بسم الله الرحمن الرحيم
﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)﴾
﴿ها أَنتُم أُولاءِ تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم وَتُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُم قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوا عَضُّوا عَلَيكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيظِ قُل مُوتُوا بِغَيظِكُم إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ١١٩﴾ [آل عمران: ١١٩]
﴿ها أَنتُم﴾ [آل عمران: ١١٩]
﴿ها﴾ هُنا لِلتَّنبِيهِ، أَي تَنَبَّهُوا وَانتَبِهُوا، فَقَد تَقَدَّمَ تَحذِيرُكُم مِنَ اتِّخاذِ اليَهُودِ وَالنَّصارى وَأَهلِ الشِّركِ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤمِنِينَ، وَتَقَدَّمَ لَكُم أَنَّهُم لا يَألُونَكُم خَبالًا، أَي لا يُقَصِّرُونَ فِي إِفسادِ أَمرِكُم وَدِينِكُم، وَتَقَدَّمَ لَكُم أَنَّهُم يَوَدُّونَ عَنَتَكُم، أَي مَشَقَّتَكُم وَضَرَرَكُم، وَتَقَدَّمَ لَكُم أَنَّ البَغضاءَ قَد بَدَت مِن أَفواهِهِم، وَأَنَّ ما تُخفِي صُدُورُهُم أَكبَرُ مِمّا سَمِعتُمُوهُ بِآذانِكُم.
فَكُلُّ ما سَمِعتُمُوهُ مِنهُم مِمّا ساءَكُم، وَدَلَّ عَلَى حِقدِ الكافِرِينَ عَلَى المُسلِمِينَ، وَتَكالُبِهِم عَلَيهِم، وَتَحَزُّبِهِم ضِدَّهُم، فَإِنَّ الَّذِي فِي صُدُورِهِم تِجاهَكُم أَكبَرُ مِن ذٰلِكَ. فَإِذا تَبَيَّنَ لَكُم هٰذا كُلُّهُ، فَانتَبِهُوا: هَل يَبقى بَعدَ ذٰلِكَ مَن يُحِبُّهُم أَو يُوالِيهِم؟ انظُرُوا إِلَى حالِكُم: ﴿ها أَنتُم أُولاءِ﴾.
﴿أُولاءِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿ها أَنتُم أُولاءِ﴾ تَنبِيهٌ وَتَوبِيخٌ، وَالمَعنى: أَنتُم هٰؤُلاءِ الَّذِينَ وَقَعتُم فِي الخَطَإِ بِمُوالاةِ هٰؤُلاءِ وَمَحَبَّتِهِم. فَلا يَقُل أَحَدٌ: أَقنِعنِي، أَو أَعطِنِي حُجَّةً عَلَى ذٰلِكَ؛ فَالحُجَّةُ قَد تَقَدَّمَت فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَلَو قالَ قائِلٌ: إِنِّي اقتَرَبتُ مِنَ الكافِرِينَ فَنَفَعُونا مَرّاتٍ، وَأَعطَونا مُساعَداتٍ، وَقَدَّمُوا لَنا، وَبَذَلُوا لَنا، قِيلَ لَهُ: اسْمَع قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿ها أَنتُم أُولاءِ تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم﴾. فَهٰذا بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِحَقِيقَةِ حالِكُم وَحالِهِم.
﴿تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم﴾ [آل عمران: ١١٩]
فِي هٰذِهِ الجُملَةِ بَيانٌ لِخَطَإِ مُوالاةِ الكافِرِينَ وَمَحَبَّتِهِم؛ إِذ كَيفَ يَبذُلُ المُؤمِنُ مَحَبَّتَهُ لِأَهلِ البَغضاءِ؟ وَاللهُ تَعالى قَد وَصَفَ هٰؤُلاءِ بِأَنَّهُم أَهلُ بُغضٍ وَعَداوَةٍ، فَماذا يُنتَظَرُ مِنهُم بَعدَ ذٰلِكَ؟ أَيُنتَظَرُ مِن أَهلِ البَغضاءِ أَن يَكونَ الفَرَجُ وَالمَخرَجُ عَلَى أَيدِيهِم؟ أَو أَن يَحِنُّوا عَلَى المُسلِمِينَ، وَيَعطِفُوا عَلَيهِم، وَيُشفِقُوا عَلَيهِم؟
إِن قَدَّمُوا شَيئًا فَلَهُم فِيهِ مَآرِبُهُم، وَلَيسَ ذٰلِكَ عَن مَحَبَّةٍ لَكُم. فَقَد يُعطُونَ أَحيانًا خَوفًا مِنَ المُسلِمِينَ، أَو إِقرارًا خَفِيًّا بِعَجزِهِم، أَو لِيُظهِرُوا لِلنّاسِ أَنَّهُم قَدَّمُوا شَيئًا، أَو لِيَجعلُوا ظاهِرَهُ عَسَلًا وَباطِنَهُ سُمًّا يُرِيدُونَ بِهِ الضَّرَرَ. فَاللهُ تَعالى يَقولُ: ﴿تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم﴾.
وَهٰذا تَصرِيحٌ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُم لا يُحِبُّونَ المُؤمِنِينَ، فَلِذٰلِكَ لا يُحِبُّ المُسلِمُونَ الكافِرِينَ مَحَبَّةَ دِينٍ وَوَلاءٍ، وَمَن كانَ كافِرًا فِي حُكمِ الشَّرعِ لا يَجوزُ أَن يُقالَ لَهُ عَلَى وَجهِ الوَلاءِ الدِّينِيِّ: أَنا أُحِبُّكَ. وَكَذٰلِكَ لا يُقالُ لِلكافِرِ: يا سَيِّدِي، وَلَو كانَ ذٰلِكَ بِلُغَتِهِم، فَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِن يَكُ سَيِّدَكُم فَقَد أَسخَطتُم رَبَّكُم عَزَّ وَجَلَّ».
فَلا يَجوزُ أَن يُقالَ لِمَن كَفَرَ بِاللهِ أَو نافَقَ: السَّيِّدُ فُلانٌ، وَكَم يَقَعُ النّاسُ فِي هٰذا الخَطَإِ فِي خِطاباتِهِم، حَتّى عِندَ ذِكرِ بَعضِ رُؤوسِ الكُفرِ الَّذِينَ يَقتُلُونَ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ وَغَيرِها. فَهٰؤُلاءِ لَيسُوا سادَةً يُعَظَّمُونَ، بَل قَد قالَ اللهُ تَعالى فِي أَمثالِهِم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُم لا يُؤمِنُونَ ٥٥﴾ [الأنفال: ٥٥].
فَلَا يُوصَفُ الكافِرُ بِما فِيهِ تَعظيمٌ دِينِيٌّ، وَلَو وَجَدَ الإِنسانُ فِي نَفسِهِ مَيلًا دُنيوِيًّا إِلَى شَخصٍ غَيرِ مُسلِمٍ، فَلَا يَجوزُ أَن يُطلِقَ مَحَبَّةَ الوَلاءِ الدِّينِيِّ لَهُ، فَأَمرُ القُرآنِ واضِحٌ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿ها أَنتُم أُولاءِ تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم﴾. وَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ جاءَت فِي سِياقِ التَّوبِيخِ وَالتَّقريعِ، كَأَنَّ المَعنى: لا تَفعَلُوا ذٰلِكَ، فَمَا أَعجَبَ أَمرَ مَن يُحِبُّ مَن لا يُحِبُّهُ، بَعدَ أَن بَيَّنَ اللهُ تَعالى حالَهُم وَبُغضَهُم وَعَداوَتَهُم.
وَمِنَ العَجَبِ أَن تَجِدَ بَعضَ مَن يَنتَسِبُ إِلَى الإِسلامِ يَقولُ: أَنا أُحِبُّ هٰؤُلاءِ، ثُمَّ يَقولُ بَعضُهُم: لَيسَتِ المُشكِلَةُ بَينَنا وَبَينَهُم دِينِيَّةً، وَإِنَّما المُشكِلَةُ أَنَّهُم اغتَصَبُوا الأَرضَ. فَنَقولُ: نَعَم، اغتِصابُ الأَرضِ جُرمٌ، وَهَتكُ العِرضِ جُرمٌ، وَنَهبُ الأَموالِ جُرمٌ، وَقَتلُ المُسلِمِينَ وَنِسائِهِم وَأَطفالِهِم جُرمٌ، وَلٰكِن قَبلَ ذٰلِكَ كُلِّهِ لا يُحَبُّونَ لِأَنَّهُم أَشرَكُوا بِاللهِ، وَشَتَمُوا اللهَ، وَكَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَعادَوا دِينَ اللهِ.
فَالمُؤمِنُ لا يُحِبُّ الكافِرَ مَحَبَّةَ وَلاءٍ، وَلَا يُداهِنُ فِي ذٰلِكَ، وَلَيسَ هٰذا مَوضِعَ مُجامَلَةٍ. فَمَن أَشرَكَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يُظهِرُ لَهُ المُؤمِنُ مَحَبَّةَ الدِّينِ وَالوَلاءِ، وَلَا يَقتَدِي بِهِ، وَلَا يَتَأَسّى بِهِ، وَلَا يَتَشَبَّهُ بِهِ فِي خَصائِصِهِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنهُم». وَقالَ العُلَماءُ: مَن تَشَبَّهَ بِالكافِرِينَ بِشَيءٍ هُوَ كُفرٌ، فَقَد كَفَرَ، وَمَن تَشَبَّهَ بِهِم بِما هُوَ دُونَ الكُفرِ، كَلِباسٍ خاصٍّ بِهِم أَو عَمَلٍ مَخصوصٍ بِمَواسِمِهِم وَشَعائِرِهِم، فَقَد وَقَعَ فِي مَعصِيَةٍ كَبِيرَةٍ. فَإِذا عَلِمَ المُسلِمُ أَنَّ هٰذا اللِّباسَ أَو هٰذا العَمَلَ خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وَصارَ عَلامَةً عَلَيهِم، فَلَا يَجوزُ لَهُ أَن يَتَشَبَّهَ بِهِم فِيهِ، سَواءٌ فِي ذٰلِكَ الرِّجالُ وَالنِّساءُ.
وَلَيسَ مِن حُسنِ خُلُقِ المُسلِمِ أَن يُجارِيَ الكافِرِينَ فِي كُفرِهِم أَو شَعائِرِهِم، وَإِنَّما مِن حُسنِ خُلُقِهِ أَن يَدعُوَ مَن كانَ عَلَى غَيرِ الإِيمانِ إِلَى الإِيمانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَن يُحسِنَ التَّعامُلَ مَعَهُ بِما يُقَرِّبُهُ إِلَى الإِسلامِ، لا بِما يُقِرُّهُ عَلَى باطِلِهِ أَو يُشارِكُهُ فِي كُفرِهِ.
فَلَيسَتِ المُجامَلَةُ أَن يَذهَبَ المُسلِمُ إِلَى مَواضِعِ الكُفرِ، أَو يُشارِكَ فِي شَعائِرِ غَيرِ المُسلِمِينَ، ثُمَّ يَقولَ: هٰذا مِن بابِ المُجامَلَةِ. فَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي شَأنِ المُؤمِناتِ المُهاجِراتِ: ﴿فَإِن عَلِمتُمُوهُنَّ مُؤمِناتٍ فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وَقَد أَجمَعَ العُلَماءُ عَلَى أَنَّ المُسلِمَةَ لا يَحِلُّ أَن تَكونَ تَحتَ كافِرٍ، وَذٰلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الَّذِينَ آمَنُوا فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَهٰذِهِ عِزَّةُ المُسلِمِ وَعِزَّةُ الإِسلامِ وَالمُسلِمِينَ، وَلَو كانَ المُسلِمُونَ فِي فَقرٍ، أَو حِصارٍ، أَو تَقتِيلٍ، أَو تَحتَ الرَّدمِ، لا يَجِدُونَ مَن يَدفِنُهُم، وَلَو تَحَلَّلَت جُثَثُهُم، فَهُم أَعَزُّ عِندَ اللهِ إِذا ماتُوا عَلَى الإِيمانِ مِن كُفّارٍ يَسكُنُونَ القُصُورَ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فَلَا يَحزَنِ المُؤمِنُ، وَلَا يَتَنازَل فِي دِينِهِ، وَلَا يَذهَب إِلَى مَن لَم يُؤمِن بِاللهِ لِيُجامِلَهُ فِي مَوضِعِ كُفرٍ أَو مُنكَرٍ.
وَمِن قَبِيحِ الحالِ أَن يَجتَمِعَ بَعضُ النّاسِ عَلَى شُربِ الخَمرِ وَالمُنكَراتِ، لا يَستَحُونَ لا مِنَ اللهِ وَلَا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يَأتي مَن يُريدُ مُجاملَتَهُم أَو مَحَبَّتَهُم. فَكَيفَ يُحِبُّهُم المُؤمِنُ بَعدَ هٰذا كُلِّهِ؟ وَكَيفَ يَقتَدِي بِهِم أَو يَتَشَبَّهُ بِهِم؟
﴿وَتُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
الواوُ هُنا واوُ الحالِ، أَي تُحِبُّونَهُم وَالحالُ أَنَّكُم تُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، وَهُم مَعَ ذٰلِكَ يُبغِضُونَكُم. فَما بالُكُم تُحِبُّونَهُم، وَهُم لا يُؤمِنُونَ بِكِتابِكُم، بَل يُكَذِّبُونَ بِما جاءَ بِهِ نَبِيُّكُم ﷺ؟ فَفِي الآيَةِ تَوبِيخٌ شَدِيدٌ لِمَن يُوالِيهِم؛ لِأَنَّ المُؤمِنِينَ، مَعَ كَونِهِم عَلَى الحَقِّ، قَد يَضعُفُ بَعضُهُم فَيُحِبُّ أَهلَ الباطِلِ، وَأَهلُ الباطِلِ أَصلَبُ عَلَى باطِلِهِم وَأَشدُّ بُغضًا لِلمُؤمِنِينَ.
وَالمُرادُ بِالكِتابِ هُنا قِيلَ: جِنسُ الكِتابِ، أَي تُؤمِنُونَ بِالكُتُبِ كُلِّها الَّتِي أَنزَلَها اللهُ تَعالى عَلَى أَنبِيائِهِ. وَقَد جاءَ لَفظُ الكِتابِ فِي القُرآنِ عَلَى مَعانٍ؛ فَقَد يُرادُ بِهِ القُرآنُ العَظِيمُ، وَقَد يُرادُ بِهِ التَّوراةُ، وَقَد يُرادُ بِهِ الإِنجِيلُ، وَقَد يُرادُ بِهِ جِنسُ الكِتابِ، أَي الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها.
وَقَد جاءَ فِي بَعضِ الأَخبارِ أَنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ مِئَةٌ وَأَربَعَةٌ، وَأَشهَرُها التَّوراةُ وَالإِنجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالقُرآنُ. وَيَقولُ العُلَماءُ: القُرآنُ مُهَيمِنٌ عَلَيهَا وَمُسَيطِرٌ، وَلَا يُقالُ إِنَّهُ ناسِخٌ لَها بِإِطلاقٍ؛ لِأَنَّ النَّسخَ فِيهِ إِزالَةٌ وَإِلغاءٌ، وَالتَّوراةُ وَالإِنجِيلُ الَّلذانِ أَنزَلَهُما اللهُ تَعالى حَقٌّ فِي أَصلِهِما، وَلٰكِنَّ الَّذِي بِأَيدِي اليَهُودِ وَالنَّصارى اليَومَ لَيسَ هُوَ النَّصَّ السَّماوِيَّ السّالِمَ مِنَ التَّحرِيفِ.
فَعِندَما نَقولُ: التَّوراةُ أَوِ الإِنجِيلُ، لا نَعنِي الصُّحُفَ المُحَرَّفَةَ الَّتِي بِأَيدِيهِم اليَومَ، فَلَا تُوجَدُ نُسخَةٌ صَحِيحَةٌ سَالِمَةٌ مِنَ التَّحرِيفِ، وَهٰذا المُحَرَّفُ لا يَجوزُ أَن يُسَمّى عَلَى وَجهِ التَّقدِيسِ كِتابًا سَماوِيًّا، وَلَا أَن يُعَظَّمَ أَو يُقالَ عَنهُ إِنَّهُ كِتابٌ مُقَدَّسٌ، لِما فِيهِ مِنَ الكُفرِ وَالباطِلِ. وَيَجوزُ أَن يُقالَ: الكُتُبُ المُحَرَّفَةُ عِندَهُم، أَو التَّوراةُ المُحَرَّفَةُ، أَو الإِنجِيلُ المُحَرَّفُ، أَمّا إِطلاقُ التَّقدِيسِ عَلَى ذٰلِكَ فَلا يَجوزُ.
فَفِيما بِأَيدِيهِم مِنَ المُحَرَّفِ مَقالاتٌ كُفرِيَّةٌ، كَنِسبَةِ الوَلَدِ إِلَى اللهِ تَعالى، وَالدَّعوى الباطِلَةِ أَنَّهُم أَبناءُ اللهِ، وَهٰذا لَم يَنزِل مِنَ السَّماءِ، وَلَم يُنزَل عَلَى مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ وَلَا عَلَى عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ. فَهٰذا مِن تَحرِيفِهِم، لا مِن وَحيِ اللهِ.
وَمِنَ الأَلفاظِ الَّتِي تَشيعُ عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النّاسِ قَولُهُم: الدِّياناتُ السَّماوِيَّةُ المُختَلِفَةُ. وَهٰذا لَفظٌ فِيهِ إِشكالٌ إِذا أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الأَنبِياءَ كانُوا عَلَى أَديانٍ مُختَلِفَةٍ فِي أَصلِ العَقِيدَةِ؛ فَالحَقُّ أَنَّ الأَنبِياءَ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كُلَّهُم عَلَى دِينٍ واحِدٍ، وَهُوَ الإِسلامُ. فَدِينُ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ الإِسلامُ، وَدِينُ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ الإِسلامُ، وَدِينُ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ الإِسلامُ، وَدِينُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ وَسائِرِ الأَنبِياءِ هُوَ الإِسلامُ، إِلَى خاتَمِهِم وَأَفضَلِهِم مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَإِذا قِيلَ: اتَّفَقَتِ الشَّرائِعُ عَلَى تَحرِيمِ القَتلِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَهٰذا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ حِفظَ النَّفسِ مِنَ الكُلِّيّاتِ الَّتِي اتَّفَقَت عَلَيها شَرائِعُ الأَنبِياءِ. أَمَّا أَن يُقالَ: اتَّفَقَتِ الدِّياناتُ السَّماوِيَّةُ المُختَلِفَةُ، فَهٰذا قَد يُوهِمُ أَنَّ لِلأَنبِياءِ أَديانًا مُختَلِفَةً فِي أَصلِ الدِّينِ، وَهٰذا غَيرُ صَحِيحٍ؛ فَالدِّينُ واحِدٌ، وَهُوَ الإِسلامُ، وَإِنَّما اختَلَفَتِ الشَّرائِعُ فِي بَعضِ الفُرُوعِ وَالأَحكامِ.
وَالعَقِيدَةُ لا يَدخُلُها النَّسخُ، فَلَا يُقالُ إِنَّ القُرآنَ نَسَخَ التَّوراةَ وَالإِنجِيلَ مِن حَيثُ أَصلُ العَقِيدَةِ، بَل العَقِيدَةُ واحِدَةٌ فِي جَمِيعِ دَعواتِ الأَنبِياءِ. نَعَم، شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَت أَحكامًا فِي الشَّرائِعِ السّابِقَةِ، كَما أَنَّ شَرِيعَةَ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ نَسَخَت بَعضَ ما كانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَهٰكَذا، أَمَّا التَّوحِيدُ وَأَصلُ الإِيمانِ فَلَا يَتَغَيَّرُ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي حَقِّ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿ما كانَ إِبراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصرانِيًّا وَلٰكِن كانَ حَنِيفًا مُسلِمًا وَما كانَ مِنَ المُشرِكِينَ ٦٧﴾ [آل عمران: ٦٧]. فَدِينُ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ الإِسلامُ، وَقَد بَرَّأَهُ اللهُ تَعالى مِنَ اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرانِيَّةِ المُحَرَّفَتَينِ، وَمِنَ الشِّركِ كُلِّهِ.
وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالى مَقامَ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ آيَةً إِلَى اليَومِ، فَقالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقامِ إِبراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. فَعِندَ الكَعبَةِ الشَّرِيفَةِ مَقامُ إِبراهِيمَ، وَفِيهِ آثَارُ قَدَمَيهِ عَلَيهِ السَّلامُ حِينَ كانَ يَبنِي الكَعبَةَ. وَآثارُ إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ ظاهِرَةٌ فِي مَكَّةَ، حَيثُ تَرَكَ هاجَرَ وَإِسماعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلامُ، وَفِي فِلَسطِينَ وَالشّامِ، حَيثُ كانَت سَارَةُ وَإِسحاقُ وَيَعقُوبُ وَيُوسُفُ عَلَيهِمُ السَّلامُ، وَلِذٰلِكَ تَكثُرُ البَرَكاتُ فِي تِلكَ الأَرضِ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَتُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أَي أَنَّ حالَكُم أَنَّكُم تُؤمِنُونَ بِكُلِّ ما أَنزَلَ اللهُ تَعالى عَلَى أَنبِيائِهِ مِن كُتُبٍ حَقَّةٍ، أَمّا هُم فَيُكَذِّبُونَ بِكِتابِكُم وَنَبِيِّكُم. فَكَيفَ تُحِبُّونَهُم بَعدَ ذٰلِكَ؟
وَقَد قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ: إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ نَزَلَت فِي اليَهُودِ، وَفِيهَا بَيانُ حالِهِم؛ فَهُم يُظهِرُونَ أَحيانًا ما لا يُبطِنُونَ، وَيَزعُمُونَ الإِيمانَ بِبَعضٍ وَيَكفُرُونَ بِبَعضٍ، وَيَقولُونَ: نَقبَلُ هٰذا وَلَا نَقبَلُ ذٰلِكَ.
﴿وَإِذا لَقُوكُم قالُوا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١١٩]
أَي إِنَّ مِن حالِ هٰؤُلاءِ أَنَّهُم إِذا لَقُوا المُؤمِنِينَ أَظهَرُوا لَهُم الإِيمانَ وَالمُسالَمَةَ، وَقالُوا: آمَنّا. وَقَد كانَ ذٰلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ، حَيثُ كانَ فِيهَا مِنَ اليَهُودِ مَن كانَ، وَمِنهُم مَن دَخَلَ فِي الإِسلامِ وَصارَ مُؤمِنًا صادِقًا، وَمِنهُم مَن أَظهَرَ الإِيمانَ خَشيَةً أَو نِفاقًا، كَرَأسِ المُنافِقِينَ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ، الَّذِي كانَ يَطمَعُ أَن يَكونَ مَلِكًا مُتَوَّجًا عَلَى المَدِينَةِ.
وَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ يُظهِرُ الإِسلامَ، فَإِذا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ عَنهُ شَيءٌ مِن كُفرِهِ أَو نِفاقِهِ جاءَ يَعتَذِرُ، وَيَقولُ: لَا يا رَسُولَ اللهِ، هٰذا كَذِبٌ، وَلَا يَصِحُّ. أَمّا وَلَدُهُ عَبدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَد أَسلَمَ وَحَسُنَ إِسلامُهُ، وَصارَ مِنَ الصّالِحِينَ، وَسُبحانَ مَن يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، وَيُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، أَي يُخرِجُ المُؤمِنَ مِنَ الكافِرِ، وَالكافِرَ مِنَ المُؤمِنِ.
وَقَد كانَ المُنافِقُونَ وَمَن شاكَلَهُم بَلاءً عَلَى المُسلِمِينَ فِي المَدِينَةِ، يُثِيرُونَ الفِتَنَ وَيَظهَرُونَ بِغَيرِ ما يُبطِنُونَ. وَقَد كانَ مِن حالِ اليَهُودِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجلى بَعضَهُم، وَكانَ مِن ذٰلِكَ جَلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، ثُمَّ أَظهَرَ بَنُو قُرَيظَةَ المُصالَحَةَ، ثُمَّ غَدَرُوا.
وَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزوَةِ الخَندَقِ، وَدَخَلَ مَسجِدَهُ وَأَرادَ أَن يَضَعَ عَنهُ دِرعَ الحَربِ، جاءَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ مَعناهُ: لا تَفعَل يا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المَلائِكَةَ أَلَّا تَضَعَ سِلاحَها، وَأَمَرَنا أَن نَتَوَجَّهَ مَعَكَ إِلَى بَنِي قُرَيظَةَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ العَصرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ».
فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصحابِهِ إِلَيهِم، مَعَ أَنَّهُم كانُوا خارِجِينَ مِن حَربٍ عَظِيمَةٍ، هِيَ غَزوَةُ الأَحزابِ. ثُمَّ كانَ الحُكمُ فِي بَنِي قُرَيظَةَ عَلَى يَدِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكانَ مِن ساداتِ الأَنصارِ، وَقَد قَبِلُوا حُكمَهُ.
وكانَ سَعدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَرِيحًا مِن أَثَرِ الخَندَقِ، فَجاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلأَنصارِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُم». فَلَمّا أَقبَلَ سَعدٌ، صارَ بَعضُهُم يُلَوِّحُ لَهُ بِأَنَّهُم كانُوا عَلَى حِلفٍ مَعَ قَومِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يَرقَّ لَهُم، وَلٰكِنَّ سَعدًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يُخالِف حُكمَ اللهِ، فَحَكَمَ فِيهِم بِقَتلِ مُقاتِلَتِهِم، وَسَبيِ نِسائِهِم وَذَرارِيِّهِم، وَجَعلِ أَموالِهِم لِلمُسلِمِينَ.
فَلَمّا حَكَمَ سَعدٌ بِذٰلِكَ، استَهلَّ وَجهُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَخبَرَ أَنَّ حُكمَ سَعدٍ وَافَقَ حُكمَ اللهِ تَعالى مِن فَوقِ السَّماواتِ. فَكانَ ذٰلِكَ بَوحيٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَفَّذَ النَّبِيُّ ﷺ هٰذا الحُكمَ، وَهُوَ أَرحَمُ الخَلقِ ﷺ، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّحمَةَ الشَّرعِيَّةَ لا تَعني تَركَ أَهلِ الغَدرِ وَالعُدوانِ يُفسِدُونَ فِي الأَرضِ.
وَقَد ماتَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعدَ ذٰلِكَ، وَقَبرُهُ فِي بَقِيعِ الغَرقَدِ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَأنِهِ: «اهتَزَّ العَرشُ لِمَوتِ سَعدٍ». وَالعَرشُ أَكبَرُ المَخلُوقاتِ حَجمًا، فَما سِواهُ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ كَنُقطَةٍ فِي بَحرٍ، وَقَد قالَ بَعضُ العُلَماءِ: إِنَّ هٰذا الاهتِزازَ حَقِيقِيٌّ.
وَأَمّا ما يُروى مِن أَنَّ القَبرَ ضَمَّ سَعدًا ضَمَّةً، وَأَنَّهُ لَو نَجا أَحَدٌ مِن ضَمَّةِ القَبرِ لَنَجا سَعدٌ، فَهٰذا لا يَصِحُّ، وَقَد ذَكَرَهُ الحافِظُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ فِي كِتابِ «المَوضُوعاتِ» عَلَى أَنَّهُ لا يَثبُتُ. وَالصّالِحُونَ لا تُصِيبُهُم ضَغطَةُ القَبرِ، وَإِنَّما تُصِيبُ الكافِرِينَ وَبَعضَ عُصاةِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ لَم يَعفُ اللهُ تَعالى عَنهُم، أَمّا الصّالِحُونَ فَيُوَسِّعُ اللهُ عَلَيهِم فِي قُبُورِهِم. نَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يُوَسِّعَ عَلَينا فِي قُبُورِنا، وَأَن يُوَسِّعَ عَلَى أَهلِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، وَأَن يَجعَلَ أَرواحَ مَن ماتَ مِنهُم مُنعَّمَةً بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ.
وَفِي حُكمِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِبرَةٌ لِلمُسلِمِينَ، فَلَو سَأَلَ سائِلٌ: هَل كانَ حُكمُ سَعدٍ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ رَحمَةٍ أَو سُوءِ خُلُقٍ أَو عَدَمِ تَسامُحٍ؟ فَيُقالُ: بَل هُوَ حُكمٌ شَرعِيٌّ وافَقَ وَحيَ اللهِ تَعالى، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهُم حَتّى لا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. فَمِنَ الرَّحمَةِ بِالمُسلِمِينَ وَدِينِهِم إِزالَةُ شَرِّ مَن يَغدِرُ بِهِم وَيَسعى فِي إِبادَتِهِم وَإِفسادِ دِينِهِم.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا لَقُوكُم قالُوا آمَنّا﴾ يُبَيِّنُ حالَ مَن يُظهِرُ لِلمُؤمِنِينَ ما لا يُبطِنُ، فَيَقولُ: نَحنُ عَلَى مَوَدَّةٍ مَعَكُم، وَنَحنُ نُساعِدُكُم، وَنَحنُ قَدَّمنَا لَكُم، بَينَما يَسفِكُ دِماءَ آلافِ المُسلِمِينَ، وَيُبكِي أُمَّهاتِهِم، وَيُهَدِّمُ دِيارَهُم، وَيُظهِرُ لِلناسِ وَجهًا ضاحِكًا.
وَقَد كانَ مِن حالِ اليَهُودِ وَالمُنافِقِينَ إِظهارُ ما لا يُبطِنُونَ، فَإِذا استطاعُوا إِظهارَ العَداوَةِ أَظهَرُوها، وَإِن خافُوا عَلَى دِمائِهِم أَو أَموالِهِم أَخفَوها. وَهٰكَذا أَعداءُ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ، إِذا قالُوا: نَكتَفِي إِلَى هٰذا الحَدِّ، أَو نُريدُ تَهدِئَةً، فَقَد يَكونُ ذٰلِكَ لِلاستِعدادِ لِجَولَةٍ أُخرى، لا لِتَركِ العَداوَةِ.
فَأَعداءُ الإِسلامِ لا يَكلُّونَ عَنِ التَّخطِيطِ لِلنَّيلِ مِنَ المُسلِمِينَ، حَتّى مِن أَطفالِهِم، فَإِن لَم يَستَطِيعُوا قَتلَهُم، سَعَوا إِلَى تَسمِيمِ أَفكارِهِم، وَإِبعَادِهِم عَن هَمِّ الأُمَّةِ وَقَضاياها. وَهٰذا كُلُّهُ داخِلٌ فِي بَيانِ اللهِ تَعالى لِحالِهِم: يُظهِرُونَ ما لا يُبطِنُونَ، وَيَقولُونَ لِلمُؤمِنِينَ: آمَنّا، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ ما فِي صُدُورِهِم أَكبَرُ وَأَخطَرُ.
نَزَلَت هٰذِهِ الآيَةُ، كَما قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ، فِي المُنافِقِينَ، وَقالَ بَعضُهُم: بَل نَزَلَت فِي اليَهُودِ، إِذ كانُوا فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ قَبلَ هِجرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَلاقَةٍ بِالأَوسِ وَالخَزرَجِ وَأَهلِ المَدِينَةِ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ وَانتَشَرَ الإِسلامُ، كانَ بَعضُ المُسلِمِينَ لا يَزالُ عَلَى شَيءٍ مِنَ الخُلطَةِ بِهِم، وَكانَ هٰؤُلاءِ يَكِيدُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِلمُسلِمِينَ فِي المَدِينَةِ.
وَقَد كانَ يَظهَرُ مِن بَعضِ المُسلِمِينَ قُربٌ مِن بَعضِهِم بِسَبَبِ ما كانَ قَبلَ الإِسلامِ مِن قَرابَةٍ أَو نَسَبٍ أَو مُخالَطَةٍ، وَقَد كانَ مِنَ اليَهُودِ مَن أَسلَمَ وَصارَ مِنَ المُؤمِنِينَ. فَنَزَلَت هٰذِهِ الآيَةُ واضِحَةً مُبَيِّنَةً لِقاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ فِي بابِ الحُبِّ وَالبُغضِ وَالوَلاءِ وَالمُخالَطَةِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن أَحَبَّ لِلهِ، وَأَبغَضَ لِلهِ، وَأَعطى لِلهِ، وَمَنَعَ لِلهِ، فَقَدِ استَكمَلَ الإِيمانَ». فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ المِيزانَ فِي الحُبِّ وَالبُغضِ يَنبَغِي أَن يَكونَ مِيزانًا شَرعِيًّا؛ فَيُحَبُّ مَن أَحَبَّ اللهَ وَأَحَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيُبغَضُ مِن جِهَةِ الدِّينِ مَن أَبغَضَ اللهَ وَأَبغَضَ رَسُولَهُ ﷺ وَعادَى دِينَ اللهِ.
