بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]
قَولُهُ تَعالَى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ بَيَانٌ مُهِمٌّ جِدًّا، وَمَعناهُ أَنَّ أَهلَ الكِتابِ لَيسوا عَلَى دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، وَلَا يَستَوِي مَن آمَنَ مِنهُم بِاللهِ وَبِرَسولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ مَن لَم يُؤمِنْ. وَهٰذَا مَعنى يَنبَغِي أَن يُضبَطَ؛ فَلنَتَذَكَّرْ أَنَّ أَصلَ تَسمِيَةِ «أَهلِ الكِتابِ» إِنَّما كانَت لِمَنِ انتَسَبَ إِلَى كِتابٍ: فَمَنِ انتَسَبَ إِلَى عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ وَإِلَى الإِنجيلِ، أَوِ انتَسَبَ إِلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ وَإِلَى التَّوراةِ، جَرَت عَلَيهِ فِي الأَصلِ هٰذِهِ التَّسمِيَةُ. وَمِن هٰنا جاءَت تَسمِيَةُ «أَهلِ الكِتابِ». وَلٰكِن بَعدَ ذٰلِكَ، وَكَما تَقَدَّمَ فِي هٰذِهِ السُّورَةِ الكَريمَةِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾. فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ هٰؤُلاءِ الَّذينَ كانَ فِي الأَصلِ قَد نَزَلَ عَلَيْهِم كِتابٌ، قَد صارَ مِنهُم مَن كَفَرَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذا وَجَدنا فِي القُرآنِ الكَريمِ هٰذِهِ التَّسمِيَةَ: «يا أَهلَ الكِتابِ»، فَالمُرادُ بِها: مَنِ انتَسَبَ إِلَى الكِتابِ، وَلٰكِنَّهُ صارَ عَلَى التَّحريفِ. أَمّا مَن آمَنَ مِنهُم، فَإِنَّهُ يُقالُ عَنهُ: مُؤمِنٌ، وَيُقالُ عَنهُ: مُسلِمٌ. وَأَمّا مَن لَم يُؤمِنْ، فَالنُّصوصُ فِيهِ جاءَت بِوَصفِهِ بِأَنَّهُ مِن أَهلِ الكِتابِ عَلَى سَبيلِ الِانتِسابِ، لا عَلَى أَنَّهُ عَلَى الحَقِّ. وَقَد تَقَدَّمَ قَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، فَانتَبِهوا لِلنَّصِّ؛ فَمَعناهُ أَنَّهُم لَيسوا مُؤمِنينَ. وَلٰكِن مِن أَينَ جاءَتِ التَّسمِيَةُ؟ جاءَت مِن بَابِ الِانتِسابِ، لا مِن بَابِ الحُكمِ لَهُم بِأَنَّهُم عَلَى الكِتابِ الحَقِّ. فَالَّذي بَينَ أَيديهِم الآنَ مُحَرَّفٌ، وَلَيسَ هُوَ الحَقَّ. وَهٰذَا المُحَرَّفُ لا يُسَمَّى كِتابًا سَماوِيًّا؛ لِأَنَّهُ لا يُوجَدُ كِتابٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وَفِيهِ كَما تَقولُ اليَهودُ، لَعَنَهُمُ اللهُ: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ. فَهٰذَا لَيسَ كِتابًا سَماوِيًّا، وَلَيسَ شَريعَةً سَماوِيَّةً. فَهُم لَيسوا مُسلِمينَ، وَلَيسوا مُؤمِنينَ، وَإِنَّما هُوَ انتِسابٌ مِنْهُم.
فَإِذًا قَولُهُ تَعالَى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ مَعناهُ: لَا يَستَوِي مَن آمَنَ مِنهُم مَعَ مَن لَم يُؤمِنْ. وَلَيسَ المَعنى هُنَا أَنَّ الَّذينَ لَم يُؤمِنوا مِنهُم مِنهُم مَن هُوَ عَلَى حَقٍّ وَمِنهُم مَن لَيسَ عَلَى حَقٍّ؛ بَل كُلُّ مَن لَم يُؤمِنْ فَهُوَ عَلَى باطِلٍ. فَإِذا قالَ واحِدٌ: لا فَرقَ بَينَنا وَبَينَهُم، قُلنا لَهُ: أَلَيسوا قَد كَذَّبوا نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ؟ بَل وَأَقولُ: كَذَّبوا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَكَذَّبوا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ. تَقولُ: كَيفَ، وَهُم يَقولونَ إِنَّهُم أَتباعُ مُوسَى؟ نَقولُ: لِأَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ بَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ بَشَّرَ بِسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ. فَهٰؤُلاءِ لَمّا كَفَروا بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، فِي الحَقيقَةِ كَفَروا بِمُوسَى، وَكَفَروا بِعِيسى، وَكَفَروا بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ الأَنبِياءُ. وَلِذٰلِكَ نَزَلَت هٰذِهِ الآياتُ الكَريمَةُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ لِتُبَيِّنَ هٰذَا الفَرقَ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، فَالآنَ الحَديثُ عَمَّن آمَنَ مِنهُم، أَي: الَّذينَ كانوا يَنتَسِبونَ إِلَى الكِتابِ، ثُمَّ آمَنوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾، أَي: جَماعَةٌ مُستَقيمَةٌ، قَدِ استَقامَت، وَأَسلَمَت، وَتَشَهَّدَت، وَدَخَلَت فِي الإِسلامِ. وَجاءَ فِي وَصفِهِم: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. وَسُبحانَ اللهِ، كانَ عِندَ اليَهودِ أَنفُسِهِم شَيءٌ مَعلومٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُم بِزَعمِهِم يُصَلُّونَ، وَلٰكِنَّهُم لَم يَكونوا يَفعَلونَ ذٰلِكَ فِي اللَّيلِ عَلَى هٰذَا الوَجهِ. وَعِبادَتُهُم، لَيلًا أَو نَهارًا، فاسِدَةٌ، وَاللهُ لا يَتَقَبَّلُ مِنْهُم؛ لِأَنَّ مَن لَم يَكُن عَلَى الإِيمانِ بِاللهِ، فَمَهْما فَعَلَ، وَمَهْما أَظهَرَ وَجهًا حَسَنًا، فَهُوَ باطِلٌ، قَبيحُ الباطِنِ؛ لِأَنَّ باطِنَهُ تَكذيبُ الأَنبِياءِ، وَشَتمُ رَبِّ العالَمينَ بِنِسبَةِ الوَلَدِ إِلَى اللهِ، وَتَشبِيهُ اللهِ تَعالَى بِخَلقِهِ، وَاعتِقادُ أَنَّ اللهَ لَهُ أَعضاءٌ، وَجَوارِحُ، وَجِسمٌ، وَيَجلِسُ، وَيَستَلقِي، وَالعِياذُ بِاللهِ. فَهٰذَا مُعتَقَدُ اليَهودِ. فَمَهْما أَظهَروا مِن وَجهٍ حَسَنٍ، فَهُم قَبيحونَ. بَلِ الحَقيقَةُ أَنَّهُم، مَهْما أَظهَروا وَجهًا حَسَنًا، فَظاهِرُهُم قَبيحٌ، وَباطِنُهُم قَبيحٌ. وَتَجِدُ فِي نُفوسِهِمُ الغِلَّ وَالحِقدَ عَلَى المُسلِمينَ. فَهُم لا يَرَونَ أَطفالَ غَزَّةَ كَأَطفالِهِم، وَلا يَرَونَ أَطفالَ غَزَّةَ كَأَطفالِ غَيرِهِم، بَل لا يَرَونَ أَطفالَ غَزَّةَ كَالدَّوابِّ وَالبَهائِمِ الَّتي يَرعَونَها، بَل قَد يُظهِرونَ أَلَمًا عَلَى دَوابِّهِم أَكثَرَ مِمّا يُظهِرونَ أَلَمًا عَلَى أَطفالِ غَزَّةَ، بَل هُم يُظهِرونَ الشَّماتَةَ بِأَطفالِ غَزَّةَ.
