بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مَثَلُ ما يُنفِقُونَ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَت حَرثَ قَومٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم فَأَهلَكَتهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]
مَثَلُ ما يُنفِقُهُ الكافِرُونَ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا، سَواءٌ أَكانَ فِي المَفاخِرِ وَالمَكارِمِ وَكَسبِ الثَّناءِ وَحُسنِ الذِّكرِ بَينَ النّاسِ، أَم كانَ فِي وُجُوهٍ يَظُنُّونَ أَنَّها تَنفَعُهُم مَعَ بَقائِهِم عَلَى الكُفرِ، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ. وَهٰذا تَأكِيدٌ لِلمَعنى الَّذِي تَقَدَّمَ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿لَن تُغنِيَ عَنهُم أَموالُهُم وَلَا أَولادُهُم مِنَ اللهِ شَيئًا﴾ [آل عمران: ١١٦].
فَقَد ضَرَبَ اللهُ تَعالى لِنَفَقاتِهِم مَثَلًا بِزَرعٍ اعتَنى بِهِ صاحِبُهُ، وَرَجا ثَمَرَهُ وَنَفعَهُ، ثُمَّ جاءَتهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ فَأَهلَكَتهُ، فَلَم يَبقَ لَهُ مِن زَرعِهِ ما يَنتَفِعُ بِهِ. وَكَذٰلِكَ ما يَبذُلُهُ الكافِرُ مِن مالٍ مَعَ كُفرِهِ لا يَنفَعُهُ فِي الآخِرَةِ، بَل يَذهَبُ أَثَرُهُ عِندَ اللهِ مِن حَيثُ الثَّوابُ الأُخرَوِيُّ؛ لِفَقدِ شَرطِ القَبولِ، وَهُوَ الإِيمانُ.
﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]
قالَ أَهلُ التَّفسِيرِ: فِي الآيَةِ تَقدِيرٌ، أَي كَمَثَلِ مُهلِكِ رِيحٍ، فَضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلَ المالِ الَّذِي يُنفِقُونَهُ وَيُرِيدُونَ بِهِ النَّفعَ، وَهُم عَلَى كُفرِهِم، بِزَرعٍ أَصابَتهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ فَأَهلَكَتهُ.
وَالصِّرُّ، كَما قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، هُوَ البَردُ الشَّدِيدُ. وَمِثلُ ذٰلِكَ ما يُعرَفُ فِي الدُّنيا بِمَوجاتِ الصَّقِيعِ عِندَ شِدَّةِ الشِّتاءِ، فَيُقالُ: احْتَرَقَ الزَّرعُ أَو تَلِفَ المَحصُولُ بِسَبَبِ البَردِ الشَّدِيدِ. فَإِذا كانَ هٰذا فِي رِياحِ الدُّنيا وَبَردِها، فَكَيفَ بِما أَعَدَّهُ اللهُ تَعالى فِي الآخِرَةِ؟
﴿أَصابَت حَرثَ قَومٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم فَأَهلَكَتهُ﴾ [آل عمران: ١١٧]
أَي أَصابَت هٰذِهِ الرِّيحُ ذاتُ البَردِ الشَّدِيدِ زَرعَ قَومٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم بِالكُفرِ وَالمَعاصِي، فَأَهلَكَتهُ. فَسَلَّطَ اللهُ تَعالى عَلَيهِم رِياحًا شَدِيدَةَ البَردِ، فَأَتلَفَت زَرعَهُم، وَذَهَبَ عَنهُم ما كانُوا يَرجُونَ نَفعَهُ.
وَكَذٰلِكَ ما يَبذُلُهُ الكافِرُونَ مِن أَموالٍ مَعَ كُفرِهِم بِاللهِ، فَهُوَ لا يَنفَعُهُم فِي الآخِرَةِ، كَزَرعٍ أَصابَتهُ الرِّيحُ البارِدَةُ المُهلِكَةُ، فَأَحرَقَتهُ وَدَمَّرَتهُ، فَماذا يَبقى مِن زَرعٍ أَصابَتهُ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بارِدَةٌ أَفسَدَتهُ وَأَذهَبَت نَفعَهُ؟
وَقَد أَهلَكَ اللهُ تَعالى قَومَ عادٍ بِالرِّيحِ، وَكانَت أَجسامُهُم ضَخمَةً، وَكانُوا يَفتَخِرُونَ بِقُوَّتِهِم وَمَناعَةِ بُيُوتِهِم، فَلَمّا جاءَتهُمُ الرِّيحُ بِأَمرِ اللهِ تَعالى حَمَلَتهُم وَأَهلَكَتهُم، وَفَصَلَت رُؤُوسَهُم عَن أَجسادِهِم، فَصارُوا جُثَثًا لا حَراكَ بِها. وَقَد كانَ ذٰلِكَ بِأَمرِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى وَتَقدِيرِهِ.