فَهٰذا هُوَ المِيزانُ فِي القُربِ وَالبُعدِ، وَهُوَ دَرَجَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَمالِ الإِيمانِ. فَمَهما كانَ الإِنسانُ قَرِيبًا مِنِّي فِي النَّسَبِ أَو المَصلَحَةِ، فَإِذا كانَ كافِرًا بِاللهِ فِي مِيزانِ الشَّرِيعَةِ، فَلا أُحِبُّهُ مَحَبَّةَ وَلاءٍ دِينِيٍّ، وَلَا أُقَرِّبُهُ قُربَ البِطانَةِ، وَلَا أَرفَعُهُ وَأُعَظِّمُهُ تَعظِيمَ أَهلِ الإِيمانِ.
وَلَا يُنافِي ذٰلِكَ أَن أُحسِنَ مُعامَلَتَهُ بِما أَذِنَت بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَالإِحسانُ فِي المُعامَلَةِ لا يَعني المَوَدَّةَ وَالوَلاءَ، وَإِنَّما قَد يَكونُ قَصدُ المُسلِمِ مِن ذٰلِكَ أَن يُقَرِّبَهُ إِلَى الإِسلامِ، وَيَدعُوَهُ إِلَى الهُدى. فَنَحنُ نُحِبُّ لَهُم الهِدايَةَ، وَلَا نَدعُو لِأَحَدٍ أَن يَمُوتَ كافِرًا، وَلَا نَرضى لَهُمُ الكُفرَ، فَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَلَا يَرضى لِعِبادِهِ الكُفرَ﴾ [الزمر: ٧].
فَمَهما أَظهَرَ إِنسانٌ مِنَ العَداوَةِ، لا يَنبَغِي أَن يُدعى عَلَيهِ بِأَن يَمُوتَ عَلَى الكُفرِ، أَو أَن يَخلُدَ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَلَا يُقالُ لَهُ: نَسأَلُ اللهَ أَلَّا يُوَفِّقَكَ لِلإِيمانِ، بَل يُدعى لَهُ بِالهِدايَةِ، وَنُحِبُّ لَهُ أَن يَهتَدِيَ إِلَى الإِسلامِ. هٰذا هُوَ الَّذِي عَلَّمَنا إِيّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَمَعَ ذٰلِكَ فَلَا نُحِبُّهُم مَحَبَّةَ وَلاءٍ، وَلَا نُقَرِّبُهُم قُربَ البِطانَةِ، وَكَمَا جاءَ فِي الآيَةِ السّابِقَةِ لا نَتَّخِذُهُم بِطانَةً، وَلَا نَجعَلُهُم أَهلَ مَجلِسِنا الخاصِّ، وَلَا أَهلَ مَشُورَتِنا، وَلَا نُقَدِّمُ كَلامَهُم عَلَى هَديِ الشَّرعِ. فَالمِيزانُ فِي ذٰلِكَ كُلِّهِ هُوَ مِيزانُ الشَّرِيعَةِ.
﴿ها أَنتُم أُولاءِ تُحِبُّونَهُم وَلَا يُحِبُّونَكُم﴾ [آل عمران: ١١٩]
فِي هٰذِهِ الجُملَةِ بَيانٌ لِحالِ مَن يُظهِرُ المَوَدَّةَ لَهُم، مَعَ أَنَّهُم فِي حَقِيقَةِ أَمرِهِم لا يُحِبُّونَ المُؤمِنِينَ. فَمَعَ ما تُظهِرُونَهُ لَهُم مِن قُربٍ أَو مَحَبَّةٍ، فَإِنَّهُم لا يُحِبُّونَكُم حُبًّا صادِقًا، وَلَا يُرِيدُونَ لَكُم خَيرًا فِي دِينِكُم.
﴿وَتُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
المُرادُ بِالكِتابِ هُنا، عَلَى بَعضِ الأَقوالِ، جِنسُ الكِتابِ، أَي إِنَّ المُؤمِنِينَ يُؤمِنُونَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الَّتِي أَنزَلَها اللهُ تَعالى عَلَى أَنبِيائِهِ. فَنَحنُ نُؤمِنُ بِمُوسى وَعِيسى وَسائِرِ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَنُؤمِنُ بِما أَنزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيهِم مِن وَحيٍ حَقٍّ.
وَكَمَا تَقَدَّمَ، فَعِندَما نَقولُ: التَّوراةُ، فَنَعنِي بِذٰلِكَ الكِتابَ السَّماوِيَّ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَعِندَما نَقولُ: الإِنجِيلُ، فَنَعنِي الكِتابَ السَّماوِيَّ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَعِندَما نَقولُ: الزَّبُورُ، فَنَعنِي الكِتابَ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى داوُدَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَالقُرآنُ هُوَ الكِتابُ السَّماوِيُّ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَد جاءَ فِي بَعضِ الأَخبارِ أَنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ بَلَغَت مِئَةً وَأَربَعَةَ كُتُبٍ، كَما وَرَدَ فِي بَعضِ الرِّواياتِ، وَكُلُّها جاءَت بِعَقِيدَةٍ واحِدَةٍ، وَإِن اختَلَفَت شَرائِعُ الأَنبِياءِ فِي بَعضِ الأَحكامِ. فَالدِّينُ واحِدٌ، وَالعَقِيدَةُ واحِدَةٌ، وَلَا تُوجَدُ أَديانٌ سَماوِيَّةٌ مُختَلِفَةٌ فِي أَصلِ الإِيمانِ، بَل الدِّينُ السَّماوِيُّ الحَقُّ واحِدٌ، وَهُوَ الإِسلامُ، وَإِنَّما اختَلَفَتِ الشَّرائِعُ.
فَبَيَّنَ اللهُ تَعالى أَنَّكُم تُؤمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، أَي بِما أَنزَلَ اللهُ عَلَى أَنبِيائِهِ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُم يُكَذِّبُونَ بِنَبِيِّكُم وَكِتابِكُم، فَكَيفَ تَجعَلُونَ لَهُم مَحَبَّةً وَوَلاءً؟
﴿وَإِذا لَقُوكُم قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوا عَضُّوا عَلَيكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
هٰذا مِن بَيانِ حالِهِم؛ فَإِذا لَقُوا المُؤمِنِينَ أَظهَرُوا لَهُم الإِيمانَ وَالمُوافَقَةَ، وَقالُوا: آمَنّا، أَمّا إِذا خَلا بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، أَظهَرُوا ما فِي صُدُورِهِم مِنَ الغَيظِ وَالحِقدِ. فَكانُوا أَمامَ المُسلِمِينَ يُظهِرُونَ أَنَّهُم مَعَهُم، وَأَنَّهُم مِنهُم، وَلٰكِنَّهُم فِي الحَقِيقَةِ لَم يَكُونُوا كَذٰلِكَ.
وَكانَ بَعضُهُم يُظهِرُ الإِيمانَ خَشيَةَ السَّيفِ وَخَوفًا، وَفِي صَدرِهِ يُبطِنُ الكُفرَ وَالنِّفاقَ. وَكانُوا قَبلَ ذٰلِكَ يُخَطِّطُونَ لِأَن تَكونَ المَدِينَةُ تَحتَ مُلكِهِم وَحُكمِهِم، وَمِن رُؤَسائِهِم عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ، الَّذِي قالَ: ﴿لَئِن رَجَعنا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، يُرِيدُ بِزَعمِهِ نَفسَهُ بِالأَعَزِّ، وَيُرِيدُ بِالأَذَلِّ، وَالعِياذُ بِاللهِ، رَسُولَ اللهِ ﷺ. ثُمَّ كانَ إِذا وُوجِهَ بِذٰلِكَ أَنكَرَ، وَقالَ: لا يا رَسُولَ اللهِ، أَنا مُؤمِنٌ وَلَستُ عَلَى هٰذا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا خَلَوا﴾ أَي إِذا خَلا بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، بَعيدًا عَن أَعيُنِ المُؤمِنِينَ وَمَجالِسِهِم.
وَقَولُهُ: ﴿عَضُّوا عَلَيكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيظِ﴾ فِيهِ تَصوِيرٌ لِشِدَّةِ حَنَقِهِم وَغَيظِهِم عَلَى المُسلِمِينَ.
وَيُقالُ: أَنمُلَةٌ وَأُنْمُلَةٌ، بِفَتحِ المِيمِ وَضَمِّها، وَهِيَ أَطرافُ الأَصابِعِ. وَكانَ مِن أَساليبِ العَرَبِ أَنَّهُم يُعَبِّرُونَ عَن شِدَّةِ النَّدَمِ أَو الغَيظِ بِعَضِّ الأَنامِلِ، كَما يُعَبَّرُ عَنِ الحَسرَةِ بِضَربِ الكَفِّ عَلَى الكَفِّ. وَقَد يَكونُ هٰذا مِن بابِ مَجازِ الأَمثالِ، أَي إِنَّهُ يُقالُ لِمَن بَلَغَ بِهِ الغَيظُ مَبلَغًا شَدِيدًا: عَضَّ عَلَى أَنامِلِهِ، وَإِن لَم يَفعَل ذٰلِكَ حِسًّا.
فَمَعنى الآيَةِ أَنَّهُم مِن شِدَّةِ ما فِي نُفُوسِهِم مِن حِقدٍ عَلَى المُسلِمِينَ وَغَيظٍ مِنهُم، كَأَنَّهُم يَعَضُّونَ عَلَى أَنامِلِهِم. وَإِنَّما يَشتَدُّ غَيظُهُم كُلَّما رَأَوا اجتِماعَ المُسلِمِينَ، وَتَآلُفَهُم، وَتَوادَّهُم، وَاتِّحادَ كَلِمَتِهِم.
وَهٰذا حالُ أَعداءِ المُسلِمِينَ إِلَى يَومِنا؛ فَهُم يَغتاظُونَ إِذا رَأَوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُجتَمِعَةً. وَقَد كانُوا فِي المَدِينَةِ يَغتاظُونَ لَمّا رَأَوا اجتِماعَ الأَوسِ وَالخَزرَجِ بَعدَ الإِسلامِ، وَقَد كانَ بَينَهُم قَبلَ ذٰلِكَ قِتالٌ طَوِيلٌ فِي يَومٍ يُعرَفُ بِيَومِ بُعاثٍ. فَلَمّا جاءَ الإِسلامُ أَلَّفَ اللهُ بَينَ قُلُوبِهِم، وَأَصبَحُوا بِنِعمَةِ اللهِ إِخوانًا، فَاشتَدَّ غَيظُ اليَهُودِ مِن ذٰلِكَ، حَتّى بَعَثُوا مَن يُذَكِّرُ بِيَومِ بُعاثٍ لِيُثِيرَ الأَوسَ عَلَى الخَزرَجِ، وَالخَزرَجَ عَلَى الأَوسِ.
فَكُلَّما رَأَى أَعداءُ الإِسلامِ اجتِماعًا لِهٰذِهِ الأُمَّةِ، سَعَوا إِلَى إِثارَةِ النَّعَراتِ الَّتِي تُفَرِّقُها؛ يُثِيرُونَ نَعرَةَ الشَّمالِ وَالجَنُوبِ، وَالشَّرقِ وَالغَربِ، وَالعَشِيرَةِ وَالعَشِيرَةِ، بَل قَد يَسعَونَ إِلَى التَّفرِيقِ داخِلَ البَيتِ الواحِدِ. فَالفرقةُ بَينَ المُسلِمِينَ طَرِيقٌ إِلَى قُوَّتِهِم هُم، وَاجتِماعُ المُسلِمِينَ طَرِيقٌ إِلَى ضَعفِ أَعدائِهِم وَهَزِيمَتِهِم.
وَفِي المُقابِلِ، انظُر إِلَى عِنايَةِ الإِسلامِ بِالاتِّحادِ وَالنِّظامِ وَتَوحِيدِ الصُّفُوفِ، حَتّى فِي الصَّلاةِ. فَذُو النُّورَينِ عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كانَ إِذا وَقَفَ لِلإِمامَةِ لا يُكَبِّرُ حَتّى يَطمَئِنَّ إِلَى استِواءِ الصُّفُوفِ، وَإِلَى أَنَّهَا لَيسَ فِيها فُرَجاتٌ. وَيُقالُ لِلمُصَلِّينَ: تَقَارَبُوا، وَحاذُوا بَينَ المَناكِبِ، وَاستَقِيمُوا، وَلَا تَترُكُوا فُرَجًا لِلشَّيطانِ. فَهٰذا كُلُّهُ رَمزٌ إِلَى أَنَّ قُوَّةَ الأُمَّةِ فِي اجتِماعِها وَاستِقامَةِ صُفُوفِها.
وَدِينُ هٰذِهِ الأُمَّةِ واحِدٌ، وَعَقِيدَتُها واحِدَةٌ، وَاختِلافُ أَئِمَّتِها المُعتَبَرِينَ رَحمَةٌ لا فُرقَةٌ. وَالمُرادُ بِاختِلافِ الأَئِمَّةِ، كَالإِمامِ الشّافِعِيِّ، وَالإِمامِ مالِكٍ، وَالإِمامِ أَحمَدَ، وَالإِمامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، هُوَ اختِلافُهُم فِي الفُرُوعِ وَالمَسائِلِ الاجتِهادِيَّةِ، لا فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ. فَهٰؤُلاءِ الأَئِمَّةُ عَلَى عَقِيدَةٍ واحِدَةٍ، وَاختِلافُهُم فِي الفُرُوعِ رَحمَةٌ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ.
فَقَد يَأخُذُ المُقلِّدُ بِقَولِ الإِمامِ مالِكٍ فِي مَسأَلَةٍ، وَبِقَولِ الشّافِعِيِّ فِي مَسأَلَةٍ، وَلا يُنكَرُ عَلَيهِ إِذا كانَ ذٰلِكَ عَلَى وَجهِ التَّقليدِ المُعتَبَرِ وَبِغَيرِ تَلاعُبٍ. وَقَد يُقالُ لَهُ: خُذ بِالأَحوَطِ، وَلٰكِن لا يُشَدَّدُ عَلَيهِ فِي مَواضِعِ الخِلافِ المُعتَبَرِ.
فَمَثَلًا، الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى المَسحَ عَلَى الجَورَبِ إِذا لَم يَكُن خُفًّا مُعتَبَرًا، وَالإِمامُ أَحمَدُ رَحِمَهُ اللهُ يَرى جَوازَ المَسحِ عَلَى الجَورَبِ بِشُرُوطِهِ. فَمَن أَخذَ بِقَولِ الإِمامِ أَحمَدَ فِي ذٰلِكَ لا يُعَنَّفُ، وَإِن كانَ الأَحوطُ أَن يَخرُجَ مِنَ الخِلافِ.
وَالأَئِمَّةُ لَم يَختَلِفُوا فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ، بَل إِنَّ أُصُولَ الدِّينِ واحِدَةٌ عِندَ الأَنبِياءِ كُلِّهِم، فَكُلُّ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الحَقَّةِ دَعَت إِلَى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعنى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ لَيسَ مَحَلَّ خِلافٍ بَينَ الأَنبِياءِ، فَتَوحِيدُ اللهِ، وَتَنزِيهُهُ عَنِ الزَّوجَةِ وَالوَلَدِ وَالشَّبِيهِ وَالمِثلِ وَالنَّظِيرِ وَالظُّلمِ، كُلُّ ذٰلِكَ مِن مَعنى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَالأَنبِياءُ كُلُّهُم عَلَى هٰذا.
أَمّا الاختِلافُ فِي بَعضِ التَّفاصِيلِ الفِقهِيَّةِ وَالعِباداتِ، فَهٰذا لا يُفَرِّقُ الأُمَّةَ، إِذا بَقِيَت عَلَى اتِّباعِ أَئِمَّةِ الحَقِّ. فَالأَئِمَّةُ لَم يَختَلِفُوا فِيما وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ، وَإِنَّما وَقَعَ الاجتِهادُ فِيما احتَمَلَ النَّظَرَ، كَالخِلافِ فِي مَسافَةِ القَصرِ، وَالجَمعِ بَينَ الصَّلَواتِ فِي بَعضِ الأَعذارِ، وَنَحوِ ذٰلِكَ.
وَمِن أَمثِلَةِ الرُّجُوعِ إِلَى الأَئِمَّةِ أَن يُسأَلَ عَن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أَو القُرآنِ وَإِهداءِ الثَّوابِ إِلَى شُهَداءِ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ أَو إِلَى أَمواتِ المُسلِمِينَ، فَيُقالُ: قَد أَجازَ ذٰلِكَ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ، وَوَرَدَ فِي ذٰلِكَ ما يُستَأنَسُ بِهِ مِنَ الأَحادِيثِ، وَمِنهَا ما رُوِيَ فِي فَضلِ قِراءَةِ يس عَلَى المَوتَى. فَما دامَ هُناكَ رُجُوعٌ إِلَى نُصوصٍ وَإِلَى أَئِمَّةٍ مُعتَبَرِينَ، فَلا إِشكالَ فِي هٰذا البابِ.
وَأَعداءُ الأُمَّةِ لا يَطِيبُ لَهُم أَن يَرَوا المُسلِمِينَ مُتَّحِدِينَ حَتّى فِي أَمرِ الدِّينِ؛ لِذٰلِكَ يُثِيرُونَ الفِتَنَ وَالشُّبُهاتِ وَالنَّعَراتِ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا خَلَوا عَضُّوا عَلَيكُمُ الأَنامِلَ﴾ يُصَوِّرُ شِدَّةَ غَيظِهِم حِينَ يَرَونَ تَماسُكَ المُسلِمِينَ وَاجتِماعَهُم.
وَالغَيظُ هُنا هُوَ الحَنَقُ الشَّدِيدُ، لا مُجَرَّدُ الغَضَبِ. وَالعَضُّ عَلَى الأَنامِلِ فِي لُغَةِ العَرَبِ يُستَعمَلُ فِي مَجازِ الأَمثالِ لِلدَّلالَةِ عَلَى شِدَّةِ الغَيظِ مَعَ عَدَمِ القُدرَةِ عَلَى إِنفاذِ ما يُرِيدُ صاحِبُهُ. فَقَد يَغضَبُ الإِنسانُ وَيَقدِرُ عَلَى إِنفاذِ غَضَبِهِ، وَهٰذا حَالٌ، وَقَد يَشتَدُّ غَيظُهُ وَلا يَقدِرُ عَلَى إِنفاذِ ما يُرِيدُ، فَيَزدادُ غَيظًا عَلَى غَيظِهِ.
وَقَد ذَكَرَ الإِمامُ ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِهِ «المُحَرَّرِ الوَجِيزِ» لَطِيفَةً فِي هٰذا المَوضِعِ، فَقالَ ما مَعناهُ: إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تَصدُقُ فِي كُلِّ أَهلِ البِدَعِ إِلَى يَومِ القِيامَةِ. فَكُلُّ مَن أَبغَضَ أَهلَ الحَقِّ وَاجتِماعَهُم، فَإِنَّهُ يَغتاظُ مِن قُوَّتِهِم وَتَماسُكِهِم وَتَمَسُّكِهِم بِدِينِهِم.
فَهٰؤُلاءِ الكافِرُونَ وَأَهلُ البِدَعِ يَبقَونَ فِي غَيظٍ مِنَ المُسلِمِينَ، كُلَّما رَأَوا مَظهَرًا مِن مَظاهِرِ الإِيمانِ وَالقُوَّةِ وَالصَّبرِ. فَاجتِماعُ المُسلِمِينَ فِي المَسجِدِ غَيظٌ لَهُم، وَالأَذانُ مِن مَآذِنِ المَساجِدِ، وَمِنها مَآذِنُ المَسجِدِ الأَقصى، غَيظٌ لَهُم، وَالمُسلِمُ الجَرِيحُ الَّذِي يَسجُدُ أَو يَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ثُمَّ يَمُوتُ عَلَى الإِيمانِ غَيظٌ لَهُم.
فَخَيرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَن يَنقَطِعَ بِإِذنِ اللهِ، وَمِن قُوَّةِ الإِيمانِ أَن تَرى امرَأَةً مُسلِمَةً كَبِيرَةً فِي السِّنِّ، أَو رَجُلًا مُصابًا، يَقولُ فِي مُصِيبَتِهِ: الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ، الحَمدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حالٍ. فَهٰذا الصَّبرُ وَالثَّباتُ يَقتُلُ أَعداءَ اللهِ غَيظًا؛ لِأَنَّ المُسلِمِينَ مَعَ المَصائِبِ يَزدادُونَ تَمَسُّكًا بِدِينِهِم، وَاتِّباعًا لِنَبِيِّهِم ﷺ، وَإِقبالًا عَلَى العِبادَةِ وَالمَساجِدِ وَمَجالِسِ العِلمِ.
﴿قُل مُوتُوا بِغَيظِكُم﴾ [آل عمران: ١١٩]
مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿قُل مُوتُوا بِغَيظِكُم﴾ أَي ابقَوا إِلَى المَماتِ فِي غَيظِكُم، فَإِنَّ غَيظَكُم لَن يَضُرَّ المُؤمِنِينَ إِذا تَمَسَّكُوا بِدِينِهِم. وَقِيلَ فِي التَّفسِيرِ: هُوَ دُعاءٌ عَلَيهِم بِأَن يَزدادَ غَيظُهُم حَتّى يَهلِكُوا بِهِ.
وَمِن أَمثِلَةِ ذٰلِكَ ما وَقَعَ لِأَبِي لَهَبٍ، فَإِنَّهُ لَم يَخرُج إِلَى بَدرٍ، فَلَمّا جاءَتهُ أَخبارُ هَزِيمَةِ الكُفّارِ وَنَصرِ اللهِ لِلمُسلِمِينَ، ماتَ غَيظًا وَكَمَدًا، وَأُصِيبَ بِمَرَضٍ مُنفِّرٍ، فَلَمّا ماتَ تَرَكَهُ أَهلُهُ أَيّامًا لا يَقتَرِبُونَ مِنهُ، ثُمَّ صارُوا يُلقُونَ عَلَيهِ الحِجارَةَ مِن بَعِيدٍ. فَهٰذا مِن جُملَةِ ما يُسَلِّطُهُ اللهُ تَعالى عَلَى أَعدائِهِ مِن إِذلالٍ وَخِزيٍ.
فَكُلَّما رَأَى أَعداءُ اللهِ قُوَّةً لِلإِسلامِ وَعِزًّا لِلمُسلِمِينَ ازدادُوا غَيظًا، وَالعِزَّةُ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلمُؤمِنِينَ.
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
أَي إِنَّ اللهَ تَعالى يَعلَمُ ما فِي الصُّدُورِ مِن خَيرٍ أَو حَنَقٍ أَو بَغضاءَ، وَيَعلَمُ ما يُضمِرُهُ هٰؤُلاءِ مِن عَداوَةٍ وَغَيظٍ، وَيَعلَمُ ما سَيَكونُ مِنهُم إِلَى يَومِ القِيامَةِ. فَاطمَئِنُّوا، فَاللهُ لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ مِن ظَواهِرِهِم وَلَا مِن بَواطِنِهِم.
وَكَم مِن أَفعالِهِم وَجَرائِمِهِم وَمَجازِرِهِم لَم تَنقُلها الكامِيراتُ، وَلَم يَرَها النّاسُ، وَعَلِمنا بَعضًا مِنها وَغابَ عَنّا بَعضٌ، وَلٰكِنَّ اللهَ تَعالى عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، يَعلَمُ ما ظَهَرَ مِنهُم، وَيَعلَمُ ما أَخفَوهُ فِي صُدُورِهِم، وَلَا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ.
