بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا، لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)﴾ [آل عمران: 85-89]
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ [آل عمران: 85]
الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ هُنَا: التَّوْحِيدُ، وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَوْلُهُ: «دِينًا» تَمْيِيزٌ. فَمَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ مَنْ طَلَبَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَسَلَكَ سَبِيلًا سِوَاهُ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ذٰلِكَ أَبَدًا، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ أَسْلَمُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، وَلَحِقُوا بِمَكَّةَ.
حَقِيقَةُ الدِّينِ السَّمَاوِيِّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
اعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ السَّمَاوِيَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَنْبِيَائِهِ هُوَ الإِسْلَامُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ وَالمَلَائِكَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فَالإِسْلَامُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا دِينَ صَحِيحٌ سِوَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
وَمَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلَامِ فَدِينُهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ خَاسِرٌ فِي الآخِرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ دِينِ اليَهُودِ أَوْ دِينِ النَّصَارَى بَعْدَ التَّحْرِيفِ إِنَّهُ دِينٌ سَمَاوِيٌّ؛ لِأَنَّ الدِّينَ السَّمَاوِيَّ، أَيْ: الدِّينَ المُنْزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هُوَ الإِسْلَامُ فَقَطْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى»، أَيْ: كَمَا أَنَّ الإِخْوَةَ لِعَلَّاتٍ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ مُخْتَلِفَاتٌ، فَكَذٰلِكَ الأَنْبِيَاءُ دِينُهُمْ وَاحِدٌ، أَيْ: عَقِيدَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ.
وَمِنْ هُنَا يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ: «الأَدْيَانُ السَّمَاوِيَّةُ»، أَوْ قَوْلِهِمْ: «الأَدْيَانُ السَّمَاوِيَّةُ الثَّلَاثَةُ»، يُرِيدُونَ بِذٰلِكَ الإِسْلَامَ وَدِينَ اليَهُودِ وَدِينَ النَّصَارَى؛ فَإِنَّ هٰذَا تَعْبِيرٌ بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: شَرَائِعُ سَمَاوِيَّةٌ، أَوْ كُتُبٌ سَمَاوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ هِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالوَحْيِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُ الأَنْبِيَاءِ فِي بَعْضِ الأَحْكَامِ، أَمَّا أَصْلُ الدِّينِ فَوَاحِدٌ. وَأَمَّا الكُتُبُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، كَالقُرْآنِ، وَالإِنْجِيلِ الأَصْلِيِّ، وَالتَّوْرَاةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالزَّبُورِ، فَكُلُّهَا كَانَتْ تَدْعُو إِلَى الإِسْلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا يَشَاءُ، أَوْ أَنَّ اللهَ رَضِيَ لِعِبَادِهِ أَنْ يَتَدَيَّنُوا بِأَيِّ دِينٍ يَخْتَارُونَهُ، بَلْ قَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ فِي مَعْنَى الآيَةِ أَقْوَالًا، مِنْهَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ حُكْمًا لَا تِلَاوَةً، أَيْ: تُتْلَى فِي القُرْآنِ، وَقَدْ نُسِخَ حُكْمُهَا بِآيَاتِ القِتَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39].
وَمِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ العِلْمِ فِي مَعْنَاهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَكُونُ المَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكْرِهُوا مَنْ الْتَزَمَ مِنْهُمْ دَفْعَ الجِزْيَةِ لِإِمَامِ المُسْلِمِينَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ. وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أَيْ: إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَ قُلُوبَ الكُفَّارِ عَلَى الإِيمَانِ، أَيْ: لَا تَقْدِرُ أَنْ تَخْلُقَ الهِدَايَةَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ خَلْقَ الهِدَايَةِ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلَيْسَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَرْخِيصٌ لِلنَّاسِ أَنْ يَكْفُرُوا، أَوْ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللهِ، أَوْ أَنْ يَرْضَى المُسْلِمُ لَهُمْ ذٰلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أَيْ: أَمَرَ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].
فَكَيْفَ يُقَالُ بَعْدَ ذٰلِكَ إِنَّ الإِسْلَامَ يُبِيحُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَدِينَ بِأَيِّ دِينٍ يَرَاهُ وَيَرْتَضِيهِ؟! وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ». فَلَوْ كَانَ الإِسْلَامُ يُقِرُّ حُرِّيَّةَ العَقِيدَةِ بِالمَعْنَى الَّذِي يَدَّعِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَا وَرَدَتْ هٰذِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الإِسْلَامِ وَبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ.
وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، لَيْسَ مَعْنَاهُ إِبَاحَةَ البَقَاءِ عَلَى الكُفْرِ، بَلْ مَعْنَاهُ: لَكُمْ دِينُكُمُ البَاطِلُ أَيُّهَا الكُفَّارُ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ، وَلِيَ دِينِي الصَّحِيحُ، وَهُوَ الإِسْلَامُ، فَاتَّبِعُوهُ. فَهٰذِهِ الآيَةُ فِيهَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَلَيْسَ فِيهَا إِبَاحَةٌ لِلْكُفْرِ.
وَمِثْلُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]، فَلَيْسَ فِي الآيَةِ تَخْيِيرٌ لِلإِنْسَانِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ عَلَى وَجْهِ الإِبَاحَةِ، بَلْ هِيَ عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَقَّبَ ذٰلِكَ بِذِكْرِ النَّارِ المُعَدَّةِ لِلظَّالِمِينَ، أَيْ: لِلْكَافِرِينَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أَنَّ جَهَنَّمَ لَهَا غِطَاءٌ يُحِيطُ بِأَهْلِهَا، فَيَزِيدُ حَرُّهَا وَعَذَابُهَا.
فَالحَاصِلُ أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الوَحِيدُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الكُفْرِ، وَلَا عَلَى الرِّضَا بِالأَدْيَانِ البَاطِلَةِ، بَلْ يُفَسَّرُ بِمَا يَوَافِقُ سَائِرَ نُصُوصِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَبِمَا يَلِيقُ بِأُصُولِ عَقِيدَةِ الإِسْلَامِ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)﴾ [آل عمران: 86]
هٰذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ وَالْإِنْكَارِ؛ أَيْ: كَيْفَ يُوَفَّقُ لِلْهِدَايَةِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ أَنْ آمَنُوا؟ وَقَدْ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَظَهَرَ لَهُمْ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: «وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ» لِلْحَالِ، وَقَدْ مُضْمَرَةٌ؛ أَيْ: كَفَرُوا وَقَدْ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، حَقٌّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلَى مَا فِي «إِيمَانِهِمْ» مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: بَعْدَ أَنْ آمَنُوا.
وَقَوْلُهُ: «وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ» أَيْ: جَاءَتْهُمُ الشَّوَاهِدُ الْوَاضِحَةُ، كَالْقُرْآنِ، وَسَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ وَالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»؛ أَيْ: لَا يَهْدِيهِمْ مَا دَامُوا مُخْتَارِينَ لِلْكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)﴾ [آل عمران: 87]
قَوْلُهُ: «أُولَئِكَ» مُبْتَدَأٌ، وَ«جَزَاؤُهُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: «أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «جَزَاؤُهُمْ» بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ «أُولَئِكَ». وَالْمَعْنَى: أَنَّ هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وَكَفَرُوا بَعْدَ الْإِيمَانِ جَزَاؤُهُمْ أَنْ تَحِلَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَلَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَلَعْنَةُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ بِذٰلِكَ مِنْ جَمِيعِ هٰؤُلَاءِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا، لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)﴾ [آل عمران: 88]
قَوْلُهُ: «خَالِدِينَ» حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَلَيْهِمْ». وَقَوْلُهُ: «فِيهَا» أَيْ: فِي هٰذِهِ اللَّعْنَةِ، أَوْ فِي الْحَالِ الَّتِي آلُوا إِلَيْهَا مِنَ الْعَذَابِ وَالطَّرْدِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ مَاكِثُونَ عَلَى هٰذِهِ الْحَالِ مُقِيمُونَ فِيهَا، لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، وَلَا يُمْهَلُونَ، وَلَا يُؤَخَّرُونَ، وَلَا يُنْظَرُونَ نَظَرَ رَحْمَةٍ أَوْ إِمْهَالٍ. أي لا يؤخَّرُونَ عن الوَقتِ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)﴾ [آل عمران: 89]
هٰذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ هٰذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ أَيْ: إِلَّا الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ ذٰلِكَ الْكُفْرِ الْعَظِيمِ وَالِارْتِدَادِ، وَأَصْلَحُوا مَا أَفْسَدُوا، أَوْ دَخَلُوا فِي الصَّلَاحِ بَعْدَ الْفَسَادِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ كُفْرَهُمْ السَّابِقَ، وَيَرْحَمُهُمْ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ.