بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)﴾
﴿وَما يَفعَلُوا مِن خَيرٍ فَلَن يُكفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٥]
يُخبِرُ اللهُ تَعالى أَنَّ ما يَفعَلُهُ هٰؤُلاءِ المُؤمِنُونَ مِن خَيرٍ فَإِنَّهُ لا يَضِيعُ عِندَهُ، وَلَا يُجحَدُونَ ثَوابَهُ، بَل يُجازِيهِمُ اللهُ تَعالى عَلَيهِ أَوفَى الجَزاءِ. فَقَولُهُ: ﴿فَلَن يُكفَرُوهُ﴾ أَي لَن يُحرَمُوا ثَوابَهُ، وَلَن يُغطّى عَملُهُم أَو يُهمَلَ، فَاللهُ تَعالى شَكورٌ عَلِيمٌ، يَعلَمُ ما صَدَقَت بِهِ نِيّاتُهُم، وَما أَصلَحُوا بِهِ أَعمالَهُم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ فِيهِ تَطمِينٌ لِأَهلِ التَّقوى، فَاللهُ تَعالى يَعلَمُ مَن اتَّقاهُ فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ، وَيَعلَمُ مَن آمَنَ بِهِ إِيمانًا صادِقًا، وَمَن سَعى فِي الخَيرِ مُخلِصًا، وَمَن أَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَنَهى عَنِ المُنكَرِ، وَمَن بادَرَ إِلَى الطّاعاتِ خَشيةَ الفَوتِ وَرَغبةً فِي فَضلِ اللهِ. وَإِذا كانَ اللهُ تَعالى عَلِيمًا بِهِم، فَلَا يَخافُونَ ضَياعَ عَمَلٍ، وَلَا نِسيانَ حَسنَةٍ، وَلَا جَحْدَ طاعَةٍ، فَكُلُّ ذٰلِكَ مَحفُوظٌ عِندَ اللهِ تَعالى.
﴿وَما يَفعَلُوا مِن خَيرٍ﴾ [آل عمران: ١١٥]
أَي إِنَّ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أَهلِ الكِتابِ، وَقَد تَقَدَّمَ بَيانُ حالِهِم فِي الآيَتَينِ السَّابِقَتَينِ مِن قَولِهِ تَعالى: ﴿لَيسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، لا يَستَوُونَ مَعَ مَن لَم يُؤمِن مِن أَهلِ الكِتابِ؛ فَمَن آمَنَ مِنهُم صارَ مُسلِمًا، وَمَن لَم يُؤمِن بَقِيَ كافِرًا، وَلا يَستَوِي المُؤمِنُ وَالكافِرُ عِندَ اللهِ تَعالى.
وَقَد ذَكَرَ اللهُ تَعالى بَعدَ بَيانِ إِيمانِهِم صِفاتٍ عَظِيمَةً مِن صِفاتِهِم؛ فَمِنها أَنَّهُم يَتلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ، أَي فِي ساعاتِ اللَّيلِ، وَهُم يَسجُدُونَ، أَي يُصَلُّونَ، وَمِنها أَنَّهُم يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ، وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ، وَيُسارِعُونَ فِي الخَيراتِ. ثُمَّ أَخبَرَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى أَنَّ ما يَفعَلُونَهُ مِن خَيرٍ فَلَن يُكفَرُوهُ، أَي لا يَضِيعُ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَإِنَّما لا يَضِيعُ عَمَلُهُم؛ لِأَنَّهُم آمَنُوا بِاللهِ تَعالى، وَالإِيمانُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ شَرطٌ فِي قَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ. فَلَمّا كانُوا غَيرَ مُؤمِنِينَ لَم يَكُنِ اللهُ تَعالى يَقبَلُ مِنهُم عَمَلًا مِنَ الأَعمالِ، مَهما كَثُرَ ذٰلِكَ العَمَلُ، فَإِذا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى صارَ أَجرُهُم عَظِيمًا، وَصارَ ما يَفعَلُونَهُ مِن خَيرٍ مَحفُوظًا لَهُم عِندَ اللهِ تَعالى.
وَكَذٰلِكَ ما يَقَعُ مِن صَبرِ أَهلِنا فِي غَزَّةَ وَالقُدسِ وَالضِّفَّةِ وَفِلَسطِينَ، فَهُوَ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ تَعالى، لا يَضِيعُ مِنهُ شَيءٌ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَل يُضاعِفُ اللهُ تَعالى لَهُم أَجرَهُم، وَيَجزِيهِم عَلَى صَبرِهِم وَثَباتِهِم وَمُصابِهِم أَحسَنَ الجَزاءِ.
