بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)﴾
﴿يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الخَيراتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٤]
﴿يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]
يُبَيِّنُ اللهُ تَعالى فِي هٰذِهِ الآيَةِ صِفاتِ مَن آمَنَ مِن أَهلِ الكِتابِ، وَيَذكُرُ فِي مُقَدِّمَةِ هٰذِهِ الصِّفاتِ إِيمانَهُم بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ؛ لِأَنَّ الإِيمانَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالإِيمانَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، شَرطٌ فِي قَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ عِندَ اللهِ تَعالى. فَمَن كَفَرَ بِاللهِ تَعالى، فَإِنَّ أَعمالَهُ، مَهما كَثُرَت، لَا تَنفَعُهُ فِي الآخِرَةِ، بَل تَكونُ كَرَمادٍ اشتَدَّت بِهِ الرِّيحُ فِي يَومٍ عاصِفٍ، فَلَا يَبقى لَهُ مِنها شَيءٌ.
أَمَّا مَن آمَنَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَد يَرفَعُهُ اللهُ تَعالى فِي وَقتٍ يَسِيرٍ إِلى مَقامٍ عَظِيمٍ. وَقَد جاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ساحَةِ القِتالِ، وَكانَ قَبلَ ذٰلِكَ مِنَ المُشرِكِينَ، وَإِنَّما أَثارَتهُ الحَمِيَّةُ لِقَومِهِ لَمّا سَمِعَ أَنَّ قَومًا يُرِيدُونَ قِتالَ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَرَجَ شاهِرًا سَيفَهُ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، أَأُسلِمُ أَم أُقاتِلُ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَسلِم». فَتَشَهَّدَ وَدَخَلَ فِي الإِسلامِ، ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا».
فَهٰذا الرَّجُلُ لَم يُدرِك مِنَ العَمَلِ إِلَّا النُّطقَ بِالشَّهادَتَينِ، ثُمَّ جاهَدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنالَ شَهادَةَ المَعرَكَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ. لَم يُصَلِّ، وَلَم يَصُم، وَلَم يُزَكِّ، وَلَم يَحُجَّ؛ لِأَنَّهُ أَسلَمَ ثُمَّ قُتِلَ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ القَصِيرِ، فَأَرادَ اللهُ تَعالى بِهِ خَيرًا، وَخَتَمَ لَهُ بِالإِسلامِ، بَل خَتَمَ لَهُ بِالشَّهادَةِ. وَكَم مِن أُناسٍ يَتَمَنَّونَ شَهادَةَ المَعرَكَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا يَنالُونَها، وَاللهُ تَعالى يُعطِي فَضلَهُ مَن يَشاءُ.
وَفِي هٰذا تَعلِيمٌ عَظِيمٌ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ أَنَّ الإِسلامَ أَوَّلًا، فَمَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ فَلَا يَنفَعُهُ عَمَلٌ فِي الآخِرَةِ حَتّى يُسلِمَ، وَمَن أَرادَ النَّجاةَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الدُّخولِ فِي الإِسلامِ. وَإِذا ماتَ الإِنسانُ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، فَلَا يَكونُ شَهِيدًا عِندَ اللهِ تَعالى، وَلَا يَقبَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن عَمَلِهِ شَيئًا.
وَأَمَّا شَهِيدُ المَعرَكَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ تُجرى عَلَيهِ أَحكامُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنيا؛ فَيُكَفَّنُ فِي ثِيابِهِ، وَيُدفَنُ مِن غَيرِ غَسلٍ وَلَا صَلاةٍ عَلَيهِ عَلَى مَذهَبِ الإِمامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى طَهَّرَهُ بِالشَّهادَةِ. أَمَّا مَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، فَلَو قاتَلَ وَماتَ فِي القِتالِ فَلَا يُسَمّى شَهِيدًا شَرعًا، وَلَا يَقبَلُ اللهُ تَعالى مِنهُ عَمَلًا.
وَلِذٰلِكَ لَمّا بَيَّنَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى أَنَّ أَهلَ الكِتابِ لَيسُوا سَواءً، ذَكَرَ أَعظَمَ أَوصافِ مَن آمَنَ مِنهُم، فَقالَ: ﴿يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾، فَالإِيمانُ بِاللهِ تَعالى، وَالتَّصدِيقُ بِاليَومِ الآخِرِ، أَصلُ صَلاحِ العَبدِ، وَأَساسُ قَبُولِ عَمَلِهِ.
﴿وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]
المَعرُوفُ هُوَ كُلُّ ما عَرَّفَ الشَّرعُ حُسنَهُ وَدَعا إِلَيهِ، وَأَعظَمُهُ الإِيمانُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ سائِرُ أَبوابِ البِرِّ وَالطّاعَةِ؛ فَالصَّلاةُ مَعرُوفٌ، وَالزَّكاةُ مَعرُوفٌ، وَالصَّدَقَةُ مَعرُوفٌ، وَإِغاثَةُ المَلهُوفِينَ مَعرُوفٌ، وَنُصرَةُ أَهلِنا وَإِخوانِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مَعرُوفٌ عَظِيمٌ، وَالدُّعاءُ لَهُم وَالسَّعيُ فِي نَفعِهِم مِن أَبوابِ المَعرُوفِ. وَلٰكِنَّ أَعظَمَ المَعرُوفِ وَأَفضَلَ البِرِّ عَلَى الإِطلاقِ هُوَ الإِيمانُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفضَلُ الأَعمالِ إِيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ».
وَأَمَّا المُنكَرُ فَهُوَ كُلُّ ما أَنكَرَهُ الشَّرعُ وَحَذَّرَ مِنهُ، وَأَعظَمُ المُنكَرِ الكُفرُ بِاللهِ تَعالى. وَقَد وَقَعَ اليَهُودُ فِي أَكبَرِ المُنكَراتِ بِكُفرِهِم بِاللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، ثُمَّ إِذا وَقَعَ الكافِرُ فِي المُحَرَّماتِ ازدادَ إِثمًا، وَازدادَ عَذابُهُ فِي نارِ جَهَنَّمَ إِن ماتَ عَلَى ذٰلِكَ. وَمِن كُفرِهِم أَنَّهُم قالُوا: إِنَّ عُزَيرًا ابنُ اللهِ، وَمَن قالَ إِنَّ للهِ وَلَدًا فَقَد أَشرَكَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَد نَصَّ اللهُ تَعالى عَلَى بَراءَةِ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ مِنَ اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرانِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ما كانَ إِبراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصرانِيًّا وَلٰكِن كانَ حَنِيفًا مُسلِمًا وَما كانَ مِنَ المُشرِكِينَ ٦٧﴾ [آل عمران: ٦٧]. فَفِي هٰذِهِ الآيَةِ إِبطالٌ لِما يُرَوِّجُهُ بَعضُ النّاسِ مِن أَنَّ اليَهُودَ عَلَى دِينِ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَإِبراهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ بَرِيءٌ مِنهُم، وَيَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلامُ بَرِيءٌ مِنهُم، وَإِسحاقُ عَلَيهِ السَّلامُ بَرِيءٌ مِنهُم، وَيُوسُفُ عَلَيهِ السَّلامُ بَرِيءٌ مِنهُم، وَالأَنبِياءُ كُلُّهُم بُرَآءُ مِمَّا هُم عَلَيهِ مِن كُفرٍ وَإِشراكٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلٰكِن كانَ حَنِيفًا مُسلِمًا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ كانَ مُسلِمًا، وَأَنَّهُ كانَ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إِلى الحَقِّ، كَما أَنَّ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ مُسلِمٌ، وَعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ مُسلِمٌ، وَسائِرَ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ السَّلامُ عَلَى دِينِ الإِسلامِ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي آيَةٍ أُخرى: ﴿وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ جاءَ فِي سِياقِ بَيانِ صِفاتِ مَن آمَنَ مِن أَهلِ الكِتابِ، أَي إِنَّهُم بَعدَ أَن آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وَصَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، صارُوا يَأمُرُونَ غَيرَهُم بِالإِيمانِ وَسائِرِ أَبوابِ البِرِّ، وَيَنهَونَ عَنِ الكُفرِ وَالمَعاصِي. فَهٰذِهِ الصِّفاتُ تُمَيِّزُهُم عَمَّن بَقِيَ عَلَى كُفرِهِ، فَهُم يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَيَتلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ وَهُم يَسجُدُونَ، وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ، وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ.
وَمِنَ المَسائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِكرِ الشَّهادَةِ أَنَّ شَهِيدَ المَعرَكَةِ لا يُصَلّى عَلَيهِ عَلَى مَذهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، بَل يُكَفَّنُ فِي ثِيابِهِ وَيُدفَنُ. وَأَمَّا غَيرُ شَهِيدِ المَعرَكَةِ، كَمَن ماتَ تَحتَ الهَدمِ، أَو قُتِلَ ظُلمًا، أَو ماتَ بِالغَرَقِ، أَو بِالحَرَقِ، أَو بِمَرَضِ البَطنِ، فَهٰذا لَهُ حُكمُ الشَّهيدِ فِي الأَجرِ، وَلٰكِنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلّى عَلَيهِ، وَيُدفَنُ.
وَقَد وَقَعَ الخِلافُ بَينَ الأَئِمَّةِ فِي الصَّلاةِ عَلَى شَهِيدِ المَعرَكَةِ، وَمِن أَدلَّةِ مَن قالَ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ ما وَرَدَ فِي شَأنِ سَيِّدِنا حَمزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، لَمّا استُشهِدَ يَومَ أُحُدٍ، وَكانَ قَد مُثِّلَ بِهِ، فَبُقِرَ بَطنُهُ، وَجُدِعَ أَنفُهُ، وَقُطِعَت أُذُنُهُ، وَمُثِّلَ بِغَيرِهِ مِنَ المُسلِمِينَ. وَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِ وَبَكى، وَقِيلَ إِنَّهُ صَلّى عَلَيهِ. فَحَمَلَ الشَّافِعِيَّةُ ذٰلِكَ عَلَى الدُّعاءِ؛ لِأَنَّ الصَّلاةَ مِن مَعانِيها الدُّعاءُ. وَقِيلَ: بَل صَلّى عَلَيهِ صَلاةَ الجَنازَةِ. فَهٰذا مَوضِعُ خِلافٍ بَينَ أَهلِ العِلمِ، فَمَن صَلّى عَلَى شَهِيدِ المَعرَكَةِ فَقَد قالَ بِقَولِ بَعضِ الأَئِمَّةِ، وَمَن تَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيهِ عَلَى مَذهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فَقَد قالَ بِقَولٍ مُعتَبَرٍ، وَاللهُ تَعالى أَغناهُ بِالشَّهادَةِ عَن غَسلِ النّاسِ وَصَلاتِهِم.
وَأَمَّا شُهَداءُ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، فَكَثِيرٌ مِنهُم قُتِلُوا ظُلمًا، أَو ماتُوا تَحتَ الهَدمِ، أَو قُتِلُوا وَهُم فِي بُيُوتِهِم، أَو فِي المُستَشفَياتِ، أَو فِي الطُّرُقاتِ، فَهٰؤُلاءِ شُهَداءُ بِإِذنِ اللهِ تَعالى، لَهُم أَجرُ الشَّهادَةِ، وَيُصَلّى عَلَيهِم إِذا تَمَكَّنَ المُسلِمُونَ مِن ذٰلِكَ، وَيُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدفَنُونَ عَلَى حَسبِ القُدرَةِ وَالاستِطاعَةِ. نَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَرحَمَ شُهَداءَ المُسلِمِينَ، وَأَن يَتَقَبَّلَهُم فِي الشُّهَداءِ الصَّالِحِينَ.
﴿وَيُسارِعُونَ فِي الخَيراتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]
مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الخَيراتِ﴾ أَنَّهُم يُبادِرُونَ إِلَى أَبوابِ الطّاعَةِ وَالبِرِّ، خَشيةَ الفَوتِ وَحُبًّا فِيما عِندَ اللهِ تَعالى. فَمَن رَغِبَ فِي أَمرٍ سارعَ إِلَيهِ، وَمَن صَدَقَت رَغبَتُهُ فِي الآخِرَةِ بادرَ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَم يُؤَخِّرهُ وَلَم يَتَباطَأ عَنهُ.
وَمِن حالِ المُؤمِنِ الطّائِعِ أَنَّهُ إِذا أَصبَحَ قالَ فِي نَفسِهِ: مَن يَدرِي هَل أَعيشُ إِلَى المَساءِ؟ فَإِذا كانَ عِندَهُ مالٌ فِي خِزانَتِهِ أَو صُندُوقِهِ أَو جَيبِهِ، قالَ: لِمَ لا أُبادِرُ إِلَى إِنفاقِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ وَمَن يَضمَنُ لِي أَن تَغرُبَ الشَّمسُ وَأَنا عَلَى وَجهِ الأَرضِ؟ فَيَدفَعُهُ ذٰلِكَ إِلَى الصَّدَقَةِ وَالبِرِّ وَالإِحسانِ.
وَقَد مَرَّ الإِمامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ فِي غَزَّةَ عَلَى قَولٍ، وَقِيلَ وُلِدَ فِي عَسقَلانَ، ثُمَّ دَارَ فِي بِلادٍ كَثِيرَةٍ طَلَبًا لِلعِلمِ، حَتّى وَصَلَ إِلَى العِراقِ، ثُمَّ استَقَرَّ آخِرَ أَمرِهِ فِي مِصرَ وَتُوُفِّيَ بِها سَنَةَ أَربَعٍ وَمِئَتَينِ، فَمَرَّ فِي رِحلَةٍ لَهُ إِلى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، وَجاءَهُ مالٌ كَثِيرٌ مِنَ الدَّنانِيرِ قَبلَ أَن يَدخُلَ مَكَّةَ، فَقالَ: لا أَدخُلُ مَكَّةَ حَتّى أُوَزِّعَ هٰذا المالَ. فَنَصَبَ خَيمَةً، وَجَلَسَ يُعطِي كُلَّ مَن مَرَّ بِهِ، فَلَم يَقُم مِن مَجلِسِهِ حَتّى فَرَّقَ المالَ كُلَّهُ. فَهٰذا مِن صُوَرِ المُسارَعَةِ فِي الخَيراتِ.
وَإِذا كانَ اللهُ تَعالى قَد ذَكَرَ هٰذِهِ الصِّفَةَ فِي سِياقِ التَّفرِيقِ بَينَ مَن آمَنَ مِن أَهلِ الكِتابِ وَمَن لَم يُؤمِن، فَإِنَّ ذٰلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِن عَلاماتِ المُؤمِنِ الصّادِقِ أَنَّهُ لَا يَتَباطَأ عَنِ الطّاعاتِ، وَلَا يُشاكِلُ أَهلَ النِّفاقِ، وَلَا مَن أَعرَضَ عَن دِينِ اللهِ تَعالى. بَل يُبادِرُ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَيُسارِعُ إِلَى الصَّلاةِ، وَيَغتَنِمُ أَوقاتَ الخَيرِ قَبلَ أَن تُدرِكَهُ المَنِيَّةُ.
وَمِن ذٰلِكَ أَنَّ المُؤمِنَ إِذا سَمِعَ الأَذانَ أَسرَعَ إِلَى الصَّلاةِ، وَكانَ حالُهُ كَما جاءَ فِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ لِبِلالٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَرِحنا بِها يا بلالُ». فَلَيسَ مِن شَأنِ المُؤمِنِ الطّائِعِ أَن يُفَوِّتَ الجَماعَةَ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ يُؤَخِّرَ الصَّلاةَ حَتّى يَقتَرِبَ آخِرُ الوَقتِ. بَل مِن عَلامةِ صِدقِهِ أَنَّهُ يُبادِرُ إِلَى الطّاعَةِ.
وَمِن صُوَرِ المُسارَعَةِ فِي الخَيراتِ التَّبكِيرُ إِلَى صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَالمَلائِكَةُ تَكونُ عَلَى أَبوابِ المَساجِدِ تَكتُبُ مَن يَدخُلُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، فَيَنالُ المُبَكِّرُ أَجرًا عَظِيمًا، كَأَجرِ مَن تَصَدَّقَ بِبَدَنَةٍ، ثُمَّ كَمَن تَصَدَّقَ بِبَقَرَةٍ، ثُمَّ كَمَن تَصَدَّقَ بِكَبشٍ، ثُمَّ كَمَن تَصَدَّقَ بِدَجاجَةٍ، ثُمَّ كَمَن تَصَدَّقَ بِبَيضَةٍ، عَلَى حَسبِ تَقدُّمِهِ وَتَبكِيرِهِ.
وَمِن أَجلِّ صُوَرِ المُسارَعَةِ فِي الخَيراتِ إِغاثَةُ الإِخوانِ المَلهُوفِينَ، وَنُصرَةُ المُستَضعَفِينَ، وَبَذلُ ما يُستَطاعُ لِأَهلِ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، فَمَن يَرى قَتلَى المُسلِمِينَ، وَجِراحَ أَطفالِهِم، وَهَدمَ بُيُوتِهِم، ثُمَّ يَبقى مُقِيمًا عَلَى الرَّقصِ وَاللَّهوِ وَالضَّحِكِ وَالمَعاصِي، ثُمَّ يَعتَذِرُ بِأَنَّ الحَياةَ لا بُدَّ أَن تَستَمِرَّ، فَقَد غَفَلَ عَن مَعنى الأُخُوَّةِ الإِيمانِيَّةِ، وَقَسَت قَلبُهُ عَن آلامِ إِخوانِهِ.
إِنَّ المُؤمِنَ قَد يَرى دابَّةً مَدهُوسَةً فِي الطَّرِيقِ فَيَتَأَلَّمُ لِذٰلِكَ وَيَبقى يَذكُرُها، فَكَيفَ يَليقُ بِمَن يَرى إِخوانَهُ وَأَهلَهُ يُقتَلُونَ، وَالأَطفالَ يُيَتَّمُونَ، وَالنِّساءَ تُرمَّلُ، وَالبُيُوتَ تُهدَمُ، ثُمَّ لَا تَتحَرَّكُ فِي قَلبِهِ غَيرَةٌ وَلَا رَحمَةٌ؟ وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّما المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. فَالأُخُوَّةُ الإِيمانِيَّةُ تَقتَضِي النُّصرَةَ، وَالدُّعاءَ، وَالبَذلَ، وَالحُزنَ لِمُصابِ المُسلِمِينَ، مَعَ الصَّبرِ وَالرِّضا بِقَضاءِ اللهِ تَعالى.
وَلَيسَ صَحِيحًا أَن يُقالَ عَمَّن قُتِلَ مِنَ المُسلِمِينَ ظُلمًا إِنَّهُ مُجَرَّدُ ضَحِيَّةٍ، بَل مَن قُتِلَ ظُلمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن ماتَ دُونَ أَرضِهِ أَو مالِهِ أَو عِرضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن ماتَ تَحتَ الهَدمِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن ماتَ بِالحَرَقِ أَو الغَرَقِ أَو مَرَضِ البَطنِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَقَد بَلَغَ الحالُ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ أَنَّ مَرَضى كَثِيرِينَ ماتُوا لِفَقدِ الدَّواءِ، وَلِانقِطاعِ الأُكسِجِينِ، وَلِتَعَطُّلِ غُرَفِ العِنايَةِ، وَصَارَت عَمَلِيّاتٌ جِراحِيَّةٌ تُجرى فِي مَمَرّاتِ المُستَشفَياتِ مِن غَيرِ تَخدِيرٍ، وَيُخاطُ جُرحُ الطِّفلِ الصَّغِيرِ وَهُوَ يَرى الدِّماءَ حَولَهُ، فَهٰذا مِمّا يُوجِبُ عَلَى المُؤمِنِينَ أَن يَسارِعُوا فِي الخَيراتِ، وَأَن يَرحَمُوا إِخوانَهُم، وَأَن يَنصُرُوهُم بِما قَدَرُوا عَلَيهِ.
﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]
أَي إِنَّ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ الإِيمانِ بِاللهِ، وَالتَّصدِيقِ بِاليَومِ الآخِرِ، وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ، وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَالمُسارَعَةِ فِي الخَيراتِ، هُم مِن جُملَةِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَت أَحوالُهُم عِندَ اللهِ تَعالى، وَرَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُم.
وَالإِيمانُ بِاليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ التَّصدِيقَ بِالبَعثِ بَعدَ المَماتِ، وَبِما يَكونُ بَعدَ المَوتِ مِن حَياةٍ بَرزَخِيَّةٍ فِي القَبرِ، ثُمَّ بِالبَعثِ وَالحِسابِ وَالجَزاءِ. فَمَن كانَ مِنَ الصَّالِحِينَ أَنعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيهِ فِي قَبرِهِ، وَمَن ماتَ كافِرًا عُذِّبَ فِي قَبرِهِ، وَأَمَّا عُصاةُ المُسلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا مِن غَيرِ تَوبَةٍ، وَقَد وَقَعُوا فِي كَبائِرَ، فَهُم تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى؛ إِن شاءَ عَفا عَنهُم، وَإِن شاءَ عَذَّبَهُم مُدَّةً، وَلٰكِن لَا يَبلُغُ عَذابُهُم دَرَجَةَ عَذابِ الكافِرِ.
وَإِذا كانَ المُسلِمُ عاصِيًا، وَقَد ماتَ مِن غَيرِ تَوبَةٍ، ثُمَّ قُتِلَ ظُلمًا أَو ماتَ تَحتَ الهَدمِ، فَقَد نالَ الشَّهادَةَ، وَيَرجى لَهُ أَن يَغفِرَ اللهُ تَعالى لَهُ ذُنُوبَهُ، فَلَا يُعَذَّبَ فِي قَبرِهِ وَلَا فِي الآخِرَةِ، وَهٰذِهِ مِن أَسرارِ فَضلِ الشَّهادَةِ. وَهٰذا الفَضلُ يَشمَلُ أَنواعَ الشَّهادَةِ الَّتِي وَرَدَت بِها الأَدِلَّةُ، وَإِن كانَ شَهِيدُ المَعرَكَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ لَهُ مَزايا خاصَّةٌ زائِدَةٌ.
فَهَنيئًا لِمَن تَقَبَّلَهُمُ اللهُ تَعالى مِن شُهَداءِ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، وَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَرحَمَهُم وَيَرفَعَ دَرَجاتِهِم، فَإِنَّ مَن ماتَ شَهِيدًا فَذٰلِكَ خَيرٌ لَهُ مِنَ الدُّنيا وَما فِيها.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلاحَهُم لَم يَقتَصِر عَلَى إِيمانِهِم فَقَط، بَل ظَهَرَ فِي دَعوَتِهِم غَيرَهُم إِلَى الإِيمانِ، وَفِي نَهيِهِم عَنِ الكُفرِ وَالمَعاصِي، وَفِي مُبادَرَتِهِم إِلَى الطّاعاتِ. فَهُم آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا بِالبَعثِ بَعدَ المَماتِ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ مُجازِيهِم بِأَعمالِهِم، وَلَيسُوا كَالمُشرِكِينَ الَّذِينَ يَجحَدُونَ وَحدانِيَّةَ اللهِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالبَعثِ، وَيُنكِرُونَ الجَزاءَ وَالثَّوابَ وَالعِقابَ.
وَمِن أَعظَمِ ما يُؤَكَّدُ فِي هٰذا المَقامِ أَنَّ المُسلِمَ إِذا نَزَلَت بِهِ المَصائِبُ فَهُوَ فِي اختِبارٍ وَابتِلاءٍ، لِيُمَيِّزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَلِيَعلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَلِيَتَّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ شُهَداءَ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]. فَيَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَبقى راضِيًا بِقَضاءِ اللهِ، مُسَلِّمًا لِأَمرِهِ، مُؤمِنًا بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، مَعَ الأَخذِ بِالأَسبابِ وَالاستِعدادِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعتُم﴾ [الأنفال: ٦٠].
فَالإِيمانُ بِالقَضاءِ وَالقَدَرِ لا يُعارِضُ الأَخذَ بِالأَسبابِ، فَكُلُّ ما يَجري فَهُوَ بِقَضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ.
اليَهُودُ قَد قَتَلُوا مِن أَنبِياءِ اللهِ مَن قَتَلُوا، وَأَثارُوا مِنَ الفِتَنِ مَا أَثارُوا، وَحاوَلُوا قَتلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيرَ مَرَّةٍ، وَكُلُّ ذٰلِكَ لا يَخرُجُ عَن قَدَرِ اللهِ تَعالى وَحِكمَتِهِ. فَعَلَى المُؤمِنِ أَن يُسَلِّمَ للهِ، وَأَن يَقولَ: الحَمدُ للهِ، لِلَّهِ ما أَخَذَ وَلَهُ ما أَعطى، وَلَا يَقولُ إِلَّا ما يُرضِي رَبَّهُ، وَيَقولُ: إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعُونَ.
وَمَن فَقَدَ بَعضَ أَهلِهِ أَو أَحبائِهِ أَو جِيرانِهِ فِي مِثلِ هٰذِهِ المَصائِبِ، فَإِذا غَلَبَهُ البُكاءُ ذُكِّرَ بِالصَّبرِ وَالحَمدِ، وَقِيلَ لَهُ: قُلِ الحَمدُ للهِ، وَقُلِ: اللّٰهُمَّ أَجِرنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخلِف لِي خَيرًا مِنها، وَقُلِ: إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعُونَ. فَلَا يَنبَغِي أَن يَنفَلِتَ اللِّسانُ بِما لَا يَجوزُ، وَلَا أَن يَعتَرِضَ العَبدُ عَلَى اللهِ تَعالى؛ فَإِنَّ الاعتِراضَ عَلَى اللهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَعَلَى المُسلِمِ أَن يَثبُتَ عَلَى الإِيمانِ وَالتَّسلِيمِ.
وَمِن صِفاتِ الأُمَّةِ القانِتَةِ أَنَّها تَنهى عَنِ المُنكَرِ، وَأَعظَمُ المُنكَرِ الكُفرُ بِاللهِ، وَأَنَّها تُبادِرُ إِلَى الخَيراتِ قَبلَ أَن تُدرِكَها المَنايا. وَهٰذا التَّذكِيرُ لَيسَ خَاصًّا بِمَن كانَ فِي أَرضِ القِتالِ، فَقَد يَكونُ المَوتُ أَسرَعَ إِلَى إِنسانٍ فِي غَيرِ أَرضِ القِتالِ، وَقَد يَعيشُ مَن هُوَ تَحتَ القَصفِ بِتَقدِيرِ اللهِ تَعالى. فَكَم مِن طِفلٍ رَضِيعٍ أُخرِجَ مِن تَحتِ الهَدمِ، وَقَد بَقِيَ حَيًّا، بَل رُبَّما ضَحِكَ فِي وَجهِ المُسعِفِ، فَيَنهارُ المُسعِفُ بُكاءً مِن شِدَّةِ المَوقِفِ، وَكَم مِن كَبِيرٍ قَوِيٍّ صَحِيحٍ تُوُفِّيَ فِي لَحظَةٍ، فَالأَعمارُ بِيَدِ اللهِ تَعالى.
فَمَن كانَ عَلَيهِ قَضاءُ صَلَواتٍ فاتَتهُ، أَو صِيامٌ مِن رَمَضانَ لَم يَقضِهِ، فَليُبادِر إِلَى القَضاءِ قَبلَ أَن تُعالِجَهُ المَنايا. فَمَن دَخَلَ المَسجِدَ وَعَلَيهِ قَضاءُ الفَجرِ، فَليُصَلِّ رَكعَتَي قَضاءِ الفَجرِ بَدَلَ أَن يَشتَغِلَ بِنافِلَةٍ، وَتُجزِئُهُ عَن تَحِيَّةِ المَسجِدِ كَما ذَكَرَ الفُقَهاءُ، وَيَستَطِيعُ أَن يَنوِيَ الاعتِكافَ فِي المَسجِدِ. فَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُراكِمُونَ ما عَلَيهِم مِن قَضاءِ الصَّلَواتِ وَالصِّيامِ، ثُمَّ يَأتيهِمُ المَوتُ وَهُم لَم يُؤَدُّوا ما وَجَبَ عَلَيهِم.
فَمِن شَأنِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ تَعالى فِي عِدادِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُم يُسارِعُونَ فِي الخَيراتِ، وَيُبادِرُونَ إِلَى الطّاعاتِ، وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ، وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ، وَيَستَعِدُّونَ لِلآخِرَةِ قَبلَ نُزُولِ المَوتِ.