بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]
المُرادُ بِقَولِهِ تَعالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾
أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ. نَعَم، قَد تَكثُرُ فِيها الفِتَنُ، وَقَد تَتكاثَرُ عَلَيها النَّكَباتُ، وَالمِحَنُ، وَالِابتِلاءاتُ، وَلٰكِنَّها، بِنَصِّ القُرآنِ الكَريمِ، خَيرُ أُمَّةٍ. وَفِي قَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قِيلَ: أَي وُجِدتُم خَيرَ أُمَّةٍ؛ لِأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ أَفضَلُ الأُمَمِ. فَقَد وُجِدَ قَبلَنا أُمَمٌ كَثيرَةٌ، بَل إِنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ هُوَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَلا نَبِيَّ بَعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ.
وَعَدَدُ الأَنبِياءِ مِئَةٌ وَأَربَعَةٌ وَعِشرونَ أَلفَ نَبِيٍّ، أَوَّلُهُم آدَمُ عَلَيهِ السَّلامُ، وَهٰذا بِما جاءَ فِي الحَديثِ الَّذي رُوِيَ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، كَمِ الأَنبِياءُ؟ قالَ: «مِئَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا». قالَ: كَمِ الرُّسُلُ مِنهُم؟ قالَ: «ثَلَاثُمِئَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا». أَي: ثَلاثُمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَسولًا مِن جُملَةِ الأَنبِياءِ. وَالأَنبِياءُ كُلُّهُم أُرسِلوا مِن عِندِ اللهِ تَعالَى. وَإِذا دَقَّقنا فِيما يَذكُرُهُ عُلَماءُ التَّوحيدِ فِي الفَرقِ بَينَ النَّبِيِّ وَالرَّسولِ، قالوا: الرَّسولُ هُوَ الَّذي أُوحِيَ إِلَيهِ بِشَرعٍ جَديدٍ، أَو بِنَسخِ بَعضِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، وَهُوَ مَأمورٌ بِالتَّبليغِ. وَأَمّا النَّبِيُّ فَهُوَ الَّذي أُوحِيَ إِلَيهِ بِاتِّباعِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، وَهُوَ أَيضًا مَأمورٌ بِالتَّبليغِ. فَلْيُنتَبَهْ إِلَى أَنَّ الفَرقَ بَينَ النَّبِيِّ وَالرَّسولِ لَيسَ أَنَّ النَّبِيَّ غَيرُ مَأمورٍ بِالتَّبليغِ؛ فَهٰذا مِمّا وَقَعَ فِي بَعضِ الكُتُبِ، وَهُوَ غَيرُ صَحيحٍ. بَلِ النَّبِيُّ مَأمورٌ بِالتَّبليغِ، وَالرَّسولُ مَأمورٌ بِالتَّبليغِ. فَالفرْقُ: أَنَّ الرَّسولَ أُوحِيَ إِلَيهِ بِشَرعٍ جَديدٍ، أَو بِنَسخِ بَعضِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، لا بِنَسخِ كُلِّ ما قَبلَهُ؛ لِأَنَّ العَقيدَةَ واحِدَةٌ، وَالأَخبارَ لا يَدخُلُها النَّسخُ، وَهُناكَ كُلِّيّاتٌ اتَّفَقَ عَلَيها جَميعُ الأَنبِياءِ، وَجاءَت بِها كُلُّ الشَّرائِعِ، فَلا يَكونُ فِيها نَسخٌ. وَأَمّا النَّبِيُّ فَأُوحِيَ إِلَيهِ بِاتِّباعِ شَرعِ مَن قَبلَهُ، وَهُوَ مَأمورٌ بِالتَّبليغِ. وَلِذٰلِكَ يَقولونَ: كُلُّ رَسولٍ نَبِيٌّ، وَلَيسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسولًا. فَتَقولُ، مَثَلًا: سَيِّدُنا يُوشَعُ بنُ نُونٍ عَلَيهِ السَّلامُ نَبِيٌّ، وَلٰكِنَّهُ كانَ عَلَى شَريعَةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَسَيِّدُنا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ رَسولٌ. وَكَذٰلِكَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلامُ نَبِيٌّ.
فَإِذًا، كانَ هُناكَ أَنبِياءُ كَثيرونَ قَبلَ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَكُلُّهُم يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَهُم أُمَمٌ. نَعَم، بَعضُ الأَنبِياءِ يَأتِي يَومَ القِيامَةِ، وَلا يَكونُ مَعَهُ إِلَّا واحِدٌ فَقَط، هُوَ الَّذي آمَنَ بِهِ مِن قَومِهِ. بَل بَعضُهُم بُعِثَ فَقُتِلَ. وَمَعَ ذٰلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّ خَيرَ الأُمَمِ هِيَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَلِذٰلِكَ فَلنَتَذَكَّر قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فَلا يَنبَغِي، قَبلَ أَن نَستَرسِلَ فِي بَيانِ هٰذَا المَعنى، أَن يُصيبَنا الوَهنُ إِذا رَأَينا كَثرَةَ النَّكَباتِ، وَكَثرَةَ المَصائِبِ الَّتي تَنزِلُ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَتَلحَقُ بِهٰذِهِ الأُمَّةِ؛ فَهٰذا لا يَنفِي خَيرِيَّتَها. فَمِن حَيثُ الإِجمالِ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفضَلُ الأُمَمِ. نَعَم، قَد تَجِدُ أَفرادًا مِمَّن كانوا قَبلَنا أَفضَلَ مِن أَفرادٍ فِي هٰذِهِ الأُمَّةِ، فَقَد تَجِدُ بَعضَ الأَفرادِ كَذٰلِكَ، وَلٰكِنَّ الكَلامَ الآنَ مِن حَيثُ الإِجمالِ: كَأُمَّةٍ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفضَلُ الأُمَمِ.
وَمِثالُ ذٰلِكَ أَنَّكَ تَقولُ: السَّيِّدَةُ مَريَمُ عَلَيها السَّلامُ أَفضَلُ نِساءِ العالَمينَ، وَهِيَ لَيسَت مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَلٰكِن لَو نَظَرتَ فِي الأَفرادِ، فَإِنَّ أَفضَلَ أَولِياءِ البَشَرِ عَلَى الإِطلاقِ، أَي بَعدَ الأَنبِياءِ، مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ إِلَى نِهايَةِ الدُّنيا، هُوَ الصِّدِّيقُ أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَلا يَأتي وَلِيٌّ بَعدَ الأَنبِياءِ مِثلُ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. لٰكِنَّ كَلامَنا الآنَ عَنِ الأُمَّةِ مِن حَيثُ الإِجمالِ؛ وَمِن هٰذِهِ الجِهَةِ فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ خَيرُ الأُمَمِ وَأَفضَلُها. وَلِذٰلِكَ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَنْتُمْ مُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ». وَهُنا، عِندَما يُقالُ: سَبعونَ، فَإِنَّ هٰذا فِي بَعضِ الأَحاديثِ يَرِدُ لِبَيانِ الكَثرَةِ، فَلا يَلزَمُ مِنهُ نَفيُ الزِّيادَةِ. فَالمَعنى: أَنتُم، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، خَيرُ الأُمَمِ، وَأَكرَمُها عَلَى اللهِ. وَمَعَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ آخِرُ الأُمَمِ، فَهِيَ أَفضَلُ الأُمَمِ.
وَإِنَّما سَمَت هٰذِهِ الأُمَّةُ، وَشَرُفَت، وَارتَفَعَ مِقدارُها، بِقَدرِ نَبِيِّها مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَمَعَ كَونِهِ آخِرَ الأَنبِياءِ، وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، فَقَد فاقَ الخَلقَ كُلَّهُم، وَهُوَ أَفضَلُ الخَلقِ عَلَى الإِطلاقِ. وَلِأَجلِ ذٰلِكَ جَعَلَ اللهُ تَعالَى أُمَّتَهُ أَفضَلَ الأُمَمِ. فَقَولُهُ تَعالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مَعناهُ: وُجِدتُم، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، خَيرَ الأُمَمِ؛ لِأَنَّكُم أَفضَلُ الأُمَمِ.
وَقِيلَ أَيضًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَي: كُنتُم فِي عِلمِ اللهِ؛ أَي فِي عِلمِ اللهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَعَ كَونِها آخِرَ الأُمَمِ، سَتَكونُ أَفضَلَ الأُمَمِ. وَعِلمُ اللهِ تَعالَى لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَتَبَدَّلُ. فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى عالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ: مَن يَكونُ أَوَّلَ الأَنبِياءِ، وَعَدَدِ الأَنبِياءِ، وَآخِرِ الأَنبِياءِ، وَعَدَدِ الأُمَمِ، وَكُلِّ ما يُصيبُ هٰذِهِ الأُمَمَ، كُلُّ ذٰلِكَ بِعِلمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَما يُصيبُنا اليَومَ فَهُوَ بِعِلمِ اللهِ. فَلا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ فِي فَيَضانٍ، وَلا قَطرَةُ مَطَرٍ، وَلا هَبَّةُ رِيحٍ، وَلا زَلزَلَةُ أَرضٍ، وَلَو بِحَرَكَةٍ يَسيرَةٍ، وَلا بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ، وَلا بِنِصفِ دَرَجَةٍ، وَلا بِأَقلَّ مِن ذٰلِكَ، إِلّا بِعِلمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. كُلُّهُ بِعِلمِ اللهِ، لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ. الأَحياءُ وَالأَمواتُ، كُلُّهُم بِعِلمِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. أَهلُ الجَنَّةِ مَن هُم؟ اللهُ يَعلَمُهُم مِن قَبلِ خَلقِ الجَنَّةِ. وَأَهلُ النّارِ مَن هُم؟ اللهُ يَعلَمُهُم قَبلَ خَلقِ جَهَنَّمَ، وَقَبلَ خَلقِهِم. مَنِ الصّالِحونَ؟ اللهُ يَعلَمُهُم. مَنِ الفُجّارُ؟ اللهُ يَعلَمُهُم. مَنِ الأَبرارُ؟ اللهُ يَعلَمُهُم. فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى عَلِمَ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ كُلَّ ما يَكونُ. فَهُوَ عالِمٌ بِما كانَ، وَما يَكونُ، وَما سَيَكونُ، وَما لا يَكونُ لَو كانَ كَيفَ كانَ يَكونُ. لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، لا تَخفى عَلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى خافِيَةٌ.