فَفِي هٰذِهِ الآيَةِ تَنبِيهٌ لِلمُسلِمِينَ مِن جِهَتَينِ: أَلَّا يُحِبُّوا الكافِرِينَ مَحَبَّةَ وَلاءٍ، وَلَا يُوادُّوهُم وَلا يُوالُوهُم، وَلَا يُعِينُوهُم عَلَى المُسلِمِينَ، وَأَلَّا يَخافُوا مِنهُم خَوفًا يُضعِفُ إِيمانَهُم؛ فَهُم مَن يَمُوتُونَ بِغَيظِهِم بِإِذنِ اللهِ تَعالى. وَعَلَى المُسلِمِينَ أَن يُحافِظُوا عَلَى تَماسُكِهِم وَاتِّحادِهِم، وَأَن يَثِقُوا بِأَنَّ اللهَ تَعالى أَعلَمُ بِما فِي قُلُوبِ أَعدائِهِم مِنَ العَداوَةِ وَالبَغضاءِ.
فَما دامَ اللهُ تَعالى عَلِيمًا بِذاتِ الصُّدُورِ، فَسَلِّمُوا أَمرَكُم إِلَيهِ، وَلَا تَخافُوا عَدُوَّ اللهِ خَوفًا يُوهِنُ قُلُوبَكُم. وَقَد رُوِيَ عَنِ الإِمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَبياتٌ يَذكُرُها أَهلُ الوَعظِ، وَفِيها مَعنى تَسلِيمِ الأَمرِ لِلهِ تَعالى، وَالثِّقَةِ بِقَضائِهِ وَقَدَرِهِ:
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ~ وَطِب نَفسًا إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلَا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَّيالِي ~ فَما لِحَوادِثِ الدُّنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلًا عَلَى الأَهوالِ جَلدًا ~وَشِيمَتُكَ السَّماحَةُ وَالوَفاءُ
وَإِن كَثُرَت عُيُوبُكَ فِي البَرايا ~ وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ
تَسَتَّر بِالسَّخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ ~ يُغَطِّيهِ كَما قِيلَ السَّخاءُ
وَلَا تُرِ لِلأَعادِي قَطُّ ذُلًّا ~ فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعداءِ بَلاءُ
وَلَا تَرجُ السَّماحَةَ مِن بَخِيلٍ ~ فَما فِي النّارِ لِلظَّمآنِ ماءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَّأَنِّي ~ وَلَيسَ يَزِيدُ فِي الرِّزقِ العَناءُ
وَلَا حُزنٌ يَدُومُ وَلَا سُرورٌ ~ وَلَا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلَا رَخاءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنُوعٍ ~ فَأَنتَ وَمالِكُ الدُّنيا سَواءُ
وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا ~ فَلَا أَرضٌ تَقِيهِ وَلَا سَماءُ
وَأَرضُ اللهِ واسِعَةٌ وَلٰكِن ~ إِذا نَزَلَ القَضاءُ ضاقَ الفَضاءُ
دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ ~ فَما يُغنِي عَنِ المَوتِ الدَّواءُ
فَسَلِّم أَمرَكَ لِلهِ، وَكُن ~ جَلْدًا قَوِيًّا صَبُورًا عَزِيزًا.
وَإِذا ماتَ المُسلِمُ وَهُوَ قائِمٌ أَو ساجِدٌ أَو ذاكِرٌ لِلهِ، فَلَا يَنبَغِي أَن يُرِيَ عَدُوَّهُ ذُلًّا، وَلَا أَن يَجعَلَهُ يَفرَحُ بِرُؤيَتِهِ مُتَوَسِّلًا إِلَيهِ أَو راجِيًا لَهُ. بَل يَنبَغِي أَن يَثبُتَ عَلَى عِزَّةِ الإِسلامِ، حَتّى يَمُوتَ العَدُوُّ بِغَيظِهِ مِمّا يَراهُ مِن عِزَّةِ المُسلِمِينَ وَقُوَّتِهِم وَاجتِماعِهِم.
وَالمُؤمِنُ يُؤمِنُ بِقَضاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَيَعلَمُ أَنَّ كُلَّ ما يُصِيبُ هٰذِهِ الأُمَّةَ مِن بَلاءٍ فَهُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ تَعالى، وَقَد سَمِعَ قَولَ المُصطَفَى ﷺ: «إِنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ عافِيَتُها فِي أَوَّلِها، وَسَيُصِيبُ آخِرَها بَلاءٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَها».
فَعافِيَةُ هٰذِهِ الأُمَّةِ كانَت فِي أَوَّلِها، فِي زَمَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، حِينَ لَم تَكُنِ الأُمَّةُ مَدينَةً لِأَعدائِها، وَكانَ مِنَ الخُلَفاءِ مَن يَتَفَقَّدُ الفُقَراءَ وَيَصِلُ إِلَى بُيُوتِهِم، كَأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم. وَكانَ فِي المُسلِمِينَ مَن يَقومُ فِي اللَّيلِ، وَيَحمِلُ كِيسَ الطَّعامِ عَلَى ظَهرِهِ، وَيَطرُقُ بابَ الفَقِيرِ، وَيَضَعُ الطَّعامَ ثُمَّ يَنصَرِفُ، لا يُرِيدُ أَن يَعرِفَهُ أَحَدٌ.
وَكانَ المُسلِمُونَ أَهلَ قُوَّةٍ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهابَهُم أَعداؤُهُم. فَلَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفَقَدَتِ الأُمَّةُ أَعظَمَ قائِدٍ عَرَفَتهُ الدُّنيا، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كانَ أَكثَرُ النّاسِ حُبًّا لَهُ وَقُربًا مِنهُ صِدِّيقُ هٰذِهِ الأُمَّةِ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، صاحِبُهُ فِي الغارِ. وَمَعَ شِدَّةِ حُزنِهِ عَلَى وَفاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَم يُقعِدهُ ذٰلِكَ عَن نُصرَةِ الدِّينِ.
فَلَمّا ارتَدَّ مَنِ ارتَدَّ مِنَ العَرَبِ، لَم يَترُكهُم أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَلَم يَقُل: لَهُمُ الحُرِّيَّةُ أَن يَرتَدُّوا وَنَترُكُهُم، بَل قاتَلَهُم عَلَى حُكمِ الشَّرعِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتُلُوهُ». فَلَيسَ لِلإِنسانِ حُرِّيَّةٌ فِي أَن يَكفُرَ بِاللهِ بَعدَ دُخُولِهِ فِي الإِسلامِ، فَهُوَ عَبدٌ لِلهِ مَخلُوقٌ لَهُ، وَاللهُ فَرَضَ عَلَيهِ الإِيمانَ.
وَأَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يَسكُت عَن تِلكَ الفِتَنِ، بَل سَيَّرَ الجُيُوشَ، وَأَطفَأَ فِتنَةَ الرِّدَّةِ، ثُمَّ لَم يَكتَفِ بِذٰلِكَ، بَل وَجَّهَ الأُمَّةَ إِلَى الجِهادِ وَالفُتُوحِ. وَفِي ذٰلِكَ الوَقتِ ظَنَّ الأَعداءُ أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَى القَضاءِ عَلَى أُمَّةِ الإِسلامِ بَعدَ مَوتِ قائِدِها ﷺ، وَكَثُرَتِ الفِتَنُ وَارتَدَّت قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ، حَتّى قالَ بَعضُ الصَّحابَةِ إِنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ المَدِينَةَ سَتُحاطُ بِالكُفّارِ وَالمُرتَدِّينَ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ.
وَمَعَ ذٰلِكَ أَنفَذَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَيشَ أُسامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ أَنَّ بَعضَ الصَّحابَةِ أَشارُوا عَلَيهِ بِأَلَّا يَفعَلَ خَوفًا عَلَى المَدِينَةِ. فَلَم يُظهِر ضَعفًا، وَلَم يَتَراجَع، بَل أَرسَلَ الجَيشَ لِيُرهِبَ الأَعداءَ، وَيُظهِرَ أَنَّ الأُمَّةَ لَم تَضعُف بِمَوتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ بَعدَ إِطفاءِ فِتَنِ مُسَيلِمَةَ وَالأَسوَدِ العَنسِيِّ وَطُلَيحَةَ وَسَجاحَ وَغَيرِهِم، تَوَجَّهَتِ الجُيُوشُ إِلَى الشّامِ وَالعِراقِ، فَكانَ فَتحُ الشّامِ وَفَتحُ العِراقِ، وَفِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ انتَشَرَ الإِسلامُ انتشارًا عَظِيمًا حَتّى بَلَغَ آفاقًا بَعِيدَةً. فَاللهُ تَعالى عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وَهُوَ ناصِرُ دِينِهِ، وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ.