بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟ قَالُوا: أَقْرَرْنَا، قَالَ: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)﴾ [آل عمران: 79-84]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)﴾ [آل عمران: 79]
فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَكْذِيبٌ لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي مُقَدِّمَةِ ذٰلِكَ مَنْ غَلَوْا فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَعَلُوهُ مَعْبُودًا. وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَمَا يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ ﷺ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ لِأَحَدٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَكْرِمُوا نَبِيَّكُمْ، وَاعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ». رواه الواحديّ
وَقَوْلُهُ: «الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ»؛ أَيْ: يَمْتَنِعُ فِي حَقِّ بَشَرٍ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَالْحُكْمَ، وَهُوَ الْحِكْمَةُ، وَقِيلَ: السُّنَّةُ، وَقِيلَ: فَصْلُ الْقَضَاءِ، وَآتَاهُ النُّبُوَّةَ، أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ يَقُولَ» مَعْطُوفٌ عَلَى «يُؤْتِيَهُ».
ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» أَيْ: لٰكِنَّهُ يَقُولُ لَهُمُ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. وَالرَّبَّانِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَهُوَ شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: مَاتَ رَبَّانِيُّ هٰذِهِ الْأُمَّةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: الرَّبَّانِيُّونَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ. وَقِيلَ: هُمُ الْعُلَمَاءُ الْمُعَلِّمُونَ. وَقَالُوا أَيْضًا: الرَّبَّانِيُّ هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ.
وَقَوْلُهُ: «بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» قَرَأَهُ الْكُوفِيُّ وَالشَّامِيُّ بِالتَّخْفِيفِ فِي «تُعَلِّمُونَ»؛ أَيْ: تُعَلِّمُونَ غَيْرَكُمُ الْكِتَابَ. وَالْمَعْنَى: بِسَبَبِ كَوْنِكُمْ عَالِمِينَ مُعَلِّمِينَ، وَبِسَبَبِ مُدَاوَمَتِكُمْ عَلَى دِرَاسَةِ الْعِلْمِ وَقِرَاءَتِهِ، اسْتَحَقَقْتُمْ أَنْ تَكُونُوا رَبَّانِيِّينَ. وَفِي ذٰلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الرَّبَّانِيَّةَ إِنَّمَا تَنْشَأُ عَنِ الْعِلْمِ وَالدِّرَاسَةِ الْمُفْضِيَيْنِ إِلَى الْعَمَلِ، وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى خَيْبَةِ مَنْ جَمَعَ الْعِلْمَ، وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ سَبِيلًا إِلَى الْعَمَلِ، فَكَانَ كَمَنْ نَزَلَ عِنْدَ شَجَرَةٍ حَسْنَاءَ أَعْجَبَهُ مَنْظَرُهَا، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِثَمَرِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَى «تَدْرُسُونَ» أَيْ: تُدَرِّسُونَهُ لِلنَّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾، فَيَكُونُ مِنَ التَّدْرِيسِ، كَمَا قَرَأَ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)﴾ [آل عمران: 80]
قُرِئَ «وَلَا يَأْمُرَكُمْ» بِالنَّصْبِ، عَلَى الْعَطْفِ عَلَى «ثُمَّ يَقُولَ»، وَوَجْهُهُ أَنْ تُجْعَلَ «لَا» زَائِدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ». فَيَكُونُ الْمَعْنَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ، وَيُنَصِّبَهُ لِلدُّعَاءِ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَتَرْكِ الْأَنْدَادِ، ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِأَنْ يَكُونُوا عِبَادًا لَهُ، وَأَنْ يَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحِجَازِيِّ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَعَلِيٍّ، عَلَى ابْتِدَاءِ كَلَامٍ جَدِيدٍ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ» لِلْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ. وَالضَّمِيرُ فِي «وَلَا يَأْمُرَكُمْ» وَ«أَيَأْمُرُكُمْ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْبَشَرِ الْمَذْكُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: «بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَبْوَابِ الْكُفْرِ وَالْغُلُوِّ، وَالنَّبِيُّ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى التَّوْحِيدِ.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)﴾ [آل عمران: 81]
قَوْلُهُ: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ» هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ أَيْ: أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ بِهٰذَا الْأَمْرِ. والميثَاقُ العَهدُ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِيثَاقُ أَوْلَادِ النَّبِيِّينَ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ. وَاللَّامُ فِي «لَمَا آتَيْتُكُمْ» لَامُ التَّوْطِئَةِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ فِي مَعْنَى الِاسْتِحْلَافِ، وَاللَّامُ فِي «لَتُؤْمِنُنَّ» لَامُ جَوَابِ الْقَسَمِ.
