بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)﴾ [آل عمران: 93-95]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)﴾ [آل عمران: 93]
لَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، وَقَدْ كَانَ ذٰلِكَ مُحَرَّمًا، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ ذٰلِكَ كَانَ حَلَالًا لِإِبْرَاهِيمَ، فَنَحْنُ نُحِلُّهُ. فَقَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لَهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «كُلُّ الطَّعَامِ» أَيْ: كُلُّ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ؛ لِأَنَّ مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ قَبْلُ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ. وَقَوْلُهُ: «كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ» أَيْ: كَانَ حَلَالًا لَهُمْ، وَ«حِلًّا» مَصْدَرٌ، يُقَالُ: حَلَّ الشَّيْءُ حِلًّا، وَلِذٰلِكَ يَسْتَوِي فِي وَصْفِهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾.
وَالْمُرَادُ بِـ«إِسْرَائِيلَ»: يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَوْلُهُ: «مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ» قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الْمَكِّيُّ وَالْبَصْرِيُّ بِالتَّخْفِيفِ. وَالْمُرَادُ بِمَا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ: لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا، وَقَدْ كَانَتْ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ. فَمَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ جَمِيعَ الْمَطَاعِمِ كَانَتْ حَلَالًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ إِنْزَالِ التَّوْرَاةِ، إِلَّا مَا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا؛ لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ كَانَ قَدْ حَرَّمَ ذٰلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.
ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُحَاجَّهُمْ بِكِتَابِهِمْ، فَقَالَ: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»؛ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّ هٰذَا التَّحْرِيمَ قَدِيمٌ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَهَاتُوا التَّوْرَاةَ، وَاقْرَءُوهَا؛ لِيَظْهَرَ مَا فِيهَا. فَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى إِخْرَاجِهَا، وَبُهِتُوا. وَفِي هٰذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَى جَوَازِ النَّسْخِ الَّذِي كَانُوا يُنْكِرُونَهُ.
قَالَ أَبُو رَوْقٍ وَابْنُ السَّائِبِ: نَزَلَتْ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ» فَقَالَتِ الْيَهُودُ: فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ حَلَالٌ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ وَنَحْنُ نُحِلُّهُ» فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُمْ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ الْمَرْءُ الْبِرَّ إِلَّا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا يُحِبُّ. وَنَبِيُّ اللَّهِ إِسْرَائِيلُ
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ أَنْ يُحَرِّمَ، أَوْ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الْإِبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ أَلْبَانَهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ.
فَقَدِ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيمَا تَرَكَ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَمَا يُؤْثِرُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قالَ أَبو جَعفَرٍ فِي بَيانِ مَعنى الآيَةِ: إِنَّ تَأويلَها عَلَى هٰذا القَولِ أَنَّ كُلَّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَني إِسرائيلَ، إِلَّا ما حَرَّمَهُ إِسرائيلُ عَلى نَفسِهِ قَبلَ نُزولِ التَّوراةِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيهِم مِن بَعدُ فِي التَّوراةِ بَعضَ ما كانَ إِسرائيلُ قَد حَرَّمَهُ عَلى نَفسِهِ، وَكانَ ذٰلِكَ عُقوبَةً لَهُم بِسَبَبِ بَغيِهِم وَظُلمِهِم لِأَنفُسِهِم.
ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يُحاجَّ اليَهودَ فِي ذٰلِكَ، فَيَقولَ لَهُم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أَي: إِن كُنتُم تُنكِرونَ هٰذا البَيانَ، فَهاتوا التَّوراةَ وَاقرَؤوها، لِيَظهَرَ الحَقُّ: هَل حَرَّمَ اللهُ عَلَيكُم ذٰلِكَ فِيهَا، أَم إِنَّما هُوَ شَيءٌ نَسَبتُمُوهُ إِلَى التَّوراةِ بُهتانًا؟
وَقالَ آخَرونَ مِن أَهلِ العِلمِ: لَم يَكُن شَيءٌ مِن ذٰلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيهِم أَصلًا، لَا فِي التَّوراةِ وَلَا قَبلَها، وَإِنَّما هُوَ شَيءٌ حَرَّمُوهُ عَلَى أَنفُسِهِم تَقليدًا لِأَبِيهِم إِسرائيلَ، ثُمَّ أَضافوا تَحرِيمَهُ إِلى اللهِ تَعالى افتراءً عَلَيهِ. فَكَذَّبَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هٰذِهِ الدَّعوَى، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أَن يَتَحَدّاهُم بِقَولِهِ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، لِيَتَبَيَّنَ كَذِبُهُم لِمَن جَهِلَ أَمرَهُم.
وَقَد نُقِلَ عَنِ الضَّحّاكِ فِي تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أَنَّ إِسرائيلَ هُوَ يَعقوبُ عَلَيهِ السَّلامُ، وَأَنَّهُ أُصِيبَ بِعِرقِ النَّسا، فَكانَ لا يَنامُ اللَّيلَ مِن شِدَّةِ وَجَعِهِ، وَكانَ لا يُؤذِيهِ بِالنَّهارِ، فَنَذَرَ أَو حَلَفَ: لَئِن شَفاهُ اللهُ لَا يَأكُلُ عِرقًا أَبَدًا، وَكانَ ذٰلِكَ قَبلَ نُزولِ التَّوراةِ عَلَى مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ.
فَلَمّا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ اليَهودَ عَن هٰذا الَّذِي حَرَّمَهُ إِسرائيلُ عَلَى نَفسِهِ، قالوا: إِنَّ التَّوراةَ نَزَلَت بِتَحرِيمِ ما حَرَّمَهُ إِسرائيلُ. فَأَنزَلَ اللهُ تَعالى تَكذيبَهُم، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أَن يَقولَ لَهُم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، إِلى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُم كَذَبُوا وَافتَرَوا، وَأَنَّ التَّوراةَ لَم تَنزِل بِذٰلِكَ.
وَعَلى هٰذا القَولِ يَكونُ مَعنى الآيَةِ: إِنَّ كُلَّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَني إِسرائيلَ قَبلَ نُزولِ التَّوراةِ وَبَعدَها، إِلَّا ما حَرَّمَهُ إِسرائيلُ عَلَى نَفسِهِ قَبلَ نُزولِها؛ فَهٰذا التَّحرِيمُ لَم يَكُن تَشرِيعًا عامًّا، وَإِنَّما هُوَ تَحرِيمٌ خاصٌّ بِنَذرٍ أَو يَمينٍ.
وَقَد وَجَّهَ الضَّحّاكُ قَولَهُ تَعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ عَلَى ما يُسَمِّيهِ النُّحاةُ «الِاستِثناءَ المُنقَطِعَ»، أَي: لَكِن إِسرائيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفسِهِ بَعضَ الطَّعامِ، لَا أَنَّهُ داخِلٌ فِي حُكمِ ما حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى بَني إِسرائيلَ.
وَخُلاصَةُ المَسأَلَةِ: أَنَّ الأَصلَ فِي الأَطعِمَةِ لِبَني إِسرائيلَ الحِلُّ، وَأَنَّ ما وَقَعَ مِن تَحرِيمٍ فَإِمَّا أَن يَكونَ عُقوبَةً لِبَغيِهِم، أَو تَحرِيمًا نَشَأَ مِن قِبَلِهِم ثُمَّ نَسَبوهُ إِلَى اللهِ بُهتانًا، وَأَنَّ قِصَّةَ إِسرائيلَ عَلَيهِ السَّلامُ إِنَّما هِيَ تَحرِيمٌ خَاصٌّ بِنَفسِهِ قَبلَ نُزولِ التَّوراةِ. وَفِي ذٰلِكَ تَحذِيرٌ مِن نِسبَةِ الأَحكامِ إِلَى اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ، وَدَعوَةٌ إِلَى التَّثَبُّتِ وَالرُّجوعِ إِلَى الوَحيِ.
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)﴾ [آل عمران: 94]
أَيْ: فَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَزَعَمَ بَعْدَ هٰذِهِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ أَنَّ ذٰلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ أَيْ: الْمُكَابِرُونَ الَّذِينَ لَا يُنْصِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْبَيِّنَاتِ وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)﴾ [آل عمران: 95]
أَيْ: قُلْ لَهُمْ: صَدَقَ اللَّهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّ هٰذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فِي الْأَصْلِ، وَفِي هٰذَا تَعْرِيضٌ صَرِيحٌ بِكَذِبِهِمْ؛ أَيْ: ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ فِيمَا أَنْزَلَ، وَأَنَّكُمْ أَنْتُمُ الْكَاذِبُونَ.
ثُمَّ قَالَ: «فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ»؛ أَيْ: اتَّبِعُوا دِينَهُ وَطَرِيقَهُ، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، حَتَّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي أَوْقَعَتْكُمْ فِي فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، إِذِ اضْطَرَّتْكُمْ إِلَى تَحْرِيفِ كِتَابِ اللَّهِ؛ لِتَسْوِيَةِ أَغْرَاضِكُمْ، وَأَلْزَمَتْكُمْ تَحْرِيمَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِمَنْ تَبِعَهُ.
وَقَوْلُهُ: «حَنِيفًا» حَالٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَيْ: مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ. ثُمَّ أَكَّدَ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»؛ أَيْ: لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الشِّرْكِ، وَلَا عَلَى مِلَّةِ الْمُشْرِكِينَ، بَلْ كَانَ مُفْرِدًا لِلَّهِ بِالْعِبَادَةِ، بَرِيئًا مِنْ كُلِّ بَاطِلٍ.
وإِنَّ قَولَهُ تَعالى: ﴿مَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ يَدُلُّ دَلالَةً صَريحَةً عَلَى أَنَّ سَيِّدَنا إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ مَعصومًا مِنَ الكُفرِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَها، فَلَم يَثبُت عَنهُ قَطُّ أَنَّهُ اعتَقَدَ فِي غَيرِ اللهِ رُبوبِيَّةً أَو أُلوهِيَّةً.
فَإِذا قِيلَ: أَلَيسَ قَد وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ قالَ لِقَومِهِ لَمّا رَأَى الكَوكَبَ: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، أَفَلَيسَ فِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّهُ كانَ يَعبُدُ الكَوكَبَ قَبلَ أَن يُعلِّمَهُ اللهُ؟
فَالجَوابُ: أَنَّ قَولَهُ: ﴿هَذَا﴾ لَيسَ إِثباتًا لِلرُّبوبِيَّةِ، وَإِنَّما هُوَ عَلَى وَجهِ الِاستِفهامِ الإِنكارِيِّ، أَو عَلَى سَبيلِ التَّدرُّجِ فِي الإِلزامِ، أَي: أَهٰذَا رَبِّي عَلَى زَعمِكُم؟! وَكَيْفَ يَصلُحُ أَن يَكونَ رَبًّا؟!
وَقَد بَيَّنَ ذٰلِكَ الإِمامُ أَبو حَيّانَ فِي «النَّهرِ المادِّ»، فَقالَ: إِنَّهُ لَا يُريدُ بِذٰلِكَ الِاعتِقادَ، وَإِنَّما هُوَ مِثلُ أَن تَرى رَجُلًا ضَعيفَ القُوَّةِ لَا يَكادُ يَنهَضُ، فَيَقولُ إِنسانٌ: هٰذا ناصِرِي، أَي: عَلى سَبيلِ التَّهكُّمِ وَبَيانِ عَجزِهِ، لَا عَلَى سَبيلِ الحَقيقَةِ.
وَلَم يَقُل إِبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ لَهُم مُباشَرَةً: إِنَّهُ يَأفِلُ، بَل سَكَتَ وَتَرَبَّصَ حَتّى وَقَعَ الأُفولُ، فَلَمَّا غابَ قالَ: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، أَي: إِنَّ الَّذِي يَغيبُ وَيَتَغَيَّرُ لَا يَصلُحُ أَن يَكونَ إِلٰهًا، وَهٰذا مِن أَبلَغِ أَساليبِ الإِلزامِ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهُم مِن دَعوَى الإِلٰهِيَّةِ إِلى بَيانِ نَقصِ مَعبودِهِم بِوَصفٍ مُشاهَدٍ.
وَقَد أَوضَحَ الإِمامُ الأَسفَرايِينِيُّ فِي «التَّبصيرِ فِي الدِّينِ» هٰذَا المَعنى، فَقالَ: إِنَّ الحَوادِثَ لَا تَجوزُ عَلَى ذاتِ اللهِ وَلَا صِفاتِهِ، وَأَنَّ ما كانَ مَحَلًّا لِلحَوادِثِ لَم يَخلُ مِنها، وَإِذا لَم يَخلُ مِنها كانَ مُحدَثًا مِثلَها، وَالمُحدَثُ لَا يَكونُ إِلٰهًا؛ وَلِهٰذا قالَ الخَليلُ عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَن يَتَغَيَّرُ لَا يَصلُحُ لِلإِلٰهِيَّةِ.
وَإِبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِهٰذَا مِن قَبلُ، يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ ما يَطرَأُ عَلَيهِ التَّغَيُّرُ فَهُوَ مُحتاجٌ إِلى مُغَيِّرٍ، وَالمُحتاجُ لَا يَكونُ إِلٰهًا، وَأَنَّ اللهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ؛ لِأَنَّ المُتَغَيِّرَ يَحتاجُ إِلى مَن يُغَيِّرُهُ.
ثُمَّ سَارَ عَلَى هٰذا المَنهَجِ عِندَ رُؤيَةِ القَمَرِ وَالشَّمسِ، فَقالَ فِي كُلِّ مَقامٍ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، أَي: عَلَى زَعمِكُم، إِنكارًا وَتَسفِيهًا لِرَأيهِم، حَتّى قالَ عِندَ الشَّمسِ: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، أَي: عَلَى تَقديرِكُم وَبِحَسَبِ مِيزانِكُم الفاسِدِ.
فَلَمّا لَم يَجِد مِنهُم قَبولًا، وَلَا فَهمًا لِمُرادِهِ، أَعلَنَ بَراءَتَهُ مِن شِركِهِم، وَبَيَّنَ أَنَّ هٰذِهِ الأَجرامَ الثَّلاثَةَ لَا تَصلُحُ لِلأُلوهِيَّةِ بِحالٍ.
وَقَد نَصَّ الإِمامُ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي كِتابِهِ «عِصمَةُ الأَنْبِياءِ» عَلَى أَنَّ أَصحَّ الأَقوالِ أَنَّ قَولَهُ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ كانَ عَلَى وَجهِ الِاعتِبارِ وَالِاستِدلالِ، لَا عَلَى وَجهِ الإِخبارِ، وَأَنَّ اللهَ تَعالى لَم يَذُمَّهُ عَلَى ذٰلِكَ، بَل مَدَحَهُ وَأَراهُ هٰذِهِ الأَدلَّةَ لِيَكونَ مِنَ المُوقِنينَ.
ثُمَّ إِنَّ القُرآنَ قَد دَلَّ دَلالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ مَهدِيًّا مُنذُ صِغَرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، وَقَد قالَ المُفَسِّرونَ: أَي هَدَيناهُ صَغيرًا، كَما نَقَلَهُ الإِمامُ القُرطُبِيُّ عَن مُجاهِدٍ وَغَيرِهِ.
وَقالَ أَبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ فِي «المُقَدِّماتِ»: إِنَّ إِبراهيمَ لَم يَستَدِلَّ بِالنَّظَرِ فِي الكَواكِبِ لِنَفسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَكُن جاهِلًا بِرَبِّهِ وَلَا شاكًّا فِيهِ، وَإِنَّما أَرادَ أَن يُرِيَ قَومَهُ وَجهَ الدَّليلِ، وَيُبَيِّنَ لَهُم بُطلانَ ما هُم عَلَيهِ.
وَمِمّا يَنبَغِي اعتِقادُهُ أَنَّ الأَنْبِياءَ عَلَيهِمُ السَّلامُ مَعصومونَ مِنَ الكُفرِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَها، وَأَنَّ ما وَرَدَ مِن قَولِ إِبراهيمَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ فَهُوَ عَلَى تَقديرِ الِاستِفهامِ الإِنكارِيِّ، أَي: أَهٰذَا رَبِّي كَما تَزعُمونَ؟!
وَقَد قالَ تَعالى فِي تَنزِيهِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ﴾.
وَأَمَّا ما ذَهَبَ إِلَيهِ سَيِّدُ قُطبٍ فِي كِتابِهِ «التَّصويرُ الفَنِّيُّ فِي القُرآنِ» مِن أَنَّ إِبراهيمَ بَدَأَ قِصَّتَهُ فَتًى يَظُنُّ النَّجمَ إِلٰهَهُ، فَهٰذا قَولٌ مُخالِفٌ لِما استَقَرَّ عَلَيهِ أَهلُ السُّنَّةِ مِن وُجوبِ عِصمَةِ الأَنْبِياءِ، وَهُوَ نِسبَةٌ لِلشِّركِ إِلى نَبِيٍّ كَريمٍ، وَهُوَ باطِلٌ مُردودٌ.
وَمِن جُملَةِ ما يُذكَرُ فِي هٰذا السِّياقِ أَنَّ الأَنْبِياءَ عَلَيهِمُ السَّلامُ كانُوا أَعرَفَ الخَلقِ بِاللهِ مُنذُ عالَمِ الأَرواحِ، يَومَ أَخرَجَ اللهُ الذُّرِّيَّةَ مِن ظَهرِ آدَمَ، وَقالَ لَهُم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فَكانَت مَعرِفَتُهُم أَتمَّ وَأَكمَلَ، وَلَم يَطرَأ عَلَيهِم تَغَيُّرٌ عَن هٰذا الحَالِ.
ثُمَّ إِنَّ إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ لَمّا لَم يَجِد مِن قَومِهِ استِجابَةً، فارَقَهُم وَخَرَجَ إِلى فِلَسطينَ، فَأَقامَ بِها حَتّى تُوُفِّيَ، بَعدَ أَن أَقامَ الحُجَّةَ وَبَلَّغَ الرِّسالَةَ.
وَخُلاصَةُ الأَمرِ: أَنَّ سَيِّدَنا إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ مُوَحِّدًا عالِمًا بِرَبِّهِ مُنذُ نَشأَتِهِ، وَأَنَّ جَميعَ ما وَرَدَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ الكَواكِبِ إِنَّما هُوَ مِن بابِ المُحاجَّةِ وَالإِلزامِ، لَا مِن بابِ الِاعتِقادِ، وَأَنَّ عِصمَةَ الأَنْبِياءِ أَصلٌ ثابِتٌ لَا يَجوزُ الإِخلالُ بِهِ، فَمَن نَسَبَ إِلَيهِم خِلافَ ذٰلِكَ فَقَد خالَفَ نُصوصَ الوَحيِ وَإِجماعَ الأُمَّةِ.