وَالرِّيحُ مَخلُوقَةٌ مَأمُورَةٌ، وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ: «لا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِنَّها مَأمُورَةٌ». فَإِذا هَبَّتِ الرِّيحُ، فَمِنَ المُستَحَبِّ أَن يَقولَ المُسلِمُ: اللّٰهُمَّ إِنّا نَسأَلُكَ خَيرَها وَخَيرَ ما جاءَت بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وَشَرِّ ما جاءَت بِهِ. فَقَد تَكونُ الرِّيحُ نِعمَةً فِي مَكانٍ، وَنِقمَةً فِي مَكانٍ آخَرَ.
وَلَمّا اجتَمَعَتِ الأَحزابُ عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكانَ عَدَدُهُم نَحوَ عَشَرَةِ آلافٍ، وَكانَ المُسلِمُونَ مُحاصَرِينَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، قامَ النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو عَلَيهِم. وَفِي هٰذا تَأكِيدٌ لِأَهَمِّيَّةِ الدُّعاءِ، وَأَنَّ المُسلِمَ لا يَفتُرُ عَنهُ وَلَا يَترُكُهُ، مَعَ الأَخذِ بِالأَسبابِ؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ الأَسبابَ، وَحَفَرَ المُسلِمُونَ الخَندَقَ، وَاستَعَدُّوا لِلِقاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ لَجَؤُوا إِلَى اللهِ تَعالى بِالدُّعاءِ.
وَقَد جاءَ فِي مُسنَدِ الإِمامِ أَحمَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ يَدعُو عَلَى الأَحزابِ فِي مَوقِفٍ يُعرَفُ اليَومَ فِي المَدِينَةِ بِمَسجِدِ الفَتحِ، مِنَ المَساجِدِ السَّبعَةِ، فَدَعا يَومَ الاثنَينِ وَيَومَ الثُّلاثاءِ، حَتّى جاءَهُ النَّصرُ وَالفَرَجُ يَومَ الأَربِعاءِ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ، إِذ سَلَّطَ اللهُ تَعالى عَلَى المُشرِكِينَ رِياحًا شَدِيدَةً، فَقَلَعَت خِيامَهُم، وَدَبَّ الرُّعبُ فِي قُلُوبِهِم.
وَكانَ سَيِّدُنا جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ الأَنصارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَتَحَرّى الدُّعاءَ فِي مَوقِفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِلكَ السّاعَةَ يَومَ الأَربِعاءِ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ، فَكانَ إِذا أَرادَ حاجَةً أَن تُقضى لَهُ بِإِذنِ اللهِ تَعالى، ذَهَبَ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ إِلَى ذٰلِكَ المَوقِفِ وَدَعا اللهَ تَعالى.
فَنَصَرَ اللهُ تَعالى المُسلِمِينَ بِالرِّيحِ، وَجَعَلَ الرِّيحَ جُندًا مِن جُنودِهِ، كَما يَجعَلُها عَذابًا عَلَى مَن شاءَ. فَالكافِرُونَ مَهما أَنفَقُوا مِن أَموالٍ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا، فَإِنَّ مَثَلَ أَموالِهِم كَمَثَلِ زَرعٍ أَصابَتهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ، أَي بَردٌ شَدِيدٌ، فَأَهلَكَتهُ.
﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]
اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى يَستَحِيلُ عَلَيهِ الظُّلمُ شَرعًا وَعَقلًا، فَالظُّلمُ قَد يَحصُلُ مِنَ المَخلُوقِ، أَمَّا الخالِقُ سُبحانَهُ وَتَعالى فَيَستَحِيلُ أَن يَكونَ ظالِمًا. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وَمَعنى الظُّلمِ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَقِيلَ: هُوَ مُخالَفَةُ أَمرِ وَنَهيِ مَن لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ. وَاللهُ تَعالى لا آمِرَ لَهُ وَلَا ناهِيَ لَهُ، وَالخَلقُ كُلُّهُم مِلكٌ لِلهِ، وَاللهُ تَعالى يَفعَلُ فِي مِلكِهِ ما يُرِيدُ، فَيَستَحِيلُ أَن يَكونَ رَبُّ العالَمِينَ ظالِمًا.
وَقَد جاءَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ سَماواتِهِ وَأَهلَ أَرضِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم لَكانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمالِهِم». وَمِن أَهلِ السَّماواتِ المَلائِكَةُ، وَهُم لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم، وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ، وَهُم مَجبُولُونَ عَلَى طاعَةِ اللهِ، لا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ، وَلَا يَتعَبُونَ كَتَعَبِ البَشَرِ، وَهُم أَقوى خَلقِ اللهِ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَلَو عَذَّبَهُمُ اللهُ لَم يَكُن ظالِمًا لَهُم؛ لِأَنَّهُ المالِكُ المُطلَقُ، الفَعّالُ لِما يُرِيدُ.
فَإِذا ابتَلى اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى الأَنبِياءَ فِي هٰذِهِ الدُّنيا، فَلَيسَ ذٰلِكَ ظُلمًا مِنهُ تَعالى، وَإِذا ابتَلى المُسلِمِينَ بِأَنواعِ البَلاءِ، كَما يَقَعُ اليَومَ مِن نَكبَةٍ وَبَلاءٍ فِي فِلَسطِينَ، فَلَيسَ ذٰلِكَ ظُلمًا مِنَ اللهِ تَعالى، بَل اللهُ سُبحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، يَبتَلِي عِبادَهُ وَيَرفَعُ دَرَجاتِهِم، وَيَختَبِرُ صَبرَهُم وَثَباتَهُم.
أَمَّا الكافِرُونَ، فَما يَنزِلُ بِهِم مِن عُقوبَةٍ فَهُوَ نِقمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى وَتَعجِيلٌ لِبَعضِ العُقوبَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم بِالكُفرِ وَالعِنادِ. وَأَمَّا المُسلِمُ فَإِذا نَزَلَ بِهِ البَلاءُ فَصَبَرَ، كانَ ذٰلِكَ ابتِلاءً يَرفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَتَهُ. وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ».
وَلَو كانَتِ الدُّنيا تَساوِي عِندَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، ما سَقى الكافِرَ مِنها جُرعَةَ ماءٍ. وَقَد جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّكَ. فَقالَ ﷺ: «انظُر ماذا تَقُولُ». فَأَعادَها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّكَ. فَقالَ ﷺ: «انظُر ماذا تَقُولُ». فَأَعادَها ثالِثَةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّكَ. فَقالَ ﷺ: «إِنَّ البَلاءَ أَسرَعُ إِلَى مَن يُحِبُّنِي مِنَ السَّيلِ عِندَ نُزُولِهِ».
فَأَهلُ الصَّلاحِ أَهلُ ابتِلاءٍ فِي هٰذِهِ الدُّنيا، وَقَد قالَ بَعضُ العارِفِينَ: وُرُودُ الفاقاتِ أَعيادُ المُرِيدِينَ. أَي إِنَّ ما يَنزِلُ بِالعَبدِ مِن فَقرٍ أَو حاجَةٍ أَو بَلاءٍ قَد يَكونُ سَبَبًا لِرَفعِ دَرَجَتِهِ إِذا قابَلَهُ بِالصَّبرِ وَالرِّضا وَالثَّباتِ عَلَى طاعَةِ اللهِ تَعالى.
لا يَزالُ الكَلامُ فِي بَيانِ حالِ الكافِرِينَ وَأَعمالِهِم، وَقَد كَثُرَ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ذِكرُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكافِرَ، مَهما عَمِلَ مِن أَعمالٍ يَظُنُّها صالِحَةً، فَإِنَّ عَمَلَهُ لا يَكونُ مَقبُولًا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذا ماتَ عَلَى غَيرِ الإِيمانِ؛ لِأَنَّ الإِيمانَ بِاللهِ تَبارَكَ وَتَعالى شَرطٌ فِي قَبولِ العَمَلِ الصّالِحِ.
وَتَوبَةُ الكافِرِ إِنَّما تَكونُ بِالدُّخولِ فِي الإِسلامِ، وَالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ؛ سَواءٌ أَكانَ كافِرًا أَصلِيًّا، أَم كانَ مُرتَدًّا، أَي كانَ مُسلِمًا ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الإِسلامِ. فَمَن صارَ كافِرًا لا تَكونُ تَوبَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَولِهِ: أَستَغفِرُ اللهَ، وَلَا بِقَولِهِ: سُبحانَ اللهِ، وَلَا بِالصَّلاةِ، وَلَا بِالغُسلِ، وَلَا بِالوُضوءِ، وَلَا بِالصَّدَقَةِ، وَلَا بِمُساعَدَةِ الفُقَراءِ، وَلَا بِكَفالَةِ الأَيتامِ؛ فَكُلُّ هٰذِهِ الأَعمالِ لا تُقبَلُ مِنهُ حَتّى يَدخُلَ فِي الإِسلامِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ يَصِيرُ عَمَلُهُ مَقبُولًا إِذا أَتَى بِهِ عَلَى وَجهِهِ الصَّحِيحِ.