فَإِذًا، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَي: كُنتُم، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، فِي عِلمِ اللهِ خَيرَ أُمَّةٍ. وَنَحنُ نُؤَكِّدُ عَلَى هٰذَا المَعنى؛ لِنَقولَ: نَعَم، يُوجَدُ فَسادٌ، وَتُوجَدُ مُنكَراتٌ، وَيُوجَدُ وَهنٌ، وَيُوجَدُ ضَعفٌ، وَلٰكِن بِما أَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ قَد وُصِفَت بِالخَيرِيَّةِ، فَاعلَموا أَنَّ اللهَ تَعالَى سَيُبقِي فِيها أَهلَ الخَيرِ الَّذينَ يَنهَضونَ بِنَشرِ الإِسلامِ، وَحِمايَةِ الإِسلامِ، وَالدِّفاعِ عَن عَقيدَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَمَهْما تَكالَبَ عَلَينا أَعداءُ الإِسلامِ، فَإِنَّنا مَنصورونَ بِإِذنِ اللهِ تَعالَى. وَمِن هٰذا البابِ ما وُصِفَت بِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَى لِسانِ نَبِيِّ اللهِ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، فَقَد ذَكَرَ العُلَماءُ أَنَّهُ وَصَفَهُم بِأَنَّ فِيهِم عُلَماءَ حُلَماءَ، بَرَرَةً أَتقِياءَ، كَأَنَّهُم مِنَ الفِقهِ أَنبِياءُ. أَي: عُلَماءُ، حُلَماءُ، بَرَرَةٌ، أَتقِياءُ، كَأَنَّهُم مِن شِدَّةِ فِقهِهِم وَعِلمِهِم أَنبِياءُ، لا أَنَّهُم يَبلُغونَ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ. فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ عِندَهُم عِلمًا كَثيرًا. وَلِهٰذا كَم وَجَدتَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَن يَحفَظُ كِتابَ اللهِ، بَل وَيَحفَظُ أَحاديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ وَكَم تَسمَعونَ عَنِ الحُفّاظِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَالأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، وَالإِمامِ البُخارِيِّ، وَمُسلِمٍ، وَالنَّسائِيِّ، وَابنِ ماجَه، وَالتِّرمِذِيِّ، وَابنِ حِبّانَ، وَغَيرِهِم؟ وَكَم تَسمَعونَ عَن عُلَماءَ عامِلينَ؟ بَل حَتّى الأَنبِياءُ الَّذينَ قَبلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَخبَروا عَن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَنَحنُ، أَيُّها الإِخوَةُ، فِي كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ، لِشِدَّةِ ما نَرى مِن تَكالُبِ الأَعداءِ عَلَينا، وَرُبَّما أَرادوا مِنّا أَن نَكونَ فِي يَأسٍ، قَد يَنسَى الواحِدُ أَحيانًا أَنَّهُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَارفَعْ رَأسَكَ، شَرَّقتَ أَو غَرَّبتَ، فَإِنَّكَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. ارفَعْ رَأسَكَ، فَإِنَّكَ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ. ارفَعْ رَأسَكَ، فَإِنَّكَ عَلَى دِينِ جَميعِ الأَنبِياءِ. ارفَعْ رَأسَكَ، فَإِنَّكَ تَتَّبِعُ أَعظَمَ الخَلقِ، مُحَمَّدًا ﷺ. فَلا تَخجَلْ. فَبَعضُ النّاسِ أَحيانًا إِذا سافَرَ إِلَى بِلادِ الكُفّارِ يَخجَلُ، وَيَقولُ: إِذا عَلِموا، فَماذا يَقولونَ عَنّا؟ عالَمٌ ثالِثٌ! وَنَقولُ: نَحنُ خَيرُ أُمَّةٍ. فَعِندَما كانوا هُم فِي القَذارَةِ كُنّا نَحنُ فِي الحَضارَةِ. نَحنُ، أَي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، مَن عَلَّمَ الدُّنيا الحَضارَةَ. نَحنُ مَن عَلَّمَ النَّظافَةَ، حِينَ كانوا هُم يَغرَقونَ فِي أَوساخِهِم. وَالنَّظافَةُ، وَالطِّيبُ، وَالخُلُقُ الحَسَنُ، وَاللِّباسُ الحَسَنُ، وَالأَشياءُ الحَسَنَةُ، وَالمَعروفُ، كُلُّ ذٰلِكَ مَنِ الَّذي عَلَّمَهُ؟ مَنِ الَّذي أَنقَذَ البَشَرِيَّةَ مِن ذٰلِكَ الظُّلْمِ وَالظَّلامِ وَالجَاهِلِيَّةِ الَّتي كانت تَعيشُ فِيها؟ إِنَّهُ رَسولُ اللهِ ﷺ وَدَعوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَنَحنُ نَتَشَرَّفُ بِأَنَّنا مُسلِمونَ، وَنَتَشَرَّفُ بِأَنَّنا عَرَبٌ أَيضًا. نَعَم، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ: لِأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ». فَنَحنُ نَتَشَرَّفُ بِهٰذَا. بَل لا يَجوزُ سَبُّ العَرَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِم مُحَمَّدًا ﷺ، وَفِيهِم رَسولَ اللهِ مُحَمَّدًا ﷺ. ثُمَّ إِنَّ مِنَ الأَنبِياءِ أَربَعَةً مِنَ العَرَبِ: مُحَمَّدٌ، وَهُودٌ، وَصالِحٌ، وَشُعَيبٌ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَهُم أَنبِياءُ عَرَبٌ. وَسَيِّدُنا مُحَمَّدٌ ﷺ عَرَبِيٌّ. وَالعَشَرَةُ المُبَشَّرونَ بِالجَنَّةِ مِن أَينَ كانوا؟ وَكَثيرٌ مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أَينَ كانوا؟ نَعَم، قَد تَجِدُ واحِدًا لَيسَ عَرَبِيًّا، وَيَكونُ، لِقَولِهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، أَفضَلَ مِن بَعضِ العَرَبِ، مِثلَ صُهَيبٍ الرُّومِيِّ، وَبِلالٍ الحَبَشِيِّ، وَسَلمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فَهٰذا صَحيحٌ. وَلٰكِنَّنا نَقولُ: إِنَّ الصَّحابَةَ أَكثَرُهُم مِن أَينَ كانوا؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ. وَقَد قالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». فَرَسولُ اللهِ ﷺ خِيارٌ مِن خِيارٍ مِن خِيارٍ. فَبَعدَ ذٰلِكَ لا تُذَمُّ هٰذِهِ الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ. نَعَم، العَرَبُ إِنَّما شَرُفوا بِالإِسلامِ. وَهُنا قَد يَختَلِطُ المَفهومُ عَلَى بَعضِ النّاسِ: بِماذا شَرُفَ العَرَبُ؟ شَرُفوا بِالإِسلامِ، وَشَرُفوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. أَمّا الَّذي لَم يُسلِمْ، فَلا يَزالُ مُندَرِجًا تَحتَ قَولِ الحَقِّ سُبحانَهُ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، مِن أَيِّ عِرقٍ كانَ. أَمّا شَرَفُ العَرَبِ فَكانَ بِذٰلِكَ. وَلِذٰلِكَ فَبَعضُ النّاسِ أَحيانًا يَتَكَلَّمونَ بِكَلامٍ فِيهِ قَدحٌ بِالعَرَبِ، وَأَعداؤُنا يُشِيعونَ بَينَنا بَعضَ هٰذِهِ الكَلِماتِ، حَتّى تَجِدَ أَحيانًا بَعضَهُم إِذا أَرادَ أَن يَتَكَلَّمَ عَنِ الخِيانَةِ أَو عَدَمِ الوَفاءِ ذَكَرَ العَرَبَ، فَيَقولُ، مَثَلًا: مَوْعِدٌ عَرَبِيٌّ أَم إِنجِلِيزِيٌّ؟ فَعَكَسوا الأَمرَ. وَالعَرَبُ هُم أَهلُ الوَفاءِ. نَعَم، وُجِدَ مَن غَدَرَ، وَوُجِدَ مَن خانَ، وَلٰكِن لا يَجوزُ أَن تَقولَ: العَرَبُ خَوَنَةٌ. فَإِذا وُجِدَ مَن خانَ، فَقُلْ: فُلانٌ خانَ. أَمّا أَن تَقولَ: العَرَبُ، فَإِنَّكَ تُطلِقُ، فَيَشمَلُ ذٰلِكَ مَن يَشمَلُ؟ يَشمَلُ الأَنبِياءَ. فَهٰذِهِ الأُمَّةُ، الأُمَّةُ الإِسلامِيَّةُ، سَواءٌ كانُوا مِنَ العَرَبِ أَو مِن غَيرِ العَرَبِ، هِيَ الأُمَّةُ المَقصودَةُ بِالخَيرِيَّةِ. فَكَيفَ إِذا كانُوا مِنَ المُسلِمينَ، وَكانوا مِنَ العَرَبِ، وَكانوا مِنَ الصّالِحينَ مِنَ العَرَبِ؟ وَفِي ذٰلِكَ مَعانٍ جَليلَةٌ، وَمِنهُ قَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
وَقِيلَ أَيضًا فِي قَولِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: أَي كُنتُم فِي اللَّوحِ المَحفوظِ. وَهٰذا وَجهٌ ثالِثٌ؛ أَي: كُنتُم فِي اللَّوحِ المَحفوظِ مَكتوبًا فِيكُم أَنَّكُم خَيرُ أُمَّةٍ. وَما هُوَ اللَّوحُ المَحفوظُ؟ اللَّوحُ المَحفوظُ مَكتوبٌ فِيهِ كُلُّ ما هُوَ كائِنٌ إِلَى نِهايَةِ هٰذِهِ الدُّنيا، إِلَى يَومِ القِيامَةِ. كُلُّ شَيءٍ، كُلُّ ما سَيَكونُ، مَكتوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفوظِ. وَهٰذا يَدُلُّنا عَلَى أَنَّ كُلَّ ما يَجرِي إِنَّما هُوَ بِمَشيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. كُلُّ ما هُوَ كائِنٌ مِن مَوتٍ، وَحَياةٍ، وَمَصائِبَ، وَنَكَباتٍ، وَعَلاماتِ السّاعَةِ، وَأَشراطِ السّاعَةِ، كُلُّ ذٰلِكَ مَكتوبٌ. أَلَيسَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «يُرْفَعُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبُ الْخَمْرُ، وَيَفْشُو الزِّنَا، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ»؟ كُلُّ ذٰلِكَ، وَكُلُّ ما سَيَكونُ، مَكتوبٌ. وَمِن جُملَةِ ما أَخبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِن عَلاماتِ السّاعَةِ، فِي آخِرِ الزَّمانِ، أَن تَكثُرَ الزَّلازِلُ. وَنَحنُ الآنَ نَرى ذٰلِكَ أَكثَرَ فَأَكثَرَ. فَإِنَّ مِن عَلاماتِ السّاعَةِ الصُّغرى كَثرَةَ الزَّلازِلِ. وَنَحنُ لا نَزالُ فِي آخِرِ العَلاماتِ الصُّغرى. فَالآنَ شَيئًا فَشَيئًا: زِلزالٌ فِي المَشرِقِ، وَزِلزالٌ فِي المَغرِبِ، لَطَفَ اللهُ تَعالَى بِالمُسلِمينَ. فَهٰذا كُلُّهُ مَكتوبٌ: مَن سَيَعيشُ إِذا جاءَت هٰذِهِ النَّكَباتُ، وَمَن سَيَموتُ، وَكُلُّ مُصيبَةٍ سَتُصيبُ أَيَّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، كُلُّ ذٰلِكَ مَكتوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفوظِ. وَمِن جُملَةِ ما هُوَ مَكتوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفوظِ أَنَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ أَي: كُنتُم فِي اللَّوحِ المَحفوظِ، بِما هُوَ مَسطورٌ مَكتوبٌ فِيهِ، أَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ سَتَكونُ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ.
فَإِذًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَي: فِي عِلمِ اللهِ. وَ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَي: فِي اللَّوحِ المَحفوظِ. وَ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَي: وُجِدتُم، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ لِماذا كانَت هٰذِهِ الأُمَّةُ خَيرَ أُمَّةٍ؟ لِماذا كانَت أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيرَ أُمَّةٍ؟ قالَ بَعضُهُم: لِأَنَّهُ إِذا نُظِرَ فِي الأُمَمِ السّابِقَةِ، وُجِدَ أَنَّ أَعدادَ المُسلِمينَ فِي هٰذِهِ الأُمَّةِ أَكثَرُ مِن أَعدادِ المُسلِمينَ فِي جَميعِ الأُمَمِ السّابِقَةِ. وَلِذٰلِكَ، كَم عَدَدُ صُفوفِ أَهلِ الجَنَّةِ؟ مِئَةٌ وَعِشرونَ صَفًّا. وَكَم عَدَدُ صُفوفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ ثَمانونَ صَفًّا. أَي: ثُلُثا صُفوفِ أَهلِ الجَنَّةِ هُم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَم تَسمَعونَ عَن كَثرَةِ أُمَّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ؟ كَثيرًا. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكثَرُ. فَمَعَ كَونِها آخِرَ الأُمَمِ، فَهِيَ أَفضَلُ الأُمَمِ، وَأَكثَرُ أَهلِ الجَنَّةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَلِذٰلِكَ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ». أَي: الآخِرونَ فِي الدُّنيا؛ أَلَيسَ قَد نَزَلَ عَلَى نَبِيِّنا عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾؟ نَزَلَ هٰذا عَلَى مَن؟ عَلَى نَبِيِّنا ﷺ، قَبلَ أَكثَرَ مِن أَلفٍ وَأَربَعِمِئَةِ سَنَةٍ. فَإِذا كانَتِ السّاعَةُ قَدِ اقتَرَبَت فِي زَمانِهِ ﷺ، فَماذا نَقولُ نَحنُ اليَومَ بَعدَ هٰذِهِ القُرونِ؟ إِنَّ النّاسَ يَغيبُ عَنهُم هٰذا المَعنى، ثُمَّ تَأتيهِمُ المَصائِبُ فَتُذَكِّرُهُم أَنَّ يَومَ القِيامَةِ قَريبٌ، وَتَأتيهِمُ النَّكَباتُ فَتُذَكِّرُهُم أَنَّ السّاعَةَ تَأتي بَغتَةً. وَإِذا سَمِعتَ قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾، فَإِنَّ هٰذا كُلَّهُ يَقَعُ فِي وَقتٍ قَصيرٍ جِدًّا. وَبَعضُ النّاسِ تَغيبُ عَنهُ هٰذِهِ المَعانِي، فَلَمّا يَرى هٰذِهِ النَّكَباتِ الَّتي تَحدُثُ، يَقولُ: سُبحانَ اللهِ، فِي ثَوانٍ، انظُروا ماذا حَصَلَ! فَقَد تَختَفِي مُدُنٌ بِأَكمَلِها، أَو تُبتَلَعُ فِي الماءِ، أَو تَذهَبُ فِي البَحرِ. رَحمَةُ اللهِ عَلَى إِخوانِنا الَّذينَ قَضَوا وَماتوا فِي لِيبيا، وَفِي المَغرِبِ، وَفِي بِلاد الإِسلامِ.
فَإِذًا، هٰذِهِ الأُمَّةُ هِيَ آخِرُ الأُمَمِ، وَلٰكِنَّنا «الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ»؛ الآخِرونَ فِي الدُّنيا، وَالسّابِقونَ، بِإِذنِ اللهِ، دُخولًا إِلَى الجَنَّةِ. فَإِنَّ النّاسَ لا يَدخُلونَ الجَنَّةَ دَفعَةً واحِدَةً، بَل عَلَى مَراحِلَ: فَبَعضُهُم سابِقٌ، وَبَعضُهُم مُتَأَخِّرٌ. بَل إِنَّ بَعضَ هٰذِهِ الأُمَّةِ يَدخُلُ مُدَّةً إِلَى نارِ جَهَنَّمَ؛ وَهُم مَن؟ هُمُ العُصاةُ مِن أَهلِ الكَبائِرِ الَّذينَ ماتوا مِن غَيرِ تَوبَةٍ: مِثلُ مَن أَكَلَ مالَ يَتيمٍ، أَو شَرِبَ الخَمرَ، أَو زَنى، أَو قَتَلَ، أَو بَغى، أَو ظَلَمَ. فَقَد يُعَذَّبُ هٰذا فَترَةً فِي نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَخرُجُ مِنَ النّارِ وَيَدخُلُ الجَنَّةَ. فَالنَّتيجَةُ أَنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ لا بُدَّ أَن يَدخُلَ الجَنَّةَ. كُلُّ مُؤمِنٍ، وَلٰكِنَّ بَعضَ المُؤمِنينَ يَدخُلونَ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سابِقِ عَذابٍ؛ وَهُمُ الصّالِحونَ، وَالشُّهَداءُ، وَالصّابِرونَ. وَلِذٰلِكَ نَقولُ لِإِخوانِنا: كُونوا مِنَ الصّابِرينَ؛ فَالصَّبرُ الجَميلُ، وَاللهُ المُستَعانُ. ﴿إِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا لِفِرَاقِ الْأَحِبَّةِ لَمَحْزُونُونَ﴾. فَبِهٰذَا الِابتِلاءِ، إِن صَبَرتُم، رُفِعتُم فِي الدَّرَجاتِ عِندَ اللهِ تَعالَى. وَلِهٰذا ذُكِرَ فِي الآيَةِ الكَريمَةِ فِي سُورَةِ الأَحزابِ، فِي جُملَةِ العَشَرَةِ، قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾. فَأَهلُ الصَّبرِ لَهُمُ الشَّأنُ العَظيمُ.