فَإِذًا، هٰؤُلاءِ الَّذينَ هُم عَلَى هٰذَا القُبحِ الشَّديدِ، لا نَجاةَ لَهُم إِلّا بِالإِيمانِ بِاللهِ، وَبِرَسولِهِ ﷺ. وَما لَم يُؤمِنوا، فَانظُروا فِي الدَّرسِ الَّذي مَضى، كُنّا فِي آياتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِم، وَفِي هٰذَا الدَّرسِ نَحنُ أَيضًا فِي آياتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِم. وَلِذٰلِكَ نَقولُ: هٰؤُلاءِ، آياتُ القُرآنِ الكَريمِ تَقولُ لَنا: كُونوا ضِدَّهُم. وَآياتُ القُرآنِ تَقولُ: كُونوا ضِدَّهُم. وَهَل يُوجَدُ أَكثَرُ مِمّا كانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ لَن تَجِدَ خُلُقًا كَخُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا رَأفَةً وَلا رَحمَةً كَرَأفَتِهِ وَرَحمَتِهِ، وَلَمّا تَرَكَهُم فِي المَدِينَةِ، وَاستَأمَنوا، مَاذا كانَ مِنهُم؟ غَدرٌ، وَخِيانَةٌ، وَكَذِبٌ، وَمُحاوَلاتٌ لِقَتلِ النَّبِيِّ ﷺ أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ. هُم فِي المَدِينَةِ، وَما سَلِمَ المُسلِمونَ مِنهُم. فَإِذًا، تاريخهُم، وَلَا أَعنِي التّاريخَ مِن هُنَا إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَط، بَل إِلَى أَبعَدَ مِن ذٰلِكَ، مِن زَمَنِ سَيِّدِنا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ، هُوَ تارِيخُ الغَدرِ وَالخِيانَةِ، وَتارِيخُ قَتلِ الأَنبِياءِ. وَلِذٰلِكَ ثِقوا: مَهْما فُعِلَ لَهُم، وَمَهْما تُوُدِّدَ لَهُم، وَمَهْما أُظهِرَ لَهُم، فَهٰؤُلاءِ لا أَمانَ لَهُم. وَاللهِ، لا نَأمَنُهُم عَلَى دابَّةٍ مِن دَوابِّنا، فَكَيفَ نَأمَنُهُم عَلَى طِفلِنا، أَو عَلَى دارِنا، أَو عَلَى أَهلِنا؟ بَل دابَّةٌ لَنا لا نَأمَنُهُم عَلَيها؛ لِأَنَّهُم لَيسوا مُؤتَمَنينَ.
بَل أَزيدُكُم شَيئًا: فِي قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، مِمّا قِيلَ فِي سَبَبِ نُزولِ هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ، أَنَّ بَعضَهُم قالَ: وَاللهِ، إِنِّي لَأَعلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ أَكثَرَ مِن عِلمِي أَنَّ وَلَدِي هٰذَا هُوَ مِن صُلْبِي؛ لِكَثرَةِ انتِشارِ الزِّنا وَالفُحشِ فِيما بَينَهُم. أَي: أَنَّهُ يَقولُ: أَنا غَيرُ مُتَأَكِّدٍ أَنَّ هٰذَا الوَلَدَ مِنِّي، وَلٰكِنِّي مُتَأَكِّدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ رَسولُ اللهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يُؤمِنوا! فَعَلامَ يَدُلُّ هٰذَا؟ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم، حَتّى فِيما بَينَهُم، فِي قُبحٍ وَفَسادٍ، وَكَذٰلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ إِلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»، فَإِنَّ هٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم فِيما بَينَهُم أَيضًا عَلَى تَفَرُّقٍ وَتَنازُعٍ. وَإِنَّما نَجا مِنهُم مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالَى. فَقَبلَ أَن يُسلِمَ الحُصَينُ بنُ سَلامٍ، لَمّا أَسلَمَ صارَ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ، وَصارَ مِنَ المُبَشَّرينَ بِالجَنَّةِ. سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبدَ اللهِ، وَكانَ يُقالُ لَهُ: الحُصَينُ. فَقالَ لَهُ: «أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ». فَصارَ بَعدَ ذٰلِكَ يُترضّى عَنهُ، وَكَم مِنْهُم مَن كانَ عَلَى ما كانَ عَلَيهِ فِي جاهِلِيَّتِهِ، ثُمَّ لَمّا أَسلَمَ ارْتَقَى، وَعَظُمَ شَأنُهُ.
