بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)﴾
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١]
هٰذِهِ الآيَةُ فِي وَصفِ اليَهودِ الَّذينَ كانوا يَتَآمَرونَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ وَعَلَى المُسلِمينَ مِن زَمانِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ. وَشَأنُهُمُ البُهتانُ، وَالغَدرُ، وَالمَكرُ. فَإِذا ذَكَرْتَ اليَهودَ، تَذَكَّرْتَ هٰذِهِ الأَوصافَ، كَأَنَّها صارَت راسِخَةً فِيهِم؛ لِأَنَّ هٰذَا هُوَ الَّذي كانوا عَلَيهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَإِذا رَجَعتَ إِلَى ما قَبلَ ذٰلِكَ وَجَدتَ وَصفَهُم فِي كِتابِ اللهِ بِأَنَّهُم قَتَلَةُ الأَنبِياءِ وَالمُرسَلينَ. فَهٰذَا العَدُوُّ الَّذي تَتَعامَلُ مَعَهُ هٰذَا وَصفُهُ، فَمَهْما أَظهَرَ فِي أَيِّ وَقتٍ مِنَ الأَوقاتِ خِلافَ ذٰلِكَ، فَلا تَنسَ وَصفَ القُرآنِ لَهُم بِأَنَّهُم قَتَلَةُ الأَنبِياءِ وَالمُرسَلينَ. فَمَن وَصَفَهُ القُرآنُ الكَريمُ بِأَنَّهُ مِن قَتَلَةِ الأَنبِياءِ وَالمُرسَلينَ، فَأَيُّ أَمنٍ يُرتَجى مِنهُ؟ وَأَيُّ أَمانٍ يُنتَظَرُ مِنهُ؟ وَأَيُّ طُمَأنينَةٍ تُرجى مِن وُجودِهِ؟ وَإِنِّي لَأَعجَبُ مِن جُرأَةِ بَعضِهِم حِينَ يَقولُ: أَنا لَستُ ضِدَّهُم! لَستَ ضِدَّ مَن؟! القُرآنُ الكَريمُ يَأمُرُكَ أَن تَكونَ ضِدَّ مَن أَخبَرَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ مَغضوبٌ عَلَيهِ، وَأَنَّ عَلَيهِ لَعنَةَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ. فَإِذا لَم تَكُن ضِدَّ مَن يَقتُلُ الأَنبِياءَ، فَضِدَّ مَن تَكونُ؟! إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعونَ.
وَلِذٰلِكَ جاءَ النَّصُّ الكَريمُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. وَما المُناسَبَةُ؟ أَنَّ بَعضَ مَن كانوا مِنَ اليَهودِ، وَمِنهُم مَن كانَ مِنَ الأَحبارِ، كَأَمثالِ الحُصَينِ بنِ سَلامٍ، وَهُوَ الَّذي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ إِسلامِهِ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ، كانَ اليَهودُ مِن شَأنِهِم أَن يُهَدِّدوا، وَيَتَوَعَّدوا، مَن يَدخُلُ فِي دِينِ رَسولِ اللهِ ﷺ، أَيِ الإِسلامِ، وَتَزدادُ وَتيرَةُ تَهديدِهِم وَوَعِيدِهِم. فَأَنزَلَ اللهُ تَعالَى هٰذِهِ الآياتِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. وَقَد قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ: انظُرْ فِي كَلِمَةِ «الضَّرَرِ» وَكَلِمَةِ «الأَذَى». فَالأَذَى هُوَ شَيءٌ يَسوءُكَ، مِثلُ الكَلامِ الَّذي يَأتِيكَ مِن مُهَدِّدٍ يَقولُ: سَأفعَلُ بِكَ كَذا، وَأَفْعَلُ بِكَ كَذا، فَيُؤذيكَ بِذٰلِكَ. فَإِذا بَلَغَ هٰذَا الأَذَى دَرَجَةَ الِاستِمرارِ وَالثَّباتِ وَالتَّأثيرِ المُمتَدِّ، صارَ ضَرَرًا، أَي لَم يَعُدْ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ عابِرَةٍ، بَل صارَ شَيئًا مُستَمِرًّا يُلحِقُ الأَذى الثّابِتَ.
وَهُنَا فِي الآيَةِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. وَالكَلامُ عَنهُم فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَد تَحَقَّقَ ما قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى. فَمَعنى الآيَةِ: يا مَن أَسلَمتُم مِنَ اليَهودِ، يا مَن دَخَلتُم فِي الإِسلامِ، لِأَنَّ اليَهودَ لَيسوا عَلَى الإِسلامِ، بَل أَشرَكوا بِاللهِ، وَقالوا: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ، وَقالوا فِي اللهِ، وَالعِياذُ بِاللهِ، ما يُشبِهُ صِفاتِ المَخلوقينَ، وَوَصَفوهُ بِصِفاتِ الأَجسامِ وَالجَوارِحِ، فَمَن أَسلَمَ مِنهُم فَقَد تَبَرَّأَ مِن هٰذَا الدِّينِ الفاسِدِ، وَدَخَلَ فِي الإِسلامِ. فَإِذا جاءَ اليَهودُ مُتَوَعِّدينَ لَهُ، مُهَدِّدينَ إِيّاهُ، فَلا يَخافوا مِنهُم: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. أَي: لَو بَلَغَ ما بَلَغَ مِن أَذاهُم، فَلَن يَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ الضَّرَرِ الَّذي يَستَأصِلُكُم، فَلا تَخافوا مِنهُم. فَهٰذِهِ الآيَةُ كانَت رِسالَةً لَهُم، وَهِيَ فِي الواقِعِ رِسالَةٌ لِمَن يَأتِي بَعدَهُم أَيضًا: لا تَخافوا مِن هٰذَا العَدُوِّ، خافوا مِنَ اللهِ. لا تَخفْ مِن هٰذَا العَدُوِّ، وَلا تُرَبِّ أَولادَكَ عَلَى أَنَّ يَهودِيًّا سَيَأتي، فَتَجعَلُهُم يَخافونَ مِنهُ؛ بَل هُم مِن أَجبَنِ النّاسِ.
وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. فَإِن حَصَلَ، وَقاتَلوكُم، فَماذا يَفعَلونَ؟ يُوَلُّونَكُمُ الأَدبارَ، ثُمَّ لا يُنصَرونَ. وَأَكثَرُ ما يَفعَلونَهُ أَنَّهُم يُحِيكُونَ المُؤامَراتِ مِن بَعيدٍ، وَيُحَرِّكونَ الأَحلافَ، وَيُحَرِّكونَ الأَحزابَ، كَما يَفعَلونَ الآنَ، فَمُنذُ أَن جاءوا إِلَى بِلاد المُسلِمينَ وَجَثَموا عَلَى صُدورِنا، وَهُم يَعمَلونَ عَلَى إِثارَةِ الفِتَنِ داخِلَ بِلاد المُسلِمينَ، وَعَلَى إِثارَةِ النَّعَراتِ، وَعَلَى تَفريقِ المُسلِمينَ، وَبَثِّ بُذورِ الفُرقَةِ بَينَهُم، حَتّى يُفَكِّكوا البَيتَ الواحِدَ. هٰكَذا يَفعَلونَ. وَإِن حَصَلَ وَقاتَلوا، فَماذا يَكونُ؟ ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾. وَقَد كَثُرَ فِي كِتابِ اللهِ هٰذَا المَعنى، وَهُوَ دالٌّ عَلَى أَنَّهُم يَجبُنونَ عِندَ المُواجَهَةِ، وَلا يَثبُتونَ.
وَلِذٰلِكَ، لَو حَصَلَ وَدَخَلوا المُواجَهَةَ، فَإِنَّهُم يَضرِبونَ مِن بَعيدٍ، وَيُرسِلونَ النّيرانَ مِن بَعيدٍ، فَإِذا شَعَروا أَنَّ الدّائِرَةَ عَلَيهِم، قالوا: نَقِفُ هُنَا، هُدنَةٌ! وَيَدَّعونَ وَقتَها أَنَّ هٰذَا مِن بابِ الإِنسانيَّةِ، وَأَنَّهُم يُريدونَ أَن يَقِفوا عِندَ هٰذَا الحَدِّ، وَهُم فِي الحَقيقَةِ الَّذينَ يَتَوَسَّلونَ وَيَطلُبونَ أَن يُوقَفَ الأَمرُ. فَهُمْ مِن شَأنِهِم هٰذَا، وَهٰذَا وَصفٌ فِيهِم، وَهُم يَعلَمونَ ذٰلِكَ، بَل مِنهُم مَن يُقِرُّ بِهِ. فَالْجُبنُ فِي نُفوسِهِم، وَلِذٰلِكَ كُنتَ تَجِدُهُم فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَلفَ الجُدرانِ المُحَصَّنَةِ، وَفِي أَقوَى القِلاعِ، فِي خَيبَرَ، وَفِي بَنِي النَّضيرِ، وَفِي بَنِي قُرَيظَةَ، دَاخِلَ الحُصونِ، وَدَاخِلَ القِلاعِ، فَلا جُرأَةَ لَهُم عَلَى المُواجَهَةِ رَجُلًا لِرَجُلٍ. وَإِذا أَرسَلوا لَم يُرسِلوا واحِدًا لِيُقاتِلَ واحِدًا، بَل يُرسِلونَ كَتيبَةً. أَمّا رَجُلٌ لِرَجُلٍ فَهٰذَا لَيسَ فِيهِم؛ لِأَنَّهُم جُبَناءُ. وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
وَهٰذَا نَراهُ فِيهِم إِلَى هٰذَا الوَقتِ وَلٰكِنَّ ما بَعدَ ذٰلِكَ فِي الآيَةِ أَشَدُّ عَلَيهِم، وَفِيهِ بُشرَى لِلمُؤمِنينَ، وَهُوَ قَولُهُ: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. وَمَعنى ذٰلِكَ، بِشَهادَةِ القُرآنِ الكَريمِ، أَنَّ هٰؤُلاءِ قَومٌ مَخذولونَ. قَد يَقولُ قائِلٌ: وَلٰكِنَّكَ تَرى الآنَ ظُهورًا لَهُم. فَنَقولُ: نَعَم، قَد يَكونُ لَهُم ظُهورٌ مُؤَقَّتٌ، وَلٰكِنَّ اليَقينَ أَنَّ الخِذلانَ بَعدَ ذٰلِكَ. وَكَم مَرَّةً كانَ لَهُم ظُهورٌ، ثُمَّ خُذِلوا! فَهٰذَا وَصفُ القُرآنِ لَهُم: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. أَمّا أَنتَ، فَإِذا نَظَرتَ فِيما جاءَ بِالنِّسبَةِ لِلمُسلِمينَ، فَإِنَّ الدّائِرَةَ، وَإِن طالَت، لا بُدَّ أَن تَدورَ عَلَى أَعدائِهِم، وَأَنَّ الظُّهورَ لا بُدَّ أَن يَكونَ لِلمُسلِمينَ. وَكَم مَرَّةً عَلَوْا فِي الأَرضِ، ثُمَّ شُرِّدوا! وَمِن أَيّامِ بُختُنَصَّرَ، كَم مَرَّةً سُلِّطَ عَلَيهِم! وَالآياتُ الكَريمَةُ فِي سُورَةِ الإِسراءِ دالَّةٌ عَلَى هٰذَا. فَهٰؤُلاءِ، إِن حَصَلَ مِنْهُم قِتالٌ، فَآخِرُهُ الهُروبُ: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
وَلِذٰلِكَ، حَتّى يَومَ الأَحزابِ، لَمّا جَمَعوا، وَقَرُبَ وَقتُ المُواجَهَةِ، هَرَبوا، وَصاروا يَذهَبونَ، وَيَبعَثونَ إِلَى هٰذِهِ الدَّولَةِ، وَإِلَى هٰذِهِ النّاحِيَةِ، وَإِلَى هٰذِهِ العَشيرَةِ، وَإِلَى هٰذِهِ القَبيلَةِ. ثُمَّ لا يُنصَرونَ؛ فَإِنَّهُم، وَاللهِ، قَومٌ مَخذولونَ. اِعلَموا هٰذَا يا أَهلَ غَزَّةَ، وَاعلَموا هٰذَا يا أَهلَ فِلَسطينَ: عَدُوُّكُم مَخذولٌ بِنَصِّ القُرآنِ، وَنَحنُ ضِدَّ عَدُوِّكُم، وَمَن لَم يَكُن ضِدَّ عَدُوِّكُم فَهُوَ عَدُوٌّ لِلمُسلِمينَ.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾
أَي: فُرِضَ عَلَيهِمُ الصَّغارُ، وَالهَوانُ، وَالذُّلُّ. فَهٰؤُلاءِ أَذِلَّةٌ. فَمَن الَّذي وَصَفَهُ القُرآنُ الكَريمُ بِأَنَّهُ الأَعِزَّةُ؟ هُمُ المُؤمِنونَ. وَمَنِ الَّذي وَصَفَهُ القُرآنُ بِأَنَّهُ المَنصورونَ؟ هُمُ المُؤمِنونَ. فَإِذًا، قَد يَحصُلُ لَهُم شَيءٌ مِنَ الظُّهورِ فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقاتِ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ لا يُغيِّرُ الحُكمَ الإِلٰهِيَّ عَلَيهِم. وَاللهُ تَعالَى قالَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾. فَمَعنى ذٰلِكَ: أَنَّهُم، بِما كانَ مِنهُم مِن كُفرِهِم بِاللهِ، وَإِشراكِهِم بِاللهِ، فَخِلافُنا مَعَهُم لَيسَ مُجَرَّدَ أَنَّهُم اغتَصَبوا الأَرضَ، مَعَ أَنَّهُم مُحتَلّونَ، عُدوانِيّونَ، ظَلَمَةٌ؛ بَل خِلافُنا مَعَهُم لَيسَ فَقَط لِهٰذَا، بَل لِأَنَّهُم أَشرَكوا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِأَنَّهُم شَتَموا نَبِيَّنا ﷺ. وَالَّذينَ يَشتُمونَ نَبِيَّنا ﷺ كَيفَ لا نَكونُ ضِدَّهُم؟ وَماذا يَقولونَ فِي نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ؟ لَيسُوا يُعادونَ مُحَمَّدًا ﷺ الآنَ فَقَط، بَل عِندَما يَقتُلونَ مَن يَقتُلونَ يَقولونَ، وَيَتَشَمَّتونَ: ما هٰذِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ! لِأَنَّهُم مِن زَمَنِ أَسلافِهِم وَهُم يَرَونَ أَنَّ هٰذَا مِمّا يَجعَلُهُم شَعبَ اللهِ المُختارَ، عَلَى زَعمِهِم الباطِلِ.
وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾
أَي: أَينَما وُجِدوا، وَأَينَما أُدرِكوا. وَقَد قِيلَ: المَعنى أَينَما كانوا فِي ذٰلِكَ الوَقتِ، فَمَن لَم يُسلِمْ مِنهُم فَإِمّا أَن يَدْفَعَ الجِزيَةَ، وَإِمّا أَن يُقتَلَ. فَأَوَّلًا يُطالَبونَ بِالإِسلامِ، فَإِن أَبَوا، فَبِالجِزيَةِ، فَإِن أَبَوا، قُوتِلوا. وَهٰذَا مِصداقُ قَولِهِ تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
فَقَولُهُ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذينَ لَم يُريدوا الإِسلامَ، عَلَيهِمُ الجِزيَةُ، وَإِلّا قُوتِلوا. ثُمَّ جاءَ الِاستِثناءُ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
وَكَلِمَةُ «حَبْلٍ» قَد جاءَت فِي كِتابِ اللهِ عَلَى أَكثَرَ مِن مَعنى، وَهُنَا المَعنى: العَهدُ. أَي: إِلّا بِعَهدٍ مِنَ اللهِ، وَعَهدٍ مِنَ النّاسِ. وَما هُوَ؟ هُوَ أَنَّهُم إِذا أَدَّوا الجِزيَةَ تُرِكوا مِنَ القَتلِ. فَمَعنى ذٰلِكَ: أَنَّهُم إِن لَم يَدخُلوا فِي الإِسلامِ، وَأَدَّوا الجِزيَةَ، تُرِكوا، وَإِلّا قُوتِلوا. فَهُم يَعيشونَ فِي ذِلَّةٍ لِأَنَّهُم لَم يَدخُلوا فِي الإِسلامِ. وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، يُذَكِّرُنا بِما نَقرَأُهُ فِي سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وَكَثيرٌ مِن أَهلِ التَّفسيرِ يَقولونَ: هُمُ اليَهودُ. فَنَحنُ نَدعو فِي كُلِّ صَلاةٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. فَمَعنى ذٰلِكَ: يا رَبِّ، لا تَجعَلنا مِنَ المَغضوبِ عَلَيهِم. وَهٰؤُلاءِ هُم مِمَّن أَخبَرَ اللهُ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيهِم: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، أَي: استَحَقُّوا غَضَبَ اللهِ تَعالَى.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾.
وَالمَسكَنَةُ هِيَ الفَقرُ، وَالِاحتِياجُ. وَكَيفَ ذٰلِكَ؟ ذٰلِكَ لِأَنَّهُم قالوا، وَالعِياذُ بِاللهِ: إِنَّ اللهَ فَقيرٌ، وَنَحنُ أَغنِياءُ. وَهٰذَا شِركٌ بِاللهِ تَعالَى. فَضَرَبَ اللهُ عَلَيهِمُ الفَقرَ وَالِاحتِياجَ. وَقَد يَقولُ قائِلٌ: وَلٰكِن كَيفَ يَكونُ هٰذَا الفَقرُ، وَنَحنُ نَراهُمُ اليَومَ يَملِكونَ ما يَملِكونَ مِنَ الأَموالِ وَالعُدَدِ وَالعَتادِ؟ فَنَقولُ: لِأَهلِ التَّفسيرِ فِي ذٰلِكَ أَوجُهٌ لَطيفَةٌ. مِنها: أَنَّ مِنْهُم مَنِ افتَقَرَ حَقيقَةً فِي بَعضِ الأَزْمِنَةِ، وَكانوا بَعدَ أَن كانوا مِن أَشَدِّ النّاسِ ثَراءً شُرِّدوا، وَأُجلُوا عَنِ المَدِينَةِ، وَأُخِذَت أَموالُهُم وَدِيارُهُم. وَكَذٰلِكَ لَمّا حارَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فِي بَنِي قُرَيظَةَ، وَبَعَثَ إِلَيهِم سَعدَ بنَ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَحَكَمَ فِيهِم بِحُكمِ اللهِ، وَنَزَلَ الوَحيُ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ مُؤَيِّدًا لِحُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، بِأَن تُسبى نِساؤُهُم، وَيُقتَّلوا، وَتُؤخَذَ أَموالُهُم، وَتُسكَنَ دِيارُهُم، فَصاروا فِي افتِقارٍ. فَتَحَقَّقَ وَصفُ القُرآنِ فِيهِم.
وَوَجهٌ آخَرُ فِي هٰذَا الِافتِقارِ: أَنَّ الِافتِقارَ لَيسَ مَعناهُ فَقَط أَن لا يَكونَ مَعِي مالٌ، بَل هُناكَ أَوجُهٌ أُخرى يُقالُ فِيها: هُوَ فَقيرٌ. وَمِنها: الِاحتِياجُ. فَقَد قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ: إِنَّ اليَهودَ، مَهْما بَلَغوا مِنَ القُوَّةِ، وَمَهْما بَلَغوا مِنَ الثَّراءِ، فَإِنَّهُم دائِمًا فِي خَوفٍ، وَفِي احتِياجٍ إِلَى غَيرِهِم لِحِمايَتِهِم، إِلَى يَومِنا هٰذَا. فَمَهْما كانَ عِندَهُم، فَهُم لَيسوا مُستَغنِينَ. وَقَد يَكونُ مِن مَعاني المَسكَنَةِ أَيضًا: الخَوفُ مِنَ الفَقرِ، أَوِ الخَوفُ الدّائِمُ. وَعَلَى كُلِّ حالٍ، فَهُم دائِمًا فِي خَوفٍ، وَهٰذَا مِنَ المَسكَنَةِ الَّتي ضُرِبَت عَلَيهِم. فَهُم يَجلِبونَ العُدَّةَ، وَالعَتادَ، وَالبَوارِجَ، وَحامِلاتِ الطّائِراتِ، وَالدَّبّاباتِ، وَآلافَ الأَطنانِ مِنَ الذَّخائِرِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَكونونَ خائِفينَ، وَيَطلُبونَ الحِمايَةَ مِن غَيرِهِم. فَضُرِبَت عَلَيهِمُ المَسكَنَةُ. وَفِي الآيَةِ الَّتي قَبلَها إِشارَةٌ إِلَى أَنَّهُم لا يُقاتِلونَ مُواجَهَةً، ثُمَّ ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ، ثُمَّ باءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، ثُمَّ ضُرِبَت عَلَيهِمُ المَسكَنَةُ. فَهُم دائِمًا خائِفونَ، يَخافونَ، وَلِذٰلِكَ كانوا إِذا رَأَوا طِفلًا مَعَهُ حَجَرٌ، قَد تَرى عَشَراتٍ مِنَ الجُنودِ يَخرُجونَ لَهُ. وَمَعَ شِدَّةِ الأَلَمِ، كانَ بَعضُ مَن أُصيبَ مِن أَهلِنا وَإِخوانِنا فِي غَزَّةَ، لَمّا دُمِّرَت بُيوتُهُم، وَذَهَبَ أَهلُهُ، وَأَطفالُهُ، وَزَوجَتُهُ، وَتَحَطَّمَتِ الدّارُ كُلُّها، ذَهَبَ يَفتِّشُ فَلَم يَجِدْ لَعَلَّهُ إِلّا دُميَةَ ابنَتِهِ، فَأَخرَجَها، وَقالَ: هٰذَا هُوَ الَّذي تَبحَثونَ عَنهُ! هٰذَا هُوَ الَّذي يُنَفِّذُ العَمَلِيّاتِ ضِدَّكُم! هٰذَا هُوَ الَّذي تَقْصِفونَ لِأَجلِهِ! فَهُم يَخافونَ. وَكَثيرًا ما كانوا يَرَونَ طَيرًا فَيَقولونَ: هٰذِهِ مُسَيَّرَةٌ، فَيُقْصِفونَ. فَهُم يَعيشونَ بِماذا؟ يَعيشونَ فِي الخَوفِ الحَقيقيِّ.
فَتَجِدُ المُسلِمَ الغَزِّيَّ، وَغَيرَهُ مِنَ المُرابِطينَ فِي المَسجِدِ الأَقصى، وَفِي القُدسِ، وَفِي الضِّفَّةِ، يَمشِي غَيرَ خائِفٍ، وَلَو لَم يَكُن مَعَهُ سِلاحٌ، لِأَنَّ فِي نَفسِهِ سَكينَةً. أَمّا هٰؤُلاءِ فَفَوقَ الحِلقَةِ حِلقَةٌ، وَفَوقَ الحِمايَةِ حِمايَةٌ، وَفَوقَ السَّيّارَةِ سَيّارَةُ حِمايَةٍ، وَفَوقَها طائِرَةٌ، وَفَوقَها رادارٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ هُم خائِفونَ. فَنَقولُ لَهُم، بِنَصِّ القُرآنِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، وَأَنتُم عليكم غَضَب مِنَ اللهِ، وَضَرَبَ اللهُ عَلَيكُمُ المَسكَنَةَ. سَتَبقَونَ، مَهْما قَوِيَت شَوكَتُكُم مِن حَيثُ السِّلاحِ، وَمَهْما تَحالَفَ مَعَكُم مَن تَحالَفَ، وَتَآمَرَ مَعَكُم مَن تَآمَرَ مِن أَعداءِ الإِسلامِ، فَإِنَّكُم سَتَبقَونَ خائِفينَ، لَن تَجِدوا أَمانًا، وَلَن تَجِدوا راحَةً.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالَى سَبَبَ هٰذَا الغَضَبِ وَالذِّلَّةِ وَالمَسكَنَةِ
فَقالَ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. فَهَل هُناكَ أَصدَقُ مِن كِتابِ اللهِ؟ اللهُ قالَ: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. فَكَيفَ يَأتي واحِدٌ يَقولُ: لَا، هُم مُؤمِنونَ، وَما فِيشِ خِلافٌ بَينَنا وَبَينَهُم، خِلافُنا فَقَط مَعَ مَن يَعتَدي مِنهُم! اللهُ تَعالَى قالَ بَعدَ ذٰلِكَ: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، أَي: بِعِصيانِهِم، وَطُغيانِهِم، وَاعتِدائِهِم. فَهٰذَا هُوَ وَصفُهُم فِي كِتابِ اللهِ، وَهٰذِهِ هِيَ الحَقيقَةُ الَّتي يَنبَغِي أَن تُعرَفَ، وَأَلّا يُخدَعَ المُسلِمُ عَنها، وَأَلّا يَنسَى وَصفَ القُرآنِ لَهُم، وَأَن يَبقَى عَلَى بَصيرَةٍ فِي عَداوَتِهِم، وَفِي مَوقِفِهِ مِنْهُم، وَفِي يَقينِهِ بِأَنَّهُم مَخذولونَ، وَأَنَّ النَّصرَ، فِي نِهايَةِ الأَمرِ، لِلمُؤمِنينَ.