﴿فَلَن يُكفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]
مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَلَن يُكفَرُوهُ﴾ أَي لَن يُحرَمُوا ثَوابَ ما عَمِلُوا مِن خَيرٍ، وَلَن يَضِيعَ عَلَيهِم شَيءٌ مِن عَمَلِهِم الصَّالِحِ، بَل يَبقى مَحفُوظًا لَهُم عِندَ اللهِ تَعالى.
فَكَم مِن أُمٍّ مَكلُومَةٍ مَفجُوعَةٍ فِي مُستَشفًى قَصَفَهُ اليَهُودُ، أَو فِي غَيرِهِ مِن مَواضِعِ البَلاءِ، وَكَم مِن مُسلِمٍ يَئِنُّ تَحتَ بِناءٍ مَهدُومٍ لا يَعلَمُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ النّاسِ، وَلٰكِنَّ اللهَ تَعالى يَعلَمُهُ، وَلا يَضِيعُ أَجرُهُ عِندَهُ. فَلَو لَم تُصَوِّرْهُ الكامِيراتُ، وَلَو لَم تَسمَع بِهِ الهَيئاتُ الَّتِي تَدَّعِي العِنايَةَ بِحُقُوقِ الإِنسانِ، فَلَيسَتِ العِبرَةُ بِذٰلِكَ، بَل الشَّأنُ عِندَ اللهِ تَعالى، وَمَقامُهُم عِندَهُ عَظِيمٌ، وَما يَفعَلُونَهُ أَو يَصبِرُونَ عَلَيهِ مِن خَيرٍ فَلَن يُحرَمُوا جَزاءَهُ.
وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلَى مَن كانَ مِنَ اليَهُودِ يَقولُ لِمَن آمَنَ مِنهُم: لَن يُقبَلَ مِنكُم عَمَلُكُم، وَقَد ضاعَ عَلَيكُم ما تَعمَلُونَ. فَأَخبَرَ اللهُ تَعالى أَنَّ عَمَلَهُم بَعدَ الإِيمانِ لا يَضِيعُ، وَأَنَّهُم لا يُحرَمُونَ ثَوابَهُ.
وَقَد قَرَأَ بَعضُ القُرّاءِ: ﴿وَما تَفعَلُوا مِن خَيرٍ فَلَن تُكفَرُوهُ﴾، وَعَلَى هٰذِهِ القِراءَةِ يَكونُ المَعنى عامًّا فِي هٰذِهِ الأُمَّةِ، أَي أَنَّ ما تَفعَلُهُ هٰذِهِ الأُمَّةُ مِن خَيرٍ فَلَن تُحرَمَ ثَوابَهُ، وَلَن يَضِيعَ عِندَ اللهِ تَعالى.
فَأَيُّ خَيرٍ يَفعَلُهُ المُسلِمُ لِنُصرَةِ إِخوانِهِ فَهُوَ مَأجُورٌ عَلَيهِ، حَتّى دُعاؤُهُ لَهُم. فَإِيّاكُم أَن تَقولُوا: إِنَّ أَهلَ فِلَسطِينَ لا يَحتاجُونَ إِلَى الدُّعاءِ؛ فَكُلُّنا نَحتاجُ إِلَى الدُّعاءِ. نَعَم، مَن قَدَرَ عَلَى أَن يَفعَلَ أَكثَرَ مِنَ الدُّعاءِ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَفعَلَ ما يَستَطِيعُ، فَلَيسَ الدُّعاءُ بَدِيلًا عَن بَذلِ المَقدُورِ مِنَ النُّصرَةِ، وَلٰكِن لا يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يُقَصِّرَ حَتّى فِي الدُّعاءِ. وَمِنَ الخطَإِ أَن يَقولَ بَعضُهُم: إِنَّ الدُّعاءَ لِلنِّساءِ فَقطُ، وَإِنَّ المَطلُوبَ أَكثَرُ. فَصَحِيحٌ أَنَّ المَطلُوبَ أَكثَرُ، وَأَنَّ النُّصرَةَ بِما نَستَطِيعُ واجِبَةٌ، وَلٰكِنَّ الدُّعاءَ مِن أَبوابِ النُّصرَةِ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
وَحَتّى أَلَمُكَ عَلَى إِخوانِكَ، إِن كانَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، فَأَنتَ تُؤجَرُ عَلَيهِ؛ فَإِذا رَأَيتَ مُسلِمًا جَرِيحًا، أَو مُصابًا، أَو طِفلًا قُطِّعَت أَعضاؤُهُ، أَو صارَ مَبتُورَ الأَطرافِ، أَو فَقَدَ أَبَوَيهِ، فَتَأَلَّمتَ لِذٰلِكَ، فَأَلَمُكَ لِأَلَمِ إِخوانِكَ، مَعَ صِدقِ النِّيَّةِ، عَمَلٌ تُؤجَرُ عَلَيهِ؛ لِأَنَّكَ لَستَ مِمَّن يَمرَحُ وَيَلهُو وَدِماءُ إِخوانِهِ تَسِيلُ، وَلَستَ مِمَّن يَرقُصُ وَدِماءُ إِخوانِهِ تَجرِي عَلَى الأَرضِ.