فَهٰذَا هُوَ الَّذي يُشيرُ إِلَيهِ القُرآنُ الكَريمُ بِقَولِهِ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، أَي: لَيسَ مَن آمَنَ مِنهُم كَمَن لَم يُؤمِنْ. وَلِذٰلِكَ قالَ: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾، أَي: مُستَقيمَةٌ، استَقامَت، وَأَسلَمَت. وَقالَ فِي وَصفِهِم: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، أَي: يَتلُونَ القُرآنَ الكَريمَ. وَكَم، لِلأَسَفِ، اليَومَ مِنَ النّاسِ مَن لا يَقرَؤونَ القُرآنَ الكَريمَ! لا يَقرَؤونَ القُرآنَ، وَلِذٰلِكَ تَجِدُهُم لا يَفهَمونَ حَالَ هٰؤُلاءِ. نَعَم، هٰؤُلاءِ صَحيحٌ أَنَّهُمُ اغتَصَبوا أَرضَنا، وَاحتَلُّوها، وَاعتَدَوا عَلَينا، وَاعتَدَوا عَلَى أَرضِنا، وَلٰكِنَّ الخِلافَ مَعَهُم لَيسَ فَقَط فِي هٰذَا؛ بَلِ الخِلافُ مَعَهُم أَيضًا لِأَنَّهُم نَقَضوا العَقيدَةَ، وَنَقَضوا التَّوحيدَ، وَنَقَضوا «لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ»، وَشَتَموا اللهَ، وَشَتَموا الأَنبِياءَ. فَلِذٰلِكَ هٰؤُلاءِ الَّذينَ مِنهُم مَن أَسلَمَ، قالَ اللهُ فِيهِم: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾، أَي: جَماعَةٌ مُستَقيمَةٌ.
وَقَولُهُ: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، هٰذِهِ الكَلِمَةُ جَمعُ «إِنًى». وَما مَعنى «آنَاءَ اللَّيْلِ»؟ نَحنُ أَحيانًا فِي دُعائِنا نَقولُ: اللهُ يَرزُقُنا أَن نَقرَأَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ وَأَطرافَ النَّهارِ. فَما مَعنى «آنَاءَ»؟ «آنَاءَ» جَمعُ «إِنًى»، أَي: ساعَاتُ اللَّيلِ. وَقَد قالَ بَعضُ المُفَسِّرينَ: المُرادُ هُنَا بِـ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ صَلاةُ العِشاءِ؛ أَي: يَقرَؤونَ القُرآنَ وَقتَ العِشاءِ. وَهٰذَا يُشيرُ إِلَى أَنَّهُم لَم يَكتَفوا بِأَن أَسلَموا، بَل صاروا يُحافِظونَ عَلَى الصَّلاةِ فِي أَوقاتِ اللَّيلِ أَيضًا. وَبَعضُهُم قالَ: يَدخُلُ فِي ذٰلِكَ المَغرِبُ أَيضًا؛ أَي: المَغرِبُ وَالعِشاءُ. وَبَعضُهُم قالَ: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ أَي: ساعَاتِ اللَّيلِ عَلَى العُمومِ. وَفِي هٰذَا إِشارَةٌ إِلَى استِحبابِ تِلاوَةِ القُرآنِ الكَريمِ فِي اللَّيلِ. نَعَم، هُوَ مُستَحَبٌّ أَيضًا فِي النَّهارِ، وَلٰكِن فِي اللَّيلِ لِتِلاوَةِ القُرآنِ سِرٌّ.
وَلِذٰلِكَ نَجِدُ، مَثَلًا، أَنَّ مِنَ الأَشياءِ المُستَحَبَّةِ جِدًّا: المُحافَظَةَ عَلَى قِراءَةِ سُورَةِ المُلكِ كُلَّ لَيلَةٍ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾. وَلِماذا؟ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَدِدْتُ أَنَّهَا فِي جَوْفِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي». وَقالَ ﷺ: «هِيَ الْمَانِعَةُ، الْوَاقِيَةُ، الْمُنْجِيَةُ». فَمَن واظَبَ عَلَى قِراءَةِ سُورَةِ المُلكِ كُلَّ لَيلَةٍ، أَي مَرَّةً واحِدَةً فِيما بَينَ المَغرِبِ وَالفَجرِ، ثُمَّ ماتَ، فَبِإِذنِ اللهِ تَعالَى لا يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ. وَهٰذَا مِن أَسرارِها. بَل زادَ بَعضُ العُلَماءِ فَقالَ: مَن واظَبَ عَلَى قِراءَةِ سُورَةِ المُلكِ كُلَّ لَيلَةٍ لا يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ، وَلا يُعَذَّبُ يَومَ القِيامَةِ. وَهِيَ حَسَنَةٌ سَهلَةٌ، ثَلاثونَ آيَةً، فِي بُضعِ دَقائِقَ. وَهِيَ مَزيَّتُها فِي اللَّيلِ. فَنُلاحِظُ كَيفَ قالَ اللهُ تَعالَى هُنَا: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وَهُنَا وَقفَةٌ ثانِيَةٌ: نَحنُ فِي السُّجودِ، هَلِ المُستَحَبُّ لَنا أَن نَقرَأَ القُرآنَ، أَمِ المُستَحَبُّ أَن نَدعوَ بَعدَ التَّسبيحِ؟ المُستَحَبُّ لَنا أَن نَدعوَ، لا أَن نَقرَأَ القُرآنَ فِي السُّجودِ؛ فَلَيسَ هٰذَا المَوضِعُ هُوَ مَوضِعَ قِراءَةِ القُرآنِ. وَلِذٰلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ». وَالمُرادُ بِالقُربِ هُنَا: القُربُ المَعنَوِيُّ، أَي: أَنَّ هٰذَا المُؤمِنَ يَكونُ فِي حالَةٍ عالِيَةٍ مِنَ القَبولِ عِندَ اللهِ، وَفِي وَضعٍ أَقرَبَ إِلَى إِجابَةِ الدُّعاءِ. وَلِذٰلِكَ فَهٰذا مِنَ الأَوقاتِ الَّتي يَنبَغِي أَن نُكثِرَ فِيها مِنَ الدُّعاءِ لِأَهلِ غَزَّةَ، وَلِأَهلِ فِلَسطينَ. يَنبَغِي أَن نُكثِرَ مِنَ الدُّعاءِ فِي السُّجودِ لَهُم. أَلَيسَ الإِنسانُ إِذا كانَ مَريضًا، أَو نَزَلَت بِهِ مُصيبَةٌ، أَكثَرَ مِنَ الدُّعاءِ، وَتَحَرّى مَواطِنَ إِجابَتِهِ؟ فَكَذٰلِكَ يَنبَغِي أَن نَتحَرَّى هٰذَا لِإِخوانِنا؛ لِأَنَّ المُؤمِنَ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيانِ المَرصوصِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا. فَأَلَمُ إِصبَعٍ، أَو ظُفرِ طِفلٍ فِلَسطينِيٍّ، يَعنينا، وَنَتَأَلَّمُ لِأَلَمِهِ. وَلِذٰلِكَ نَدعو وَنُكثِرُ مِنَ الدُّعاءِ لِإِخوانِنا فِي غَزَّةَ، وَفِي القُدسِ، وَفِي فِلَسطينَ، فِي السُّجودِ.
وَأُفَرِّعُ هُنَا بِشَيءٍ آخَرَ: مِنَ الأَشياءِ الَّتي استَحسَنَها العُلَماءُ، وَهِيَ تَعتَمِدُ عَلَى أَحاديثَ جاءَت عَن رَسولِ اللهِ ﷺ: القُنوتُ عِندَ النّازِلَةِ بِالبَلاءِ. وَمِن أَينَ جاءَ هٰذَا؟ لَمّا بَعَثَت بَعضُ القَبائِلِ، وَيُقالُ لَها: رِعلٌ وَذَكوانُ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: أَرسِلْ لَنا مَن يُعَلِّمُنا القُرآنَ، فَأَرسَلَ لَهُم سَبعينَ مِنَ القُرّاءِ، وَكانوا مِن خِيرَةِ الصَّحابَةِ. وَهٰؤُلاءِ، فِي الحَقيقَةِ، كانَ القَومُ يُريدونَ أَن يَعمَلوا لَهُم كَمينًا، وَلَم يَكونوا يُريدونَ التَّعَلُّمَ، بَل كانَ لَهُم ثَأرٌ؛ بِسَبَبِ ما قُتِلَ مِنَ المُشرِكينَ. فَلَمّا انطَلَقَ هٰؤُلاءِ القُرّاءُ السَّبعونَ، وَصَلوا إِلَى المَوضِعِ، كَمَنَ لَهُم أُولٰئِكَ الأَعداءُ، وَأَحاطوا بِهِم، وَقَتَلوهُم جَميعًا، وَأَبادوهُم، وَحَصَدوهُم. وَلِشِدَّةِ حُزنِ رَسولِ اللهِ ﷺ عَلَيهِم، مَكَثَ يَدعو عَلَى قاتِلِيهِم فِي القُنوتِ، فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ، فِي اعتِدالِ الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ، فِي الصَّلَواتِ المَكتوبَةِ، فِي الفَجرِ، وَالظُّهرِ، وَالعَصرِ، وَالمَغرِبِ، وَالعِشاءِ، حَتّى فِي السِّرِّيَّةِ، شَهرًا كامِلًا، لِقَتلِ السَّبعينَ. وَالعُلَماءُ قالوا: مِنَ المَواطِنِ الَّتي يُستَحَبُّ فِيها القُنوتُ: عِندَ النّازِلَةِ بِالبَلاءِ. فَنَحنُ الآنَ، فِي غَيرِ النّازِلَةِ، نَقنتُ فِي صَلاةِ الفَجرِ، فِي اعتِدالِ الرَّكعَةِ الثّانِيَةِ، وَيُسَنُّ لَنا ذٰلِكَ أَبَدًا، بَل عِندَ الشّافِعِيَّةِ، كَما قالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصارِيُّ وَغَيرُهُ، هُوَ مِن أَبعاضِ الصَّلاةِ، أَي: إِن تُرِكَ سُنَّ سُجودُ السَّهوِ. وَيُسَنُّ كَذٰلِكَ القُنوتُ فِي اعتِدالِ الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الوِترِ فِي النِّصفِ الثّانِي مِن رَمَضانَ. أَمّا فِي غَيرِ ذٰلِكَ، فَعِندَ النّازِلَةِ بِالبَلاءِ، يُستَحَبُّ لَنا فِي الصَّلَواتِ المَكتوبَةِ، فِي اعتِدالِ الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ، أَن نَقنُتَ، وَأَن نَدعوَ بِرَفعِ البَلاءِ عَنِ المُسلِمينَ. فَتَقولُ: اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَن أَهلِ فِلَسطينَ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَن أَهلِ غَزَّةَ. وَذٰلِكَ يَكونُ فِي الصَّلاةِ الجَهرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ، جَماعَةً كانَت أَو فُرادَى؛ فِي كُلِّ ذٰلِكَ يُسَنُّ لَنا أَن نَقنُتَ. وَالقُنوتُ بِالتّاءِ، لا بِالطّاءِ؛ فَنَحنُ لا نَقنَطُ مِن رَحمَةِ اللهِ. وَلِذٰلِكَ لَن نَقنَطَ مِن رَحمَةِ اللهِ، وَلَن نَيأَسَ مِن نَصرِ اللهِ لِغَزَّةَ وَفِلَسطينَ، لَو قِيلَ: إِنَّ أَربَعينَ فِي المِئَةِ مِنها دَمارٌ، فَلَن نَيأَسَ مِن رَحمَةِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى. فَهٰذَا هُوَ القُنوتُ.
ثُمَّ نَرجِعُ إِلَى قَولِهِ تَعالَى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. فَقُلنا: آياتُ اللهِ، أَي: القُرآنُ الكَريمُ. وَ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، فَكَيفَ ذٰلِكَ؟ قالَ بَعضُ العُلَماءِ: المَعنى: وَهُم يُصَلُّونَ؛ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ أَحيانًا عَنِ المُصَلِّي بِأَنَّهُ قائِمٌ، وَأَحيانًا يُعَبَّرُ عَنهُ بِأَنَّهُ راكِعٌ، وَأَحيانًا بِأَنَّهُ ساجِدٌ. فَقالوا: هٰذَا هُوَ المَعنى، حَتّى لا يُشكِلَ عَلَى أَحَدٍ، فَيَقولَ: كَيفَ نَقرَأُ القُرآنَ فِي السُّجودِ؟ فَنَقولُ: لَيسَ هٰذَا هُوَ المَعنى. بَل: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، أَي: وَهُم يُصَلُّونَ. أَي: فِي صَلاتِهِم يُحافِظونَ عَلَى قِراءَةِ القُرآنِ الكَريمِ.
فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى بَيَّنَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ، الَّتي بَيَّنّا شَرحَها فِي هٰذَا المَجلِسِ الكَريمِ، أَنَّهُم لَيسوا عَلَى دَرَجَةٍ واحِدَةٍ؛ فَمَن آمَنَ مِنهُم فَهٰؤُلاءِ هُمُ النّاجونَ، وَهُمُ الَّذينَ آمَنوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَصاروا عَلَى الحَقِّ، فَلا يَستَوونَ مَعَ أُولٰئِكَ الَّذينَ هُم مِن أَهلِ الكِتابِ فِي الِانتِسابِ، وَلٰكِنَّهُم كَذَّبوا مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَقاموا عَلَى كُفرِهِم.