بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا، أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)﴾ [آل عمران: 75-78]
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ [آل عمران: 75]
يُبَيِّنُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لَوِ ائْتُمِنَ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ أَدَّاهُ صَاحِبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَوِ ائْتُمِنَ عَلَى أَقَلِّ مَالٍ لَمْ يُؤَدِّهِ. فَقَوْلُهُ: «مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» قِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَدَّاهَا إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» قِيلَ: هُوَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِينَارًا، فَجَحَدَهُ وَخَانَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونِينَ عَلَى الْكَثِيرِ هُمُ النَّصَارَى؛ لِغَلَبَةِ الْأَمَانَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ الْخَائِنِينَ فِي الْقَلِيلِ هُمُ الْيَهُودُ؛ لِغَلَبَةِ الْخِيَانَةِ عَلَيْهِمْ.
الْخِيَانَةُ ضِدُّ النَّصِيحَةِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْقَوْلِ كَجَحْدِ الأَمَانَةِ أَىْ إِنْكَارِهَا أَوْ بِالْحَالِ كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الْخِيَانَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْقَوْلِ كَجَحْدِ الأَمَانَةِ أَوْ بِالْحَالِ كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ»، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْىَ الإِيمَانِ عَنْهُ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى الأَمَانَةِ. وَالأَمَانَةُ فِى الْعِلْمِ أَىْ عِلْمِ الدِّينِ أَهَمُّ مِنَ الأَمَانَةِ فِى الْمَالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ أَهَمُّ مِنَ الْمَالِ وَضَرَرَ الْخِيَانَةِ فِى الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْخِيَانَةِ فِى الْمَالِ فَيَنْبَغِى لِلإِنْسَانِ أَنْ لا يَتَسَرَّعَ فِى الإِجَابَةِ وَأَنْ لا يُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَقَوْلُهُ: «إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا» أَيْ: لَا يُؤَدِّي ذٰلِكَ الْحَقَّ إِلَّا إِذَا دُمْتَ مُلَازِمًا لَهُ، قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ، مُطَالِبًا بِحَقِّكَ، لَا تُفَارِقُهُ. وَقَدْ قُرِئَ فِي «يُؤَدِّهِ» وَ«لَا يُؤَدِّهِ» بِأَوْجُهٍ فِي الْهَاءِ: فَقَرَأَ الْمَكِّيُّ، وَالشَّامِيُّ، وَنَافِعٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَفْصٌ بِكَسْرِ الْهَاءِ مُشْبَعَةً، وَاخْتَلَسَ أَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ، وَقَرَأَ غَيْرُهُمْ بِسُكُونِ الْهَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» وَالإِشَارَةُ بِـ«ذَلِكَ» إِلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ». وَالْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ قَوْلُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؛ أَيْ: لَا إِثْمَ عَلَيْنَا، وَلَا لَوْمَ، فِي أَخْذِ أَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ، وَهُمْ عِنْدَهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ كِتَابُنَا حُرْمَةً. وَقِيلَ: إِنَّ يَهُودًا بَايَعُوا رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضَوْهُمْ، فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقٌّ، إِذْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذٰلِكَ فِي كِتَابِهِمْ.
فَأَبْطَلَ اللَّهُ هٰذَا الِافْتِرَاءَ بِقَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»؛ أَيْ: يَنْسُبُونَ إِلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي هٰذِهِ النِّسْبَةِ.
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)﴾ [آل عمران: 76]
«بَلَى» إِثْبَاتٌ لِمَا نَفَوْهُ مِنْ عَدَمِ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِ الْأُمِّيِّينَ؛ أَيْ: بَلَى، عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، وَهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِظُلْمِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى» جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُقَرِّرَةٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ «بَلَى». وَالضَّمِيرُ فِي «بِعَهْدِهِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ أَيْ: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، وَاتَّقَاهُ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: «الْمُتَّقِينَ»؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عُمُومِ الْمَعْنَى، فَيَدْخُلُ فِي ذٰلِكَ الْإِيمَانُ وَسَائِرُ الصَّالِحَاتِ، وَاجْتِنَابُ الْكُفْرِ وَأَعْمَالِ السُّوءِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مُسْلِمِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى «مَنْ أَوْفَى»؛ أَيْ: مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَاتَّقَى اللَّهَ فِي تَرْكِ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ أَيْضًا فِي مَنْ حَرَّفَ التَّوْرَاةَ، وَبَدَّلَ نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَخَذَ الرِّشْوَةَ عَلَى ذٰلِكَ.
فيَنْبَغِى لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَكُونَ مُلازِمًا لِلْعِبَادَاتِ دَالًّا عَلَى الْخَيْرَاتِ طَالِبًا لِلزِّيَادَاتِ مِنَ الْحَسَنَاتِ مُغْتَنِمًا لِأَنْفَاسِهِ قَبْلَ الْمَمَاتِ دَاعِيًا إِلَى الْهُدَى ءَامِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ قَوِىَّ الْهِمَّةِ فِى نَشْرِ عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ خَادِمًا لِلدِّينِ وَالدَّعْوَةِ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ لِغَيْرِهِ نَفَّاعًا نَاصِحًا مُشْفِقًا قَلِيلَ الْكَلامِ لا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ حَسَنَ الأَخْلاقِ وَاسِعَ الصَّدْرِ بَطِىءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَى بُشْرَاهُ فِى وَجْهِهِ وَحُزْنُهُ فِى قَلْبِهِ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ حَلِيمًا مُتَوَاضِعًا لَيِّنَ الْجَانِبِ مَخْفُوضَ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مُتَكَبِّرًا ولا مُتَجَبِّرًا زَاهِدًا فِى الدُّنْيَا قَانِعًا بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ مُنْفِقًا مِمَّا فِى يَدِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالدُّنْيَا وَلا مُؤْثِرًا لَهَا عَلَى الآخِرَةِ وَلا جَامِعًا لِلْمَالِ وَلا مَانِعًا لَهُ عَنْ حَقِّهِ وَأَنْ لا يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا وَلا مُجَادِلًا بِلا حَقٍّ وَلا مُخَاصِمًا وَلا مُدَاهِنًا وَلا مُخَادِعًا وَلا حَسُودًا وَلا حَقُودًا أَمِينًا عَلَى الأَمَانَةِ بَعِيدًا مِنَ الْخِيَانَةِ صَادِقًا فِى الْقَوْلِ صَابِرًا عَلَى الْبَلاءِ ذَاكِرًا لِلَّهِ فِى أَوْقَاتِهِ مُخْلِصًا لِلَّهِ فِى أَعْمَالِهِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا، أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)﴾ [آل عمران: 77]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «يَشْتَرُونَ» أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ وَيَأْخُذُونَ عِوَضًا. وَالْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الْإِيمَانُ بِالرَّسُولِ الْمُصَدِّقِ لِمَا مَعَهُمْ، وَبِأَيْمَانِهِمْ الَّتِي حَلَفُوا بِهَا، كَقَوْلِهِمْ: وَاللَّهِ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَنَنْصُرَنَّهُ، ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، كَالرِّيَاسَةِ وَالرِّشْوَةِ وَنَحْوِ ذٰلِكَ؛ فَأُولَئِكَ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» أَيْ: لَا يُكَلِّمُهُمْ بِمَا يَسُرُّهُمْ وَيُكْرِمُهُمْ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ: نَظَرَ رَحْمَةٍ وَرِضًا. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يُزَكِّيهِمْ» أَيْ: لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: «وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»؛ أَيْ: عَذَابٌ مُؤْلِمٌ شَدِيدٌ.
فاليَمِينُ الغَمُوسُ هِيَ أَنْ يَحْلِفَ الإِنْسَانُ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا لِيَقْتَطِعَ بِهَا حَقَّ غَيْرِهِ، كَأَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ عَلَى آخَرَ مَالٌ، فَيُنْكِرَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الحَاكِمُ: احْلِفْ أَنَّ هٰذَا المَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْكَ، فَيَحْلِفُ كَاذِبًا. وَسُمِّيَتْ هٰذِهِ اليَمِينُ غَمُوسًا؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الذَّنْبِ، أَيْ: تُدْخِلُهُ فِي إِثْمٍ عَظِيمٍ.
وَفِي هٰذَا المَعْنَى نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أَيْ: إِنَّ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عَهْدَ اللهِ وَأَيْمَانَهُمُ الكَاذِبَةَ وَسِيلَةً لِأَخْذِ عَرَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا، لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الآخِرَةِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ كَلَامَ رِضًا وَإِكْرَامٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ، وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وَقَالَ الوَاحِدِيُّ: نَزَلَتْ هٰذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هٰذِهِ الآيَةَ، فَنَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ اليَمِينِ، وَأَقَرَّ لِلمُدَّعِي بِحَقِّهِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
وَقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77]: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ مَعْنَاهُ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي خَيْرِ الآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا. وَهٰذَا العُمُومُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ الوَعِيدُ، وَهُوَ مَشْرُوطٌ أَيْضًا، عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الحَقِّ، بِعَدَمِ العَفْوِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾، فَالمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ شِدَّةِ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، أَيْ: لَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامَ رِضًا وَإِكْرَامٍ، بَلْ هُمْ أَهْلُ وَعِيدٍ وَإِهَانَةٍ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الحَلِفِ الكَاذِبِ وَاشْتِرَاءِ عَرَضِ الدُّنْيَا بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، فَلَيْسَ المُرَادُ بِهِ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرَاهُمْ كَمَا يَرَى غَيْرَهُمْ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ النَّظَرُ هُنَا عَلَى تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إِلَى جِهَةِ المَرْئِيِّ طَلَبًا لِرُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّ ذٰلِكَ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا أَوْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ. وَإِنَّمَا المَعْنَى: لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ إِحْسَانٍ وَرَحْمَةٍ، كَمَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: فُلَانٌ لَا يَنْظُرُ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ: لَا يَعْتَدُّ بِهِ، وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ كَمَا يُثْنِي عَلَى أَوْلِيَائِهِ الأَزْكِيَاءِ. وَتَزْكِيَةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ قَدْ تَكُونُ عَلَى أَلْسِنَةِ المَلَائِكَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 103]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: 31].
وَقَدْ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؛ فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112]، وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58]. فَمَعْنَى نَفْيِ التَّزْكِيَةِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ هٰذَا الإِكْرَامَ وَالثَّنَاءَ وَالتَّطْهِيرَ الَّذِي يَنَالُهُ أَهْلُ الطَّاعَةِ وَالوِلَايَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ حِرْمَانَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَخَيْرِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ ذٰلِكَ مُتَعَرِّضُونَ لِعَذَابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، جَزَاءً عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنَ الخِيَانَةِ، وَالحَلِفِ الكَاذِبِ، وَاسْتِبْدَالِ عَرَضِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ.
وَتُذْكَرُ هٰذِهِ الآيَةُ عِنْدَ التَّلَاعُنِ؛ تَخْوِيفًا لِلْمُقْدِمِ عَلَى اليَمِينِ الكَاذِبَةِ، وَتَحْذِيرًا لَهُ مِنْ عَاقِبَةِ الكَذِبِ فِي مَقَامٍ عَظِيمٍ مِنْ مَقَامَاتِ الحُكْمِ وَالقَضَاءِ.
فَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ المُكَلَّفُ زَوْجَتَهُ المُحْصَنَةَ بِالزِّنَا، فَعَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ عُدُولٌ يَشْهَدُونَ بِزِنَى المَقْذُوفَةِ، أَوْ يُلَاعِنَ زَوْجَتَهُ. وَيَكُونُ اللِّعَانُ بِتَلْقِينِ الحَاكِمِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيُسَنُّ فِيهِ التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَحُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ وَصُلَحَائِهِمْ؛ زَجْرًا عَنِ الكَذِبِ، وَتَعْظِيمًا لِخُطُورَةِ الأَيْمَانِ.
فَيَقُولُ الزَّوْجُ عِنْدَ الحَاكِمِ، بَعْدَ العَصْرِ، فِي الجَامِعِ، عَلَى المِنْبَرِ، وَبِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّنِي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي مِنَ الزِّنَى، وَذٰلِكَ إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً سَمَّاهَا، فَيَقُولُ: زَوْجَتِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، ذَكَرَهُ فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ الخَمْسِ، فَيَقُولُ: وَإِنَّ هٰذَا الوَلَدَ مِنَ الزِّنَى وَلَيْسَ مِنِّي، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ مِنِّي، دُونَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ مِنَ الزِّنَى.
وَيُكَرِّرُ المُلاعِنُ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَةً، لِتَكُونَ كُلُّ مَرَّةٍ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ، وَقَدْ كُرِّرَتِ الشَّهَادَةُ فِيهَا لِتَأْكِيدِ الأَمْرِ، وَلِذٰلِكَ سُمِّيَتْ شَهَادَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الحَقِيقَةِ أَيْمَانًا.
ثُمَّ يَعِظُهُ الحَاكِمُ قَبْلَ المَرَّةِ الخَامِسَةِ، فَيُخَوِّفُهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ عَذَابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)﴾ [آل عمران: 77].
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَفْرَحُونَ حِينَ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَيَشْتَهُونَ، وَأَمَّا بِمَا يَسُوءُهُمْ وَيَكْرَهُونَ فَإِنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: تَأْوِيلُهُ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ وَالإِعْرَاضُ عَنْهُمْ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ لَا يَنْظُرُ إِلَى فُلَانٍ وَلَا يُكَلِّمُهُ، وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ غَضْبَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَلَّمَهُ بِكَلَامِ سُوءٍ لَمْ يَنْقُضْ ذٰلِكَ المَعْنَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ.
فَإِنْ أَصَرَّ الزَّوْجُ بَعْدَ هٰذِهِ المَوْعِظَةِ، أَعَادَ الكَلِمَاتِ مَرَّةً خَامِسَةً، وَزَادَ فِيهَا: وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ هٰذِهِ مِنَ الزِّنَى. وَأَمَّا كَوْنُ اللِّعَانِ فِي الجَامِعِ، عَلَى المِنْبَرِ، وَفِي جَمَاعَةٍ، فَلَيْسَ وَاجِبًا، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ لِلتَّغْلِيظِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ كَاذِبًا، أَحْكَامٌ عِدَّةٌ، مِنْهَا: سُقُوطُ حَدِّ القَذْفِ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَوْجَتِهِ المُلاعَنَةِ، وَوُجُوبُ حَدِّ الزِّنَى عَلَيْهَا، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، إِلَّا أَنْ تُلاعِنَ هِيَ أَيْضًا فَيَسْقُطَ عَنْهَا الحَدُّ.
وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَيْضًا زَوَالُ الفِرَاشِ، أَيْ: انْفِسَاخُ النِّكَاحِ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ بِالفُرْقَةِ المُؤَبَّدَةِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ كَذَّبَ المُلاعِنُ نَفْسَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ. وَمِنْهَا نَفْيُ الوَلَدِ عَنِ المُلاعِنِ إِنْ نَفَاهُ فِي لِعَانِهِ، لَكِنْ لَوِ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ لَحِقَهُ. وَيُشْتَرَطُ فِي نَفْيِ الوَلَدِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الفَوْرِ، كَالرَّدِّ بِالعَيْبِ، فَإِنْ أَخَّرَ النَّفْيَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَ حَقُّهُ مِنَ النَّفْيِ، وَلَحِقَهُ الوَلَدُ. أَمَّا المُلاعَنَةُ فَلَا يَنْتَفِي عَنْهَا نَسَبُ الوَلَدِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ اللِّعَانِ كَذٰلِكَ التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ لِلزَّوْجَةِ المُلاعَنَةِ عَلَى زَوْجِهَا المُلاعِنِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ ذٰلِكَ أَبَدًا.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)﴾ [آل عمران: 78]
يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَرِيقًا يَعْمِدُونَ إِلَى التَّحْرِيفِ وَالتَّلْبِيسِ، فَيَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ؛ أَيْ: يَفْتِلُونَهَا وَيَصْرِفُونَهَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ عَنِ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَى الْمُحَرَّفِ. وهَذا يَدُلُّ على أنّه في ذَلكَ الوَقتِ كانَ تَورَاةٌ صَحِيحَةٌ إنّما كَانُوا يُحَرّفُونَ الحُكمَ ويُفتُونَ بخِلافِ مَا فِيهَا وَاللَّيُّ هُوَ الْفَتْلُ وَالصَّرْفُ. وَالْمُرَادُ بِذٰلِكَ تَحْرِيفُهُمْ مِثْلَ آيَةِ الرَّجْمِ، ءايَةُ الرَّجْم حَرّفُوهَا في ذلكَ الوَقتِ بالتّفسِيرِ أمّا اللّفظُ مَا حَرّفُوه، وَنَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْوِ ذٰلِكَ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: «لِتَحْسَبُوهُ» يَرْجِعُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ»، وَهُوَ الْمُحَرَّفُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: يَعْطِفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِشِبْهِ الْكِتَابِ، لِتَحْسَبُوا ذٰلِكَ الشَّبَهَ مِنَ الْكِتَابِ، أَيْ: مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا.
ثُمَّ زَادَ فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: «وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ»، وَفِيهِ بَيَانٌ لِعِظَمِ جُرْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عِنْدَ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ، بَلْ نَسَبُوا ذٰلِكَ الْمُحَرَّفَ إِلَى اللَّهِ افْتِرَاءً وَجُرْأَةً. فَلِذٰلِكَ قَالَ: «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»؛ أَيْ: يَقُولُونَ ذٰلِكَ عَنْ عِلْمٍ وَتَعَمُّدٍ، لَا عَنْ جَهْلٍ وَلَا خَطَإٍ.