ثُمَّ إِنَّ هٰؤُلاءِ يَدخُلونَ عَلَى مَراحِلَ إِلَى الجَنَّةِ. نَسأَلُ اللهَ تَعالَى أَن نَكونَ مِنَ السّابِقينَ. وَلٰكِن يُوجَدُ مِنَ المُؤمِنينَ عُصاةٌ مِن أَهلِ الكَبائِرِ، وَهٰؤُلاءِ بَعضُهُم، بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَدخُلونَ الجَنَّةَ بِلا عَذابٍ. وَقَد قالَ ﷺ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي». وَبَعضُهُم يَدخُلُ النّارَ، وَيُعَذَّبُ مُدَّةً، ثُمَّ يَخرُجُ. وَقَد رَوى البُخارِيُّ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ». وَهٰذا نَوعٌ ثانٍ مِنَ الشَّفاعَةِ، وَهُوَ أَن يَكُونَ التَّخفيفُ عَنهُم، أَوِ الإِخراجُ لَهُم، بَعدَ أَن يَدخُلوا النّارَ. فَهٰذِهِ الأُمَّةُ، مَعَ ما يَكونُ فِيها مِن ضُعَفاءَ، وَعُصاةٍ، وَمُقصِّرينَ، تَبقَى، فِي الجُملَةِ، خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ، بِما جَعَلَ اللهُ فِيها مِنَ الإِيمانِ، وَالأَمرِ بِالمَعروفِ، وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَالتَّصديقِ بِاللهِ، وَبِما خَصَّها اللهُ بِهِ مِن شَرَفِ الِانتِسابِ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَإِذًا فَهٰذِهِ الأُمَّةُ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، هِيَ خَيرُ الأُمَمِ، وَإِنَّما شُرِّفَت بِنَبِيِّها مُحَمَّدٍ ﷺ. وَإِذا أَرَدنا أَن نَأخُذَ الدَّلائِلَ مِن هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ، وَمِمّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ الكَريمُ ﷺ، مِمّا يَدُلُّنا عَلَى شَرَفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمِن ذٰلِكَ ما جاءَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِن طَريقِ جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
فَلْنَنتَبِهْ إِلَى الحَديثِ: ﴿مَنْ سَنَّ﴾، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى العُمومِ. فَمَنْ؟ مِن أَيِّ أَحَدٍ مِن هٰذِهِ الأُمَّةِ. هَل حَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقَرنِ الأَوَّلِ، أَوِ القَرنِ الثّانِي، أَوِ القَرنِ الثّالِثِ؟ لَا، بَل قالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً». وَما الَّذي يُفهَمُ مِن هٰذَا الحَديثِ؟ وَكَيفَ نَربِطُهُ بِالمَعانِي الرّاقِيَةِ فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؟ نَعَم، لَمّا كانَت هٰذِهِ الأُمَّةُ هِيَ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ، فَقَد شَهِدَ لَها نَبِيُّها، وَهُوَ الَّذي قالَ الحَقُّ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾. فَشَهِدَ لَها رَسولُ اللهِ ﷺ هٰذِهِ الشَّهادَةَ. وَشَهادَتُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مَقبولَةٌ عِندَ اللهِ، وَمَقبولَةٌ عِندَ أَهلِ السَّماءِ، وَمَقبولَةٌ عِندَ أَهلِ الأَرضِ، وَمَقبولَةٌ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.
فَماذا شَهِدَ ﷺ؟ شَهِدَ بِأَنَّهُ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِها بَعدَهُ. وَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، الَّذيِ اكْتَمَلَت وَتَمَّت بِهِ قَواعِدُ الشَّريعَةِ، بَيَّنَ لَنا أَنَّهُ إِذا جاءَ أَحَدٌ مِن أُمَّتِهِ بَعدَهُ، فَأَحدَثَ شَيئًا لَم يَكُن عَينُ هٰذا الشَّيءِ فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ مَفعولًا، وَلٰكِن أَصلُهُ مَوجودٌ، وَالقاعِدَةُ الَّتي يَرجِعُ إِلَيها مَوجودَةٌ، فَإِنَّهُ يَكونُ مِن جُملَةِ الخَيرِ. مِثالُ ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ (٧٧)﴾. فَقَد يَحدُثُ بَعدَ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيءٌ مِن وُجوهِ الخَيرِ لَم يَحدُث بِعَينِهِ فِي زَمَنِهِ، وَلٰكِن ما هُوَ القَيدُ فِي هٰذَا الأَمرِ المُحدَثِ حَتّى يَكونَ مَقبولًا؟ القَيدُ أَن يَكونَ مُوافِقًا لِلقَواعِدِ الَّتي جاءَ بِها رَسولُ اللهِ ﷺ فِي حَياتِهِ. فَعِندَئِذٍ ماذا سَمّى ذٰلِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ؟ سَمّاهُ سُنَّةً حَسَنَةً.
وَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استَحسَنَ ما تَراهُ أُمَّتُهُ حَسَنًا، لَا عَلَى حَسَبِ الأَهواءِ، بَل عَلَى حَسَبِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ الَّتي جاءَ بِها ﷺ فِي حَياتِهِ. وَهٰذِهِ قاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا، بَل أَقولُ: إِنَّها تُزِيلُ كَثيرًا مِنَ الإِشكالاتِ الَّتي تَعرِضُ لِبَعضِ النّاسِ فِي هٰذَا الزَّمانِ. وَلنَضرِبْ مِثالًا واحِدًا بَسيطًا، ثُمَّ نُكمِلُ فِي الحَديثِ: السُّبحَةُ الَّتي نُمسِكُها بِأَيدِينا، أَو عَدَّادُ التَّسبيحِ؛ هٰذِهِ السُّبحَةُ إِذا صُنِعَت مِنَ الخَشَبِ، أَو مِن حَجَرٍ، أَو مِن غَيرِ ذٰلِكَ، وَجُعِلَت حَبّاتُها مِئَةً، أَو أَقلَّ، أَو أَكثَرَ، وَأَخَذَها الإِنسانُ فِي يَدِهِ، فَماذا يَصنَعُ بِها؟ يَذكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَد قالَ سَيِّدُنا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: نِعمَ المُذَكِّرُ السُّبَحُ. فَأَنتَ عِندَما تُمسِكُ السُّبْحَةَ تُذَكِّرُكَ بِذِكرِ اللهِ تَعالَى، فَتَنطَلِقُ بِذِكرِ اللهِ، وَتَعُدُّ؛ لِأَنَّ فِي الأَورادِ أَعدادًا بَيَّنَها النَّبِيُّ ﷺ. أَلَيسَ قَد قالَ بَعدَ الصَّلاةِ: يُسَبَّحُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وَيُحمَدُ اللهُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وَيُكَبَّرُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ؟ وَتُوجَدُ أَذكارٌ أُخرى غَيرُ ذٰلِكَ. فَإِذا كَثُرَت هٰذِهِ الأَذكارُ، قَد يَصعُبُ عَلَى بَعضِ النّاسِ العَدُّ، وَقَد يَنسى أَو يَنقَطِعُ عَنِ الذِّكرِ. فَإِذا وُجِدَ عَدَّادُ التَّسبيحِ فِي يَدِهِ، انطَلَقَت يَدُهُ، وَمَعَها لِسانُهُ، وَمَعَ خُشوعِ قَلبِهِ يَكونُ ذاكِرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَماذا فَعَلَ أَيُّها الإِخوَةُ؟ ذَكَرَ اللهَ. وَهَل عَينُ هٰذَا كانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ لَم يَكُن فِي زَمَنِهِ ﷺ. وَلٰكِن، هَل هٰذَا يُخالِفُ القَواعِدَ الَّتي جاءَ بِها النَّبِيُّ ﷺ؟ لَا يُخالِفُها، بَل يُوافِقُ قَولَهُ تَعالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وَيُوافِقُ قَولَ الحَقِّ سُبحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾. وَكَذٰلِكَ الحَالُ فِي ذِكرِ اللهِ فِي الجَنائِزِ؛ فَنَحنُ، نَعَم، نَقلْنا عَن بَعضِ السَّلَفِ أَنَّهُم قالوا: الصَّمتُ فِي ثَلاثَةٍ، وَذُكِرَ مِنها الجَنازَةُ، وَلٰكِن إِذا كانَ الجَهرُ بِذِكرِ اللهِ يُعِينُ عَلَى إِسكاتِ النّاسِ عَنِ الغِيبَةِ، وَعَنِ الكَلامِ الَّذي لا خَيرَ فِيهِ، وَعَنِ انطِلاقِ أَلسِنَتِهِم فِي أُمورِ الدُّنيا، وَحامِلُ الجِنازَةِ يَرُدُّ عَلَى الهاتِفِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي شُؤونِ الدُّنيا، فَبَدَلًا مِن هٰذَا، نَقولُ: اذكُرُوا اللهَ، وَنَذكُرُ اللهَ تَعالَى حَتّى نَدفِنَ مَيِّتَنا. فَماذا فَعَلنا؟ ذَكَّرنا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَإِذًا، إِذا كانَ شَيءٌ حَدَثَ بَعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَلَم يُخالِفِ الأُصولَ الَّتي كانَت فِي زَمَنِهِ ﷺ، فَهٰذا لا يُعتَبَرُ مُنكَرًا، وَلا يُعتَبَرُ بِدعَةَ ضَلالَةٍ. وَما رَأَتْهُ هٰذِهِ الأُمَّةُ حَسَنًا فَهُوَ عِندَ اللهِ حَسَنٌ. وَهٰذِهِ الآيَةُ تُعطِينا هٰذِهِ الدَّلالَةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾. وَما دامَت أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ هِيَ خَيرَ أُمَّةٍ، فَهَل تَجتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ؟ لَا تَجتَمِعُ أُمَّتُكَ يا رَسولَ اللهِ عَلَى ضَلالَةٍ. وَلِذٰلِكَ اجتَمَعَت أُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الإِكثارِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى رَسولِ اللهِ، وَعَلَى حُبِّ رَسولِ اللهِ، وَعَلَى الفَرَحِ بِرَسولِ اللهِ، وَعَلَى الِاحتِفالِ بِمَولِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
فَقَولُهُ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» مَعناهُ: أَنَّ هٰذَا الَّذي أَحدَثَ هٰذَا الخَيرَ أَوَّلًا، لَهُ أَجرُهُ، وَلِكُلِّ مَن جاءَ بَعدَهُ وَعَمِلَ بِهِ أَجرٌ كَذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قالَ: «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ». فَالأَصلُ إِذنًا هُوَ رَدُّ الأُمورِ إِلَى قَواعِدِ الشَّريعَةِ، وَإِلَى ما جاءَ بِهِ رَسولُ اللهِ ﷺ فِي حَياتِهِ. فَإِذا أَحدَثَ شَخصٌ بَعدَهُ ﷺ شَيئًا يُوافِقُ القَواعِدَ الَّتي جاءَ بِها، فَماذا يَكونُ هٰذَا؟ يَكونُ سُنَّةً حَسَنَةً، وَيُقالُ عَنهُ: بِدعَةُ هُدىً، وَيُقالُ عَنهُ: مُحدَثَةٌ مَحمودَةٌ، وَمُحدَثَةٌ مَمدوحَةٌ. وَهٰذَا بِتَقرِيرِهِ ﷺ.
وَلنَنتَبِهْ إِلَى شَيءٍ: فَإِن قالَ قائِلٌ: لَا، لَيسَ المَعنى كَما ذَكَرْتُم، بَلِ المَعنى فِي «مَنْ سَنَّ» أَي: مَن أَحيَا سُنَّةً كانَت فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ تُرِكَت، ثُمَّ جاءَ مَن أَحياها. إِن قالَ قائِلٌ هٰذَا، قُلنا لَهُ: أَكمِلِ الحَديثَ: «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً». فَهَل المَعنى، عَلَى هٰذَا القَولِ الفاسِدِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ شَيئًا سَيِّئًا، ثُمَّ تُرِكَ، ثُمَّ جاءَ مَن أَحياهُ؟! مَعاذَ اللهِ. لَا يَقولُ هٰذَا مُؤمِنٌ. فَإِذًا «سَنَّ» هُنَا مَعناها: أَحدَثَ أَمرًا لَم يَكُن بِعَينِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلٰكِنَّهُ مِن جِنسِ الخَيرِ الَّذي تُقِرُّهُ الشَّريعَةُ.
وَفَهْمُ هٰذَا الأَمرِ لَيسَ مَتروكًا لِأَفهامِ النّاسِ اليَومَ، بَل نَرجِعُ فِيهِ إِلَى فَهمِ الصَّحابَةِ. فَهَل حَصَلَ شَيءٌ مِن هٰذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ هَل فَعَلَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فِعلًا لَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ قَد فَعَلَهُ، ثُمَّ بَلَغَ ذٰلِكَ رَسولَ اللهِ ﷺ، فَأَقَرَّهُ؟ نَعَم، حَصَلَ هٰذَا، وَوَرَدَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ». وَذٰلِكَ فِي قِصَّةِ الصَّحابِيِّ البَدْرِيِّ خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنهُ. وَكانَ قَد قَتَلَ يَومَ بَدرٍ مَن قَتَلَ مِنَ المُشرِكينَ، فَقالَ المُشرِكونَ: لَنا ثَأرٌ عِندَ خُبَيبٍ. فَبَعدَ المُعَرَكَةِ بِمُدَّةٍ عَمِلوا كَمِينًا، فَأَسَروا خُبَيبًا، وَحُمِلَ إِلَيهِم إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ أَخرَجوهُ خارِجَ حَدِّ الحَرَمِ، وَأَرادوا قَتلَهُ.
وَتَقولُ ابنَةُ الرَّجُلِ الَّذي كانَ يُريدُ قَتلَ خُبَيبٍ: ما رَأَيتُ أَسيرًا قَطُّ كَخُبَيبٍ. وَكانَ وَلِيًّا كَبيرًا مِن أَولِياءِ اللهِ. قالَت: كانَ مُقَيَّدًا بِالحَديدِ، لَا يَدخُلُ عَلَيهِ أَحَدٌ، فَأَدخُلُ عَلَيهِ، فَأَرى قِطفَ العِنَبِ فِي يَدِهِ. وَهٰذا يُذَكِّرُ بِقَولِهِ تَعالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ﴾. فَهٰؤُلَاءِ أَصحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. ثُمَّ لَمّا أَرادوا قَتلَهُ، طَلَبَ مِنهُم طَلَبًا، قالَ: أَمهِلوني أُصَلِّي رَكعَتَينِ لِلَّهِ تَعالَى. وَهٰذَا مَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَهُ مِن قَبلُ: إِنَّهُ إِذا قُدِّمَ إِنسانٌ لِلقَتلِ، يُسَنُّ لَهُ أَن يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ. لَم يَكُن هٰذَا مَنصوصًا عَلَيهِ مِن قَبلُ. فَقالَ خُبَيبٌ: أُصَلِّي رَكعَتَينِ. فَتَرَكوهُ، فَقامَ فَصَلَّى، ثُمَّ فِي سُجودِهِ صارَ يَدعو عَلَى المُشرِكينَ. فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ: لَولا أَن تَقولوا: إِنَّ الَّذي بِهِ خَوفٌ مِنَ المَوتِ، لَأَطلَتُ فِي صَلاتِي أَكثَرَ. ثُمَّ دَعا عَلَيهِم، ثُمَّ قالَ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذٰلِكَ فِي ذَاتِ الإِلٰهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
أَي: أَنا لا أُبَالِي ما دُمتُ أَموتُ مُسلِمًا.
قالَ أَبو هُرَيرَةَ: فَكانَ خُبَيبٌ، وَهٰذا فِي نَصِّ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، أَوَّلَ مَنْ سَنَّ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ. ثُمَّ قاموا عَلَيهِ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنهُ فَقَتَلوهُ. فَكانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ رَكعَتَينِ عِندَ القَتلِ. وَهٰذا ما كانَ قَد سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلٰكِنَّهُ وَقَعَ فِي حَياتِهِ ﷺ، فَلَمّا عُرِضَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ أَقَرَّهُ وَاستَحسَنَهُ، وَلَم يُنكِرهُ. فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ لَها أَن تَسُنَّ السُّنَنَ الحَسَنَةَ؛ لِأَنَّ أَبوابَ الخَيرِ كَثيرَةٌ، وَواسِعَةٌ جِدًّا.
ثُمَّ إِذا نَظَرنا بَعدَ ذٰلِكَ فِي سِيرَةِ الصَّحابَةِ، وَجَدنا الفاروقَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذي يَجرِي الحَقُّ عَلَى لِسانِهِ، وَقَد وَكَّلَ اللهُ بِعُمَرَ مَلَكًا يُجرِي الحَقَّ عَلَى لِسانِهِ، وَكانَ الشَّيطانُ يَهرُبُ مِنَ الفَجِّ الَّذي يَكونُ فِيهِ عُمَرُ. فَقَد قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عُمَرُ، لَوْ سَلَكْتَ فَجًّا، وَرَآكَ الشَّيْطَانُ، لَسَلَكَ فَجًّا غَيْرَ الَّذِي تَسْلُكُ». فَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي خِلافَتِهِ، لَمّا جاءَ شَهرُ رَمَضانَ المُبارَكُ، رَأى أَنَّ النّاسَ لا يَجتَمِعونَ بَعدَ صَلاةِ العِشاءِ عَلَى صَلاةِ التَّراوِيحِ، وَهٰكَذا كانوا فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي الأَمصارِ: يُصَلّونَ العِشاءَ ثُمَّ يَتَفَرَّقونَ، وَقَد يَبقَى أَفرادٌ فِي المَسجِدِ يَعتَكِفونَ، وَلٰكِن ما كانوا يَجتَمِعونَ عَلَى صَلاةِ التَّراوِيحِ. فَلَمّا رَأى عُمَرُ ذٰلِكَ قالَ ذاتَ لَيلَةٍ: أَرَى لَو أَنَّهُم اجتَمَعوا عَلَى قارِئٍ. فَجَمَعَهُم عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَلَمّا جاءَتِ اللَّيلَةُ الَّتي بَعدَها، اجتَمَعَ المُسلِمونَ، وَامتَلأَ المَسجِدُ، فَفَرِحَ سَيِّدُنا عُمَرُ، وَقالَ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». وَهٰذَا فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، وَوَرَدَ عِندَ مالِكٍ أَيضًا فِي «الْمُوَطَّإِ». فَقالَ: «نِعْمَتْ»، وَ«نِعْمَ»، وَ«نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَسمِيَةِ الشَّيءِ بِدعَةً لا يَلزَمُ مِنهُ أَن يَكونَ مَذمومًا دَومًا. فَالبِدعَةُ، مِن حَيثُ اللُّغَةِ، ما أُحدِثَ عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِقٍ. وَسَيِّدُنا عُمَرُ فَصِيحٌ، وَقَد قالَ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ ما زالَ المُسلِمونَ مِن ذٰلِكَ الزَّمانِ إِلَى زَمانِنا هٰذا يُصَلّونَ التَّراوِيحَ.
وَقَد يَسأَلُ بَعضُهُم: أَلَيسَ اجتِماعُهُم عَلَيها خَيرًا؟ فَلِماذا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ فَنَقولُ: إِنَّ بَعضَ الأَشياءِ تَرَكَها رَسولُ اللهِ ﷺ خَشيَةَ أَن تُفرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، فَيَشُقَّ ذٰلِكَ عَلَيهِم. فَلَمّا ماتَ ﷺ زالَ هٰذَا المَعنى. وَكانوا، بَعدَ وَفاتِهِ، يُصَلّونَ مُتَفَرِّقينَ، وَلَم يَكونوا يَجتَمِعونَ. فَإِذًا، صَلاةُ التَّراوِيحِ بِهٰذَا الِاجتِماعِ، وَبِهٰذَا العَدَدِ، لَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ قَد صَلّاها بِالمُسلِمينَ عِشرينَ رَكعَةً مُجتَمِعينَ فِي المَسجِدِ عَلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّما حَصَلَ ذٰلِكَ فِيما بَعدُ. وَهٰذا العَمَلُ ما هُوَ؟ صَلاةٌ، وَاللهُ أَمَرَ بِالصَّلاةِ. فَهَلِ القَواعِدُ الَّتي جاءَ بِها النَّبِيُّ ﷺ فِي حَياتِهِ تُعارِضُ هٰذَا العَمَلَ؟ لَا تُعارِضُهُ. فَإِذًا هٰذِهِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، جاءَت فِي هٰذِهِ الأُمَّةِ الَّتي قالَ فِيها رَبُّ العِزَّةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
وَكَذٰلِكَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَنَحنُ الآنَ، يا إِخوَةُ، يَومَ الجُمُعَةِ، كَم أَذانًا نُؤَذِّنُ؟ نُؤَذِّنُ أَذانَينِ. وَقَد ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّهُ كانَ فِي زَمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ أَذانٌ واحِدٌ، ثُمَّ الإِقامَةُ. وَأَوَّلُ مَن أَحدَثَ الأَذانَ الثّانِيَ، وَهُم يَقولونَ: الثّانِي، بِاعتِبارِ كَونِهِ زائِدًا، وَإِلّا فَهُوَ فِي الواقِعِ الأَوَّلُ، كَما قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ، هُوَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَلَمّا رَأَى كَثرَةَ النّاسِ، رَأَى أَن يَزيدَ الأَذانَ الثّانِيَ، فَزادَهُ. وَنَحنُ إِلَى يَومِنا هٰذا نُؤَذِّنُ أَذانَينِ يَومَ الجُمُعَةِ. فَهٰذِهِ ماذا يُقالُ عَنها؟ يُقالُ: هِيَ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَبِدعَةُ هُدىً، وَبِدعَةُ خَيرٍ. وَهٰذَا لا مُعارَضَةَ فِيهِ لِقَولِهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»؛ لِأَنَّ الإِمامَ النَّوَوِيَّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: هٰذَا مِنَ العَامِّ المَخصُوصِ. أَي: اللَّفظُ عامٌّ، وَالمَعنى مَخصُوصٌ. وَأَينَ التَّخصِيصُ؟ فِي قَولِهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً». فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ أَكثَرَ البِدَعِ الَّتي تَحدُثُ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ مُنكَرَةٌ، وَلٰكِن إِذا حَدَثَ ما هُوَ بِدعَةُ خَيرٍ، وَهُوَ مُوافِقٌ لِما جاءَ بِهِ رَسولُ اللهِ ﷺ، فَهَل تَتَعارَضُ أَحاديثُ المُصطَفى ﷺ؟ لَا، بَل يَرجِعُ بَعضُها إِلَى بَعضٍ، وَيُفَسِّرُ بَعضُها بَعضًا.
فَنَرجِعُ إِذًا إِلَى الحَديثِ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً». فَهٰذَا مِمّا فَعَلَهُ الصَّحابَةُ. وَسَيِّدُنا عَلِيُّ بنُ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَمَرَ أَبَا الأَسوَدِ الدُّؤَلِيَّ بِوَضعِ عِلمِ النَّحوِ. وَقَبلَ أَن نَبتَعِدَ، فَهٰذَا كِتابُ اللهِ الَّذي نَقرَأُ فِيهِ الآنَ: هَل هُوَ مَنقوطٌ أَم غَيرُ مَنقوطٍ؟ وَهَل هُوَ مَطبوعٌ فِي المَطابِعِ أَم لا؟ وَهَل عَلَيهِ عَلاماتُ الحِزبِ، وَرُبعِ الحِزبِ، وَنِصفِ الحِزبِ، وَثَلاثَةِ أَرباعِ الحِزبِ، وَالجُزءِ الأَوَّلِ، وَالتَّرقيمِ؟ هَل كانَ هٰذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَبَعضُهُم يَقولُ لَكَ: هٰذَا الشَّيءُ الَّذي تَذكُرُهُ، كَالِاحتِفالِ بِمَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ، لَو كانَ خَيرًا لَفَعَلَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ. فَنَقولُ لَهُ: هُوَ طاعَةٌ، وَهُوَ خَيرٌ، وَلٰكِن سَنَسأَلُكَ السُّؤالَ التّالِي: وَتَنقِيطُ المَصاحِفِ، أَلَيسَ خَيرًا؟ أَلَيسَ يُعِينُ النّاسَ عَلَى القِراءَةِ؟ أَلَيسَ خَيرًا؟ فَهَل نَقولُ: لِأَنَّهُ ما كانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ صارَ مَمنوعًا، وَصارَ مُحَرَّمًا؟ لَا نَقولُ ذٰلِكَ. فَكَما أَنَّنا قَبِلنا هٰذَا فِي تَنقِيطِ المُصحَفِ، وَقَبِلناهُ فِي الأَذانِ الثّانِي يَومَ الجُمُعَةِ، وَقَبِلناهُ فِي صَلاةِ التَّراوِيحِ، وَقَبِلناهُ فِي غَيرِ هٰذَا مِمّا استَحسَنَتهُ الأُمَّةُ، فَكَذٰلِكَ نَقبَلُهُ فِي الِاحتِفالِ بِمَولِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ. فَهٰذا لا يَكونُ مُنكَرًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّركِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لا يَعني التَّحريمَ. فَكَم مِن أَشياءَ تَرَكَها النَّبِيُّ ﷺ خَشيَةَ أَن تَشُقَّ عَلَى الأُمَّةِ، أَو خَشيَةَ أَن تُفرَضَ عَلَيهِم.
وَأَسأَلُ سُؤالًا بَسيطًا قَبلَ أَن أُكمِلَ فِي هٰذَا: هَل وَرَدَ فِي نَصِّ حَديثٍ، فِي أَيِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ الحَديثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي فِي اللَّيلَةِ، مَثَلًا، مِئَتَي رَكعَةٍ، أَو ثَلاثَمِئَةَ رَكعَةٍ؟ لَا. فَإِذا جاءَ أَحَدٌ اليَومَ، وَقامَ فِي لَيلَةٍ، فَصَلَّى مِئَةَ رَكعَةٍ، وَقَد وَرَدَ مِثلُ هٰذَا كَثيرًا عَنِ الإِمامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَأَكثَرُ مِنهُ عَنِ الإِمامِ السَّجّادِ، فَهَل لِقائِلٍ أَن يَقولَ: هٰذَا مَمنوعٌ، وَحَرامٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَهُ؟ إِذًا، مُجَرَّدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَهُ لا يَعني أَنَّهُ حَرامٌ. فَالصَّلاةُ عِبادَةٌ. وَأَنتَ اليَومَ، مَثَلًا، لَو صَلَّيتَ وَأَنتَ تَلبَسُ السِّروالَ، فَهَل صَلاتُكَ تَبطُلُ؟ صَلَّيتَ وَأَنتَ تَلبَسُ لِباسًا لَيسَ القَميصَ وَلا الدِّشداشَةَ، فَهَل صَلاتُكَ تَبطُلُ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ ما صَلَّى هٰكَذا. وَهَل كانَ فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ مَراوحُ؟ وَهَل كانَت آلَاتُ الهَواءِ الَّتي يُقالُ لَها: مُكَيِّفاتٌ؟ وَهَل كانَ هٰذَا السَّجّادُ؟ وَهَل كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى مِثلِ هٰذِهِ الفُرُشِ؟ بَل كانَ الحَصى وَالحَصيرُ. وَهَل كانَ مِحرابُ مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِهٰذَا الِارتِفاعِ؟ وَهَل كانَت هٰذِهِ آلَاتُ الصَّوتِ حاضِرَةً إِذا صَلَّى، أَو دَرَّسَ؟ لَم يَكُن شَيءٌ مِن هٰذَا فِي زَمَنِهِ ﷺ. وَلٰكِن كُلُّ ما ذَكَرنا يُعِينُ عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَهُوَ مُنسَجِمٌ مَعَ القَواعِدِ المُقَرَّرَةِ. فَإِذًا، القَواعِدُ المُقَرَّرَةُ، أَيُّها المُسلِمونَ، هِيَ: افعَلُوا الخَيرَ، وَزِيدوا مِن سُنَنِ الخَيرِ، وَمِنَ السُّنَنِ الحَسَنَةِ، ما دامَ هٰذَا مُوافِقًا لِلأُصولِ الَّتي جاءَ بِها رَسولُ اللهِ ﷺ فِي حَياتِهِ.
فَإِذا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قَد تَرَكَ شَيئًا، ثُمَّ كانَ هُوَ نَفسُهُ القائِلَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً»، وَهُوَ الَّذي نَزَلَ عَلَيهِ قَولُ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فَإِذًا هٰذِهِ الأُمَّةُ لا يَجمَعُها اللهُ تَعالَى عَلَى ضَلالَةٍ. وَأَوَّلُ مَن أَحدَثَ نَقطَ المَصاحِفِ كانَ يَحيَى بنُ يَعمَرَ، مِنَ التّابِعينَ، وَيُقالُ: يَعمَرُ، وَيُقالُ: يَعمُرُ. وَكَيفَ حَصَلَ ذٰلِكَ؟ إِنَّ الصَّحابَةَ كانَ أَكثَرُهُم يَحفَظُ كِتابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكانَ يَقرَأُهُ مِن غَيرِ أَن يَرجِعَ إِلَى صُحفٍ. وَحَتّى لَمّا صارتِ الصُّحُفُ تُكتَبُ، ما كانَتِ المَصاحِفُ مَنقوطَةً. ثُمَّ حَصَلَ أَن دَخَلَ أَعاجِمُ فِي الإِسلامِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنهُم صَحيفَةً مِنَ القُرآنِ، وَهِيَ غَيرُ مَنقوطَةٍ، فَأَتى عِندَ آيَةٍ فَقَرَأَ: فَرِيقًا فِي الحَبَّةِ وَفَرِيقًا فِي الشَّعِيرِ! فَمَرَّ بِهِ أَحَدُ القُرّاءِ، فَقالَ: أَعوذُ بِاللهِ! أَنتَ ماذا تَقولُ؟ قالَ: أَنا أَقرَأُ القُرآنَ. قالَ: أَينَ؟ قالَ: انظُر. فَهِيَ، لِأَنَّها غَيرُ مَنقوطَةٍ، قَرَأَ: «الحَبَّةِ» وَ«الشَّعِيرِ»، وَالصَّوابُ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. فَقالَ لَهُ: وَأَنتَ مِن أَينَ جِئتَ بِهٰذَا؟ قالَ: هٰذِهِ قِراءَةُ عاصِمٍ. فَقالَ لَهُ: عاصِمٌ إِمامُكَ؟ أَنا عاصِمٌ! وَهٰذِهِ لَيسَت قِراءَتِي. هٰذَا لَحنٌ فِي القُرآنِ، وَهٰذَا لا يَجوزُ. فَعِندَها وَجَدوا الحاجَةَ إِلَى نَقطِ المَصاحِفِ. وَاليَومَ، مَعَ أَنَّ المُصحَفَ أَمامَ بَعضِ النّاسِ مَشكولٌ، يَقرَأُ غَلَطًا! فَعِندَنا مُشكِلَةٌ اليَومَ، وَلَستُ أَتَكَلَّمُ عَنِ الأَعاجِمِ فَقَط، بَل عَن أُناسٍ سَمِعنا فِي قِراءَتِهِم لِلقُرآنِ عَجائِبَ.
فَهٰذَا النَّقطُ لِلمَصاحِفِ كانَ مِن بَابِ الحاجَةِ وَالخَيرِ. وَبَعدَ القُرونِ الثَّلاثَةِ الأُولى، أَوَّلُ مَن أَحدَثَ الجَهرَ بِالصَّلاةِ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ بَعدَ الأَذانِ هُوَ السُّلطانُ النّاصِرُ صَلاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ. فَقَبلَ صَلاحِ الدِّينِ ما كانَ الجَهرُ بِالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الأَذانِ. وَالآنَ، بِفَضلِ اللهِ، إِلَى يَومِنا هٰذا، فِي بِلادِنا وَفِي كَثيرٍ مِن بِلاد المُسلِمينَ، بَعدَ الأَذانِ نَسمَعُ الصَّلاةَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ. وَمِثلُ ذٰلِكَ ما حَدَثَ فِي القَرنِ السّابِعِ، وَأَحدَثَهُ المَلِكُ المُظَفَّرُ، وَاستَحسَنَهُ عُلَماءُ الإِسلامِ فِي المَشارِقِ وَالمَغارِبِ، وَهُوَ الِاحتِفالُ بِمَولِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ. فَهٰذِهِ كُلُّها، إِذا كانَت مُوافِقَةً لِلأُصولِ، داخِلَةٌ فِي مَعنى السُّنَّةِ الحَسَنَةِ الَّتي شَهِدَ بِها رَسولُ اللهِ ﷺ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ الخَيِّرَةِ.
اِمتَدَحَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى هٰذِهِ الأُمَّةَ الَّتي، فِي الحَقيقَةِ، ما سَمَت وَلا عَزَّت إِلّا بِمُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ. فَكانَ مَولِدُ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَبِعثَتُهُ، وَهِجرَتُهُ، عِزًّا لِلأُمَّةِ. فَماذا كُنّا نَحنُ كَعَرَبٍ؟ وَماذا كانَتِ البَشَرِيَّةُ قَبلَ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ هٰذِهِ الأُمَّةُ الَّتي أَعَزَّهَا اللهُ تَعالَى بِالإِسلامِ وَصَفَها بِأَنَّها خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ، وَوَصَفَها أَيضًا بِأَنَّها تَأمُرُ بِالمَعروفِ، وَتَنهى عَنِ المُنكَرِ. وَهٰذَا واجِبٌ عَظيمٌ مِنَ الواجِباتِ الدِّينِيَّةِ.
وَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَحاديثَ كَثيرَةٍ مِنَ المُنكَراتِ، وَحَذَّرَ كَذٰلِكَ مِن تَركِ إِنكارِ المُنكَرِ، وَأَمَرَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالمَعروفِ. وَمِن جُملَةِ ما جاءَ فِي حَثِّهِ ﷺ عَلَى إِنكارِ المُنكَرِ مُحارَبَةُ البِدَعِ؛ أَيِ البِدعَةِ الضَّلالَةِ. وَهٰذَا يَنبَغِي أَن يُفهَمَ عَلَى وَجهِهِ؛ فَقَد قالَ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». وَهٰذَا وَرَدَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَفِي غَيرِهِ. فَما الَّذي أَرادَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ؟ يَنبَغِي أَن نَضبِطَ هٰذَا المَعنى؛ لِأَنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ اليَومَ يَستَعمِلونَ هٰذَا الحَديثَ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ.
فَلَمّا قالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، فَإِنَّما يُحَذِّرُ مِنَ المُحدَثاتِ المُنكَرَةِ، وَالمُحدَثاتِ المَذمومَةِ. وَلَمّا قالَ ﷺ: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، فَقَد قالَ شَيخُ الإِسلامِ الإِمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هٰذَا مِنَ العَامِّ المَخصُوصِ. وَ«كُلُّ» مِن أَلفاظِ العُمومِ، لٰكِنَّهُ قالَ: مِنَ العَامِّ المَخصُوصِ. فَما مَعنى هٰذِهِ العِبارَةِ؟ مَعناها: أَنَّ اللَّفظَ عامٌّ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَلٰكِنَّ المَعنى مَخصُوصٌ؛ بِأَي: بِالبِدَعِ المُنكَرَةِ الَّتي تُخالِفُ ما جاءَ بِهِ رَسولُ اللهِ ﷺ فِي حَياتِهِ. هٰذَا هُوَ المَعنى. وَإِلّا، فَمِن حَيثُ اللُّغَةِ، كَلِمَةُ البِدعَةِ تُطلَقُ عَلَى كُلِّ ما أُحدِثَ عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِقٍ.
وَلَنْ أَذهَبَ بَعِيدًا؛ فَنَحنُ الآنَ فِي مَسجِدٍ، وَهٰذَا المَسجِدُ فِيهِ سُدَّةٌ، وَفِيهِ طابِقٌ ثانٍ فَوقَ الطّابِقِ الأَرضِيِّ. فَهَل كانَ مَسجِدُ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي زَمَنِهِ، أَو فِي زَمَنِ أَبِي بَكرٍ، أَو عُمَرَ، أَو عُثمانَ، أَو عَلِيٍّ رِضوانُ اللهِ تَعالَى عَلَيهِم أَجمَعينَ، فِيهِ سُدَّةٌ، أَو طابِقٌ ثانٍ؟ لَم يَكُن. بَل حَتّى فِي حَدِّ المَسجِدِ القَديمِ الأَصليِّ لَم يَكُن فِيهِ طابِقٌ ثانٍ. وَهٰذَا شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بِالعِبادَةِ؛ فَالإِمامُ يَقِفُ فِي المِحرابِ فِي الطّابِقِ الأَرضِيِّ، وَالمُصَلُّونَ يَعلُونَهُ فِي الطّابِقِ الَّذي فَوقَهُ، وَهٰذَا ما كانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَهَل يَكونُ هٰذَا مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ لَم يَكُن فِي زَمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ لَا.
فَإِذًا، إِخوَتِي، يَنبَغِي أَن نَفهَمَ أَنَّ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» المَرادُ بِهِ: البِدعَةُ الَّتي هِيَ مُنكَرَةٌ، لا أَنَّ كُلَّ ما جاءَ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَم يَكُن فِي زَمَنِهِ، يَكونُ مُحَرَّمًا. فَنَحنُ الآنَ، وَاللهُ أَنعَمَ عَلَينا بِنِعمَةِ الصَّلاةِ، نَسأَلُ: ماذا كانَ يَلبَسُ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلاتِهِ؟ كانَ يَلبَسُ القَميصَ. وَالقَميصُ فِي لِسانِ العَرَبِ يُرادُ بِهِ ما نُسَمِّيهِ نَحنُ: الدِّشداشَةَ. فَكانَ يُصَلِّي بِها ﷺ، وَكَذٰلِكَ الصَّحابَةُ، أَو يُصَلِّي بِإِزارٍ وَرِداءٍ، مِثلَ الَّذي يَلبَسُهُ المُحرِمُ عِندَما يَذهَبُ إِلَى المَناسِكِ. فَإِذا صَلَّى الإِنسانُ اليَومَ وَهُوَ يَلبَسُ السِّروالَ، أَو لَبِسَ البَدْلَةَ، فَهَل نَقولُ: هٰذِهِ بِدعَةٌ مُنكَرَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما صَلَّى عَلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ؟ لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ. هٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُناكَ مَن لا يَفهَمُ الحَديثَ.
وَقَد يَأتي بَعضُهُم لِيُزَيِّنَ لِنَفسِهِ، فَيَقولُ: هٰذِهِ بِدعَةٌ دُنيوِيَّةٌ، وَهٰذِهِ غَيرُها. فَنَقولُ لَهُ: كَيفَ هٰذِهِ بِدعَةٌ دُنيوِيَّةٌ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيها، وَيَلبَسُ البِنطالَ، أَو السِّروالَ، أَو البَدْلَةَ فِي الصَّلاةِ؟ فَهَل مَعنى أَنَّ هٰذَا لَم يَكُن فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَكونُ مُحَرَّمًا؟ لَا. فَإِذًا، مَعنى قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» أَنَّهُ يَحثُّنا عَلَى أَن نُنكِرَ المُنكَرَ. وَلٰكِن، يا أَخِي، أَنكِرِ المُنكَرَ، وَلَا تُنكِرِ المَعروفَ.
فَلَمّا تَحتَفِلُ الأُمَّةُ اليَومَ بِمَولِدِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحنُ إِلَى اليَومِ لا نَزالُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَنَحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ طُولَ شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَمَلايينُ مِنَ المُسلِمينَ، مِن أَوَّلِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ إِلَى آخِرِ يَومٍ فِيهِ، فِي المَدِينَةِ، وَفِي القُدسِ، وَفِي الخَلِيلِ، وَفِي نابُلُسَ، وَفِي الأُردُنِّ، وَفِي مِصرَ، وَفِي غَيرِها، يَفرَحونَ، وَيَشتَرونَ الحَلوى، وَيُوَزِّعونَها بِمُناسَبَةِ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّريفِ، فَهٰذَا فَرَحٌ بِسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَيسَ مُنكَرًا. فَبَعضُ النّاسِ يَأتي، وَيَقولُ لَكَ: حَرامٌ أَن تَحتَفِلَ بِالمَولِدِ. فَبِماذا يَستَدِلُّ؟ يَقولُ لَكَ: الحَديثُ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ». فَنَقولُ لَهُ: الحَديثُ صَحيحٌ، وَلٰكِن ما شَأنُهُ بِتَحريمِ المَولِدِ؟ ما شَأنُهُ بِالِاحتِفالِ بِمَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ؟ أَنتَ تَحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهٰذَا لَيسَ مُنكَرًا، وَلَيسَ شَيئًا مُخالِفًا؛ فَالمُسلِمونَ يُحِبّونَ رَسولَ اللهِ ﷺ، وَيَحتَفِلونَ بِمَولِدِهِ.
فَإِذًا، مَعنى قَولِهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» أَنَّ المُحدَثاتِ الَّتي هِيَ مَذمومَةٌ هِيَ المَقصودَةُ. وَلِكَي نَطمَئِنَّ، فَهٰذَا الفَهمُ لَيسَ فَهمًا جَديدًا أَحدَثناهُ اليَومَ، وَلَيسَ شَيئًا خَطَرَ لَنا وَنَحنُ جالِسونَ الآنَ، بَل هُوَ مِمّا قالَهُ الإِمامُ الشّافِعِيُّ، وَهُوَ مِن أَفهَمِ النّاسِ بِحَديثِ النَّبِيِّ ﷺ. فَماذا قالَ الشّافِعِيُّ؟ وَهٰذا يَروِيهِ الإِمامُ البَيهَقِيُّ فِي «الْمَنَاقِبِ»: البِدعَةُ عَلَى ضَربَينِ: بِدعَةُ هُدىً، وَبِدعَةُ ضَلالٍ. أَي: البِدعَةُ تَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ: بِدعَةُ هُدىً، وَبِدعَةُ ضَلالَةٍ. فَما أُحدِثَ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا يُخالِفُ الكِتابَ، أَوِ السُّنَّةَ، أَوِ الإِجماعَ، فَهٰذَا بِدعَةُ ضَلالَةٍ. وَأَمّا ما كانَ مُوافِقًا لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَهٰذَا يُقالُ لَهُ: بِدعَةُ هُدىً، وَيُقالُ عَنهُ: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَيُقالُ عَنهُ: مُحدَثَةٌ حَسَنَةٌ. وَهٰذَا هُوَ مُرادُ النَّبِيِّ ﷺ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلَى هٰذَينِ المَعْنَيَينِ، وَعَلَى أَنَّ البِدعَةَ تَنقَسِمُ إِلَى ضَربَينِ، حَديثٌ آخَرُ، وَلا يَجوزُ أَن نَأخُذَ حَديثًا وَنَترُكَ حَديثًا، وَكِلَاهُما صَحيحٌ. فَقَد رَوَى مُسلِمٌ مِن طَريقِ جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ». فَهٰذَا أَعطانا أَيَّ نَوعٍ مِنَ البِدعَةِ؟ أَعطانا بِدعَةَ الهُدى. ثُمَّ قالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». فَإِذًا هٰذَا الحَديثُ خَصَّصَ عُمومَ ذٰكَ الحَديثِ، وَدَلَّنا عَلَى أَنَّ المُحدَثاتِ عَلَى هٰذَينِ الضَّربَينِ: بِدعَةُ هُدىً، وَبِدعَةُ ضَلالَةٍ.
وَفِي الأَشياءِ الَّتي طَلَبَ مِنّا النَّبِيُّ ﷺ أَن نُنكِرَها، وَنَحنُ نَتَكَلَّمُ عَن كَيفَ أَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ، وَأَنَّها تُحارِبُ المُنكَراتِ، لَيسَتِ المَقصوداتُ بِذٰلِكَ أُمورَ الخَيرِ، بَل مِنَ المُنكَراتِ الَّتي حَدَثَت بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمِرنا أَن نُحارِبَها، بِدعَةُ القَدَرِيَّةِ. وَيَنبَغِي أَن نَنتَبِهَ: ما مَعنى بِدعَةِ القَدَرِيَّةِ؟ النَّبِيُّ ﷺ الَّذي لا يَنطِقُ عَنِ الهَوى قالَ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ». وَفِي رِوايَةٍ: «الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ». وَلِماذا يُبَيِّنُ لَنا رَسولُ اللهِ ﷺ ذٰلِكَ؟ لِكَي نَنهَضَ بِوَظيفَتِنا فِي الأَمرِ بِالمَعروفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، فِي الإِنكارِ عَلَى مَن يُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَاللهُ تَعالَى قالَ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾. فَإِذا ظَهَرَ هٰذَا القَولُ الباطِلُ، وَقَد أَخبَرَ عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَظَهَرَ فِي زَمَنِ السَّلَفِ، وَاليَومَ صَارَ أَكثَرَ مِن زَمانِهِم، فَهٰذا مِن جُملَةِ المُنكَراتِ الَّتي يَنبَغِي إِنكارُها.
فَقَد لَمّا جِيءَ إِلَى ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، فَقيلَ لَهُ: ظَهَرَ مَن يَقولُ: إِنَّ هُناكَ أَشياءَ تَحصُلُ لَيسَت بِقَدَرٍ. قالَ: أَوَ قَد وَقَعَ هٰذَا؟! وَفيهِم قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ». ثُمَّ قالَ: لا تُناكِحوهُم، وَلا تَعُودوا مَرضاهُم، وَلا تَشهَدوا جَنائِزَهُم. وَحَتّى قالَ ابنُ عُمَرَ، وَهٰذا يَروِيهِ البَيهَقِيُّ فِي «كِتابِ الْقَدَرِ»: لَئِن رَأَيتُ أَحَدَهُم لَأَفقَعَنَّ عَينَيهِ بِأُصبُعَيَّ هاتَينِ. وَمُرادُهُ مِن هٰذَا إِظهارُ الغَيرَةِ عَلَى دِينِ اللهِ؛ فَهٰذَا دِينُ رَبِّ العالَمينَ، يَنبَغِي أَن نَغارَ عَلَيهِ. فَنَحنُ أَحيانًا نَغارُ لِأُمورِ الدُّنيا، وَنَغضَبُ إِذا أَساءَ أَحَدٌ إِلَى جارِهِ، أَو شَتَمَ إِنسانًا فِي الطَّريقِ، أَو فَعَلَ ما يُؤذي النّاسَ. فَكَيفَ إِذا كانَ الأَمرُ فِي عَقيدَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَفِيما يُضادُّ دِينَهُ؟
وَلِهٰذا بَيَّنَ لَنا النَّبِيُّ ﷺ أَيضًا فِي حَديثٍ آخَرَ، يَروِيهِ شَيخُ المُفَسِّرينَ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ: الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ». وَرَوَى البَيهَقِيُّ نَحوَ ذٰلِكَ: «الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ». وَ«لَيْسَ» أَداةُ نَفيٍ، وَ«نَصِيبٌ» نَكِرَةٌ فِي سِياقِ النَّفيِ، فَتُفيدُ العُمومَ. فَلَمّا قالَ ﷺ: «لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ»، عُلِمَ أَنَّهُ يَحكُمُ عَلَى هاتَينِ الفِرقَتَينِ، وَإِنِ انتَسَبَتا إِلَى الإِسلامِ بِاللِّسانِ، وَقالَتا: لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فَقَد خَرَجَتا مِنَ الإِسلامِ بِهٰذَا الِاعتِقادِ الفاسِدِ. فَالمَعنى: أَنَّ الَّذينَ يُكَذِّبونَ بِقَدَرِ اللهِ، أَو يَقَعونَ فِي إِرجاءٍ يُخرِجُهُم عَن حَقِّ الإِسلامِ، هٰؤُلاءِ النَّبِيُّ ﷺ طَلَبَ مِنّا أَن نُبَيِّنَ ضَلالَهُم، وَأَن نُحَذِّرَ مِنهُم، وَأَن نُنكِرَ عَلَيهِم.
فَهٰذِهِ هِيَ المُنكَراتُ الَّتي يَحُثُّنا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِنكارِها، وَخُصوصًا إِذا كانَ المُنكَرُ فِي العَقيدَةِ. أَمّا ما كانَ مِنَ الخَيرِ، فَلا نُنكِرُهُ. وَما حَصَلَ بَعدَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ نَعرِضُهُ عَلَى قَواعِدِ الشَّريعَةِ الإِسلامِيَّةِ: هَل هُوَ مُوافِقٌ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَياتِهِ؟ فَيَكونُ بِدعَةَ خَيرٍ، وَبِدعَةَ هُدىً. أَم هُوَ مُخالِفٌ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؟ فَيَكونُ بِدعَةَ ضَلالَةٍ، وَيَكونُ مُنكَرًا. وَهٰذِهِ القَواعِدُ كُلُّها مِن أَينَ جاءَت؟ جاءَت مِن كَلامِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَمِنَ القُرآنِ. أَلَيسَ اللهُ قالَ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؟ فَإِذا كانَ هُناكَ شَيءٌ مِنَ الخَيرِ حَصَلَ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَم يَكُن فِي زَمَنِهِ، فَهَل يَكونُ مُنكَرًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَفعَلْهُ؟ لَا.
وَلِذٰلِكَ، فِي مَساجِدِنا فِي شَهرِ رَمَضانَ، وَفِي كَثيرٍ مِن بِلاد الدُّنيا، نَعتادُ أَن نَختِمَ القُرآنَ، وَنَعمَلَ دُعاءَ خَتمَةِ القُرآنِ الكَريمِ فِي آخِرِ رَمَضانَ. فَأَينَ وَرَدَ فِي حَديثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُم كانوا يَجتَمِعونَ فِي آخِرِ رَمَضانَ عَلَى دُعاءِ خَتمَةِ القُرآنِ؟ لَا يُوجَدُ، وَلا حَتّى فِي حَديثٍ ضَعيفٍ. بَل تُوُفِّيَ ﷺ، وَالنّاسُ يُصَلّونَ قِيامَ رَمَضانَ مُتَفَرِّقينَ، حَتّى جاءَ سَيِّدُنا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَجَمَعَهُم، وَقالَ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». وَهٰذَا فِي «الْبُخَارِيِّ» وَفِي «مُوَطَّإِ مَالِكٍ»، وَفِي بَعضِ الرِّواياتِ: «نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». فَهَل يَأتي أَحَدٌ اليَومَ فَيَقولُ: خَتمُ القُرآنِ الكَريمِ فِي آخِرِ رَمَضانَ بِدعَةٌ مُنكَرَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما فَعَلَهُ؟ نَقولُ: لٰكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وَهٰذَا مِنَ الخَيرِ.
وَكَذٰلِكَ، إِذا كانَ لَكَ وِردٌ كُلَّ يَومٍ، وَأَنتَ تُحِبُّ أَن تُصَلِّيَ كُلَّ لَيلَةٍ رَكعَةً وَاحِدَةً فِي القِيامِ، فَهَل وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذٰلِكَ عَلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ فِي كُلِّ لَيلَةٍ؟ لَا. وَلٰكِن دِينَ اللهِ واسِعٌ، وَاللهُ قالَ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وَالإِمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كانَ يَقولُ: أُحِبُّ أَن يُختَمَ القُرآنُ عَلَى المَيِّتِ. فَإِذا ماتَ مَيِّتٌ، فَتُقرَأُ عَلَيهِ آياتُ القُرآنِ. وَاليَومَ كَم مِنَ النّاسِ مَن يَترُكُ قِراءَةَ القُرآنِ عَلَى أَمواتِ المُسلِمينَ، وَيَحرِمُ مَيِّتَهُ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وَيَحرِمُهُ مِن قِراءَةِ «يس»، وَيَحرِمُهُ مِن قِراءَةِ آياتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ وَهٰذِهِ أَشياءُ مِنَ الخَيرِ، فَلَيسَ لِأَحَدٍ أَن يَقولَ: هٰذَا لِأَنَّهُ ما كانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهُوَ مُنكَرٌ.
هَل كانَ فِي زَمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فِي أَثناءِ الصَّلاةِ، هٰذِهِ المَراوحُ؟ وَهَل كانَت آلَاتُ الهَواءِ، أَوِ المُكَيِّفاتُ؟ وَهَل كانَ مَسجِدُ رَسولِ اللهِ ﷺ مَفروشًا بِهٰذَا المَوكيتِ أَوِ السَّجّادِ، كَما نَحنُ الآنَ؟ مَاذا كانَ؟ كانَ الحَصى، وَرُبَّما الحَصيرُ فِي بَعضِ الأَحيانِ. فَهَل يَكونُ هٰذَا، وَالمُصَلِّي يُصَلِّي عَلَيهِ، مَمنوعًا؟ لَو جاءَ واحِدٌ، وَقالَ لَكَ: ما حُكمُ أَن تُصَلِّيَ عَلَى سَجّادَةٍ؟ فَقُلْ لَهُ: لَمّا تَسأَلُ، قُلْ: لِأَنَّ الرَّسولَ ﷺ ما صَلَّى عَلَى سَجّادَةٍ، فَهَل هٰذَا يُخالِفُ أَصلًا مِمّا جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؟ وَكَذٰلِكَ لَو جاءَ واحِدٌ، فَسَأَلَ: وَما حُكمُ أَن تَأتيَ إِلَى صَلاةِ الجُمُعَةِ، أَو تَأتيَ إِلَى المَسجِدِ بِالسَّيّارَةِ؟ فَقُلْ لَهُ: لَمّا تَسأَلُ، قُلْ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَأتي بِالسَّيّارَةِ، بَل كانَ يَأتي مَشيًا. فَهٰذَا الَّذي حَدَثَ يُعِينُكَ عَلَى طاعَةِ اللهِ، فَلا يَكونُ مُنكَرًا.
فَإِذًا، لَا تَأتِي وَتَقولُ لِلنّاسِ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَتُنَزِّلُ هٰذَا الحَديثَ عَلَى مِثلِ هٰذِهِ الأَشياءِ الَّتي تُوافِقُ الأُصولَ. «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» نَعَم، فِي المُنكَرِ، وَفِيما يُخالِفُ الكِتابَ، وَفِيما يُخالِفُ السُّنَّةَ، وَفِيما يُخالِفُ الإِجماعَ. فَإِذًا، أُمَّةُ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ مَدَحَها اللهُ تَعالَى بِهٰذَا: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
فَما مَعنى المَعروفِ؟ وَما مَعنى المُنكَرِ؟ هٰذَا سُؤالٌ. وَسُؤالٌ ثانٍ: ما أَعلَى المَعروفِ؟ وَما أَعلَى المُنكَرِ؟ المَعروفُ: كُلُّ ما وافَقَ الكِتابَ وَالسُّنَّةَ فَهُوَ مَعروفٌ. وَكُلُّ ما خالَفَ ذٰلِكَ فَهُوَ مُنكَرٌ. وَقَد يَكونُ المُنكَرُ مَعصِيَةً صَغيرَةً، وَقَد يَكونُ مَعصِيَةً كَبِيرَةً؛ فَلَو فَعَلَ إِنسانٌ شَيئًا وَهُوَ حَرامٌ، فَهُوَ مَعصِيَةٌ، وَالمَعصِيَةُ الصَّغيرَةُ مُنكَرٌ، وَشُربُ الخَمرِ مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَهُوَ مُنكَرٌ أَكبَرُ. فَإِذًا، المَعروفُ كُلُّ ما وافَقَ الكِتابَ وَالسُّنَّةَ. وَأَعلَى المَعروفِ الإِيمانُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَعلَى المُنكَرِ، وَأَشَدُّ المُنكَرِ، وَأَكبَرُ المُنكَرِ، وَأَكبَرُ الظُّلمِ، وَأَشَدُّ الظُّلمِ، هُوَ الكُفرُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ الذَّنبُ الَّذي لا يَغفِرُهُ اللهُ لِمَنِ استَمَرَّ عَلَيهِ حَتّى ماتَ، وَخَرَجَ مِنَ الدُّنيا كافِرًا. فَالَّذي يَخرُجُ مِنَ الدُّنيا كافِرًا، وَالعِياذُ بِاللهِ، لَيسَ لَهُ رَحمَةٌ فِي قَبرِهِ، وَلَا فِي مَواقِفِ يَومِ القِيامَةِ، وَلَا يَشفَعُ لَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ، وَلَا يَشفَعُ لَهُ أَحَدٌ مِنَ الأَنبِياءِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الشُّهَداءِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصّالِحينَ. قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾، أَي: لِمَنِ ارتَضاهُ اللهُ بِأَن ماتَ وَهُوَ مِن أَهلِ لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، ماتَ مُسلِمًا.
فَأَفضَلُ ما يَكونُ فِي الأَمرِ بِالمَعروفِ، وَهُوَ رَأسُهُ، الأَمرُ بِالإِيمانِ. وَأَفضَلُ ما يَكونُ فِي النَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَهُوَ رَأسُهُ، النَّهيُ عَنِ الكُفرِ؛ لِأَنَّ أَعلَى المُنكَرِ الكُفرُ، وَأَعلَى المَعروفِ الإِيمانُ. فَلِذٰلِكَ رَأسُ الأَمرِ بِالمَعروفِ الأَمرُ بِالإِيمانِ، وَرَأسُ النَّهيِ عَنِ المُنكَرِ النَّهيُ عَنِ الكُفرِ. فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى مَدَحَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بِأَنَّها، كَما قالَ سُبحانَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
ثُمَّ مَاذا يَكونُ إِذا تَرَكَتِ الأُمَّةُ هٰذِهِ الوَظيفَةَ؟ مَاذا يَحصُلُ؟ أَمَّا البَلايا الَّتي تُشاهِدونَها، فَهَل تُريدونَ أَن نُعَدِّدَها، أَم هِيَ ظاهِرَةٌ لَنا؟ أَمراضٌ ما كُنّا نَسمَعُ بِها، وَكُلَّ مُدَّةٍ يَظهَرُ مَرَضٌ جَديدٌ، وَنَكَباتٌ، وَمَصائِبُ، وَبَلايا، وَوَيلاتٌ. فَلِماذا؟ وَمِن أَينَ جاءَ هٰذَا؟ اِسمَعُوا قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا». حَتّى عَلَى مُستَواكَ الشَّخصِيِّ، إِذا قُلتَ: أَنا ما لِي بِهٰذا، دَعْهُ يَفعَلُ ما يَشاءُ، وَتَرَكتَ إِنكارَ المُنكَرِ، فَاللهُ تَعالَى أَمَرَ بِأَن نُنكِرَ المُنكَرَ، فَإِذا تَرَكتَ إِنكارَهُ وَقَعَتِ الوَيلاتُ.
وَلِهٰذا سَأَلتَ عَنِ الإِنكارِ بِالقَلبِ؛ فَقَد قالَ ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». وَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا فَهمُ هٰذَا الحَديثِ. فَإِذا كانَ المُنكَرُ مِمّا يَحتاجُ إِزالَتَهُ بِاليَدِ، وَأَنتَ قادِرٌ عَلَى ذٰلِكَ، فَلَم تَفعَلْ، وَاقتَصَرتَ عَلَى اللِّسانِ، فَهٰذَا لَا يَكفِي حَتّى تَسلَمَ مِنَ المَعصِيَةِ. وَإِذا كُنتَ قادِرًا عَلَى الإِنكارِ بِاللِّسانِ، فَاقتَصَرتَ عَلَى الإِنكارِ بِالقَلبِ، فَهٰذَا لَا يَكفِي لِلسَّلامَةِ مِنَ الإِثمِ. فَما مَعنى قَولِهِ ﷺ: «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»؟ فِي أَيِّ حالٍ؟ عِندَ العَجزِ عَنِ الإِنكارِ بِاليَدِ، وَعِندَ العَجزِ عَنِ الإِنكارِ بِاللِّسانِ. فَعِندَئِذٍ يَلزَمُكَ أَن تُنكِرَ بِقَلبِكَ حَتّى تَسلَمَ مِن مَعصِيَةِ تَركِ إِنكارِ المُنكَرِ.
فَإِذا سَمِعتَ إِنسانًا، مَثَلًا، وَأَنتَ جالِسٌ فِي مَجلِسٍ، وَاليَومَ، يا إِخوَةُ، كَثُرَ جِدًّا ما يَنبَغِي الِانتِباهُ مِنهُ، فَتَجِدُ النَّميمَةَ فِي المَجالِسِ، وَهِيَ مِن أَكثَرِ أَسبابِ عَذابِ القَبرِ لِلمُسلِمينَ، مَعَ عَدَمِ الِاستِنزاهِ مِنَ البَولِ؛ أَيِ التَّلَطُّخِ بِهِ. وَالنَّميمَةُ: نَقلُ القَولِ بَينَ المُسلِمينَ بِقَصدِ الإِفسادِ. فَقَد يَجتَمِعُ خَمسَةٌ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ يَخرُجُ واحِدٌ مِنهُم، فَيَقولُ آخَرُ مِنَ الأَربَعَةِ: رَأَيتُم هٰذَا المُصَلِّيَ؟ هُوَ يَفعَلُ كَذا وَكَذا. فَهٰذِهِ نَميمَةٌ. وَإِن لَم يَكُن نَقلُ قَولٍ بِقَصدِ الإِفسادِ، وَلٰكِنَّهُ صارَ يَتَكَلَّمُ عَنهُ فِي غَيبتِهِ بِما يَكرَهُهُ لَو سَمِعَهُ، فَهٰذِهِ غِيبَةٌ. فَإِذا كُنتَ جالِسًا فِي مَجلِسِ غِيبَةٍ، وَصارَ هُناكَ مَن يَغتابُ، كَأَن يَقولَ: فُلانٌ أَولادُهُ لَيسوا عَلَى تَربِيَةٍ صَحيحَةٍ، أَو فُلانٌ زَوجَتُهُ هِيَ الَّتي تُديرُهُ، أَو هِيَ الَّتي تَحكُمُهُ، وَهُوَ لا يَرضى لَو سَمِعَ هٰذَا، فَهٰذِهِ غِيبَةٌ. فَماذا يَلزَمُ الجالِسينَ؟ يَلزَمُهُم أَن يَقولوا لَهُ: اتَّقِ اللهَ، هٰذِهِ غِيبَةٌ، حَرامٌ، اسكُتْ. فَإِن سَكَتَ فَذاكَ، وَإِلّا فَارِقِ المَجلِسَ، وَلَا تَجلِسْ فِي مَجلِسٍ فِيهِ غِيبَةٌ. وَاليَومَ، جَلساتٌ صَباحِيَّةٌ عِندَ بَعضِ النِّساءِ، وَجَلساتٌ مَسائِيَّةٌ عِندَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ، يَجتَمِعونَ عَلَى التَّندُّرِ بِالجِيرانِ: هٰذا فُلانٌ كَذا، وَبَيتُهُ كَذا، وَأَمرُهُ كَذا، وَيَتَكَلَّمونَ فِي خُصوصِيّاتِهِ وَفِي تَفاصيلِهِ. فَهٰذِهِ مُنكَراتٌ، يا إِخوَةُ، هِيَ مُنكَراتٌ. فَإِذا سَمِعتُها، فَواجِبِيَ الدِّينِيُّ أَن أُنكِرَها. وَإِلّا، فَإِذا سَكَتُّ مَعَ القُدرَةِ عَلَى الإِنكارِ، وَقَعتُ فِي مَعصِيَةِ تَركِ إِنكارِ المُنكَرِ. وَلا يَكفِي فِي هٰذِهِ الحالَةِ أَن يَقولَ الإِنسانُ: أَنا أَنكَرتُ بِقَلبي. لَا، يا أَخِي، أَنتَ قادِرٌ عَلَى أَن تُنكِرَ بِلِسانِكَ، فَلَا يَكفِي قَلبُكَ لِلسَّلامَةِ مِنَ الإِثمِ. أَمّا إِذا عَجَزتَ، كَأَن تَرى أَنَّ هٰذَا الإِنسانَ لَا يَتَقَبَّلُ، وَأَنَّكَ إِن تَكَلَّمتَ ازدادَ، فَهٰهُنا تُنكِرُ بِقَلبِكَ، وَتَسلَمُ مِنَ المَعصِيَةِ. أَمّا أَن تَقولَ: أَنا أَنكِرُ بِقَلبي، وَأَنا قادِرٌ عَلَى الإِنكارِ بِيَدِي أَو بِلِساني، فَهٰذَا لا يَكفِي.
وَقَولُهُ ﷺ: «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» لَا مَعنى لَهُ أَنَّ إِيمانَهُ ضَعيفٌ مِن حَيثُ الحُكمِ عَلَيهِ، بَل مَعناهُ: أَنَّهُ أَقَلُّ ما يَلزَمُهُ عِندَ العَجزِ. فَمَثَلًا: أَنتَ ماشٍ فِي الطَّريقِ، فَرَأَيتَ مُنكَرًا مِنَ المُنكَراتِ، فَإِن كُنتَ قادِرًا عَلَى أَن تَنزِلَ، وَتُزِيلَ هٰذَا المُنكَرَ بِيَدِكَ، فَافعَلْ. مَثَلًا: رَأَيتَ فِي المُستَقذَرِ وَرَقَةً عَلَيها اسمُ اللهِ تَعالَى، فَيَلزَمُكَ أَن تَرفَعَها، وَأَجرُكَ عَظيمٌ عِندَ اللهِ تَعالَى. أَو وَجَدتَ أَوراقًا مِنَ المُصحَفِ فِي القُمامَةِ، أَو وَرَقًا مِن كُتُبِ الشَّرعِ فِي القُمامَةِ، فَإِن كُنتَ قادِرًا عَلَى رَفعِها، وَجَبَ عَلَيكَ رَفعُها، وَهٰذَا مِن تَعظيمِ شَعائِرِ اللهِ، وَهٰذَا مِن إِنكارِ المُنكَرِ. وَإِذا مَرَرتَ فِي الطَّريقِ، وَسَمِعتَ شابًّا يَسبُّ اللهَ، وَالعِياذُ بِاللهِ، فَما الَّذي يَلزَمُكَ؟ يَلزَمُكَ أَن تُنكِرَ عَلَيهِ، وَلَا تَسكُتَ. وَقَد حَدَّثَنِي رَجُلٌ فِي مَدينَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ لَمّا نَزَلَ بِهِ بَلاءٌ مِنَ البَلاءِ قالَ: كَفَرتُ بِاللهِ! فَهَل يَجوزُ لَكَ أَن تَسكُتَ؟ لَا. بَل تَجِبُ عَلَيكَ إِنكارُ هٰذَا المُنكَرِ، وَخُصوصًا إِذا كانَ المُنكَرُ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ.
فَإِذا سَكَتَّ، فَقَد يَدخُلُكَ مَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَولِهِ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا». فَقَد يُعَجِّلُ اللهُ البَلاءَ، عامًّا أَو خاصًّا، وَيُعَجِّلُ العُقوبَةَ عَلَى العِبادِ، فَيَبتَلِيهِم بِأَمراضٍ ما كانَت تُعرَفُ مِن قَبلُ، تَنبيهًا لَهُم، وَزَجرًا لَهُم، وَجَزاءً عَلَى تَقصيرِهِم فِي الأَمرِ بِالمَعروفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.
وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيمانَ هُوَ أَصلُ كُلِّ خَيرٍ، وَهُوَ الشَّرطُ فِي قَبولِ العَمَلِ الصّالِحِ. فَحَتّى يُعَدَّ الإِنسانُ شَهيدًا لا بُدَّ أَن يَكونَ مُؤمِنًا؛ فَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِيمانِ، فَهٰذا لا يُسَمَّى شَهيدًا، وَلا يَقبَلُ اللهُ تَعالَى مِنهُ صَلاةً، وَلا صِيامًا، وَلا أَيَّ عَمَلٍ مِنَ الأَعمالِ الصّالِحَةِ، إِن لَم يَكُن مُؤمِنًا. وَلِذٰلِكَ فَأَعظَمُ نِعمَةٍ عَلَينا، وَاللهِ، مَهما فَعَلوا بِنا، وَمَهما أَصابوا مِنّا، هِيَ نِعمَةُ الإِيمانِ. فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلَى نِعمَةِ الإِيمانِ. وَهٰذِهِ الدُّنيا كُلُّها فانِيَةٌ، وَهُم فانُونَ، وَالدُّنيا كُلُّها فانِيَةٌ، وَعُدَّتُهُم، وَسِلاحُهُم، وَدَبّاباتُهُم، وَأَحلافُهُم، وَأَحزابُهُم، كُلُّ ذٰلِكَ إِلَى فَناءٍ وَزَوالٍ.
فَهٰذِهِ الدُّنيا، وَإِن بَدَت طَويلَةً، فَهِيَ قَصيرَةٌ، وَسَتَذهَبُ. فَإِذًا، المُحافَظَةُ عَلَى الإِيمانِ بِاللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى هِيَ الأَصلُ. وَمَهما حَصَلَ، فَالواجِبُ التَّسليمُ بِقَضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ. يا إِخوَةُ، مَعَ هٰذِهِ الِابتِلاءاتِ، وَمَعَ هٰذِهِ المَصائِبِ، وَمَعَ هٰذِهِ النَّكَباتِ، وَكَما جاءَ فِي الحَديثِ، إِذا أُصيبَ المُسلِمُ بِمُصيبَةٍ فَلْيَستَرجِعْ، وَلْيَقُلْ كَما أُمِرَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا.
فَإِذًا، ما دامَ فِي هٰذِهِ الأُمَّةِ إِيمانٌ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَما دامَ فِيها إِنكارٌ لِلمُنكَرِ، وَتَمَسُّكٌ بِالدِّينِ، فَحالُها إِلَى خَيرٍ. وَلِذٰلِكَ لَنْ نَيأَسَ مِن رَحمَةِ اللهِ، لَنْ نَيأَسَ مِن رَحمَةِ اللهِ. فَاللهُ تَعالَى يُرسِلُ النَّصرَ، وَيَجعَلُ الأَسبابَ مِن حَيثُ لا نَحتَسِبُ، كَما قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾. قَد يَأتي الفَرَجُ مِن حَيثُ لا يَدري العَبدُ. فَإِذا نَظَرنا إِلَى الأَسبابِ الظّاهِرَةِ الَّتي حَولَنا، رَأَينا المَشهَدَ غايَةً فِي الصُّعوبَةِ، وَلٰكِنَّ الفَرَجَ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.
وَلِأَهَمِّيَّةِ أَمرِ الإِيمانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ إِنَّما كانَت خَيرِيَّتُها بِذٰلِكَ، مَعَ أَنَّهُم كانوا قَبلَ ذٰلِكَ قَبائِلَ مُتَناحِرَةً، حَتّى القَبائِلُ العَرَبِيَّةُ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ كانَت مُتَناحِرَةً، بَل حَتّى داخِلَ البُطونِ العَرَبِيَّةِ نَفسِها كانَ يُوجَدُ تَناحُرٌ. فَما الَّذي جَمَعَهُم؟ الَّذي جَمَعَهُم هُوَ الإِسلامُ. وَالَّذينَ كانوا فِي المَدِينَةِ، بَعدَ أَن كانوا أَوسًا وَخَزرَجًا مُتَناحِرِينَ، ماذا صاروا؟ صاروا أَنصارًا مُوَحَّدِينَ. وَصارَ هُناكَ مُهاجِرونَ وَأَنصارٌ، جَمَعَهُمُ اللهُ تَعالَى عَلَى الإِيمانِ.
وَلِذٰلِكَ، بَعدَ هٰذَا المَوضِعِ فِي الآيَةِ الكَريمَةِ، جاءَتِ الدَّعوَةُ لِأَهلِ الكِتابِ أَن يُؤمِنوا، فَقالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. وَمَعنى ذٰلِكَ: أَنَّهُم لَيسوا مُؤمِنينَ. فَإِذًا، مَعنى «أَهْلُ الْكِتَابِ» لَيسَ أَنَّهُم مُؤمِنونَ، بَلِ المَعنى: أَنَّهُم يَنتَسِبونَ إِلَى كِتابٍ. فَيَنتَسِبُ النَّصارى إِلَى عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَإِلَى الإِنجيلِ، وَيَنتَسِبُ اليَهودُ، وَهُمُ المَغضوبُ عَلَيهِم، إِلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَإِلَى التَّوراةِ. وَلٰكِنَّ الَّذي بِأَيديهِم مُحَرَّفٌ، وَالمُحَرَّفُ لَيسَ مُقَدَّسًا، وَهٰذَا المُحَرَّفُ لَيسَ شَرعَ مُوسَى، بَل هُوَ مِن وَضعِهِم. وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أَي: لَكانَ أَفضَلَ لَهُم أَن يُؤمِنوا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَبَعضُ النّاسِ يَقَعُ عِندَهُ خَلطٌ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ، فَيَقولُ: أَلَيسَ اللهُ سَمّاهُم أَهلَ الكِتابِ؟ فَنَقولُ: اِقرَأِ الآيَةَ: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. فَمَعناهُ: أَنَّ الَّذي لَم يُؤمِنْ فَلَيسَ ذٰلِكَ خَيرًا لَهُ. فَتَسْمِيَتُهُم أَهلَ الكِتابِ مَعناها: مَن يَنتَسِبونَ إِلَى الكِتابِ، لا أَنَّهُم مُؤمِنونَ عَلَى الحَقِّ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. أَي: مِنهُم مَن آمَنَ، وَلٰكِنَّ أَكثَرَهُمُ الفاسِقونَ. وَالفاسِقونَ هٰهُنا بِمَعنى الكافِرينَ؛ فَفِي أَكثَرِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ يَكونُ المُرادُ بِالفاسِقينَ: الكافِرينَ، وَإِن كانَ الفِسقُ قَد يَأتي أَحيانًا عَلَى مَعنى المَعصِيَةِ الكَبِيرَةِ الَّتي دُونَ الكُفرِ، وَلٰكِنَّ الأَكثَرَ فِي آياتِ الكِتابِ أَنَّ الفاسِقينَ هُمُ الكافِرونَ. فَقَولُهُ: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَي: مِنهُم مَن آمَنَ، كَأَمثالِ عَبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذي أَسلَمَ. وَلٰكِنَّ أَكثَرَهُم لَم يُؤمِنوا، وَأَكثَرَهُم فاسِقونَ.
وَعَبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كانَ اسمُهُ الحُصَينَ، وَكانَ مِن أَحبارِ اليَهودِ، وَكانَ يَسمَعُ عَن عَلاماتِ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ؛ فَإِنَّهُ كانَ مَعروفًا عِندَ بَنِي إِسرائيلَ وَصفُ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ. وَمِن أَينَ جاءَ هٰذَا؟ جاءَ مِن أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مِن أَنبِياءِ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالَى بَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَخَذَ العَهدَ وَالميثاقَ عَلَى قَومِهِ: إِن ظَهَرَ فِيكُم مُحَمَّدٌ ﷺ فَآمِنوا بِهِ وَانصُروهُ. فَكُلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِياءِ أَخَذَ العَهدَ وَالميثاقَ عَلَى أُمَّتِهِ، لِيَدُلَّنا ذٰلِكَ عَلَى عَظيمِ شَرَفِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذي بِهِ نالَت هٰذِهِ الأُمَّةُ خَيرِيَّتَها. فَكُلٌّ بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَمِن ثَمَّ كانَتِ الأَخبارُ، حَتّى قَبلَ مَولِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، تَدورُ: سَيُولَدُ مَولودٌ، هُوَ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمانِ، وَمِن عَلَاماتِهِ أَن يَظهَرَ نَجمٌ فِي السَّماءِ يَومَ مَولِدِهِ. وَهٰكَذا سَمِعوا، وَتَناقَلوا، وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمّا ظَهَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ قالوا: إِن نَحنُ صَدَّقنا بِهِ خَرَجَتِ النُّبُوَّةُ مِن وُلدِ داوُدَ. فَكَفَروا بِهِ، مَعَ أَنَّهُم يَعرِفونَهُ، بَل يَعرِفونَهُ كَما يَعرِفونَ أَبناءَهُم، وَيَعرِفونَ أَنَّهُ رَسولُ اللهِ. فَالعَلاماتُ الَّتي كانَت عِندَهُم فِي نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ رَأَوها، وَعَرَفوا، وَتَحَقَّقوا أَنَّها فِي أَوصافِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَحَتّى قَبلَ أَن يُولَدَ ﷺ كانوا فِيما بَينَهُم يَقولونَ: يُوشِكُ أَن يَظهَرَ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمانِ. وَلٰكِن لَمّا جاءَ، هٰذا شَأنُ اليَهودِ، حَسَدوهُ، وَحَقَدوا عَلَيهِ، وَبَغَوا عَلَيهِ، وَحاوَلوا أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ قَتلَ نَبِيِّنا ﷺ.
وَاليَهودُ أَكثَرُ مَن حَرَّضَ عَلَى قِتالِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ الأَحزابِ. فَهُمُ الَّذينَ حَشَدوا أَكبَرَ حَشدٍ عَسكَرِيٍّ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ عَلَى مُستَوى الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَهُم عَشَرَةُ آلَافٍ، وَانضَمَّ إِلَيهِم المُشرِكونَ، وَكانَ ذٰلِكَ بِتَحريضِ يَهودِ بَنِي قُرَيظَةَ، وَبَنِي النَّضيرِ، وَأَحلافِهِم. وَكانوا يَمضونَ يَقولونَ: اجتَمِعوا لِحَربِ مُحَمَّدٍ، اجتَمِعوا لِقِتالِ مُحَمَّدٍ. فَهُم أَنفُسُهُم مَن كانَ يُبَشِّرُ بِهِ، فَلَمّا جاءَ حارَبوهُ وَقاتَلوهُ. وَهٰذَا شَأنُهُم.
وَلِشِدَّةِ ما فَعَلوا يَومَ الأَحزابِ، لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأَحزابِ مَنصورًا، وَأَرادَ أَن يَضَعَ سِلاحَ الحَربِ، جاءَهُ جِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ، عِندَ البابِ المَعروفِ اليَومَ فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِـ«بابِ جِبريلَ»، فَقالَ لَهُ: لا تَضَعْ لِباسَ الحَربِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَى أَمَرَنِي، وَأَمَرَ المَلائِكَةَ، أَلّا نَضَعَ لِباسَ الحَربِ حَتّى نَذهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيظَةَ. فَتَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَهودِ فِي بَنِي قُرَيظَةَ، وَقالَ لِلمُسلِمينَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ».
وَقَبلَ ذٰلِكَ كانَ الحِصارُ عَلَى المَدِينَةِ شَديدًا. فَالأَحزابُ كانوا يُحاصِرونَ المَدِينَةَ مِن ناحِيَةِ الخَندَقِ، فِي المَوضِعِ الَّذي يُعرَفُ اليَومَ بِالقُربِ مِنَ المَساجِدِ السَّبعَةِ، وَكانوا يُحيطونَ بِالمَدِينَةِ، فَلا يَدخُلُ إِلَيهِم طَعامٌ. وَحَتّى إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِي ناحِيَةٍ فِي كَهفٍ يُقالُ لَهُ: كَهفُ بَنِي حَرامٍ، وَهُوَ قَريبٌ مِنَ المَساجِدِ السَّبعَةِ، وَفِيهِ غارٌ مَعرُوفٌ إِلَى اليَومِ، يُقالُ لَهُ: غارُ السَّجدَةِ. وَفِيهِ وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وَيَدعو عَلَى الأَحزابِ، وَأَطالَ السُّجودَ حَتّى ظَنَّ بَعضُ الصَّحابَةِ أَنَّهُ قَد ماتَ، مِن شِدَّةِ ما أَطالَ فِي السُّجودِ. ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ جاءَ النَّصرُ، فَسُمِّيَ ذٰلِكَ الغارُ: غارَ السَّجدَةِ، أَي مَوضِعَ سَجدَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ. وَلا يَزالُ هٰذَا المَوضِعُ مَحفوظًا إِلَى يَومِنا هٰذَا. وَفِيهِ مَوْضِعٌ شَكَوا فِيهِ مِن قِلَّةِ الماءِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي مَوضِعٍ مِنَ الصَّخرِ، وَأَنا رَأَيتُ هٰذَا المَوضِعَ، فَصَارَ الماءُ يَنبَعُ مِنهُ، بَل وَصارَ الماءُ يَصعَدُ صُعودًا فِي الجَبَلِ، مَعَ أَنَّ العادَةَ أَن يَنزِلَ الماءُ مِن فَوقُ إِلَى تَحتَ، وَهُنا صارَ الماءُ يَصعَدُ مِن تَحتُ إِلَى فَوقُ. وَهٰذَا المَوضِعُ لا يَزالُ مَحفوظًا إِلَى الآنَ.
فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ، مَعَ هٰذَا الحِصارِ الشَّديدِ، يَلجَأُ إِلَى اللهِ. نَعَم، كانَ الحِصارُ، وَكانَ الجوعُ، وَتَأَثَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِن شِدَّةِ الجوعِ، فَرَأَى جابِرٌ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنهُ أَثَرَ الجوعِ فِي رَسولِ اللهِ ﷺ، فَذَهَبَ إِلَى زَوجَتِهِ، وَقالَ لَها: نَدعو رَسولَ اللهِ ﷺ. فَقالَت: ما عِندَنا إِلّا شُوَيَّهٌ؛ أَي شاةٌ صَغيرَةٌ جِدًّا. فَقالَ: أَعِدِّي الطَّعامَ. فَلَمّا صارَ الطَّعامُ جاهِزًا، أَرسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذا بِرَسولِ اللهِ ﷺ يَدعو الجَيشَ بِأَكمَلِهِ إِلَى شُوَيَّهِ جابِرٍ! فَدَخَلَ جابِرٌ عَلَى زَوجَتِهِ، فَقالَت: كَم جاءَ؟ قالَ: جاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ مَعَ الجَيشِ. فَقالَت: ما فَعَلتَ يا جابِرُ؟ ثُمَّ استَدرَكَت، فَقالَت: هَل رَسولُ اللهِ ﷺ يَعلَمُ أَنَّ عِندَنا شُوَيَّهً فَقَط؟ قالَ: نَعَم. فَسَلَّمَت، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ عِندَهُم بُرمَةٌ، كَالْقِدرِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِيها، وَصارَ يُخرِجُ الطَّعامَ حَتّى أَطعَمَ الجَيشَ كُلَّهُ مِن بُرمَةٍ واحِدَةٍ.
ثُمَّ جَعَلَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى النَّصرَ لِلمُسلِمينَ. فَكَما جَعَلَ اللهُ الأَوسَ وَالخَزرَجَ بَعدَ التَّناحُرِ إِخوَةً وَأَنصارًا، وَجَعَلَ بَينَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَحدَةً، كَذٰلِكَ هُوَ سُبحانَهُ القادِرُ عَلَى أَن يَجمَعَ القُلوبَ عَلَى الإِيمانِ، وَيَجعَلَ النَّصرَ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ، ما دامَت مُتَمَسِّكَةً بِالإِيمانِ بِاللهِ، آمِرَةً بِالمَعروفِ، ناهِيَةً عَنِ المُنكَرِ. فَبِالإِيمانِ عَزُّها، وَبِالإِيمانِ نَجاتُها، وَبِالإِيمانِ خَيرِيَّتُها، وَبِالإِيمانِ يَكونُ خَيرُها فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.