بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ [آل عمران: ١٠٩]
المَعنى: كَيفَ يَكونُ الخالِقُ ظالِمًا، وَلَهُ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ؟ إِنَّهُ لا يَكونُ ظالِمًا. فَإِذا كانَ لَكَ اليَومَ بَيتٌ، وَبَدا لَكَ أَن تَجعَلَ مَتاعَكَ فِي زاويَةٍ فِي أَوَّلِ النَّهارِ، ثُمَّ بَدا لَكَ آخِرَ النَّهارِ أَن تُغَيِّرَ مَوضِعَهُ، فَهَل تَكونُ ظالِمًا؟ لَو جاءَ أَحَدٌ يُوَبِّخُكَ، لَقُلتَ لَهُ: هٰذا أَثاثُ بَيتِي، أَنا أَضَعُهُ حَيثُ أَشاءُ. وَإِذا عَلَّقتَ قَميصَكَ فِي بَيتِكَ فِي مَكانٍ ساعَةً، ثُمَّ نَقَلتَهُ إِلَى مَكانٍ آخَرَ، وَجاءَ مَن يُنكِرُ عَلَيكَ، قُلتَ لَهُ: هٰذا بَيتِي، وَهٰذا مِلكِي، فَلِمَ تُنكِرُ عَلَيَّ؟ فَإِذا كانَ هٰذا فِيما يَملِكُهُ الإِنسانُ مِن شَيءٍ يَسيرٍ، فَكَيفَ بِرَبِّ العالَمينَ، وَلَهُ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ، وَنَحنُ كُلُّنا مِلكٌ لَهُ سُبحانَهُ؟
فَإِذا قالَ الإِنسانُ: أُخِذَ مِنِّي وَلَدِي، قيلَ لَهُ: مَنِ الَّذي أَعطاكَ الوَلَدَ؟ مَنِ الَّذي وَهَبَهُ لَكَ؟ فَإِن شاءَ اللهُ أَن يَأخُذَهُ، فَلَهُ ذٰلِكَ. وَسَيِّدُنا أَيّوبُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فِي بَعضِ الرِّواياتِ، تُوُفِّيَ لَهُ، مَرَّةً واحِدَةً، أَربَعَةَ عَشَرَ وَلَدًا: سَبعَةً مِنَ الذُّكورِ وَسَبعَةً مِنَ الإِناثِ، وَهٰذا ابتِلاءٌ عَظيمٌ. وَإِبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ كانَ بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ ﷺ يَجودُ بِنَفسِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ تَذرِفُ عَيناهُ حُزنًا عَلَى وَلَدِهِ، وَهُوَ الرَّحيمُ ﷺ. فَلَمّا رَأى ابنُ عَوفٍ دُموعَ المُصطَفى ﷺ قالَ: وَأَنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ فَقالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «نَعَمْ يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ قالَ: «إِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». فَالَّذي أَعطاكَ الوَلَدَ، إِن شاءَ أَن يَأخُذَهُ، فَلَهُ ذٰلِكَ، وَلا يَكونُ بِذٰلِكَ ظالِمًا.
وَكَذٰلِكَ المالُ مالُ اللهِ؛ إِن شاءَ أَن يُعطِيَكَ أَعطاكَ، وَإِن شاءَ أَن يَسلُبَكَ جَميعَ مالِكَ فِي لَحظَةٍ، فَلَهُ ذٰلِكَ، وَلا يَكونُ ظالِمًا؛ لِأَنَّهُ المالِكُ الحَقِيقِيُّ، وَإِلَيهِ تُرجَعُ الأُمورُ كُلُّها. فَجَميعُ ما يَقَعُ، وَجَميعُ ما يَرجِعُ، وَجَميعُ ما يُفصَلُ فِيهِ، إِنَّما هُوَ إِلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. فَهُوَ الَّذي يَبدَأُ الخَلقَ، وَهُوَ الَّذي يَملِكُهُم، وَهُوَ الَّذي يَتَصَرَّفُ فِيهِم، وَهُوَ الَّذي يَحكُمُ بَينَهُم، وَإِلَيهِ المَصيرُ وَالمَرجِعُ.
فَإِنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالَى، الَّذي لَهُ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ، قادِرٌ عَلَى بَعثِ العِبادِ بَعدَ مَوتِهِم، وَقادِرٌ عَلَى حِسابِهِم وَسُؤالِهِم، وَقادِرٌ عَلَى أَخْذِ هٰؤُلَاءِ الَّذينَ يَظلِمونَ وَيَبطِشونَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَى لا يُعجِزُهُ شَيءٌ. وَفِي ذٰلِكَ اليَومِ، يَومِ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، كَما تَقَدَّمَ، اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى هُوَ الَّذي يَجعَلُ العِبادَ عَلَى هٰذِهِ الأَحوالِ، وَمِمّا يَدُلُّ عَلَى قُدرَتِهِ عَلَى ذٰلِكَ ما جاءَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ.
فَمَعنى قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
أَنَّ الَّذي خَلَقَ السَّمٰواتِ، وَخَلَقَ الأَرضَ، وَخَلَقَ ما فِي السَّمٰواتِ، وَخَلَقَ ما فِي الأَرضِ، هُوَ سُبحانَهُ وَتَعالَى القادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. فَوَعدُ اللهِ حَقٌّ، وَلا خُلْفَ فِي وَعدِهِ، وَمَن آمَنَ وَاتَّقى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَد وَعَدَهُ اللهُ بِالجَنَّةِ، وَوَعَدَهُ أَن يَكونَ وَجهُهُ يَومَ القِيامَةِ مُنَوَّرًا أَبيَضَ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. فَآمِنوا، وَصَدِّقوا بِوَعدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ.
وَأَمَّا السَّمٰواتُ، يا عِبادَ اللهِ، فَهِيَ مَهبِطُ الرَّحَماتِ وَالبَرَكاتِ، وَالسَّماءُ هِيَ قِبلَةُ الدُّعاءِ، وَقَد جَعَلَها الحَقُّ تَبارَكَ وَتَعالَى مَسكَنًا لِلمَلائِكَةِ؛ فَكَما أَنَّ الأَرضَ نَحنُ نَسكُنُها، فَإِنَّ السَّماءَ تَسكُنُها المَلائِكَةُ. بَل إِنَّ المُصطَفى ﷺ قالَ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ». وَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ السَّماءَ مَشحونَةٌ بِالمَلائِكَةِ. وَهٰذِهِ السَّماءُ لَم تَكُنْ، كَما أَنَّ الأَرضَ لَم تَكُنْ، وَكَمَا أَنَّ المَلائِكَةَ لَم يَكونوا، وَكَمَا أَنَّ الإِنسَ وَالجِنَّ لَم يَكونوا، وَكَمَا أَنَّ هٰذِهِ الدُّنيا لَم تَكُنْ؛ فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى وَحدَهُ هُوَ الأَزَلِيُّ الأَبَدِيُّ، لا إِلٰهَ إِلّا هُوَ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى مَوجودٌ قَبلَ خَلقِ السَّماءِ، وَمَوجودٌ قَبلَ خَلقِ الأَرضِ. وَالزَّمانُ وَالمَكانُ مَخلوقانِ لِلَّهِ؛ فَالزَّمانُ مُقارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ بِمُتَجَدِّدٍ: كَم مَضى مِن عُمُرِكَ؟ كَم مَضى مِن عُمُرِي؟ كَم مَضى مِن هٰذِهِ الدُّنيا؟ وَاللهُ تَعالَى وَحدَهُ أَعلَمُ كَم بَقِيَ لَنا فِيها قَبلَ أَن نَرحَلَ عَنها. وَمَتى تَقومُ القِيامَةُ، وَهِيَ حَقٌّ وَقادِمَةٌ، فَاللهُ تَعالَى وَحدَهُ أَعلَمُ. فَهٰذا الزَّمانُ مَخلوقٌ لِلَّهِ، وَاللهُ مَوجودٌ قَبلَ خَلقِ الزَّمانِ. وَالسَّماءُ مَكانٌ، وَالأَرضُ مَكانٌ، وَاللهُ خَلَقَهُما، وَهُوَ مَوجودٌ قَبلَهُما؛ فَهُوَ سُبحانَهُ مَوجودٌ قَبلَ خَلقِ المَكانِ وَقَبلَ خَلقِ الزَّمانِ، بِلا مَكانٍ وَلا زَمانٍ.
وَبَيتُ اللهِ هٰذا المَسجِدُ مَكانٌ، وَنَحنُ نَحِلُّ فِي مَكانٍ. وَالمَخلوقُ هُوَ الَّذي يَحوِيهِ المَكانُ؛ فَبَعضُنا قَد يَأخُذُ مَكانًا يَكونُ مُتَرَبِّعًا فِيهِ، وَبَعضُنا يَكونُ مُفتَرِشًا، أَو مُستَلقِيًا، أَو قائِمًا، أَو قاعِدًا. أَمّا المَكانُ فِي حَقِّ اللهِ تَعالَى فَمُستَحيلٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالَى مَوجودٌ قَبلَ خَلقِ المَكانِ بِلا مَكانٍ. وَنَحنُ فِي المَكانِ نَجلِسُ وَنَقومُ، أَمّا اللهُ تَعالَى فَمُنَزَّهٌ عَنِ الحَرَكَةِ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ السُّكونِ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ الجُلوسِ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ القُعودِ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ الِانتِقالِ. فَنَحنُ نُصَلِّي هٰهُنا، ثُمَّ نَنتَقِلُ إِلَى مَكانٍ آخَرَ، أَمّا اللهُ تَعالَى فَمُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ.
فَالسَّمٰواتُ لِلَّهِ، وَهِيَ خَلقُ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى، وَرَبُّ العالَمينَ مَوجودٌ قَبلَها، وَاللهُ لا يَحتاجُ إِلَى السَّماءِ، وَلا يَحتاجُ إِلَى الأَرضِ. نَحنُ الَّذينَ نَحتاجُ إِلَى المَكانِ؛ فَإِذا تَعِبتَ بَحَثتَ عَن مَكانٍ تَقعُدُ فِيهِ، أَمّا اللهُ تَعالَى فَلا يَحتاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ. وَقَد قالَ الإِمامُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ العَرشَ إِظهارًا لِقُدرَتِهِ، وَلَم يَتَّخِذهُ مَكانًا لِذاتِهِ. فَالعرشُ خَلقَهُ اللهُ دَليلًا عَلَى عَظيمِ قُدرَتِهِ، لا أَنَّهُ اتَّخَذَهُ مَقرًّا أَو مَكانًا، تَعالَى اللهُ عَن ذٰلِكَ.
وَالعَرشُ فَوقَ السَّماءِ؛ فَهٰذِهِ السَّمٰواتُ السَّبعُ، المَسافَةُ بَينَنا وَبَينَ السَّماءِ الأُولى، وَهِيَ هٰذِهِ الَّتي فَوقَنا، كَما جاءَ فِي نَصِّ الحَديثِ عَنِ المُصطَفى ﷺ، مَسيرَةُ خَمسِمِئَةِ عامٍ، لَيسَ بِالطَّيرانِ، بَل بِالمَشيِ. ثُمَّ سُمكُ السَّماءِ الواحِدَةِ وَارْتِفاعُها خَمسُمِئَةُ عامٍ. ثُمَّ بَينَ السَّماءِ وَالَّتي فَوقَها مَسافَةُ خَمسِمِئَةِ عامٍ، وَهٰكَذا إِلَى السَّماءِ السّابِعَةِ. ثُمَّ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وَلَيسَتِ الجَنَّةُ فِيها، بَلِ الجَنَّةُ فَوقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وَهِيَ لَيسَت فِي السَّماءِ السّابِعَةِ، ثُمَّ سَقفُ الجَنَّةِ هُوَ العَرشُ. وَالعرشُ، مِن حَيثُ الخَلقُ وَالحَجمُ، أَعظَمُ ما خَلَقَ اللهُ حَجمًا. وَقَد جَعَلَهُ اللهُ قِبلَةً لِلمَلائِكَةِ، كَما أَنَّ بَيتَ اللهِ الحَرامَ فِي مَكَّةَ، الكَعبَةَ الشَّريفَةَ، قِبلَةٌ لَنا. فَالمَلائِكَةُ يَطوفونَ حَولَ العَرشِ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُم لا يَعلَمونَ حَدَّهُ، مَعَ أَنَّ لَهُ حَدًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخلوقٍ مَحدودٌ، مَهْما عَظُمَ، وَدَليلُ ذٰلِكَ قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
وَهٰذَا العَرشُ مَحمولٌ بِقُدرَةِ اللهِ. وَقالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: العَرشُ وَحَمَلَةُ العَرشِ مَحمولونَ بِلُطفِ اللهِ وَقُدرَتِهِ. فَالعرشُ مَحمولٌ، وَاللهُ تَعالَى قَهَرَ العَرشَ، كَما قالَ سُبحانَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وَقالوا: مَعنى «اسْتَوَى» هٰهُنا: قَهَرَ، لا أَنَّهُ قَعَدَ؛ فَالقُعودُ فِي حَقِّ اللهِ مُستَحيلٌ، بَل هُوَ سَبٌّ فِي حَقِّ اللهِ. وَقَد نُقِلَ عَن إِمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِيما ذَكَرَهُ الإِمامُ ابنُ المُعَلِّمِ القُرَشِيُّ فِي كِتابِهِ «نَجمُ المُهتَدِي وَرَجمُ المُعتَدِي»، أَنَّهُ قالَ: لا يَكونُ مُسلِمًا مَن قالَ: إِنَّ اللهَ تَعالَى قاعِدٌ؛ لِأَنَّ هٰذا سَبٌّ لِلَّهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. فَالعرشُ إِذًا جَعَلَهُ اللهُ أَعظَمَ مِنَ السَّمٰواتِ مُجتَمِعَةً، وَالأَرَضينَ مُجتَمِعَةً، وَكُلُّ ذٰلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظيمِ قُدرَةِ اللهِ.
وَقَد يَنظُرُ الإِنسانُ أَحيانًا، إِذا ذَهَبَ إِلَى شاهِقٍ مِنَ الجِبالِ، فَيَقولُ: سُبحانَ اللهِ، انظُروا إِلَى هٰذِهِ الجِبالِ وَعَظَمَتِها، وَانظُروا إِلَى هٰذِهِ البِحارِ وَهٰذِهِ الأَرضِ؛ فَكَيفَ إِذا عَلِمتَ أَنَّ السَّمٰواتِ السَّبعَ وَالأَرَضينَ السَّبعَ، كَما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ»، أَي كَخاتَمٍ صَغيرٍ أُلْقِيَ فِي أَرضٍ واسِعَةٍ. ثُمَّ قالَ ﷺ: «وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ». وَالْكُرسِيُّ غَيرُ العَرشِ؛ فَفِي سَيِّدَةِ آيِ القُرآنِ، آيَةِ الكُرسِيِّ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فَهٰذَا الكُرسِيُّ جِرمٌ مِنَ الأَجرامِ العُلويَّةِ، وَهُوَ تَحتَ العَرشِ. فَإِذا قيلَ: إِنَّ العَرشَ سَقفُ الجَنَّةِ، فَالمَعنى أَنَّ الجَنَّةَ، مَعَ أَنَّ عَرضَها السَّمٰواتُ وَالأَرضُ، مِساحَتُها بِالنِّسبَةِ إِلَى العَرشِ صَغيرَةٌ جِدًّا، فَلٰذلِكَ لا تَأخُذُ كُلَّ مِساحَتِهِ، بَل تَأخُذُ ناحِيَةً، وَيَكونُ الكُرسِيُّ فِي ناحِيَةٍ، وَهُوَ تَحتَ العَرشِ.
وَقَد قالَ ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِئَةِ عَامٍ بِخَفَقَانِ الطَّيْرِ الْمُسْرِعِ». وَمَعَ ذٰلِكَ فَهٰذَا المَلَكُ مَحمولٌ بقدرة الِلَّهِ، لا حامِلَ له سبحانه؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالَى يَستَحيلُ عَلَيهِ أَن يَكونَ جالِسًا عَلَى العَرشِ. وَهٰذا واحِدٌ مِن حَمَلَةِ العَرشِ. وَحَمَلَةُ العَرشِ اليَومَ أَربَعَةٌ، وَيَومَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. وَإِنَّما يَكونُ ذٰلِكَ يَومَ القِيامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَومُ الفَزَعِ الأَكبَرِ، وَيَومُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ، وَيَومُ الهَولِ العَظيمِ، فَيُظهِرُ اللهُ فِيهِ أَهوالًا لَم تَظهَر مِن قَبلُ، وَمِن جُملَةِ ذٰلِكَ أَن يَصيرَ حَمَلَةُ العَرشِ ثَمانِيَةً.
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّهُ فَوقَ العَرشِ كِتابانِ: كِتابٌ كُتِبَ فِيهِ: إِنَّ رَحمَتِي سَبَقَت غَضَبِي. وَمَعنى ذٰلِكَ: أَنَّ مَظاهِرَ رَحمَةِ اللهِ أَكثَرُ بِكَثيرٍ مِن مَظاهِرِ غَضَبِهِ. وَلِذٰلِكَ لا نَقطَعُ الرَّجاءَ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى، بَل نَسأَلُهُ أَن يَقذِفَ فِي قُلوبِنا رَجاءَهُ، وَأَن يَقطَعَ رَجاءَنا عَمَّن سِواهُ. فَاللهُ الَّذي لَهُ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ هُوَ الخالِقُ لِكُلِّ شَيءٍ، فَبِمَن تُعَلِّقُ قَلبَكَ إِذًا؟ بِاللهِ. وَإِلَى مَن تَلجَأُ؟ إِلَى اللهِ. وَمِمَّن تَرجو النَّصرَ؟ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى؛ فَما النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللهِ.
وَبُقعَةُ الأَرضِ الَّتي نَعيشُ عَلَيها، ماذا تَكونُ بِالنِّسبَةِ إِلَى السَّمٰواتِ؟ وَماذا تَكونُ بِالنِّسبَةِ إِلَى الكُرسِيِّ؟ وَماذا تَكونُ بِالنِّسبَةِ إِلَى العَرشِ؟ ثُمَّ إِنَّ مِن مَظاهِرِ رَحمَةِ اللهِ المَلائِكَةَ؛ فَأَعدادُهُم كَثيرَةٌ جِدًّا. وَقَد ذُكِرَ أَنَّ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا عَشَرَةً مِنَ المَلائِكَةِ: سِتَّةٌ حَفَظَةٌ، ثُمَّ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ، وَمَلَكٌ يَمنَعُ الحَيَّةَ، بِقُدرَةِ اللهِ، مِن أَن تَدخُلَ فَمَكَ إِذا نِمتَ، وَمَلَكٌ وَظيفَتُهُ أَن يُوصِلَ سَلامَكَ إِلَى رَسولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَكُلَّما صَلَّيتَ وَسَلَّمتَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، كانَ مِن وَظيفَةِ ذٰلِكَ المَلَكِ أَن يُوصِلَ سَلامَكَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ. فَإِذا قُلتَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كُلَّما ذَكَرَهُ الذّاكِرونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كُلَّما غَفَلَ عَن ذِكرِهِ الغافِلونَ، فَإِنَّكَ لا تَسمَعُ، وَلٰكِنَّ هٰذا المَلَكَ يَحمِلُ سَلامَكَ، وَيَنقُلُهُ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ. وَقَد جاءَ أَيضًا أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالَى وَكَّلَ مَلَكًا عِندَ رَأسِ القَبرِ الشَّريفِ، وَأَعطاهُ أَسماعَ الخَلائِقِ، فَمَن صَلَّى عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّ هٰذَا المَلَكَ يُسَلِّمُ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَيَقولُ: يا أَحمَدُ، صَلَّى اللهُ عَلَيكَ، فُلانُ بنُ فُلانٍ يُسَلِّمُ عَلَيكَ، بِاسمِهِ وَاسمِ أَبِيهِ. فَيُقالُ: فُلانُ بنُ فُلانٍ يُسَلِّمُ عَلَيكَ يا أَحمَدُ، يُسَلِّمُ عَلَيكَ يا مُحَمَّدُ، يُسَلِّمُ عَلَيكَ يا رَسولَ اللهِ ﷺ. وَأَيُّ رَحمَةٍ أَعظَمُ مِن هٰذِهِ لِكُلِّ مُشتاقٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِكُلِّ مُحِبٍّ لَهُ، وَلِكُلِّ مَن يَشتَهِي أَن يَزورَهُ؟ فَمَهْما نَأَت بِكَ الدّارُ، وَمَهْما ابتَعَدتَ عَن أَرضِ النَّبِيِّ المُختارِ ﷺ، فَإِنَّكَ إِذا صَلَّيتَ عَلَيهِ، كُنتَ فِي خَيرِ جِوارٍ، وَوَصَلَ سَلامُكَ إِلَيهِ. وَشَيءٌ عَظيمٌ جِدًّا أَن تُذكَرَ بِاسمِكَ، وَأَنتَ هٰهُنا، ثُمَّ يَصِلُ ذِكرُكَ وَسَلامُكَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ. فَنَقولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاةً تُنَجِّينا بِها مِن جَميعِ الأَهوالِ وَالآفاتِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاةً تَقضِي لَنا بِها جَميعَ الحاجاتِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاةً تَمحُو بِها عَنّا جَميعَ السَّيِّئاتِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاةً تَرفَعُنا بِها فِي الدَّرَجاتِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلاةً تُبَلِّغُنا بِها أَقصَى الغاياتِ فِي الحَياةِ وَبَعدَ المَماتِ.
فَهٰؤُلَاءِ المَلائِكَةُ، يا عِبادَ اللهِ، مِن مَظاهِرِ رَحمَةِ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالَى، وَقَد قالَ الحَقُّ سُبحانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وَأَمّا قَولُنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَمَعناهُ: اللَّهُمَّ زِدْ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا تَشرِيفًا وَتَعظيمًا. وَالمَلائِكَةُ يُصَلّونَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَي يُبارِكونَ عَلَيهِ.
وَالكِتابُ الآخَرُ فَوقَ العَرشِ هُوَ الَّذي كُتِبَ فِيهِ آخِرُ آيَتَينِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وَقَد وَرَدَ أَنَّ مَن قَرَأَهُما فِي لَيلَةٍ كَفَتاهُ؛ أَي حَفِظَهُ اللهُ تِلكَ اللَّيلَةَ مِن أَذَى الشَّياطينِ، وَما أَكثَرَ أَذى الشَّياطينِ فِي هٰذا الوَقتِ، وَحَفِظَهُ مِنَ المَسِّ، وَمِنَ السِّحرِ، وَمِنَ العَينِ، بِسِرِّ آخِرِ آيَتَينِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. وَهٰذَا الكِتابُ مَكتوبٌ وَمَحفوظٌ فَوقَ العَرشِ.
فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ ذٰلِكَ مِن خَلقِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. وَالمَلائِكَةُ أَكثَرُ عَدَدًا مِن قَطَراتِ الأَمطَارِ، وَأَكثَرُ عَدَدًا مِن حَبّاتِ الرِّمالِ، وَأَكثَرُ عَدَدًا مِن أَوراقِ الأَشجارِ، وَأَكثَرُ عَدَدًا مِن كُلِّ ما خَلَقَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالَى. وَهٰؤُلَاءِ المَلائِكَةُ يَتَنَزَّلونَ كُلَّ لَيلَةٍ؛ نَعَم، لَيلَةُ القَدرِ لَها مَزِيَّةٌ خاصَّةٌ، يَنزِلُ فِيها ما لا يَنزِلُ فِي غَيرِها، وَلٰكِنَّنا نَنامُ فِي وَقتٍ يَنبَغي أَلّا نَكونَ فِيهِ نِيامًا، وَهُوَ الثُّلُثُ الأَخِيرُ مِنَ اللَّيلِ. فَفِي هٰذا الوَقتِ تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ، كَما قالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟». وَقالَ الإِمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مُفَسِّرًا الحَديثَ: نُزولُ رَحمَةٍ، لا نُزولُ نُقلَةٍ. وَالمَعنى: أَنَّ مَلائِكَةَ اللهِ تَتَنَزَّلُ بِأَمرِ اللهِ فِي هٰذَا الوَقتِ. وَيُفَسِّرُ ذٰلِكَ ما جاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرى عَنهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، مَرَّ مُنَادٍ، فَيَقُولُ…»، وَمَعناهُ: أَنَّ المَلائِكَةَ تَتَنَزَّلُ بِأَعدادٍ كَبيرَةٍ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ، وَتُنادي مُبَلِّغَةً عَنِ اللهِ: إِنَّ رَبَّكُم يَقولُ لَكُم: هَلْ مِن داعٍ فَيُستَجابَ لَهُ؟ هَلْ مِن مُستَغفِرٍ فَيُغفَرَ لَهُ؟ هَلْ مِن سائِلٍ فَيُعطى؟ حَتّى يَنفَجِرَ الفَجرُ.
وَلِذٰلِكَ كانَ لُقمانُ الحَكيمُ يَقولُ لِوَلَدِهِ: يا بُنَيَّ، لا يَكُنِ الدِّيكُ أَكيَسَ مِنكَ، يَقومُ فِي الأَسحارِ وَأَنتَ نائِمٌ. وَالدِّيكُ إِذا صاحَ فِي اللَّيلِ، كَما جاءَ فِي الأَحاديثِ، استُحِبَّ لَنا أَن نَدعوَ؛ لِأَنَّهُ يَكونُ قَد رَأى مَلَكًا. وَلَيسَ هٰذا فِي كُلِّ صِياحِ الدِّيكِ، بَل فِي ذٰلِكَ الوَقتِ مِنَ اللَّيلِ. فَهُوَ وَقتُ الأَسرارِ وَالأَسحارِ، وَفِيهِ تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ مِنَ السَّماءِ بِأَعدادٍ كَثيرَةٍ، وَتَطوفُ فِي الأَرضِ. فَقَد يَقومُ عَبدٌ فِي هٰذَا المَسجِدِ، أَو فِي دارِهِ، أَو فِي أَيِّ مَكانٍ، يَدعو اللهَ وَيَسأَلُهُ، وَيَكونُ مَريضًا أَو سَقِيمًا، فَلا يَقومُ مِن مُصَلّاهُ إِلّا وَقَد أَعطاهُ اللهُ سُؤلَهُ، وَشَفَى سَقِيمَهُ. وَهٰذَا الوَقتُ نَحنُ نَنامُ عَنهُ، وَفِيهِ سِرٌّ كَبيرٌ. وَالمَلائِكَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ؛ لِأَنَّها أَجسامٌ نورانِيَّةٌ، فَتَقطَعُ هٰذِهِ المَسافاتِ البَعيدةَ فِي وَقتٍ قَصيرٍ. فَالمَلائِكَةُ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالَى مِن نورٍ، وَنَحنُ خُلِقنا مِن تُرابٍ، وَالجِنُّ مِن نارٍ. وَإِبلِيسُ لَم يَكُن مِنَ المَلائِكَةِ، بَل كانَ مِنَ الجِنِّ، كَما قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. وَأَمّا المَلائِكَةُ فَقَد خَلَقَهُمُ اللهُ مِن نورٍ، وَجَعَلَهُم عِبادًا مُكرَمينَ، طائِعينَ، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، لا يَأكُلونَ، وَلا يَشرَبونَ، وَلا يَتَناكَحونَ، وَلا يَنامونَ، وَلا يَتعَبونَ، وَلا يَفتُرونَ عَن ذِكرِ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالَى.
فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَدخُلُ فِيهِ المَلائِكَةُ أَيضًا. وَالمَلائِكَةُ أَقوَى خَلقِ اللهِ. فَماذا تَكونُ قُوَّتُنا نَحنُ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِم؟ قُرى قَومِ لُوطٍ، أَربَعُ قُرًى أَو خَمسٌ، وَقَد قِيلَ: كانَ فِيها نَحوُ أَربَعِمِئَةِ أَلفٍ أَو خَمسِمِئَةِ أَلفٍ. فَلَمّا فَجَروا، وَانتَشَرَت فِيهِمُ الفاحِشَةُ، وَكَفَروا بِاللهِ، أَرسَلَ اللهُ إِلَيهِم جِبريلَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَرَفَعَ هٰذِهِ القُرى بِطَرَفِ جَناحٍ مِن أَجنِحَتِهِ، لا بِجَناحِهِ كُلِّهِ، حَتّى بَلَغَ بِها عَنانَ السَّماءِ، حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ فِي السَّماءِ صِياحَ دِيكِهِم وَنُباحَ كِلابِهِم، ثُمَّ قَلَبَها، وَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وَخَسَفَها فِي الأَرضِ. فَاللهُ تَعالَى قادِرٌ عَلَى أَن يُهلِكَ جَميعَ أَعداءِ الإِسلامِ فِي لَحظَةٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ حَكيمٌ، فَعّالٌ لِما يُريدُ، وَإِنَّما نَحنُ نُبتَلى. وَأَمّا النَّصرُ، فَنَحنُ مُوقِنونَ، وَاللهِ الَّذي لا إِلٰهَ إِلّا هُوَ، أَنَّ النَّصرَ سَيَكونُ لَنا، وَأَنَّ الكَرَّةَ سَتَكونُ لَنا، بِإِذنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِن كُنّا لا نَعلَمُ مَتى يَكونُ ذٰلِكَ؛ فَعِلمُهُ عِندَ اللهِ.
وَسَيِّدُنا جِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ لَهُ سِتُّمِئَةُ جَناحٍ، وَالجَناحُ الواحِدُ مِن أَجنِحَتِهِ يَسُدُّ ما بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ. وَكانَ جِبريلُ يَنزِلُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَيُبَلِّغُهُ الوَحيَ، وَكانَ يَتَشَكَّلُ أَحيانًا عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ. وَقَد جاءَ فِي حَديثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ…» إِلَى آخِرِ الحَديثِ. ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ». فَلَم يَعرِفوهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ وَلا يُرى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَعرِفُهُ أَحَدٌ مِنهُم، فَتَعَجَّبوا. وَكَانَ جِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ يَتَشَكَّلُ أَحيانًا عَلَى صُورَةِ دِحيَةَ الكَلبِيِّ، وَهُوَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، جَميلُ الشَّكلِ جِدًّا. فَالمَلائِكَةُ يَتَشَكَّلونَ عَلَى صُوَرِ الرِّجالِ، دُونَ آلَةِ الذُّكورَةِ، لا عَلَى صُوَرِ الإِناثِ. فَقَد تَرى مَن تَظُنُّهُ رَجُلًا، وَيَكونُ مَلَكًا مِن مَلائِكَةِ اللهِ، وَأَنتَ لا تَدري.
فَخُلاصَةُ المَعنى فِي الآيَةِ: أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالَى لَهُ ما فِي السَّمٰواتِ وَما فِي الأَرضِ، خَلقًا، وَمِلكًا، وَقَهرًا، وَتَدبيرًا، وَأَنَّ جَميعَ الأُمورِ تَرجِعُ إِلَيهِ، كَما قالَ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. فَإِلَيهِ يَرجِعُ الخَلقُ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ الحُكمُ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ الفَصلُ بَينَ العِبادِ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ النَّصرُ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ الرَّجاءُ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ الخَوفُ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ المَصيرُ كُلُّهُ. فَمَن عَلِمَ ذٰلِكَ، عَلِمَ أَنَّهُ لا مَلجَأَ إِلّا إِلَى اللهِ، وَلا مَفزَعَ إِلّا إِلَيهِ، وَلا تَعَلُّقَ إِلّا بِهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.
فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَميعَ الأُمورِ، فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، مَرجِعُها إِلَيهِ، وَأَنَّهُ سُبحانَهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ فِيها بِالحِكمَةِ وَالعَدلِ وَالمَشيئَةِ.
فَهٰذِهِ الآيَةُ تُثَبِّتُ فِي القُلوبِ مَعنى العُبودِيَّةِ، وَمَعنى التَّسليمِ لِلَّهِ، وَمَعنى الرِّضا بِقَضائِهِ، وَأَنَّ العَبدَ لا يَجوزُ لَهُ أَن يَعتَرِضَ عَلَى رَبِّهِ، بَل يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ عِندَهُ بِقَدَرٍ، وَأَنَّ الأَمرَ كُلَّهُ راجِعٌ إِلَيهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.