فَإِذا لَم يَكُنِ الإِنسانُ مُؤمِنًا، فَآياتُ القُرآنِ الكَرِيمِ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ لا يُقبَلُ عِندَ اللهِ تَعالى. وَلِزِيادَةِ تَأكِيدِ هٰذا المَعنى ذَكَرَ اللهُ تَعالى نَفَقَةَ الكافِرِينَ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا، فَشَبَّهَها بِزَرعٍ تَعِبَ أَهلُهُ فِي خِدمَتِهِ وَتَربِيَتِهِ، ثُمَّ جاءَت رِيحٌ فِيها صِرٌّ، أَي بَردٌ شَدِيدٌ، فَأَهلَكَتهُ وَأَحرَقَتهُ، فَلَم تُبقِ مِنهُ شَيئًا يَنتَفِعُونَ بِهِ.
وَالصِّرُّ، كَما قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، هُوَ البَردُ الشَّدِيدُ. فَهٰذِهِ الرِّيحُ بِشِدَّةِ بَردِها تُتلِفُ الزَّرعَ وَتُذهِبُ نَفعَهُ، وَكَذٰلِكَ الكافِرُ، لَو عَمِلَ أَعمالًا كَالجِبالِ فِي الظّاهِرِ، فَإِنَّها لا تَبقى لَهُ فِي الآخِرَةِ، لِأَنَّهُ لَيسَ مُؤمِنًا بِاللهِ تَعالى.
وَلِذٰلِكَ قالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: إِنَّهُم ما وَجَدُوا مِيراثَ ما بَذَلُوا لِغَيرِ اللهِ إِلَّا حَسَراتٍ مُتَتابِعَةً. أَي إِنَّ أَعمالَهُم لَمّا لَم تَكُن لِلهِ، وَلَم تَكُن مَبنيَّةً عَلَى الإِيمانِ، صارَ مَآلُها الحَسرَةَ يَومَ القِيامَةِ. فَمَن رَبّى فِي بَيتِهِ ما يُهلِكُهُ، كَمَن يُرَبِّي الثَّعابِينَ، ثُمَّ آذَتهُ وَآذَت أَهلَهُ، فَما مِيراثُ عَمَلِهِ إِلَّا الحَسرَةُ. وَكَذٰلِكَ أَعمالُ الكافِرِينَ تَكونُ عَلَيهِم حَسَراتٍ يَومَ القِيامَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى لَم يَقبَلها مِنهُم، فَتَصِيرُ هَباءً مَنثورًا، وَيُواجِهُونَ بَعدَ ذٰلِكَ عَذابَ الآخِرَةِ.
فَما حَصَلُوا مِن حِساباتِهِم وَظُنُونِهِم إِلَّا عَلَى مِحَنٍ مُتَرادِفَةٍ، وَتِلْكَ تَبِعَةُ مَن أَعرَضَ وَتَوَلّى عَن طاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَالكافِرُ الَّذِي يُنفِقُ مالَهُ، وَلَو زَعَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ القُربَةَ، لا يُقبَلُ عَمَلُهُ ما دامَ قَد جَحَدَ وَحدانِيَّةَ اللهِ وَلَم يُؤمِن بِهِ.
