﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران: ١٠٨]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٠٨].
فَمَا المُرَادُ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٨]؟ أَلَيْسَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ ذِكْرُ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ؟ فَهٰذَا هُوَ المُرَادُ هُنَا. وَإِلَّا فَقَدْ تَأْتِي «الآيَةُ» بِمَعْنَى عَجَائِبِ خَلْقِ اللهِ؛ فَاللهُ تَعَالَى يَجْعَلُ فِي خَلْقِهِ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ، وَأَحْيَانًا تَكُونُ أَشْيَاءُ يَسِيرَةٌ جِدًّا، وَلٰكِنَّهَا مِنْ عَجَائِبِ مَا خَلَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالنَّاسُ لَا يَنْتَبِهُونَ لَهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي هٰذِهِ الأَرْضِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ». قِيلَ: وَمَا السَّامُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «المَوْتُ». وَالسَّنَا، أَيْ: السَّنَمَكَّةُ، قَالُوا: فِيهَا شِفَاءٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَدْوَاءِ، كَآلَامِ العِظَامِ، وَالْتِهَابَاتِ المَفَاصِلِ. وَقَالُوا: لَهَا قُوَّةٌ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ عَلَى وَجْهِهَا، مِنْ غَلْيِ المَاءِ، وَنَقْعِهَا فِيهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَهْلُ الطِّبِّ العَرَبِيِّ، فَإِنَّهَا تَتَخَلَّلُ العَضَلَاتِ، وَتَصِلُ إِلَى الدَّاءِ الَّذِي فِي العِظَامِ وَالمَفَاصِلِ. وَهٰذَا مَذْكُورٌ فِي «المُعْتَمَدِ فِي الطِّبِّ» وَفِي غَيْرِهِ. وَذَكَرُوا أَنَّهَا تُعَالِجُ، بِإِذْنِ اللهِ، الرُّومَاتِيزْمَ، وَالشَّقِيقَةَ، وَالصُّدَاعَ، وَمَشَاكِلَ الصَّفْرَاءِ، وَالمَرَارَةِ، وَالشَّعْرِ، وَالنِّقْرِسَ، وَغَيْرَ ذٰلِكَ مِنَ الأَمْرَاضِ الكَثِيرَةِ. فَقَالُوا: فِي هٰذَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، جَعَلَ فِي خَلْقِهِ أَشْيَاءَ عَجِيبَةً جِدًّا.
إِلَّا أَنَّ المُرَادَ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٨] هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ فِي الوَعْدِ وَالوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦-١٠٧]. فَذَكَرَ الوَعْدَ وَالوَعِيدَ، وَمَعْنَى ذٰلِكَ: مَاذَا بَقِيَ لَكُمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَكُمُ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ؟
فَلَوْ جَاءَكَ إِنْسَانٌ صَادِقٌ، يَشْهَدُ لَهُ كُلُّ مَنْ يَعْرِفُهُ بِالصِّدْقِ، وَقَالَ لَكَ: احْذَرْ، فِي الخَارِجِ حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، فَلَا تُكْثِرِ الوُقُوفَ فِي الشَّمْسِ، وَاحْذَرْ عَلَى الأَطْفَالِ مِنْ ضَرْبَةِ الشَّمْسِ، فَإِنَّكَ تُصَدِّقُهُ؛ لِأَنَّكَ عَهِدْتَ عَلَيْهِ الصِّدْقَ مِرَارًا. فَكَيْفَ إِذَا كَانَ النَّاصِحُ لَنَا، وَالمُذَكِّرُ لَنَا بِوَعْدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ، هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ! فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَكَ: هٰذَا هُوَ الطَّرِيقُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، أَمْ مِنَ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ؟
هٰذَا الوَجْهُ الَّذِي تَعِبَ اليَوْمَ فِي الدُّنْيَا كَثِيرًا، أَتُرِيدُهُ غَدًا أَنْ يَرْتَاحَ، أَمْ أَنْ يَزْدَادَ كَآبَةً؟ إِنَّ رَاحَةَ الوَجْهِ وَنَضَارَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَخْرُجَ الإِنْسَانُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الصَّلَاحِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَخْصٌ أَنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ فِي مَرَضٍ شَدِيدٍ جِدًّا، حَتَّى إِنَّ مَنْ يَرَاهَا لَا يَعْرِفُهَا مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَلَ بِوَجْهِهَا وَجَسَدِهَا. فَلَمَّا تَوَفَّاهَا اللهُ تَعَالَى، وَكَانَتْ صَابِرَةً، قَالَ: لَمَّا وَضَعْتُهَا فِي القَبْرِ، وَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِهَا أُوَدِّعُهَا، رَأَيْتُ وَجْهَهَا قَدْ رَجَعَ إِلَى الشَّبَابِ، مُتَوَرِّدًا، كَأَنَّهَا فِي سِنِّ الشَّبَابِ، وَكَأَنَّ وَجْهَهَا نُورٌ. فَإِذَا كَانَ هٰذَا فِي القَبْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهَا فِي الآخِرَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهَا فِي الجَنَّةِ!
فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقُولَ: كَيْفَ أَعْمَلُ حَتَّى يَبْيَضَّ وَجْهِي فِي الآخِرَةِ؟ لَا كَمَا يَقُولُ النَّاسُ اليَوْمَ: «بَيِّضْ وَجْهَنَا» فِي الدِّرَاسَةِ، أَوْ فِي الجَامِعَةِ، أَوْ فِي النَّجَاحِ الدُّنْيَوِيِّ. أَخِي، بَيِّضْ وَجْهَكَ بِأَنْ تَعْمَلَ اليَوْمَ لِتَكُونَ غَدًا مِمَّنْ بَيَّضَ اللهُ وُجُوهَهُمْ. فَلَيْسَ مِعْيَارُ بَيَاضِ الوَجْهِ وَسَوَادِهِ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْكَ، وَكَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْكَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
فَقَدْ جَاءَتْنَا، يَا عِبَادَ اللهِ، آيَاتُ اللهِ وَعْدًا وَوَعِيدًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٠٨]
مَعْنَاهُ: أَنْتَ صَادِقٌ يَا مُحَمَّدُ فِيمَا تُبَلِّغُ، مُتَلَبِّسٌ بِالحَقِّ، فَكَلَامُكَ حَقٌّ. فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَالَ فِي اليَوْمِ أَلْفَ مَرَّةٍ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: لٰكِنِّي لَا أُصَدِّقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِقَبُولِهَا إِلَّا مَعَ التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَبِأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ.
فَلَيْسَ هٰذَا مَوْطِنَ تَشْكِيكٍ. يَكْفِيكَ أَنْ يَقُولَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هٰذَا حَلَالٌ، أَوْ: هٰذَا حَرَامٌ، فَتَقُولَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَإِنْ لَمْ أَعْرِفِ الحِكْمَةَ. فَإِذَا قَالَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ: حَرَامٌ أَنْ تَخْلُوَ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَالمُرَادُ بِالأَجْنَبِيَّةِ هُنَا المَرْأَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لَكَ، لَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى بَعْضِ الأَذْهَانِ مِنْ مَعْنَى المَرْأَةِ الغَرِيبَةِ عَنْ البِلَادِ، فَإِنَّ هٰذَا حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الفَاعِلُ طَبِيبًا، أَوْ دُكْتُورًا، أَوْ شَيْخَ جَامِعٍ. وَالسَّبَبُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِذٰلِكَ، وَكَلَامُهُ فِيهِ الحِكْمَةُ؛ لِأَنَّ هٰذَا يَجُرُّ إِلَى الزِّنَا، وَالفُجُورِ، وَالفَسَادِ. وَالشَّرْعُ حَكِيمٌ، يُحَذِّرُكَ مِمَّا يُفْضِي إِلَى الحَرَامِ.
وَكَذٰلِكَ لَا تُصَافِحِ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَكَ، وَلَا تَقُلْ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا كَأُخْتِي. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأَنْ يُطْعَنَ أَحَدُكُمْ بِحَدِيدَةٍ فِي رَأْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ». وَمَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّ ابْتِلَاءَ الإِنْسَانِ بِأَنْ يُطْعَنَ بِحَدِيدَةٍ فِي رَأْسِهِ أَهْوَنُ مِنِ ابْتِلَائِهِ بِمَسِّ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ. فَلَا تَقُلْ: نَفْسِي لَا تَتَغَيَّرُ، وَأَمْرِي حَازِمٌ. فَلَا عِبْرَةَ بِهٰذَا، بَلِ العِبْرَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهُوَ الصَّادِقُ الَّذِي يُخْبِرُكَ أَنَّ هٰذَا لَا يَجُوزُ.
وَكَذٰلِكَ إِذَا قَالَ لَكَ الرَّسُولُ ﷺ: الرِّبَا حَرَامٌ، وَالخَمْرُ حَرَامٌ، وَقَتْلُ النَّفْسِ حَرَامٌ، وَالِانْتِحَارُ حَرَامٌ، فَصَدِّقْ. فَكَمْ نَسْمَعُ اليَوْمَ عَنِ الِانْتِحَارِ! لَمْ يَنْجَحْ فِي الثَّانَوِيَّةِ، فَذَهَبَ فَقَفَزَ مِنْ جِسْرٍ. أَوْ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَا أَرَادَ فِي الجَامِعَةِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَرِيدُ أَنْ أَرْتَاحَ! فَمِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهٰذَا؟! أَنْتَ لَمْ تَتَحَمَّلْ عَنَاءَ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ بِعَذَابِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ؟! فَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. فَمَنْ طَعَنَ نَفْسَهُ، يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُوَ يَطْعَنُ نَفْسَهُ. وَمَنْ أَحْرَقَ نَفْسَهُ، يُعَذَّبُ بِالحَرِيقِ. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ، يَتَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ. فَلَيْسَتِ الرَّاحَةُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ، بَلْ عَذَابُ اللهِ تَعَالَى أَشَدُّ.
هٰذِهِ الآياتُ الَّتي تَقَدَّمَت مِن ذِكرِ حالِ مَن تَبيَضُّ وُجوهُهُم، وَحالِ مَن تَسوَدُّ وُجوهُهُم، هِيَ وَعدُ اللهِ وَوَعِيدُهُ، وَوَعدُ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى صِدقٌ وَحَقٌّ لا خُلْفَ فيهِ؛ فَهُوَ صادِقُ الوَعدِ وَالوَعِيدِ. فَوَعدُهُ بِالجَنَّةِ حَقٌّ، جَعَلَنا اللهُ تَعالَى مِن أَهلِها، وَوَعِيدُهُ بِجَهَنَّمَ حَقٌّ، أَجارَنا اللهُ تَعالَى مِنها وَمِن حَرِّها.
فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾
أَي: تِلكَ الآياتُ المُشتَمِلَةُ عَلَى وَعدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَعَلَى بَيانِ الجَزاءِ لِأَهلِ الطّاعَةِ وَأَهلِ المَعصِيَةِ.
وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾
مَعناهُ: أَنَّكَ يا مُحَمَّدُ صادِقٌ فِيما أَخبَرتَ وَبَلَّغتَ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الوَعدِ وَالوَعِيدِ، وَسائِرِ ما جِئتَ بِهِ.
فَكُلُّ ما أَتى بِهِ الرَّسولُ ~ فَحَقُّهُ التَّسليمُ وَالقَبولُ.
وَمِن جُملَةِ ذٰلِكَ ما أَخبَرَ بِهِ الحَبيبُ المُصطَفى ﷺ مِن أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَنصورَةٌ، وَإِن تَعَرَّضَت لِكَسرٍ، وَإِنِ اغتُصِبَت أَراضِيها، فَإِنَّ العاقِبَةَ لَها بِإِذنِ اللهِ تَعالَى؛ لِأَنَّ وَعدَ اللهِ لا بُدَّ أَن يَتَحَقَّقَ. فَقَولُهُ: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ يَشمَلُ كُلَّ ما بَلَّغَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَّهُ كُلُّهُ حَقٌّ سَيَقَعُ وَسَيَظهَرُ أَمرُهُ. وَأَعداءُ الإِسلامِ، فِي كُلِّ زَمانٍ، قَد يَظُنُّونَ أَنَّهُم قَد عَلَوا عَلَى أَهلِ الحَقِّ، وَأَنَّ الأَمرَ قَدِ انتَهى لَهُم، وَلٰكِن يُقالُ لَهُم: قَد وَقَعَ فِيما مَضى، وَسَيَقَعُ فِيما يَأتِي، ما يُثبِتُ أَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ فَوقَكُم، وَأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنصورَةٌ، فَمَهْما حاوَلَ أَعداءُ الإِسلامِ أَن يُطفِئوا نورَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالَى مُتِمُّ نورِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾
وَالمَعنى: أَنَّ الظُّلمَ مُستَحيلٌ عَلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. نَعَم، العِبادُ يَظلِمُ بَعضُهُم بَعضًا، وَيَقَعُ بَينَهُم مِن أَنواعِ الظُّلمِ ما هُوَ كَثيرٌ، وَلٰكِنَّ الخالِقَ سُبحانَهُ وَتَعالَى لا يَظلِمُ أَحَدًا. وَحَتّى عُقوبَتُهُ لِلكافِرينَ، وَلِمَن شاءَ مِنَ الفُجّارِ، لَيسَت ظُلمًا، بَل هِيَ عَدلٌ مِنهُ سُبحانَهُ؛ فَكُلُّ نِعمَةٍ مِنَ اللهِ فَضلٌ، وَكُلُّ نِقمَةٍ مِنَ اللهِ عَدلٌ. وَهُوَ سُبحانَهُ لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ، وَهُم يُسأَلونَ؛ لِأَنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، يَفعَلُ ما يَشاءُ.
وَقَد قالَ تَعالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ». فَلَو عَذَّبَ اللهُ أَهلَ الأَرضِ وَأَهلَ السَّمٰواتِ، لَم يَكُنْ ظالِمًا لَهُم. وَحَتّى ما يَقَعُ مِن تَأَلُّمِ الأَطفالِ، أَو مَرَضِهِم، أَو مَوتِهِم، فَإِنَّ اللهَ لا يَكونُ بِذٰلِكَ ظالِمًا؛ لِأَنَّهُ يَفعَلُ ما يَشاءُ، وَلِأَنَّهُ أَعلَمُ بِخَلقِهِ. وَقَد قالَ ابنُ رَسلانَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
كَذَا لَهُ أَنْ يُؤْلِمَ الْأَطْفَالَ ~ وَوَصْفُهُ بِالظُّلْمِ اسْتَحَالَا
فَلَيسَ كُلُّ ما يَراهُ الإِنسانُ مِن بَلاءٍ يَكونُ دَليلًا عَلَى الظُّلمِ، بَلِ الأَنبِياءُ، وَهُم صَفوَةُ الخَلقِ وَأَفضَلُهُم، كانُوا مِن أَشَدِّ النّاسِ بَلاءً. وَقَد يَرى الواحِدُ مِنّا كَثرَةَ ما يَنزِلُ بِهِ مِن مَصائِبَ، فَيَقولُ: مَن مِثلِي فِي البَلاءِ؟ وَقَد يَخفى عَلَيهِ أَنَّ مِنَ المُسلِمينَ مَن بَلاؤُهُ أَشَدُّ بِكَثيرٍ، بَل أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً هُمُ الأَنبِياءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ. وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الرَّجُلَ يُبتَلَى عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَكُلَّما كانَ أَرفَعَ دَرَجَةً فِي الإِيمانِ، كانَ بَلاؤُهُ أَشَدَّ.
وَقَد جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّكَ. فَقالَ لَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «انْظُرْ مَا تَقُولُ». فَأَعادَها الرَّجُلُ، فَقالَ ﷺ: «إِنَّ الْبَلَاءَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ عِنْدَ نُزُولِهِ». أَي: أَنَّ البَلاءَ يَكونُ سَريعًا، جارِفًا، شَديدًا، فِي حَقِّ مَن صَدَقَت مَحَبَّتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وَسَبَبُ ذٰلِكَ أَنَّ أَيّامَ الدُّنيا، بِالنِّسبَةِ إِلَى الآخِرَةِ، قَصيرَةٌ جِدًّا، كَأَنَّها لَحَظاتٌ. فَكُلُّ الدُّنيا قَليلٌ، وَما بَقِيَ مِنها قَليلٌ، وَما أَخَذناهُ نَحنُ مِنها قَليلٌ، وَما بَقِيَ لَنا مِنها قَليلٌ؛ فَيَصيرُ الأَمرُ: قَليلٌ مِن قَليلٍ مِن قَليلٍ مِن قَليلٍ. فَأَيُّ كَثيرٍ هٰذا الَّذي يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِنسانُ؟
وَلِذٰلِكَ قيلَ: الدُّنيا ساعَةٌ فَاجعَلها طاعَةً، وَالنَّفسُ طَمّاعَةٌ فَأَلزِمها القَناعَةَ، وَاشتَرِ خَيرَ البِضاعَةِ، وَاقتَدِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَإِذا ابتُلِيَ العَبدُ فِي الدُّنيا، وَكانَ مِن أَهلِ الصَّبرِ، كانَ لَهُ فِي ذٰلِكَ رِفعَةُ دَرَجاتٍ يَومَ القِيامَةِ. فَلا يَنبَغي لَهُ أَن يَنظُرَ فَيَقولَ: أَنا أُصَلِّي وَأَصومُ، فَلِمَ يَحصُلُ لِي هٰذا؟ فَمَن هُوَ خَيرٌ مِنكَ، مِمَّن صَلّى وَصامَ وَدَعا وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَخَشَعَ وَعَبَدَ اللهَ، وَهُوَ رَسولُ اللهِ ﷺ، كانَ يَقولُ: «إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ». فَكانَ الأَلَمُ شَديدًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَمِن هٰذا قِيلَ: وُرودُ الفاقاتِ أَعيادُ المُريدينَ. فَإِذا شَكَوتَ الفَقرَ، أَوِ المَرَضَ، أَو ظُلمَ الجِيرانِ، أَو ظُلمَ النّاسِ مَن حَولَكَ، فَاصبِر وَاحتَسِب، يَرفَعْكَ اللهُ فِي الدَّرَجاتِ. وَإِذا شَكَوتَ الغُربَةَ، أَوِ البُعدَ، أَوِ الأَسَى، أَوِ الحُزنَ، أَوِ المَصائِبَ الَّتي تُصيبُ المُسلِمينَ، فَاصبِر وَاحتَسِب؛ فَاللهُ يَعلَمُ، وَاللهُ يَرانا، وَاللهُ تَعالَى لا يَكونُ ظالِمًا لِعِبادِهِ. فَمَعنى قَولِهِ: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ أَنَّ الظُّلمَ مُستَحيلٌ عَلَى اللهِ تَعالَى.
وَالظُّلمُ، أَيُّها الإِخوَةُ، مَعناهُ: وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَحلِّهِ. وَإِذا خُصِّصَ أَكثَرَ، قيلَ: هُوَ مُخالَفَةُ أَمرِ مَن لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ. وَمَنِ الَّذي لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ؟ هُوَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى. فَمَن عَصى اللهَ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ، وَحَتّى المَعصِيَةُ الصَّغيرَةُ يُقالُ عَنها: ظُلمٌ، وَالمَعصِيَةُ الكَبيرَةُ ظُلمٌ أَكبَرُ، وَالكُفرُ بِاللهِ أَعظَمُ الظُّلمِ وَأَكبَرُهُ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فَأَكبَرُ الظُّلمِ لَيسَ تَفويتَ وَظيفَةٍ، وَلا عَدَمَ شِراءِ مَتاعٍ، وَلا نَحوَ ذٰلِكَ مِمّا يَتَداوَلُهُ النّاسُ، بَل أَكبَرُ الظُّلمِ وَأَكبَرُ الذَّنبِ وَأَكبَرُ الخَطَإِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.
فَالظُّلمُ إِنَّما يُتَصَوَّرُ مِنَ المَخلوقِ، أَمَّا الخالِقُ سُبحانَهُ وَتَعالَى فَيَستَحيلُ عَلَيهِ الظُّلمُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذي خَلَقَنا، وَنَحنُ عَبيدُهُ، وَالعَبدُ وَما يَملِكُ مِلكٌ لِسَيِّدِهِ. وَإِن كُنتَ تَقولُ: هٰذا مالِي، وَهٰذا مُلكِي، فَالمَالِكُ الحَقِيقِيُّ هُوَ اللهُ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. فَنُفوسُنا مِلكٌ لِلَّهِ، وَأَرواحُنا مِلكٌ لِلَّهِ، وَنَحنُ كُلُّنا مِلكٌ لِلَّهِ، وَهُوَ يَفعَلُ فِي مُلكِهِ ما يَشاءُ، فَلا يَكونُ بِذٰلِكَ ظالِمًا. وَما يَقَعُ مِنَ الأُمورِ فَلِلَّهِ فِيهِ حِكمَةٌ؛ قَد نَعقِلُها أَحيانًا، وَقَد لا نَعقِلُها.
وَقَد قَتَلَ بَنو إِسرائيلَ مِنَ الأَنبِياءِ عَدَدًا كَبيرًا؛ حَتّى يُقالُ: إِنَّهُم فِي يَومٍ واحِدٍ قَتَلوا أَكثَرَ مِن سَبعينَ نَبِيًّا عَلَى صَخرَةٍ فِي بَيتِ المَقدِسِ. وَالأَنبِياءُ هُم أَشرَفُ الخَلقِ، وَأَفضَلُهُم، وَأَحَبُّهُم إِلَى اللهِ؛ وَمَعَ ذٰلِكَ قُتِلَ مِنهُم عَدَدٌ كَبيرٌ. فَسَيِّدُنا يَحيَى عَلَيهِ السَّلامُ قُطِعَ رَأسُهُ، وَسَيِّدُنا زَكَرِيّا عَلَيهِ السَّلامُ نُشِرَ بِالمِنشارِ. فَهٰذا بَلاءٌ مِنَ اللهِ لِأَنبِيائِهِ، لا لِأَنَّ أُولٰئِكَ القاتِلينَ أَعلى دَرَجَةً، وَالعِياذُ بِاللهِ، بَل لِأَنَّ هٰذِهِ الدّارَ دارُ ابتِلاءٍ. وَمِن هُنا يَنبَغي أَن نَعلَمَ أَنَّنا لا بُدَّ أَن نُبتَلى فِي هٰذِهِ الدُّنيا، وَلٰكِن فِي كُلِّ الأَحوالِ يَجِبُ عَلَينا أَن نُسَلِّمَ لِلَّهِ، وَأَلّا يَتَجَرَّأَ أَحَدٌ عَلَى وَصفِ اللهِ بِالظُّلمِ.
وَلَو عَجَّلَ اللهُ لِعِبادِهِ العُقوبَةَ فِي الدُّنيا، لَم يَكُنْ ظالِمًا. وَالكُفّارُ لَهُم عَذابٌ فِي قُبورِهِم أَيضًا، كَما قالَ تَعالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. وَلَمّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَعِيشَةِ الضَّنكِ قالَ: «عَذَابُ الْقَبْرِ». فَإِذا كانَ يَومُ القِيامَةِ هُوَ مَوضِعَ الحَشرِ أَعمى، فَالمَعِيشَةُ الضَّنكُ قَبلَ ذٰلِكَ تَكونُ فِي البَرزَخِ، وَهِيَ الحَياةُ بَينَ المَوتِ وَالبَعثِ. وَهٰذا لا يَكونُ ظُلمًا مِنَ اللهِ تَعالَى.
وَعَذابُ القَبرِ حَقٌّ، ثابِتٌ بِالنُّصوصِ القَطعِيَّةِ، وَبِالأَحاديثِ المُتَواتِرَةِ مَعنوِيًّا، كَما ذَكَرَ ذٰلِكَ الإِمامُ مُحَمَّدٌ مُرتَضَى الزَّبيدِيُّ، وَالإِمامُ السُّيوطِيُّ، وَغَيرُهُما، وَنَقَلَ الإِجماعَ عَلَيهِ الإِمامُ عَبدُ القاهِرِ بنُ طاهِرٍ البَغدادِيُّ. وَفِي القُرآنِ أَيضًا دَليلٌ واضِحٌ، وَهُوَ قَولُهُ تَعالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فَأَينَ يَكونُ العَرضُ غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟ إِنَّهُ يَكونُ فِي القَبرِ. فَدَلَّتِ النُّصوصُ عَلَى أَنَّ عَذابَ القَبرِ حَقٌّ لِلكُفّارِ، وَلِمَن شاءَ اللهُ مِنَ العُصاةِ، وَلٰكِنَّ العاصِيَ، مَهما عُذِّبَ فِي قَبرِهِ، لا يَبلُغُ دَرَجَةَ الكافِرِ.
وَبَعضُ النّاسِ يُنكِرُ عَذابَ القَبرِ، وَيَقولُ: كَيفَ يَكونُ عَذابٌ قَبلَ يَومِ الحِسابِ؟ وَالجَوابُ: أَنَّ هٰذا قَد وَقَعَ نَظيرُهُ فِي الدُّنيا؛ فِرعَونُ أُغرِقَ قَبلَ يَومِ الحِسابِ، وَقَومُ لُوطٍ رُفِعوا حَتّى بَلَغوا عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ قَلَبَهُم جِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ، وَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وَدَكَّهَا فِي الأَرضِ، وَنَجَّى اللهُ نَبِيَّهُ لُوطًا عَلَيهِ السَّلامُ. وَكَذٰلِكَ عادٌ وَغَيرُهُم مِنَ الأُمَمِ الَّتي أَهلَكَهَا اللهُ قَبلَ يَومِ القِيامَةِ. فَهٰذا كُلُّهُ تَعجيلُ عُقوبَةٍ، وَلا يَكونُ ظُلمًا؛ لِأَنَّ اللهَ أَعلَمُ بِخَلقِهِ مِن أَنفُسِهِم، وَقَد عَلِمَ أَزَلًا مَن يَكونُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ، وَمَن يَكونُ مِن أَهلِ النّارِ. فَعِلمُ اللهِ أَزَلِيٌّ، وَمَشيئَتُهُ أَزَلِيَّةٌ، وَلا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ.
فَيَومُ الحِسابِ لَيسَ لِأَنَّ اللهَ يَحتاجُ إِلَى أَن يَعرِفَ ما كانَ مِنَ العِبادِ، حاشاهُ، بَل لِيُظهِرَ الحُجَّةَ عَلَيهِم. فَما كَتَبَتهُ المَلائِكَةُ حُجَّةٌ عَلَى العِبادِ، وَإِلّا فَاللهُ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ قَبلَ كِتابَةِ المَلائِكَةِ. وَنَحنُ اليَومَ دَخَلنا بَيتَ اللهِ، وَجَلَسَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا فِي مَكانِهِ، وَقَد يَكونُ خَطَرَ فِي بالِكَ أَن تُصَلِّيَ السُّنَّةَ فِي هٰذا المَكانِ، وَقَد لا يَكونُ خَطَرَ فِي بالِكَ، وَقَد يَكونُ خَطَرَ فِي بالِكَ أَن يَجلِسَ فُلانٌ إِلَى جَوارِكَ، وَقَد لا يَخطُرُ؛ وَلٰكِنَّ اللهَ يَعلَمُ ذٰلِكَ كُلَّهُ، لا قَبلَ بِناءِ المَسجِدِ فَقَط، وَلا قَبلَ وِلادَتِنا فَقَط، بَل قَبلَ أَن تَكونَ هٰذِهِ الأَرضُ أَصلًا. وَهُوَ الَّذي قالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. فَهٰذا كُلُّهُ بِعِلمِ اللهِ وَتَقديرِهِ، فَلا يَكونُ سُبحانَهُ ظالِمًا مَهْما جَرَى عَلَينا وَأَصابَنا.
وَمِن هٰهُنا أَيضًا يَجِبُ التَّحذيرُ مِن كَلِمَةٍ تَجرِي عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النّاسِ، فَيَقولُ بَعضُهُم لِمَن ظَلَمَهُ: اللهُ يَظلِمُكَ كَما ظَلَمتَنِي. وَهٰذا، وَالعِياذُ بِاللهِ، فِيهِ نِسبَةُ الظُّلمِ إِلَى اللهِ. فَمَن كانَ يَفهَمُ مَعنى كَلامِهِ، فَقَد تَلَفَّظَ بِأَمرٍ لا يَجوزُ. وَلا يَجوزُ أَن يُقالَ: اللهُ يَظلِمُكَ، وَلا: اللهُ يَظلِمُكَ كَما ظَلَمتَنِي؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالَى يَستَحيلُ عَلَيهِ الظُّلمُ. نَعَم، لَكَ أَن تَدعوَ عَلَى الظّالِمِ بِأَن يَنتَقِمَ اللهُ مِنهُ، أَو يَرُدَّ ظُلمَهُ، أَو يَكُفَّ شَرَّهُ، أَمّا نِسبَةُ الظُّلمِ إِلَى اللهِ فَلا تَجوزُ. فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ مَعناهُ: يَستَحيلُ الظُّلمُ عَلَى اللهِ، لا أَنَّ العِبادَ لا يَظلِمُ بَعضُهُم بَعضًا؛ فَالعِبادُ يَقَعُ مِنهُمُ الظُّلمُ، أَمّا اللهُ فَيَستَحيلُ عَلَيهِ ذٰلِكَ.
وَقَد جاءَ التَّأكيدُ عَلَى هٰذِهِ المَعانِي الَّتي تَقَدَّمَت مِن قَولِهِ تَعالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ إِلَى هٰذَا المَوضِعِ، بِما بَعدَهُ مِن قَولِ الحَقِّ سُبحانَهُ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، لِأَنَّ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.