وَ«مَا» يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَضَمِّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ، فَيَسُدُّ قَوْلُهُ: «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ» مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنَى «الَّذِي»، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ. وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ جَاءَكُمْ» مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: ثُمَّ جَاءَكُمْ بِهِ رَسُولٌ. وَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ هُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِ الْآيَةِ أَيْضًا: إِنَّ الْمَعْنَى: لِأَجْلِ إِيتَائِي إِيَّاكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِمَا مَعَكُمْ، أَخَذْتُ عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ لِتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ. فَاللَّامُ عَلَى هٰذَا لِلتَّعْلِيلِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: «لَمَا آتَيْنَاكُمْ».
ثُمَّ قَالَ: «أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟» أَيْ: أَقَبِلْتُمْ عَهْدِي، وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذٰلِكُمُ الْمِيثَاق عَهْدِي الثَّقِيلَ؟ وَسُمِّيَ «إِصْرًا»؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْصَرُ، أَيْ: يُشَدُّ وَيُعْقَدُ. قَالُوا: «أَقْرَرْنَا» أَيْ: قَبِلْنَا وَأَذْعَنَّا. قَالَ: «فَاشْهَدُوا» أَيْ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْإِقْرَارِ، «وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» أَيْ: وَأَنَا شَاهِدٌ عَلَيْكُمْ بِذٰلِكَ، وَفِي هٰذَا تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ وَتَحْذِيرٌ مِنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، إِذَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ يَشْهَدُ عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا.
اللهُ تَعالى يَعلَمُ أنّ محَمّدًا لا يَأتي إلا بعدَ ءالافٍ مِنَ الأنبياءِ يَسبِقُونَه لكنْ تَنويهًا لشَرفِ محمّد أوحَى إلى كلّ نَبيّ بأنّهُ سَيأتي محمّدٌ فمَن أدركَه فلْيؤمِنْ به ولْيَنصُرْه، فمَا مِن نَبيّ إلا وقَد عَلِم بالوَحْي مِنَ اللهِ أنّ نبيًّا اسمُه محمّدٌ سيَأتي، وكذلكَ كُلُّ نَبيّ أَخبَر أُمّتَه حتى الجِنُّ كانوا يَعرفُونَ
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)﴾ [آل عمران: 82]
أَيْ: فَمَنْ أَعْرَضَ بَعْدَ هٰذَا الْمِيثَاقِ الْمُؤَكَّدِ، وَنَقَضَ الْعَهْدَ بَعْدَ قَبُولِهِ، وَتَوَلَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ الْجَائِي، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ؛ أَيْ: الْمُتَمَرِّدُونَ الْخَارِجُونَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)﴾ [آل عمران: 83]
دَخَلَتْ هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَفَبَعْدَ أَنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَاسِقُونَ يَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ؟ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَيَتَوَلَّوْنَ، فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ؟ وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ «غَيْرَ دِينِ اللَّهِ»، عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ فِي مَوْضِعِ الْإِنْكَارِ، إِذِ الْإِنْكَارُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَا طُلِبَ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»؛ أَيْ: خَضَعَ وَانْقَادَ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَهُمُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. وَقَوْلُهُ: «طَوْعًا وَكَرْهًا» حَالٌ؛ أَيْ: طَائِعِينَ وَمُكْرَهِينَ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعًا، بَعْدَ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْإِنْصَافِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهًا، إِمَّا بِالسَّيْفِ، أَوْ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، كَمَا وَقَعَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ نَتْقِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ، وَلِفِرْعَوْنَ عِنْدَ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ، وَلِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» أَيْ: وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُهُمْ جَمِيعًا، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَقَرَأَ حَفْصٌ: «يَبْغُونَ» وَ«يُرْجَعُونَ» بِالْيَاءِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْبَاغِينَ هُمُ الْمُتَوَلُّونَ، وَالرَّاجِعِينَ جَمِيعُ النَّاسِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّاءِ فِي الثَّانِي وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَغَيْرُهُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا وَفَتْحِ الْجِيمِ.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)﴾ [آل عمران: 84]
أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ مَعَهُ بِالْإِيمَانِ الْجَامِعِ، فَلِذٰلِكَ وُحِّدَ الضَّمِيرُ فِي «قُلْ»، وَجُمِعَ فِي «آمَنَّا». وَقِيلَ: بَلْ أُمِرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُلُوكِ، إِجْلَالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: «وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا» عُدِّيَ فِيهِ «أُنْزِلَ» بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ، بَيْنَمَا عُدِّيَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِحَرْفِ الِانْتِهَاءِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَإِنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ مِنْ فَوْقُ، وَيَنْتَهِي إِلَى الرَّسُولِ، فَجَاءَ تَارَةً بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَأُخْرَى بِالْآخَرِ. وَقَالَ صَاحِبُ «اللُّبَابِ»: إِنَّ الْخِطَابَ فِي الْبَقَرَةِ لِلْأُمَّةِ فِي قَوْلِهِ: «قُولُوا»، فَكَانَ الْأَنْسَبُ «إِلَى»؛ لِأَنَّ الْكُتُبَ تَنْتَهِي إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَإِلَى أُمَمِهِمْ جَمِيعًا، وَهُنَا الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَاسَبَ «عَلَى»؛ لِأَنَّ الْكُتُبَ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ، لَا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِي أَصْلِ التَّلَقِّي. وَفِي هٰذَا نَظَرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ثُمَّ ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَالْأَسْبَاطِ، وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءُ، هَذِه تَحتَاجُ إلى تَأوِيلٍ أُرِيدَ بهِ ذُرّيّتُه لا أبنَاؤه الذينَ أسَاؤوا إلى يُوسُفَ وإلّا فَإطْلاقُه قَولٌ بَاطِلٌ لأنّ مَن سبَقَتْ لهُ تِلكَ الأفعَالُ الخَسِيسَةُ لا يَلِيقُ بمَنْصِبِ النّبُوّةِ لأنَّ النّاسَ يَنفِرُونَ مِمَّن سبَقَتْ لَهم هَذِه الأمُورُ فكَيفَ يُبعَثُ نَبِيًّا ولَيسَ مَعنَى الأسبَاطِ صَرِيحًا في إرادَتِهم مِن حَيثُ اللُّغَةُ. وَبِمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرُ النَّبِيِّينَ مِنْ رَبِّهِمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يُكَرِّرْ هُنَا قَوْلَهُ: «وَمَا أُوتِيَ» كَمَا كَرَّرَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِيتَاءِ قَدْ تَقَدَّمَ هُنَا فِي قَوْلِهِ: «لَمَا آتَيْتُكُمْ».
هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالأَسْبَاطِ﴾ لَيْسُوا إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَلْ هُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِخْوَتِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي القُرْآنِ أَنَّ الأَسْبَاطَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء: 163].
وَلَوْ كَانَ المُرَادُ بِالأَسْبَاطِ إِخْوَةَ يُوسُفَ أَنْفُسَهُمْ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، وَهٰذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَدَرَ مِنْهُمْ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، مِنْ ضَرْبِهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِلْقَائِهِ فِي البِئْرِ، وَبَيْعِهِ وَهُوَ حُرٌّ، وَكَذِبِهِمْ عَلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَسْفِيهِهِمْ لَهُ، وَهٰذِهِ أَفْعَالٌ خَسِيسَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ ذٰلِكَ.
وَعَلَى هٰذَا، فَإِخْوَةُ يُوسُفَ هُمُ العَشَرَةُ الَّذِينَ فَعَلُوا تِلْكَ الأَفْعَالَ، وَأَمَّا بِنْيَامِينُ فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيمَا صَنَعُوا. وَأَمَّا الأَسْبَاطُ الَّذِينَ أَثْنَى اللهُ عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَنْبِيَاءُ مِنْ ذُرِّيَّةِ هٰؤُلَاءِ، لَا أَنْفُسُهُمْ.
وَالسِّبْطُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الوَلَدِ وَوَلَدِ الوَلَدِ، أَيْ: الحَفِيدِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: الأَسْبَاطُ، كَمَا يُقَالُ فِي العَرَبِ: القَبَائِلُ. فَكَمَا أَنَّ العَرَبَ يُقَالُ لِبُطُونِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ: قَبَائِلُ، كَذٰلِكَ يُقَالُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَسْبَاطٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ السِّبْطَ هُوَ الوَلَدُ وَوَلَدُ الوَلَدِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصَّةُ الوَلَدِ وَخِيَارُهُمْ، فَكَانَ فِي ذُرِّيَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ مَنْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، كَإِلْيَاسَ، وَإِلْيَسَعَ، وَذِي الكِفْلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَهٰؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُرَادُونَ بِالأَسْبَاطِ الَّذِينَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمْ، لَا إِخْوَةُ يُوسُفَ أَنْفُسُهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ»؛ أَيْ: لَا نُفَرِّقُ فِي الْإِيمَانِ بَيْنَ رَسُولٍ وَرَسُولٍ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، بَلْ نُؤْمِنُ بِهِمْ جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: «وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» أَيْ: مُوَحِّدُونَ مُخْلِصُونَ لَهُ، قَدْ أَسْلَمْنَا أَنْفُسَنَا لَهُ، وَلَا نَجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِنَا.
صِفَاتُ الأَنْبِيَاءِ وَعِصْمَتُهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ، وَالأَمَانَةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالفَصَاحَةِ، وَالفَطَانَةِ، أَيْ: الذَّكَاءِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى اصْطَفَاهُمْ لِتَبْلِيغِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانُوا أَكْمَلَ النَّاسِ أَخْلَاقًا، وَأَصْدَقَهُمْ قَوْلًا، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً.
وَيَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ؛ لِأَنَّ الكَذِبَ نَقْصٌ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الكَذِبِ، سَوَاءٌ مَا كَانَ مُحَرَّمًا أَوْ مَا قَدْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ، أَوْ مَا قَدْ يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ لِإِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنَ القَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَمْرًا عَلَى وَجْهٍ، فَأَخْبَرَ بِهِ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَلَا يُسَمَّى ذٰلِكَ كَذِبًا.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْرُوفًا بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ بِالأَمِينِ، لِمَا عُرِفَ بِهِ مِنَ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ كَذْبَةٌ قَطُّ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي شَأْنِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّوْرِيَةِ، لَا مِنَ الكَذِبِ الحَقِيقِيِّ.
وَالتَّوْرِيَةُ هِيَ الإِتْيَانُ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ: مَعْنًى قَرِيبٌ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَلَا يَكُونُ هُوَ المُرَادَ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَمَعْنًى بَعِيدٌ هُوَ المَقْصُودُ. فَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ زَوْجَتِهِ سَارَةَ: إِنَّهَا أُخْتِي، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِي النَّسَبِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الدِّينِ، صِيَانَةً لَهَا مِنْ أَذَى مَلِكٍ جَبَّارٍ ظَالِمٍ، فَكَانَ ذٰلِكَ صِدْقًا فِي الحَقِيقَةِ، وَلَيْسَ كَذِبًا. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وَأَمَّا الحَدِيثُ المَشْهُورُ فِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِ الكَذِبِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّوْرِيَةِ، لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهُونَ عَنِ الكَذِبِ، وَمَحْفُوظُونَ مِنْ كُلِّ مَا يُنَاقِضُ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ.
وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ هُمْ أَشْجَعُ خَلْقِ اللهِ، فَلَيْسَ فِيهِمْ جَبَانٌ وَلَا ضَعِيفُ القَلْبِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: كُنَّا إِذَا حَمِيَ الوَطِيسُ فِي المَعْرَكَةِ نَحْتَمِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَيْ: كُنَّا نَلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ اشْتِدَادِ القِتَالِ؛ لِمَا أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ القَلْبِ.
وَأَمَّا الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلَا يَسْتَحِيلُ عَلَى النَّبِيِّ، كَالتَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الكُفَّارِ عَلَيْهِ وَقَصْدِهِمْ قَتْلَهُ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: 21]. وَالفِرَارُ هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى الجُبْنِ، بَلْ هُوَ أَخْذٌ بِالأَسْبَابِ وَدَفْعٌ لِلضَّرَرِ. وَالأَنْبِيَاءُ يَخَافُونَ اللهَ تَعَالَى خَوْفَ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، وَلَا يَخَافُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ أَذًى فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مُكَرَّمُونَ.
وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ فُصَحَاءُ، يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ وَاضِحٍ مَفْهُومٍ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُحْسِنُ النُّطْقَ، أَوْ مَنْ فِي لِسَانِهِ عِلَّةٌ تُخِلُّ بِفَصَاحَتِهِ وَتَجْعَلُ كَلَامَهُ غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلسَّامِعِينَ. فَقَدْ أَرْسَلَهُمُ اللهُ لِيُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ، وَالبَيَانُ لَا يَتِمُّ مَعَ عَجْزٍ مُنَفِّرٍ فِي النُّطْقِ.
وَقَدْ كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصِيحَ اللِّسَانِ، عَالِمًا بِأَسْمَاءِ الأَشْيَاءِ، يَتَفَاهَمُ مَعَ أَوْلَادِهِ بِالكَلَامِ الوَاضِحِ، لَا بِالإِشَارَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، أَيْ: عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].
وَكَانَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ حِسَانَ الأَصْوَاتِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَإِنَّ نَبِيَّكُمْ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا». وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ﴾، فَكَادَ قَلْبِي يَطِيرُ، أَيْ: مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ ﷺ وَتَأْثِيرِ قِرَاءَتِهِ.
وَأَمَّا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ أَثَّرَتِ الجَمْرَةُ الَّتِي تَنَاوَلَهَا وَوَضَعَهَا فِي فَمِهِ حِينَ كَانَ طِفْلًا أَثَرًا يَسِيرًا فِي لِسَانِهِ، وَلَمْ تُؤَثِّرْ عَلَى فَصَاحَتِهِ، وَلَا بَلَاغَتِهِ، وَلَا حُسْنِ نُطْقِهِ، وَلَا مَخَارِجِ حُرُوفِهِ. بَلْ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوَابِ، وَكَانَ كَلَامُهُ وَاضِحًا مُفْهِمًا، لَا يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَلَا يَكُونُ فِي نُطْقِهِ مَا يُعِيبُهُ عِنْدَ النَّاسِ. فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ دَعَا اللهَ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27]، فَأَذْهَبَ اللهُ تَعَالَى ذٰلِكَ الأَثَرَ.
وَيَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الفَطَانَةُ، أَيْ: الذَّكَاءُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ البَلَادَةُ وَالغَبَاوَةُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ لِيُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ، وَيُبَيِّنُوا الحَقَّ، وَيُقِيمُوا الحُجَّةَ عَلَى المُعَانِدِينَ، فَلَوْ كَانُوا أَغْبِيَاءَ لَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى حَكِيمٌ لَا يَجْعَلُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فِي الأَغْبِيَاءِ.
وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَفِظَ الأَنْبِيَاءَ مِنَ الكَذِبِ، وَالخِيَانَةِ، وَالرَّذَالَةِ، وَالسَّفَاهَةِ، وَالجُبْنِ، وَالبَلَادَةِ، وَحَفِظَهُمْ مِنَ الكُفْرِ، وَالكَبَائِرِ، وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ، قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ كَانَ صَاحِبَ رَذَالَةٍ، أَوْ خِيَانَةٍ، أَوْ سَفَاهَةٍ، أَوْ كَذِبٍ، ثُمَّ اخْتِيرَ لِلنُّبُوَّةِ بَعْدَ ذٰلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَخْتَارُ لِهٰذَا المَنْصِبِ إِلَّا مَنْ نَشَأَ عَلَى الصِّدْقِ وَالعِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ وَحُسْنِ الخُلُقِ.
وَالخِيَانَةُ ضِدُّ النَّصِيحَةِ، وَقَدْ تَكُونُ بِالفِعْلِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ، أَوْ بِالقَوْلِ كَجَحْدِهَا، أَوْ بِالحَالِ كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذٰلِكَ. وَالرَّذَالَةُ هِيَ صِفَاتُ الأَسَافِلِ الدُّونِ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّفَاهَةُ هِيَ التَّصَرُّفُ عَلَى خِلَافِ الحِكْمَةِ، أَوِ التَّلَفُّظُ بِأَلْفَاظٍ شَنِيعَةٍ تَسْتَقْبِحُهَا النُّفُوسُ، وَالجُبْنُ هُوَ ضَعْفُ القَلْبِ.
وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ كُلُّ مَا يُنَفِّرُ النَّاسَ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِهِمْ، كَالأَمْرَاضِ المُنَفِّرَةِ، مِنَ الجَرَبِ، وَالجُذَامِ، وَالبَرَصِ، وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الجِسْمِ. فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ الأَنْبِيَاءَ قُدْوَةً لِلنَّاسِ، وَأَرْسَلَهُمْ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ المَرَضُ الَّذِي يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنْهُمْ. وَأَمَّا المَرَضُ المُؤْلِمُ الشَّدِيدُ الَّذِي لَا يُنَفِّرُ عَنْهُمْ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الجُهَّالِ عَنْ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ أَنَّ الدُّودَ أَكَلَ جِسْمَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَسَاقَطُ مِنْهُ فَيُعِيدُهُ إِلَى مَكَانِهِ، كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، وَفِيهِ نِسْبَةُ مَا لَا يَلِيقُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ. بَلِ ابْتَلَى اللهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ عَافَاهُ وَأَغْنَاهُ وَرَزَقَهُ الكَثِيرَ مِنَ الأَوْلَادِ.
وَقَدْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى الأَنْبِيَاءَ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، فَالنَّبِيُّ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِرَبِّهِ، مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، عَارِفًا بِمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا لَا يَلِيقُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ وَلَا تَفَاصِيلَ الإِيمَانِ، أَمَّا أَصْلُ الإِيمَانِ فَكَانَ مَوْجُودًا فِي قَلْبِهِ ﷺ، كَسَائِرِ النَّبِيِّينَ.
وَكَذٰلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الكَوْكَبِ حِينَ رَآهُ: ﴿هٰذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76]، هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِيِّ، أَيْ: أَهٰذَا رَبِّي كَمَا تَزْعُمُونَ؟ أَمَّا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ يَعْلَمُ قَبْلَ ذٰلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ نَبِيِّ اللهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88]، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، بَلْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: ظَنَّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَرْكِهِ قَوْمَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللهُ بِذٰلِكَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنْ نَسَبَ هٰذَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ الكُفْرَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَلَمَّا أَلْقَى يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَفْسِهِ فِي البَحْرِ، لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا الِانْتِحَارَ، بَلْ كَانَ ذٰلِكَ فِي سِيَاقِ الِابْتِلَاءِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَابْتَلَعَهُ الحُوتُ، وَلَمْ يَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا، وَلَمْ يَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا، فَمَكَثَ فِي بَطْنِهِ أَيَّامًا فِي ظُلُمَاتِ البَحْرِ، يَدْعُو اللهَ وَيُسَبِّحُهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ، فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، وَنَجَّاهُ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَعْوَةِ ذِي النُّونِ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ».
وَتَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ العِصْمَةُ مِنَ الكَبَائِرِ، كَشُرْبِ الخَمْرِ، وَالزِّنَى، وَالِانْتِحَارِ؛ فَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذٰلِكَ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى سَيِّدِنَا لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ شُرْبُ الخَمْرِ أَوِ الزِّنَى، وَلَا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي البَحْرِ لِيَنْتَحِرَ، وَلَا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يُلْقِيَ بِنَفْسِهِ مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ لِيَقْتُلَ نَفْسَهُ.
فَإِنَّ الِانْتِحَارَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ، بَلْ هُوَ مِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ بَعْدَ الكُفْرِ، وَتَحْرِيمُهُ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]. وَكُلُّ مَا يُوهِمُ نِسْبَةَ ذٰلِكَ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَيَجِبُ رَدُّهُ أَوْ تَأْوِيلُهُ بِمَا يَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ.
وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الجُنُونُ، وَالخَرَفُ، وَتَأْثِيرُ السِّحْرِ فِي عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ فِي أَبْدَانِهِمْ، أَوْ أَفْوَاهِهِمْ، أَوْ ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الكَرِيهَةُ المُنَفِّرَةُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو عَاهَةٍ مُنَفِّرَةٍ فِي خِلْقَتِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلَا أَعْمَى خِلْقَةً، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُمْ أَكْمَلَ الخَلْقِ فِي مَا يَلِيقُ بِمَقَامِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ.