بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ [آل عمران: 102-104]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ [آل عمران: 102]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» أَيْ: اتَّقُوهُ التَّقْوَى الَّتِي تَجِبُ لَهُ، وَالَّتِي يَحِقُّ أَنْ تُبْذَلَ فِي حقه، وَهِيَ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ، وَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَأَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بَنِيهِ، أَوْ أَبِيهِ. وَقِيلَ: لَا يَتَّقِي اللَّهَ الْعَبْدُ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَحْزُنَ لِسَانَهُ. وَ«التُّقَاةُ» مِنَ «اتَّقَى»، كَـ«التُّؤَدَةِ» مِنَ «اتَّأَدَ».
ثُمَّ قَالَ: «وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»؛ أَيْ: لَا تَكُونُنَّ عَلَى حَالٍ سِوَى حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ، بَلِ الزَمُوا الْإِسْلَامَ دَوْمًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يُفَاجِئُهُ الْأَجَلُ.
التَّقوى—وَهِيَ أَصلُ الخَيرِ وَمِلاكُ الأَمرِ—مَعناها أَداءُ الواجباتِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ؛ أَي أَن يُؤدِّيَ العَبدُ ما افترَضَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَيَجتَنِبَ ما نَهى اللهُ عَنهُ، فَتَكونُ التَّقوى بِهٰذا المَعنَى الباعِثَ عَلى الخَوفِ مِنَ اللهِ تَعالى، وَهُوَ شَأنُ أَهلِ الحِكمَةِ، بَل هُوَ رَأسُ الحِكمَةِ؛ فَإِذا استَقَرَّ الخَوفُ مِنَ اللهِ فِي القُلوبِ حَمَلَها عَلى التَّقوى، وَإِذا تَحقَّقَتِ التَّقوى زَهِدَ العَبدُ فِي الدُّنيا وَرَغِبَ فِي الآخِرَةِ. وَمِن جُملَةِ التَّقوى أَن يَتَعَلَّمَ العَبدُ ما افترَضَهُ اللهُ عَلَيهِ مِن عِلمِ الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعرِفُ الواجبَ وَالمُحَرَّمَ إِلَّا بِالعِلمِ، وَلا سَبيلَ إِلى ذٰلِكَ إِلَّا بِمُجالَسَةِ العُلَماءِ وَالعِنايَةِ بِطَلَبِ العِلمِ، وَلا يَليقُ بِالمُسلِمِ أَن يَبقَى عَلى جَهلٍ فِي أَمرِ دِينِهِ، فَكَيفَ يَعرِفُ ما يُحِبُّهُ اللهُ وَما يُحِبُّهُ رَسولُهُ ﷺ، وَكَيفَ يَعرِفُ الأَوامِرَ وَالنَّواهِيَ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ؟! وَمِن ثَمَّ كانَ الأَصلُ قَبلَ الاشتِغالِ بِالأَورادِ وَالخَلَواتِ أَن يُؤسِّسَ العَبدُ نَفسَهُ عَلَى عِلمِ الدِّينِ، وَأَعلاهُ وَأَوجَبُهُ وَأَشرَفُهُ عِلمُ التَّوحيدِ وَالإِيمانِ بِاللهِ تَعالى، قالَ ﷺ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، فَهُوَ أَساسُ كُلِّ خَيرٍ، وَعَلَيهِ يَنبَنِي الزُّهدُ الَّذِي أَصلُهُ التَّقوى، وَالتَّقوى هِيَ الخَوفُ مِنَ اللهِ، وَهٰذَا هُوَ رَأسُ الحِكمَةِ.
وَالتَّقوى جِماعُ الخَيراتِ، وَحَقيقَتُها التَّحَرُّزُ بِطاعَةِ اللهِ عَن عُقوبَتِهِ، كَما يُقالُ: «اتَّقَى فُلانٌ بِتُرسِهِ»، أَي جَعَلَهُ وِقايَةً لِنَفسِهِ؛ فَنَحنُ نَتَّقِي اللهَ بِطاعَتِهِ، بِأَداءِ ما أَوجَبَ وَاجتِنابِ ما حَرَّمَ. وَأَصلُ التَّقوى يَبدَأُ بِاتِّقاءِ الشِّركِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ أَعظَمُ الذُّنوبِ وَلا يُقبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ، ثُمَّ اتِّقاءِ المَعاصِي وَالسَّيِّئاتِ، ثُمَّ اتِّقاءِ الشُّبُهاتِ تَحَرِّيًا لِلوَرَعِ وَالاحتِياطِ، ثُمَّ تَركِ الفَضَلاتِ مِمّا يَشغَلُ عَن طاعَةِ اللهِ. فَكُلُّ ما يَشغَلُ القَلبَ عَنِ الاستِعدادِ لِيَومِ القِيامَةِ أَو يُؤخِّرُهُ عَنِ الطّاعَةِ فَهُوَ مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَنبَغِي تَركُها لِتَكمُلَ مَراتِبُ التَّقوى.
وَقَد جاءَ فِي تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102)﴾ أَن يُطاعَ فَلا يُعصَى، وَيُذكَرَ فَلا يُنسَى، وَيُشكَرَ فَلا يُكفَرَ. وَقالَ سَهلُ بنُ عَبدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ: «لا مُعِينَ إِلَّا اللهُ، وَلَا دَلِيلَ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا زَادَ إِلَّا التَّقْوَى، وَلَا عَمَلَ إِلَّا الصَّبْرُ عَلَيْهِ»، فَجَعَلَ التَّقوى زادَ السّالِكِ، وَالصَّبرَ عَلى الطّاعَةِ عِمادَ سَيرِهِ. وَقالَ الجُرَيرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن لَم يُحكِم بَينَهُ وَبَينَ اللهِ التَّقوى وَالمُراقَبَةَ لَم يَصِل إِلَى الكَشفِ وَالمُشاهَدَةِ»، وَقالَ النَّصرَباذِيُّ: «التَّقوى أَن يَتَّقِيَ اللهَ ما سِواهُ»، وَقالَ أَيضًا: «مَن لَزِمَ التَّقوى اشتاقَ إِلى مُفارَقَةِ الدُّنيا»، لِأَنَّ القَلبَ إِذا امتلأَ بِالتَّقوى تَعَلَّقَ بِالآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعقِلُونَ (32)﴾.
وَمِن أَجمَلِ الأَمثِلَةِ عَلى شِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِالآخِرَةِ ما رُوِيَ عَن بِلالٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قالَ عِندَ المَوتِ: «لَا تَقُولِي وَاحُزْنَاهُ، قُولِي وَاطَرَبَاهُ، غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ»، فَكانَ شَوقُهُ إِلى لِقاءِ اللهِ وَرَسولِهِ أَعظَمَ مِن تَعَلُّقِهِ بِالدُّنيا. وَقالَ سَهلٌ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن أَرادَ أَن تَصِحَّ لَهُ التَّقوى فَليَترُكِ الذُّنوبَ كُلَّها»، وَقالَ بَعضُهُم: «مَن تَحَقَّقَ بِالتَّقوى هَوَّنَ اللهُ عَلَيهِ الإِعرَاضَ عَنِ الدُّنيا»، وَقالَ أَبو عَبدِ اللهِ الرُّوذَباريُّ: «التَّقوى مُجانَبَةُ ما يُبعِدُكَ عَنِ اللهِ»، وَقالَ ذُو النُّونِ المِصريُّ: «التَّقِيُّ مَن لا يُدَنِّسُ ظاهِرَهُ بِالمُعارَضاتِ وَلَا باطِنَهُ بِالعُلالاتِ»، وَقالَ ابنُ عَطاءٍ: «لِلتَّقوى ظاهِرٌ وَباطِنٌ؛ فَظاهِرُها مُحافَظَةُ الحُدودِ، وَباطِنُها النِّيَّةُ وَالإِخلاصُ».
وَتَحنُّ قُلوبُ الأَتقياءِ إِلى مَن يَتَّقِي اللهَ، فَتَشتاقُ إِلى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَإِلى الأَنْبِياءِ وَالمُرسَلينَ، وَإِلى الصَّحابَةِ وَأَئِمَّةِ الهُدى وَأَولِياءِ اللهِ الصّالِحينَ؛ لِأَنَّ القُلوبَ جُبِلَت عَلى مَحَبَّةِ الصّالِحينَ. وَيُستَدَلُّ عَلى تَقوى الرَّجُلِ بِثَلاثٍ: حُسنِ التَّوكُّلِ فِيما لَم يَنَل، وَحُسنِ الرِّضا فِيما نالَ، وَحُسنِ الصَّبرِ عَلى ما فاتَ. وَقالَ طَلقُ بنُ حَبيبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «التَّقوى عَمَلٌ بِطاعَةِ اللهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللهِ مَخافَةَ عِقابِ اللهِ»، وَقالَ أَبو الحُسَينِ الزَّنجانِيُّ: «مَن كانَ رَأسُ مالِهِ التَّقوى كَلَّتِ الأَلسُنُ عَن وَصفِ رِبحِهِ».
وَمِن أَخبَارِ الوَرَعِ ما رُوِيَ عَن أَبي يَزيدَ البِسطامِيِّ أَنَّهُ اجتَنَبَ كُلَّ ما فِيهِ شُبهَةٌ حَتّى فِي أَصغَرِ الأُمورِ، وَمِن ذٰلِكَ مَوقِفُهُ فِي تَجنُّبِ الإِضرارِ بِجِدارٍ أَو شَجَرٍ أَو عُشبٍ، وَهُوَ دَليلٌ عَلى كَمالِ وَرَعِهِ. وَكَذٰلِكَ ما رُوِيَ عَن عُتبَةَ الغُلامِ أَنَّهُ كانَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا فِي مَوضِعٍ عَصَى اللهَ فِيهِ، خَوفًا وَنَدَمًا، فَأَينَ هٰذا مِمَّن يَعصِي اللهَ ثُمَّ يَضحَكُ؟!
وَقَد قالَ أَميرُ المُؤمِنينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: «سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الأَسْخِيَاءُ، وَسَادَةُ النَّاسِ فِي الآخِرَةِ الأَتْقِيَاءُ»، فَالتَّقوى خَيرُ ما يُؤتاهُ العَبدُ فِي دُنياهُ وَأُخراهُ. وَقالَ ﷺ: «مَن نَظَرَ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ فَغَضَّ بَصَرَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا فِي قَلْبِهِ».
وَقَد تَذاكَرَ الجُنَيدُ وَرُوَيمٌ وَالجُرَيرِيُّ وَابنُ عَطاءٍ أَمرَ النَّجاةِ، فَقالَ الجُنَيدُ: «مَا نَجَا مَن نَجَا إِلَّا بِصِدْقِ النَّجَاةِ» وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت (118)﴾، وَقالَ رُوَيمٌ: «مَا نَجَا إِلَّا بِصِدْقِ التُّقَى» وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِم (61)﴾، وَقالَ الجُرَيرِيُّ: «إِلَّا بِمُرَاعَاةِ الوَفَاءِ»، وَقالَ ابنُ عَطاءٍ: «إِلَّا بِتَحقِيقِ الحَياءِ مِنَ اللهِ» مُستَدِلًّا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)﴾، وَقِيلَ: «إِلَّا بِالحُكمِ وَالقَضاءِ» مُستَدِلًّا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَت لَهُم مِنَّا الحُسْنَى (101)﴾، أَي أَنَّ النَّجاةَ بِسَبَقِ المَشيئَةِ وَالاجتِباءِ، قالَ تَعالى: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)﴾، وَقالَ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وَقَد وَرَدَ عَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلِجَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخَرَي عَبْدٍ أَبَدًا»، وَقالَ ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، وَلَمّا نَزَلَت سُورَةُ هودٍ قالَ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»، لِما فِيهَا مِن ذِكرِ أَهوالِ القِيامَةِ.
فَبِالتَّقوى تَصلُحُ القُلوبُ، وَتَرتَفِعُ الدَّرَجاتُ، وَيَسعَدُ العَبدُ فِي دُنياهُ وَأُخراهُ، وَهِيَ زادُ السَّالِكِينَ، وَطَريقُ الفائِزِينَ، وَمِفتاحُ كُلِّ خَيرٍ وَفَلاحٍ.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ [آل عمران: 103]
قَوْلُهُ: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ» أَيْ: تَمَسَّكُوا بِالْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». رواه الترمذي والحاكم وغيرهما. قال المناوي في التيسير: «أي هو العُروَةُ الوُثقَى التي يُسْتَمسَكُ بها»اهـ
(ولا يَخْلَقُ) بفَتح الياء وضمّ اللام، (عن كَثْرَةِ الرّدِّ) أي لا تَزُولُ لَذّةُ قِراءَتِه وطَراوَةُ تِلاوَتِه واستِمَاع أذكَارِه وأخبارِه مِن كَثرَةِ تَكرَارِه وتَردَادِه.)
قَوْلُهُ: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ» قِيلَ: الْمُرَادُ: تَمَسَّكُوا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ: «جَمِيعًا» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ؛ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا تَفَرَّقُوا» أَيْ: لَا تَفْعَلُوا مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّفَرُّقِ، وَيَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِمَاعُ، أَوْ لَا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الْحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَكُمْ، كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَوْ كَمَا كُنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُتَفَرِّقِينَ، يُحَارِبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
ثُمَّ قَالَ: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا»؛ أَيْ: اذْكُرُوا مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْحُرُوبِ، فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِكُمُ الْمَحَبَّةَ، فَتَحَابَبْتُمْ، وَصِرْتُمْ إِخْوَانًا بَعْدَ التَّنَافُرِ وَالْخُصُومَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» أَيْ: كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ عَلَى أَنْ تَقَعُوا فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَ«شَفَا الْحُفْرَةِ» طَرَفُهَا وَحَرْفُهَا. وَقَوْلُهُ: «فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا» أَيْ: أَنْقَذَكُمْ مِنَ النَّارِ بِالْإِسْلَامِ. وَفِي هٰذَا رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْعِبَادَ هُمْ الَّذِينَ يُنْقِذُونَ أَنْفُسَهُمْ، لَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْقِذُ لَهُمْ. المعتَزلَةُ يَقُولُونَ نَحنُ نَخلُقُ أَفعَالَنا واللهُ واجِبٌ علَيهِ أنْ يُنقِذَنا ولا يُعَذِّبَنَا، وَالضَّمِيرُ فِي «مِنْهَا» يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحُفْرَةِ، أَوْ إِلَى النَّارِ، أَوْ إِلَى الشَّفَا، وَأُنِّثَ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْحُفْرَةِ. وَ«شَفَا» لَامُهَا وَاوٌ، فَلِهٰذَا يُثَنَّى عَلَى «شَفَوَانِ».
ثُمَّ قَالَ: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ» أَيْ: مِثْلَ هٰذَا الْبَيَانِ الْبَلِيغِ الْوَاضِحِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، أَيْ: الْقُرْآنَ، الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، «لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» أَيْ: لِتَكُونُوا عَلَى رَجَاءِ الْهِدَايَةِ، أَوْ لِتَهْتَدُوا بِهِ إِلَى الصَّوَابِ وَمَا يُنَالُ بِهِ الثَّوَابُ.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ [آل عمران: 104]
قَوْلُهُ: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ» أَيْ: لْتَقُمْ مِنْكُمْ جَمَاعَةٌ، «يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ» أَيْ: إِلَى كُلِّ مَا فِيهِ خَيْرٌ مِنْ عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُدًى وَرَشَادٍ، «وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ» أَيْ: بِمَا اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ، «وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» أَيْ: عَمَّا اسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ. وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْمُنْكَرُ مَا خَالَفَهُمَا. وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ الطَّاعَةُ، وَالْمُنْكَرُ الْمَعَاصِي. وَالدَّعْوَةُ إِلَى الْخَيْرِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا خَاصٌّ.
وَ«مِنْ» فِي قَوْلِهِ: «مِنْكُمْ» لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا مَنْ عَلِمَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَعَرَفَ كَيْفَ يُرَتِّبُ الْأَمْرَ فِي إِقَامَتِهِ، فَيَبْدَأُ بِالْأَسْهَلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ تَرَقَّى إِلَى الْأَشَدِّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَقَاتِلُوا﴾. وَقِيلَ: «مِنْ» لِلتَّبْيِينِ؛ أَيْ: كُونُوا أُمَّةً تَأْمُرُونَ وَتَنْهَوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يَحْرُمُ السُّكُوتُ عَنِ الأَمْرِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يُقَرِّبُ أَجَلًا وَلا يُؤَخِّرُ رِزْقًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ {وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا فِى هَذِهِ الآيَةِ بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَدَعَانَا إِلَى إِبْطَالِ الْبَاطِلِ وَإِحْقَاقِ الْحَقِّ وَعَدَمِ السُّكُوتِ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْبَاطِلِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى الإِنْكَارِ مَفْسَدَةٌ قَالَ أَبُو عَلِىٍّ الدَّقَّاق السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَس.
فَلا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَمَّنْ يَنْتَهِكُ حُدُودَ الشَّرِيعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الإِنْكَارِ وَخَاصَّةً فِى هَذَا الزَّمَنِ الَّذِى كَثُرَ فِيهِ الْمُفْسِدُونَ كَالْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاسْمِ الدِّينِ وَيُحَرِّمُونَ عَلَى هَوَاهُمْ وَيَطْعَنُونَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – وَيَشْتمُونَ خَالِقَهُمْ بِقَوْلِهِمُ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ فَهَؤُلاءِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ الرَّسُولَ – صلى الله عليه وسلم – هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قَالَ حُذَيْفَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، الْحَدِيثَ.
ثُمَّ قَالَ: «وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» أَيْ: هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِالْفَلَاحِ الْكَامِلِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وَخَلِيفَةُ كِتَابِهِ». وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.