فَهٰذِهِ الأُمَّةُ لا يَضِيعُ أَجرُها عِندَ اللهِ تَعالى، وَما تَفعَلُهُ مِن خَيرٍ فَلَن تُكفَرَهُ. فَلَو قامَ المُسلِمُ فِي جَوفِ اللَّيلِ يَدعُو لِفِلَسطِينَ، فَهُوَ مَأجُورٌ عَلَى ذٰلِكَ، وَلَن يَضِيعَ مِنهُ هٰذا الأَجرُ. وَإِذا اهتَمَّ بِشَأنِ إِخوانِهِ، وَتَفَقَّدَ أَخبارَهُم لا لِلتَّسَلِّي، وَلٰكِن لِيَعرِفَ أَلَمَهُم وَيَشعُرَ بِمُصابِهِم، فَهٰذا مِن حُسنِ حالِهِ إِن صَلَحَت نِيَّتُهُ.
وَنَحنُ بِحاجَةٍ إِلى أَن نَشعُرَ بِأَلَمِ إِخوانِنا، فَما أَلَمُنا بِالنِّسبَةِ إِلَى أَلَمِهِم؟ وَما حُزنُنا بِالنِّسبَةِ إِلَى أُمٍّ حَمَلَت طِفلَها جَرِيحًا، فَلَمّا أَوصَلَتهُ إِلَى المُستَشفى قُصِفَ المُستَشفى، فَماتَ طِفلُها أَمامَ عَينَيها، وَلَم تَجِد أَمانًا لَها وَلَا لِطِفلِها أَينَما ذَهَبَت؟ إِنَّ أَقَلَّ ما يَصنَعُهُ المُسلِمُ أَن يَرى ما يَنزِلُ بِإِخوانِهِ، ثُمَّ يَسأَلَ نَفسَهُ: ماذا أَستَطِيعُ أَن أُقَدِّمَ لِنُصرَةِ فِلَسطِينَ؟ وَكَيْفَ أَستَطِيعُ أَن أَنصُرَ أُمَّتِي؟ وَكَيْفَ أَستَطِيعُ أَن أَنصُرَ الإِسلامَ فِي هٰذا الوَقتِ؟
فَيَا شَبابَ الأُمَّةِ وَرِجالَها، إِنَّ مِن نُصرَةِ الإِسلامِ وَنُصرَةِ الدِّينِ أَن تَتَمَسَّكُوا بِطاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَن تَنصُرُوا دِينَ اللهِ تَعالى، فَلَعَلَّ اللهَ تَعالى أَن يُهَيِّئَ الأَسبابَ، وَلَا بُدَّ أَن يَتَغَيَّرَ الحالُ، وَلَن يَبقى الحالُ عَلَى ما هُوَ عَلَيهِ. فَما يَفعَلُهُ المُؤمِنُ مِن خَيرٍ فَلَن يُكفَرَهُ، وَلَن يَضِيعَ عِندَ اللهِ تَعالى.
وَقِيلَ فِي مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَلَن يُكفَرُوهُ﴾ أَي لا يُبطِلُ اللهُ ثَوابَ عَمَلِهِم. فَمَن عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَصَلّى، أَو حَجَّ، أَو زَكّى، أَو صامَ، وَأَتى بِالعِبادَةِ عَلَى وَجهِها، مُتَجَرِّدًا مِنَ الرِّياءِ وَالعُجبِ المُبطِلِ، ثُمَّ وَقَعَ بَعدَ ذٰلِكَ فِي مَعصِيَةٍ، وَلَم يَخرُج مِنَ الإِسلامِ، فَلَا يُقالُ: قَد ضاعَت صَلاتُهُ، أَو بَطَلَ حَجُّهُ، أَو لا قِيمَةَ لِعِبادَتِهِ؛ فَهٰذا لَيسَ بِالهَوى، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فَمَن وَقَعَ فِي مَعصِيَةٍ فَهِيَ مَعصِيَةٌ يُحاسَبُ عَلَيها، أَمَّا العِبادَةُ الَّتِي أَتَى بِها بِأَركانِها وَشُرُوطِها، فَثَوابُها عِندَ اللهِ تَعالى، وَاللهُ لا يُبطِلُ ثَوابَها بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ بَعدَ ذٰلِكَ فِي مَعصِيَةٍ لا تُخرِجُهُ مِنَ الإِسلامِ.