وَكَذٰلِكَ مَن كَذَّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَهما فَعَلَ، وَمَهما أَظهَرَ مِن لِينٍ أَو مُسالَمَةٍ، فَإِنَّهُ لا يَكونُ مُؤمِنًا حَتّى يُصَدِّقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَسَيَأتِي فِي الآيَةِ التّالِيَةِ بَيانٌ أَعظَمُ لِحالِ مَن يُظهِرُ ما لا يُبطِنُ، وَذٰلِكَ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿قَد بَدَتِ البَغضاءُ مِن أَفواهِهِم وَما تُخفِي صُدُورُهُم أَكبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
فَمَهما أَظهَرَ أَهلُ الكُفرِ المُحارِبُونَ لِدِينِ اللهِ مِن مُسالَمَةٍ أَو مُوادَعَةٍ، فَإِنَّ المُؤمِنَ لا يَغتَرُّ بِذٰلِكَ، وَلا يُقَدِّمُ مَظاهِرَ المُداراةِ عَلَى ما بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن حَقائِقِ الأُمُورِ. فَمَن يُظهِرُ لَكَ المَوَدَّةَ، ثُمَّ يَجحَدُ وَحدانِيَّةَ اللهِ، أَو يَنسبُ إِلَى اللهِ الوَلَدَ، أَو يُكَذِّبُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَو يَستَحِلُّ دِماءَ المُسلِمِينَ، فَلا يَصِحُّ أَن يُوثَقَ بِباطِنِهِ فِي أَمرِ الدِّينِ وَالمِلَّةِ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي بَيانِ كُفرِ مَن قالَ بِالتَّثليثِ: ﴿لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. وَمَن كانَ عَلَى عَقِيدَةٍ تُخالِفُ التَّوحِيدَ، أَو يَشتُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، أَو يَشتُمُ الإِسلامَ، أَو يَستَحِلُّ دِماءَ المُسلِمِينَ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ إِظهارِهِ المُسالَمَةَ لا يَجعَلُهُ مَوضِعَ ثِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ دِينِيَّةٍ.
فَالمُؤمِنُ يَبغَضُ الكُفرَ وَالشِّركَ وَالعُدوانَ وَالظُّلمَ، وَيَبغَضُ مَن قامَ بِهٰذِهِ الأَوصافِ مِن حَيثُ ما قامَ بِهِ مِن بُغضِ دِينِ اللهِ وَمُحارَبَتِهِ، لا اتِّباعًا لِهَوى النَّفسِ، بَل امتِثالًا لِما بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن وَجوبِ مُفارَقَةِ الكُفرِ وَأَهلِهِ فِي الدِّينِ وَالوَلاءِ.
وَمَثَلُ نَفَقاتِهِم، كَما قالَ اللهُ تَعالى، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ، أَصابَت حَرثَ قَومٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم. فَقَد زَرَعَ أُولٰئِكَ القَومُ زَرعَهُم، وَأَمَّلُوا إِدراكَهُ، وَرَجَوا رِيعَهُ وَفائِدَتَهُ، ثُمَّ جاءَت هٰذِهِ الرِّيحُ البارِدَةُ المُحرِقَةُ، فَأَفسَدَت زَرعَهُم وَأَذهَبَتهُ، فَلَم يَبقَ لَهُم مِن نَفعِهِ شَيءٌ. وَكَذٰلِكَ نَفَقَةُ الكافِرِ، لا يَقبَلُ اللهُ تَعالى مِنها شَيئًا مَعَ بَقائِهِ عَلَى الكُفرِ.
وَلا حَاجَةَ بِالمُسلِمِ إِلَى أَن يُذِلَّ نَفسَهُ لِمَن كَفَرَ بِاللهِ أَو حارَبَ دِينَ اللهِ، أَو أَن يُظهِرَ لَهُ قُربًا فاسِدًا يُخالِفُ حَقِيقَةَ الوَلاءِ لِلهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤمِنِينَ. فَباطِنُ مَن يُعادِي الدِّينَ لَيسَ مَعَ المُؤمِنِينَ، وَظاهِرُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَواقِفِ يَكشِفُ ذٰلِكَ، لا سِيَّما عِندَما يُؤَيِّدُ الظّالِمِينَ فِي استِحلالِ دِماءِ المُسلِمِينَ، أَو يُهَوِّنُ مِن قَتلِ الأَطفالِ وَالنِّساءِ وَالمَدنِيِّينَ، أَو يُسَمِّي الظُّلمَ دِفاعًا عَنِ النَّفسِ.
وَقَد يَستَعمِلُ أَهلُ العُدوانِ عِباراتٍ مُزَيَّفَةً، كَحُقوقِ الإِنسانِ، وَحَقِّ الدِّفاعِ عَنِ النَّفسِ، ثُمَّ يُبِيدُونَ قُرى وَمُدُنًا، وَيَقتُلُونَ الأَطفالَ وَالنِّساءَ، وَيَزعُمُونَ أَنَّهم يُدافِعُونَ عَن أَنفُسِهِم. وَهٰذا مِن تَحريفِ المَعانِي وَقَلبِ الحَقائِقِ. وَقَد بَيَّنَ القُرآنُ الكَرِيمُ حَقائِقَ الأُمُورِ، وَفَضَحَ حالَ الظّالِمِينَ وَالمُنافِقِينَ وَمَن يُظاهِرُهُم.
فَهٰؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم بِالكُفرِ وَالعُدوانِ، أَهلَكَ اللهُ تَعالى ما قَدَّمُوهُ مِن أَعمالٍ مِن حَيثُ الثَّوابُ الأُخرَوِيُّ، فَلَم يَقبَلها مِنهُم، كَما أَهلَكَتِ الرِّيحُ زَرعَ القَومِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم. فَهٰذا مَثَلٌ فِي إِبطالِ ما قَدَّمَهُ الكافِرُونَ مِن نَفَقاتٍ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا.
وَقَد قِيلَ فِي تَقدِيرِ الآيَةِ: إِنَّ مَثَلَ الكافِرِ الَّذِي أَنفَقَ، فَأَهلَكَ الكُفرُ إِنفاقَهُ، كَمَثَلِ الزَّرعِ الَّذِي أَهلَكَتهُ الرِّيحُ. فَالكُفرُ هُوَ الَّذِي أَبطلَ العَمَلَ وَأَذهَبَ نَفعَهُ فِي الآخِرَةِ، كَما أَنَّ الرِّيحَ البارِدَةَ المُهلِكَةَ هِيَ الَّتِي أَفسَدَتِ الزَّرعَ وَأَذهَبَت نَفعَهُ.
فَهٰؤُلاءِ لا يَقبَلُ اللهُ تَعالى مِنهُم، وَإِن قالُوا بِأَلسِنَتِهِم ما قالُوا، ما دامُوا باقِينَ عَلَى الكُفرِ. وَقَد ظَلَمُوا أَنفُسَهُم، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾.
﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]
أَكبَرُ الظُّلمِ وَأَشَدُّهُ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَد يَستَعمِلُ بَعضُ النّاسِ لَفظَ الظُّلمِ فِي أَمرٍ دُنيَوِيٍّ، فَيَقولُ: أَكبَرُ ظُلمٍ فِي حَياتِي أَنِّي دَخَلتُ فِي هٰذِهِ التِّجارَةِ، أَو أَكبَرُ خَطَإٍ فِي حَياتِي كَذا، وَهُوَ يَقصِدُ أَمرًا مِن أُمُورِ الدُّنيا. وَلٰكِن عِندَ التَّحقِيقِ الشَّرعِيِّ فَأَكبَرُ الغَلَطِ، وَأَكبَرُ الخَطَإِ، وَأَكبَرُ الظُّلمِ، وَأَكبَرُ الذُّنُوبِ، هُوَ الكُفرُ بِاللهِ تَعالى.
وَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا، وَإِنَّما هُم ظَلَمُوا أَنفُسَهُم. وَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى هُوَ المالِكُ الحَقِيقِيُّ لَنا وَلِما نَملِكُ، فَيَفعَلُ ما يُرِيدُ، وَيُعطِي العَبدَ ما شاءَ لا ما يَشاءُ العَبدُ، وَيُنزِلُ البَلاءَ فِي الوَقتِ الَّذِي شاءَ، وَيُنزِلُ الدّاءَ فِي الوَقتِ الَّذِي شاءَ، وَيَهدي عِبادَهُ إِلَى أَسبابِ رَفعِ البَلاءِ وَالدَّواءِ فِي الوَقتِ الَّذِي أَرادَ. فَهُوَ المالِكُ الحَقِيقِيُّ، وَكُلُّ ذٰلِكَ لا يَكونُ ظُلمًا مِنهُ سُبحانَهُ وَتَعالى.
وَقَد قالَ بَعضُ العُلَماءِ، وَهُوَ ابنُ رِسلانَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ:
كَذا لَهُ أَن يُؤلِمَ الأَطفالا ~ وَوَصفُهُ بِالظّالِمِ استِحالا
فَإِذا تَأَلَّمَ طِفلٌ فِي الدُّنيا، فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى يَفعَلُ ما يُرِيدُ بِحِكمَتِهِ، وَهٰذِهِ الدُّنيا لَيست دارَ الجَزاءِ النِّهائِيِّ، بَل بَعدَها الآخِرَةُ، وَهِيَ دارُ الجَزاءِ. وَإِذا ابتَلى اللهُ تَعالى الأَنبِياءَ، وَهُم أَعلَى الخَلقِ دَرَجَةً، فَإِنَّ ذٰلِكَ رَفعٌ لِدَرَجاتِهِم وَإِظهارٌ لِفَضلِهِم، لا ظُلمٌ لَهُم.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكافِرِينَ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم بِما فَعَلُوا، وَأَنَّ كُفرَهُم هُوَ الَّذِي مَحَقَ أَعمالَهُم وَأَبطَلَ قَبولَها. وَفِي هٰذا تَنفِيرٌ شَدِيدٌ مِنَ الكُفرِ بِاللهِ.
فَمَهما أَصابَ المُسلِمِينَ مِن مَصائِبَ وَبَلايا، وَمَهما تَوالَت عَلَيهِمُ النَّكَباتُ، كَما وَقَعَ وَيَقَعُ فِي فِلَسطِينَ، فَلا يَجوزُ لَهُم أَن يَعتَرِضُوا عَلَى اللهِ، وَلَا أَن يَتَسَخَّطُوا عَلَى قَضائِهِ، بَل يَجِبُ عَلَيهِم أَن يُؤمِنُوا بِقَضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَأَن يُسَلِّمُوا لِحُكمِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، مَعَ العَمَلِ وَالأَخذِ بِالأَسبابِ وَالثَّباتِ عَلَى الحَقِّ. وَوَعدُ اللهِ تَعالى بِالنَّصرِ قائِمٌ، وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ.
أَمَّا الكُفرُ فَهُوَ شُؤمٌ عَلَى صاحِبِهِ، وَقَد شُبِّهَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ بِرِيحٍ فِيها صِرٌّ، أَي بِرِيحٍ شَدِيدَةِ البَردِ تُهلِكُ الحَرثَ. وَقَد ذَكَرَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ هٰذِهِ الرِّيحَ تَكونُ كَعُصُوفٍ مِنَ الشَّمالِ فِي إِعصارٍ بَردٍ وَأَنداءٍ، فِي صَباحٍ مُعتِمٍ بَعدَ لَيلَةٍ مُصحِيَةٍ، تَأتي فَتُهلِكُ ما تُصِيبُهُ. وَهٰذا كُلُّهُ تَأكِيدٌ لِأَنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقبَلُ مِنهُ إِذا ماتَ عَلَى كُفرِهِ، وَلَا يَبقى لَهُ مِنهُ شَيءٌ فِي الآخِرَةِ.
فَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ، فَلَيسَ لَهُ رَحمَةٌ فِي الآخِرَةِ تُخرِجُهُ مِنَ النّارِ، وَلَا مَغفِرَةٌ لِكُفرِهِ. وَلِذٰلِكَ لا يُقالُ لِلكافِرِ إِذا عَمِلَ عَمَلًا: تَقَبَّلَ اللهُ، عَلَى وَجهِ الدُّعاءِ بِقَبولِ العَمَلِ الأُخرَوِيِّ مِنهُ، ما دامَ عَلَى كُفرِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ فِي مَثَلِ نَفَقاتِهِم: ﴿مَثَلُ ما يُنفِقُونَ فِي هٰذِهِ الحَياةِ الدُّنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾.
وَقَد كانَتِ العَرَبُ تَعرِفُ مِن أَسماءِ الرِّياحِ ما يَدُلُّ عَلَى أَثَرِها، فَيُقالُ: رِيحُ العَذابِ الدَّبُورُ، وَرِيحُ الرَّحمَةِ الصَّبا. وَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يُهلِكَ أَعداءَهُ بِما شاءَ مِن جُنودِهِ، كَما أَهلَكَ عادًا وَثَمُودَ وَمَن سَبَقَهُم مِنَ الظّالِمِينَ.
وَالرِّيحُ مِمّا يُرسِلُهُ اللهُ تَعالى بِتَقدِيرٍ مَعلُومٍ، وَإِن ظَهَرَ لِلنّاسِ بَعضُ أَسبابِها وَعَلاماتِها فِي الغِلافِ الجَوِّيِّ وَغَيرِهِ، فَحَقِيقَتُها أَنَّها لا تَخرُجُ عَن تَدبِيرِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ. فَقَد تَأتي الرِّيحُ إِلَى مَكانٍ مُعَيَّنٍ فَتَقتَلِعُ وَتُدمِّرُ إِلَى حَدٍّ لا تَتَجاوَزُهُ، وَذٰلِكَ كُلُّهُ بِتَقدِيرِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى.
وَتُسَمِّي العَرَبُ هٰذَا البَردَ المُهلِكَ ضَرِيبًا، فَيُقالُ: أَصابَهُ الضَّرِيبُ، أَي أَصابَهُ صِرٌّ وَبَردٌ شَدِيدٌ أَهلَكَهُ. فَما فَعَلَهُ اللهُ سُبحانَهُ بِأَعمالِ الكافِرِينَ مِن عَدَمِ قَبولِها، وَجَعلِها غَيرَ نافِعَةٍ لَهُم فِي الآخِرَةِ، إِنَّما هُوَ بِسَبَبِ كُفرِهِم، لا ظُلمًا مِنهُ سُبحانَهُ، فَهُم لَم يُوَحِّدُوا اللهَ، وَمَن لا يُوَحِّدُ اللهَ فَعَمَلُهُ غَيرُ مَقبُولٍ فِي الآخِرَةِ.
وَلَو قالَ الكافِرُ: أُرِيدُ أَن أُصَلِّي، لَم تُقبَل مِنهُ صَلاتُهُ حَتّى يُسلِمَ أَوَّلًا. وَمِمّا لا يَصِحُّ ما يُروى فِي بَعضِ الكُتُبِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ عَن وَفدِ نَجرانَ إِنَّهُم يُرِيدُونَ الصَّلاةَ، فَقالَ: دَعُوهُم يُصَلُّونَ فِي مَسجِدِي، عَلَى وَجهٍ يُفهَمُ مِنهُ إِقرارُ عِبادَتِهِم مَعَ كُفرِهِم. فَالنَّبِيُّ ﷺ مِن أَسمائِهِ الماحِي، الَّذِي يَمحُو اللهُ تَعالى بِهِ الشِّركَ، وَاللهُ تَعالى لا يَقبَلُ مِنَ الكافِرِ عِبادَةً حَتّى يَدخُلَ فِي الإِسلامِ.
وَآخِرُ ما يُنبَّهُ عَلَيهِ فِي هٰذِهِ الآيَةِ أَنَّ مِنَ الفَسادِ الكَبِيرِ قَولَ بَعضِ النّاسِ إِذا ظَلَمَهُ إِنسانٌ: اللهُ يَظلِمُكَ كَما ظَلَمتَنِي، وَالعِياذُ بِاللهِ. فَنِسبَةُ الظُّلمِ إِلَى اللهِ كُفرٌ لِمَن فَهِمَ مَعناها؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾. فَيجوزُ أَن يَدعُوَ المُسلِمُ عَلَى الظّالِمِ بِأَن يَنتَقِمَ اللهُ مِنهُ، أَو يُهلِكَهُ إِن كانَ مُستَحِقًّا لِذٰلِكَ، أَو يَكفِيَ المُسلِمِينَ شَرَّهُ، وَلٰكِن لا يَجوزُ أَن يَقولَ: اللهُ يَظلِمُهُ؛ لِأَنَّ الظُّلمَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَبارَكَ وَتَعالى.
فَلَا يَجوزُ أَن يُقالَ: اللهُ يَظلِمُكَ، وَلَا أَن يُقالَ: اللهُ يَظلِمُكَ كَما ظَلَمتَنِي، فَكُلُّ ذٰلِكَ باطِلٌ لا يَجوزُ. وَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ المُصطَفَى ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَماواتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم لَكانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمالِهِم».
وَالدُّنيا لَيسَت هِيَ النِّهايَةَ؛ فَلَو ماتَ المُسلِمُونَ تَحتَ القَصفِ وَالدَّمارِ وَالقَتلِ، لا يُقالُ إِنَّ أَعداءَهُم فازُوا فَوزًا حَقِيقِيًّا؛ لِأَنَّ يَومَ الجَزاءِ لَم يَأتِ بَعدُ، وَالأَمرُ لَم يَنتَهِ فِي الدُّنيا. فَالدُّنيا قَصِيرَةٌ، وَإِن تَمَتَّعَ الظّالِمُونَ فِيهَا قَلِيلًا، فَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
فَنَحنُ فِي كُلِّ الأَحوالِ نُعلِنُ ثِقَتَنا بِوَعدِ اللهِ، وَأَنَّ المُؤمِنِينَ مَنصورُونَ بِإِذنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَو أُصِيبُوا وَابتُلُوا. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سَأَلتُ رَبِّي أَربَعًا، فَأَعطانِي ثَلاثًا وَمَنَعَنِي واحِدَةً»، وَمِن جُملَةِ ما ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَلَّا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِهِ عَدُوًّا مِن غَيرِهِم فَيَستَأصِلَهُم، فَأَعطاهُ ذٰلِكَ. فَمَعَ كُلِّ ما عِندَ الأَعداءِ مِن إِمكاناتٍ، لا يَستَطِيعُونَ إِبادَةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَل إِنَّ الإِسلامَ يَزدادُ انتِشارًا، وَأَعدادُ المُسلِمِينَ تَزدادُ فِي أَقطارٍ كَثِيرَةٍ، وَهٰذا مِن رَحمَةِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى.