
قَوْلُهُ: «وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» مُتَعَلِّقٌ، عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ، بِقَوْلِهِ: «أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ»، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا تُظْهِرُوا إِيمَانَكُمْ وَتَصْدِيقَكُمْ بِأَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ، إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، دُونَ غَيْرِهِمْ. أَرَادُوا: اكْتُمُوا اعْتِرَافَكُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَلَا تُفْشُوا ذٰلِكَ إِلَّا إِلَى أَشْيَاعِكُمْ، لِئَلَّا يَزْدَادَ الْمُسْلِمُونَ ثَبَاتًا، وَلِئَلَّا يَكُونَ فِي ذٰلِكَ مَا يَدْعُو الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ: «أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» مَعْطُوفٌ عَلَى «أَنْ يُؤْتَى»، وَالضَّمِيرُ فِي «يُحَاجُّوكُمْ» يَرْجِعُ إِلَى «أَحَدٍ»؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أَتْبَاعِ دِينِكُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُحَاجُّونَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَقِّ، وَيَغْلِبُونَكُمْ بِالْحُجَّةِ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: «قُلْ: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ» جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْهِدَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ هَدَاهُ، وَمَنْ ثَبَّتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ثَبَتَ، فَلَا يَنْفَعُ مَعَ قَضَاءِ اللَّهِ كَيْدُهُمْ، وَلَا حِيلَتُهُمْ، وَلَا كِتْمَانُهُمْ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّصْدِيقِ.
وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ: «قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»؛ أَيْ: إِنَّ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ، وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، كُلُّ ذٰلِكَ بِيَدِ اللَّهِ، يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ.
وَعَلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي الْآيَةِ: يَتِمُّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: «إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ»، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا تُظْهِرُوا هٰذَا الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ، أَعْنِي إِيمَانَكُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، إِلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِكُمْ، أَيْ: لِمَنْ كَانُوا مِنْكُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ عِنْدَهُمْ أَرْجَى وَأَقْرَبُ مِنْ رُجُوعِ غَيْرِهِمْ.
وَعَلَى هٰذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: «أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ» تَعْلِيلًا لِمَا دَبَّرُوهُ؛ أَيْ: قُلْتُمْ ذٰلِكَ وَرَتَّبْتُمُوهُ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّ الْحَسَدَ وَالْبَغْيَ أَخَذَ بِكُمْ، لِأَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هٰذَا الْوَجْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ: «آأَنْ يُؤْتَى» بِالْمَدِّ وَالِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: آلْآنَ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، فَتَحْسُدُونَهُمْ عَلَى ذٰلِكَ؟
وَعَلَى هٰذَا أَيْضًا يَكُونُ قَوْلُهُ: «أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» مَعْنَاهُ: دَبَّرْتُمْ مَا دَبَّرْتُمْ، إِمَّا لِأَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَإِمَّا لِأَجْلِ مَا يَتَّصِلُ بِذٰلِكَ مِنْ مُحَاجَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ إِذَا كَفَرْتُمْ بِهِ.
ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: «وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»؛ أَيْ: وَاسِعُ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَوَاضِعِ الْمَصْلَحَةِ، فَيُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ مِنْ كَلَامِ اليَهُودِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَيْ: قَالَ رُؤَسَاؤُهُمْ لِسَفِلَتِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ: لَا تُصَدِّقُوا، وَلَا تُقِرُّوا، وَلَا تُظْهِرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِ يَهُودِ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَةِ مِنْ جِهَةِ تَرْكِيبِهَا وَوُجُوهِ مَعَانِيهَا، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ فِيهَا أَقْوَالُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ. فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ مَعْنَاهَا: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنَّ المُؤْمِنِينَ يُحَاجُّونَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛ لِأَنَّهُمْ، عَلَى زَعْمِكُمْ، لَا حُجَّةَ لَهُمْ، وَأَنْتُمْ أَصَحُّ مِنْهُمْ دِينًا. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْنَاهُ: بِاحْتِجَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ، أَيْ: لَا تُصَدِّقُوهُمْ فِي ذٰلِكَ.
وَعَلَى هٰذَا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْدَهُ، أَيْ: لَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَفَلْقِ البَحْرِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالفَضَائِلِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ كَلَامَيْنِ.
وَقَالَ الأَخْفَشُ: المَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛ فَجَعَلَ بَعْضَ الكَلَامِ مَعْطُوفًا عَلَى بَعْضٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَتَوَاصَوْنَ بِكَتْمِ الحَقِّ، وَإِنْكَارِ فَضْلِ اللهِ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ المَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَيْ: لَا تُقِرُّوا وَلَا تُصَدِّقُوا أَنَّ أَحَدًا غَيْرَكُمْ يُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ. وَفِي قِرَاءَةِ المَدِّ: «آنْ يُؤْتَى» يَكُونُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ: أَتُقِرُّونَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ؟ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ. وَقَدْ قَرَأَ بِالمَدِّ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ، وَقَرَأَ البَاقُونَ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى الخَبَرِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَعْنَى «آنْ» فِي قِرَاءَةِ المَدِّ: أَلِأَنْ، فَحُذِفَتْ لَامُ الجَرِّ تَخْفِيفًا، وَأُبْدِلَتْ مَدَّةً، كَمَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿آنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ أَيْ: أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. وَعَلَى هٰذِهِ القِرَاءَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ رُجُوعًا إِلَى خِطَابِ المُؤْمِنِينَ، أَيْ: أَوْ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ يَا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، وَنَحْنُ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ مَدٍّ جَعَلَ النَّفْيَ الأَوَّلَ دَالًّا عَلَى إِنْكَارِهِمْ، أَيْ: إِنَّ عُلَمَاءَ اليَهُودِ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: لَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ، وَالحِكْمَةِ، وَالكِتَابِ، وَالحُجَّةِ، وَالمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَفَلْقِ البَحْرِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الفَضَائِلِ وَالكَرَامَاتِ؛ أَيْ: زَعَمُوا أَنَّ ذٰلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيهِمْ، فَأُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ، وَالفَضْلَ بِيَدِ اللهِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ. وَقِيلَ: المَعْنَى: لَا تُخْبِرُوا بِمَا فِي كِتَابِكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ؛ لِئَلَّا يَكُونَ ذٰلِكَ طَرِيقًا لِعَبَدَةِ الأَوْثَانِ إِلَى تَصْدِيقِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ.
وَقَالَ الفَرَّاءُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اليَهُودِ قَدِ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، أَيْ: إِنَّ البَيَانَ الحَقَّ وَالهِدَايَةَ الصَّادِقَةَ هِيَ هِدَايَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَلَى هٰذَا يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ اللهَ يُبَيِّنُ لَكُمْ لِئَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَوْ لِئَلَّا يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. وَقَدْ تَأْتِي «أَوْ» بِمَعْنَى «حَتَّى» أَوْ «إِلَى أَنْ»، كَقَوْلِهِمْ: لَا نَلْتَقِي أَوْ تَقُومَ السَّاعَةُ، أَيْ: حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّهَا خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، عَلَى جِهَةِ تَثْبِيتِ قُلُوبِهِمْ، وَتَشْحِيذِ بَصَائِرِهِمْ؛ لِئَلَّا يَشُكُّوا عِنْدَ تَلْبِيسِ اليَهُودِ وَتَزْوِيرِهِمْ فِي الدِّينِ. فَيَكُونُ المَعْنَى: قَدْ أُوتِيتُمْ مِنَ الفَضْلِ وَالدِّينِ مَا أُوتِيتُمْ، فَلَا تُصَدِّقُوا أَنَّ مَنْ خَالَفَكُمْ يَقْدِرُ أَنْ يُحَاجَّكُمْ فِي دِينِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَإِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ، وَإِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ اليَهُودَ قَالُوا: إِنَّا نُحَاجُّ عِنْدَ رَبِّنَا مَنْ خَالَفَنَا فِي دِينِنَا، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُم هُمُ المُدْحَضُونَ المُعَذَّبُونَ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغَالِبُونَ. وَمُحَاجَّتُهُمْ هِيَ خُصُومَتُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
فَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، لَمَا حَاجُّوا المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَأَعْلَمَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّهُمْ يُحَاجُّونَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أَيْ: إِنَّ الفَضْلَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَلَا فِي أُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ، بَلْ هُوَ بِيَدِ اللهِ تَعَالَى، يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الهُدَى إِلَى الخَيْرِ، وَالدَّلَالَةَ إِلَى الحَقِّ، بِيَدِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، يُؤْتِيهِ أَنْبِيَاءَهُ وَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ اليَهُودِ أَنْ يُؤْتَى غَيْرُهُمْ مِثْلَ مَا أُوتُوا مِنَ الهِدَايَةِ وَالفَضْلِ. فَإِنْ أَنْكَرُوا ذٰلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ المَعْنَى: قُلْ إِنَّ الهُدَى هُوَ هُدَى اللهِ الَّذِي آتَاهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، لَا مَا يَدَّعِيهِ غَيْرُهُمْ مِنَ البَاطِلِ وَالتَّحْرِيفِ.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)﴾ [آل عمران: 74]
أَيْ: يَخْتَصُّ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِرَحْمَتِهِ هُنَا النُّبُوَّةُ، وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ. وَالْمَعْنَى يَشْمَلُ ذٰلِكَ كُلَّهُ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عِبَادَهُ مِنْ هِدَايَةٍ، وَنُبُوَّةٍ، وَإِيمَانٍ، وَتَوْفِيقٍ، فَهُوَ مِنْ رَحْمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»؛ أَيْ: ذو الْفَضْلِ الْوَاسِعِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِقَدْرِهِ أَحَدٌ.