وَمِنَ الفَوائِدِ اللَّطِيفَةِ فِي بابِ الصَّبرِ أَنَّ المُسلِمَ إِذا نَزَلَ بِهِ البَلاءُ، فَإِنَّهُ يُؤجَرُ عَلَيهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ، ما دامَ لَم يُقابِل ذٰلِكَ البَلاءَ بِمَعصِيَةِ اللهِ تَعالى. فَالشَّرطُ فِي حُصُولِ ثَوابِ الصَّبرِ أَلَّا يُقابِلَ العَبدُ البَلاءَ بِمَعصِيَةٍ، كَالتَّسَخُّطِ المُحَرَّمِ أَوِ الاعتِراضِ عَلَى اللهِ تَعالى. فَإِذا صُبَّ عَلَيهِ البَلاءُ فَصَبَرَ وَلَم يَعصِ اللهَ بِسَبَبِهِ، أُجِرَ عَلَى صَبرِهِ.
وَلِذٰلِكَ، فَإِذا كانَت أُمَّتُنا اليَومَ مَكلُومَةً مُصابَةً، وَكانَ إِخوانُنا هُمُ الَّذِينَ يُقتَلُونَ وَيُقَصَفُونَ، فَهٰذا بَلاءٌ عَلَيهِم وَبَلاءٌ عَلَينا. فَإِذا لَم نُقابِل هٰذا البَلاءَ بِمَعصِيَةِ اللهِ تَعالى، رُجِيَ لَنا الأَجرُ عَلَى صَبرِنا وَحُزنِنا لِفَقدِ إِخوانِنا، ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالى لا يُبطِلُ هٰذا الثَّوابَ، بَل يُجزِلُ لِلصّابِرِينَ ثَوابَهُم.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]
فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ لِلمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَّوابِ؛ فَكَأَنَّ المَعنى: أَبشِرُوا أَيُّها المُتَّقُونَ، وَأَبشِرُوا يا مَن تَعمَلُونَ الصّالِحاتِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى عَلِيمٌ بِكُم، لا يَخفى عَلَيهِ مِن حالِكُم شَيءٌ، وَلَن يَحرِمَكُم أُجُورَكُم.
وَاللهُ تَعالى ذُو عِلمٍ بِمَنِ اتَّقاهُ، يَعلَمُ مَن يَتَّقِيهِ، وَمَن يُطِيعُهُ، وَمَن يَجتَنِبُ مَعاصِيَهُ، وَيَحفَظُ الأَعمالَ الصَّالِحَةَ لِيُثِيبَ عِبادَهُ الصَّالِحِينَ عَلَيها، وَيُجازِيَهُم بِها. فَجاءَتِ البِشارَةُ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾؛ لِأَنَّ ما كانَ عِندَ اللهِ تَعالى لا يَضِيعُ، وَمَن عَلِمَهُ اللهُ مِن أَهلِ التَّقوى قَبِلَ مِنهُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ، وَلَم يَجحَدْهُ، وَلَم يُبطِلْهُ.
وَاللهُ تَعالى مِن أَسمائِهِ الشَّكُورُ، وَالشَّكُورُ هُوَ الَّذِي يَقبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَيُعطِي عَلَيهِ الجَزِيلَ مِنَ الثَّوابِ. فَقَد يُبتَلى الإِنسانُ بَبَلاءٍ عَظِيمٍ، كَمَن يُقتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، سَواءٌ أَكانَ ذٰلِكَ فِي شَهادَةِ المَعرَكَةِ أَم فِي غَيرِها مِن أَنواعِ الشَّهادَةِ، فَيَتَعَرَّضُ لِلخَوفِ وَالإِرهابِ، وَرُبَّما يَفقِدُ بَعضَ إِخوانِهِ وَأَحبَّتِهِ وَأَقرَبِ النّاسِ إِلَيهِ، ثُمَّ يَمضِي إِلَى رَبِّهِ شَهِيدًا، فَيَكونُ أَجرُهُ عِندَ اللهِ تَعالى عَظِيمًا، وَلا يَضِيعُ عِندَهُ شَيءٌ مِن ذٰلِكَ.
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ أَنواعَ الشَّهادَةِ عَظِيمَةٌ فِي الشَّرعِ، فَمَن خَرَجَ مِنَ الدُّنيا شَهِيدًا، وَلَو لَم تَكُن شَهادَتُهُ شَهادَةَ مَعرَكَةٍ، كَمَن ماتَ تَحتَ الهَدمِ، أَو ماتَ بِالحَرَقِ، أَو ماتَ بِالغَرَقِ، أَو ماتَ غَرِيبًا، أَو قَتَلَهُ داءُ البَطنِ، أَو ماتَ بِغَيرِ ذٰلِكَ مِن أَنواعِ الشَّهادَةِ، فَإِنَّهُ يَنالُ فَضلًا عَظِيمًا، وَيُرجى لَهُ أَلَّا يُعَذَّبَ فِي قَبرِهِ وَلَا فِي الآخِرَةِ. فَلنَعلَم مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ بَرَكَةَ الإِيمانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ ذٰلِكَ لا يُكفَرُ عِندَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى.
فَالشَّهادَةُ مَرتَبَةٌ عالِيَةٌ وَدَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ عِندَ اللهِ تَعالى، وَمِنَ العَجَبِ أَنَّ بَعضَ النّاسِ يَتَجَنَّبُ أَن يَقولَ عَمَّن قُتِلَ بِقَصفِ اليَهُودِ: هُوَ شَهِيدٌ، وَلا يُرِيدُ أَن يَقولَ إِلَّا: هُوَ ضَحِيَّةٌ. فَلِماذا يَنعَقِدُ لِسانُهُ عَن نُطقِ كَلِمَةِ شَهِيدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ بِإِذنِ اللهِ؟ إِنَّ اعتِلالَ اللِّسانِ هُنا قَد يَدُلُّ عَلَى اعتِلالِ الفِكرِ وَالقَلبِ، وَعَلَى قَسوَةٍ وَمَوتٍ فِي القُلوبِ، وَالعِياذُ بِاللهِ تَعالى مِن قُلوبٍ لا تَتَحَرَّكُ لِمُصابِ المُسلِمِينَ.
نَعُوذُ بِاللهِ مِن شَرِّ مَن يُساوُونَ بَينَ مَن يُقتَلُ مِنَ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ وَبَينَ أَهلِ الشِّركِ وَالكُفرِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شَرِّ مَن لا يَتَأَلَّمُونَ لِمَوتِ إِخوانِهِم، وَلا تَتَحَرَّكُ قُلُوبُهُم وَهُم يُشاهِدُونَ عَلَى أَرضِ الأَنبِياءِ، وَعَلَى الأَرضِ المُبارَكَةِ، أَرضِ فِلَسطِينَ، دِماءَ إِخوانِهِم تَسِيلُ. كَأَنَّ أَبصارَهُم فِي عَمايَةٍ، وَكَأَنَّ آذانَهُم أَصابَها الصَّمَمُ، فَلَا يَسمَعُونَ نِداءَ الأُمَّهاتِ، وَلَا نِداءَ الأَطفالِ، وَلَا نِداءَ المُستَغِيثِ، وَلَا نِداءَ المُستَضعَفِ.
وَهٰذِهِ الدُّنيا دَوّارَةٌ؛ فَمَن تَراهُ اليَومَ ضَعِيفًا قَد يَكونُ غَدًا قَوِيًّا، وَمَن يَظُنُّ نَفسَهُ قَوِيًّا قَد يَصِيرُ ضَعِيفًا. وَإِن لَم يَرَ الإِنسانُ ذٰلِكَ بِعَينِهِ فِي الدُّنيا، فَليَتَذَكَّر أَنَّ الدُّنيا ساعَةٌ، وَأَنَّنا راحِلُونَ عَنها، وَأَنَّ الخُصُومَ يَتَلاقَونَ يَومَ القِيامَةِ.
فَيَومَ القِيامَةِ قَد يَقِفُ الطِّفلُ الَّذِي كانَ بَعضُ النّاسِ قادِرِينَ عَلَى نُصرَتِهِ، فَيُحاجِجُ مَن خَذَلَهُ، وَيَقولُ: أَنتَ ما نَصَرتَني، وَما أَغَثتَني، وَتَرَكتَني أُقتَلُ. رَأَيتَ اليَهُودَ كَأَنَّهُم يَستَصدِرُونَ لِي شَهادَةَ الوَفاةِ قَبلَ أَن أَموتَ، وَهُم يُحرِقُونَني بِالصَّوارِيخِ أَينَما تَوَجَّهتُ؛ فِي بَيتِي، ثُمَّ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ فِي سَيّارَةِ الإِسعافِ، ثُمَّ فِي المُستَشفى، وَأَنتَ تَرى ذٰلِكَ كُلَّهُ وَلَا تُحَرِّكُ ساكِنًا.
وَقَد يَأتي مَن ماتَ مِنَ الجُوعِ، فَيَقولُ لِمَن كانَ قادِرًا عَلَى إِطعامِهِ: كُنتَ قادِرًا عَلَى إِغاثَتِي وَإِطعامِي، فَلَم تُطعِمنِي. وَقَد يَأتي مَن ماتَ عَطَشًا، فَيَقولُ: كُنتَ فِي مَكانِكَ تَغتَرِفُ مِنَ الماءِ، وَأَنا أُحرَمُ مِن قَطرَةِ ماءٍ، وَلَم تُحَرِّك ساكِنًا لِنُصرَتِي. فَيَومَ القِيامَةِ تَتَلاقَى الخُصُومُ، وَيُواجِهُ المُقَصِّرُونَ تَقصِيرَهُم بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.
وَكَذٰلِكَ الجَرِيحُ الَّذِي تُعلِنُ المُستَشفَياتُ أَنَّها لا تَقدِرُ عَلَى إِجراءِ العَمَلِيّاتِ الجِراحِيَّةِ لَهُ، فَما مَعنى ذٰلِكَ؟ لَو أَنَّ واحِدًا مِنّا جُرِحَ، ثُمَّ دَخَلَ الطَّوارِئَ، فَقِيلَ لَهُ: لَيسَت لَكَ عَمَلِيَّةٌ اليَومَ، وَعَمَلِيَّتُكَ غَدًا، لَقالَ: إِنَّني أَتَأَلَّمُ، وَلا أَستَطِيعُ الصَّبرَ، وَدَمِي يَسِيلُ. وَقَد يُقالُ لَهُ بَعدَ ساعَةٍ، أَو بَعدَ وَقتٍ قَرِيبٍ. أَمَّا هُناكَ فَلَيسَ هُناكَ بَعدَ ساعَةٍ، وَلَا بَعدَ يَومٍ، وَلَا سَرِيرٌ، بَل يُترَكُ الجَرِيحُ فِي مَمَرّاتِ المُستَشفَياتِ، وَدَمُهُ يَسِيلُ، وَلَيسَ هُناكَ مَن يُغِيثُهُ كَما يَنبَغِي.
فَهٰذا كُلُّهُ سيُوافى بِهِ يَومَ القِيامَةِ مَن قَصَّرَ وَمَن لَم يَفعَل ما قَدَرَ عَلَيهِ. أَمَّا الَّذِي يَبذُلُ فِي خِدمَةِ الإِسلامِ، وَفِي خِدمَةِ المُسلِمِينَ، وَفِي نُصرَةِ فِلَسطِينَ وَغَزَّةَ، وَفِي نُصرَةِ إِخوانِهِ أَينَما كانُوا، فَلَن يُكفَرَ شَيئًا مِن ذٰلِكَ، وَلَن يَضِيعَ عِندَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى.
فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى لا يَخِيبُ عِندَهُ قاصِدٌ، وَلَا يَخسَرُ عِندَهُ تاجِرٌ بِالآخِرَةِ، وَلَا يَستَوحِشُ مَعَهُ مَنِ اتَّقاهُ، وَلَا يَذِلُّ للهِ طالِبٌ. فَما دُمنا نَدعُو اللهَ وَنَسأَلُهُ، فَلَن نَذِلَّ، وَما دُمتُم يا أَهلَ غَزَّةَ وَيا أَهلَ فِلَسطِينَ تَسأَلُونَ اللهَ، فَلَن تَذِلُّوا، وَلَو أُصِبتُم وَقُهِرتُم إِلَى حِينٍ، فَإِنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالى عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ، وَلَا يَضِيعُ عِندَهُ شَيءٌ مِن عَمَلٍ صالِحٍ قَدَّمتُمُوهُ لِوَجهِهِ الكَرِيمِ.