بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَـٰنِ لرَّحِيمِ
﴿وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالُوا رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنُوبَنا وَإِسرافَنا فِي أَمرِنا وَثَبِّت أَقدامَنا وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنيا وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل عمران: ١٤٧-١٤٨]
﴿وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالُوا رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنُوبَنا وَإِسرافَنا فِي أَمرِنا وَثَبِّت أَقدامَنا وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالُوا﴾ أَي لَم يَكُن قَولُ أُولٰئِكَ الرِّبِّيِّينَ عِندَ نُزُولِ المَصائِبِ، وَاشتِدادِ القِتالِ، وَكَثرَةِ الجِراحِ وَالقَتلِ، إِلّا هٰذا الدُّعاءَ الجامِعَ لِلاستِغفارِ وَطَلَبِ الثَّباتِ وَالنَّصرِ. فَلَم يَصدُر مِنهُم تَسَخُّطٌ وَلَا اعتراضٌ، وَلَم يَنشَغِلُوا بِلَومِ غَيرِهِم، بَل رَجَعُوا إِلى أَنفُسِهِم، وَاعترَفُوا بِتَقصِيرِهِم، وَتَوَجَّهُوا إِلى اللهِ تَعالى بِالدُّعاءِ وَالتَّضَرُّعِ.
وَهٰذا مِن صِفاتِ العُلَماءِ العامِلِينَ وَالعِبادِ الصّالِحِينَ؛ فَهُم مَعَ ما عَلَيهِ حالُهُم مِنَ العِلمِ وَالطّاعَةِ لا يَغتَرُّونَ بِأَعمالِهِم، وَلَا يَرَونَ لِأَنفُسِهِم فَضلًا، بَل يَتَّهِمُونَ نُفُوسَهُم بِالتَّقصِيرِ، وَيَسأَلُونَ اللهَ المَغفِرَةَ. وَقَد قِيلَ: شُدَّ الهِمَّةَ بِلا كَسَلٍ؛ فَطَرِيقُ الجَنَّةِ عِلمٌ وَعَمَلٌ.
وَقَولُهُم: ﴿رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنُوبَنا﴾ فِيهِ هَضمٌ لِلنَّفسِ، وَإِظهارٌ لِلفَقرِ وَالضَّعفِ بَينَ يَدَيِ اللهِ. وَهٰذا مِن آدابِ الدُّعاءِ؛ أَن يَبدَأَ العَبدُ بِالثَّناءِ عَلَى اللهِ، وَالصَّلاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَالاعتِرافِ بِالذَّنبِ وَالتَّقصِيرِ، ثُمَّ يَسأَلَ حاجَتَهُ.
وَمِن هٰذا قَولُ ذِي النُّونِ عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿لا إِلٰهَ إِلّا أَنتَ سُبحانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فَجَمَعَ بَينَ تَوحِيدِ اللهِ وَتَنزِيهِهِ، وَالاعتِرافِ بِالتَّقصِيرِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ عَن هٰذَا الدُّعاءِ إِنَّهُ ما دَعا بِهِ مَكرُوبٌ إِلّا استَجابَ اللهُ لَهُ.
وَمِنهُ أَيضًا الدُّعاءُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَقولَهُ فِي صَلاتِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفسِي ظُلمًا كَثِيرًا، وَلا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنتَ، فَاغفِر لِي مَغفِرَةً مِن عِندِكَ، وَارحَمنِي، إِنَّكَ أَنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». فَقَد قَدَّمَ الاعتِرافَ بِالذَّنبِ بَينَ يَدَيِ المَغفِرَةِ وَالرَّحمَةِ.
وَقَولُهُم: ﴿وَإِسرافَنا فِي أَمرِنا﴾ أَي وَاغفِر لَنا تَجاوُزَنا الحَدَّ، وَإِفراطَنا فِي الذُّنُوبِ وَالمَعاصِي. وَالإِسرافُ هُوَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، وَقَد يَكونُ فِي الذَّنبِ، وَالمالِ، وَالقَولِ، وَالعَمَلِ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالذُّنُوبِ الصَّغائِرُ، وَبِالإِسرافِ الكَبائِرُ، فَجاءَ الدُّعاءُ شامِلًا لِجَميعِ أَنواعِ التَّقصِيرِ.
وَمِن أَشدِّ الإِسرافِ عَلَى النَّفسِ أَن يَبلُغَ الإِنسانُ سِنًّا مُتَقَدِّمَةً، وَهُوَ لَم يَتَعَلَّمِ القَدرَ الواجِبَ عَلَيهِ مِن عِلمِ الدِّينِ. فَالمُسلِمُ مُطالَبٌ أَن يَتَعَلَّمَ ما تَصِحُّ بِهِ عَقِيدَتُهُ، وَطَهارَتُهُ، وَصَلاتُهُ، وَصِيامُهُ، وَزَكاتُهُ، وَحَجُّهُ، وَما يَحتاجُ إِلَيهِ مِن أَحكامِ البَيعِ وَالشِّراءِ وَالإِجارَةِ وَالقَرضِ وَغَيرِ ذٰلِكَ مِنَ المُعامَلاتِ.
فَكَم مِن إِنسانٍ يَقَعُ فِي الرِّبا أَو بَيعِ الدَّينِ بِالدَّينِ أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لأَنَّهُ دَخَلَ فِي المُعامَلَةِ قَبلَ أَن يَتَعَلَّمَ حُكمَها. وَمَن أَرادَ أَن يَتُوبَ مِنَ الحَرامِ فَلا بُدَّ أَن يَعرِفَهُ أَوَّلًا، لِيَجتَنِبَهُ وَيَعرِفَ كَيفِيَّةَ التَّخَلُّصِ مِنهُ.
وَأَعظَمُ ما يَجِبُ تَعَلُّمُهُ عِلمُ التَّوحِيدِ وَالعَقِيدَةِ؛ فَالعَقِيدَةُ رَأسُ مالِ المُسلِمِ، وَلا يَصِحُّ العَمَلُ إِلّا بَعدَ صِحَّةِ الإِيمانِ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَاعلَم أَنَّهُ لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بِالعِلمِ بِالتَّوحِيدِ قَبلَ الاستِغفارِ.
وَقَد عَرَّفَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ التَّوحِيدَ بِأَنَّهُ نَفيُ التَّشبِيهِ وَالتَّعطِيلِ؛ فَلا نُشَبِّهُ اللهَ بِخَلقِهِ، وَلَا نَنفِي عَنهُ صِفاتِهِ الثّابِتَةَ لَهُ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فَنُثبِتُ لَهُ السَّمعَ وَالبَصَرَ، وَنَنزِّهُ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ عَن مُشابَهَةِ سَمعِ المَخلُوقِينَ وَبَصَرِهِم.
وَاللهُ تَعالى لا يُشبِهُ القَمَرَ وَلَا الشَّمسَ، وَلَا شَيئًا مِن خَلقِهِ، وَمَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ يُشبِهُ شَيئًا مِن مَخلُوقاتِهِ فَقَد ضَلَّ عَنِ التَّوحِيدِ. وَأَمّا قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كَما تَرَونَ القَمَرَ لَيلَةَ البَدرِ، لا تُضامُّونَ فِي رُؤيَتِهِ»، فَالتَّشبِيهُ فِيهِ بَينَ الرُّؤيَتَينِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الشَّكِّ وَالازدِحامِ، لا بَينَ اللهِ وَالقَمَرِ، فَاللهُ لا يُشبِهُ شَيئًا.
وَيَرى المُؤمِنُونَ رَبَّهُم يَومَ القِيامَةِ بِأَبصارِهِم مِن غَيرِ كَيفٍ وَلَا جِهَةٍ وَلَا مَكانٍ وَلَا إِحاطَةٍ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، وَقالَ: ﴿كَلّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فَكانَ حَجبُ الكافِرِينَ دَلِيلًا عَلَى إِكرامِ المُؤمِنِينَ بِالرُّؤيَةِ.
وَقَولُ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُر إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] دَليلٌ عَلَى جَوازِ الرُّؤيَةِ عَقلًا، فَالنَّبِيُّ لا يَسأَلُ مُستَحِيلًا. وَلٰكِنَّ اللهَ لَم يُمَكِّنْهُ مِن رُؤيَتِهِ فِي الدُّنيا، فَقالَ: ﴿لَن تَرانِي وَلٰكِنِ انظُر إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ استَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فَلَمّا جَعَلَ اللهُ فِي الجَبَلِ قُوَّةَ الرُّؤيَةِ دُكَّ الجَبَلُ، وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا.
وَمِن صِفاتِ اللهِ الواجِبِ مَعرِفَتُها: الوُجودُ، وَالوَحدانِيَّةُ، وَالقِدَمُ، وَالبَقاءُ، وَالقِيامُ بِالنَّفسِ، وَمُخالَفَةُ الحَوادِثِ، وَالحَياةُ، وَالقُدرَةُ، وَالعِلمُ، وَالسَّمعُ، وَالبَصَرُ، وَالكَلامُ، وَالإِرادَةُ.
فَاللهُ مَوجُودٌ لا بِدايَةَ لِوُجودِهِ، باقٍ لا نِهايَةَ لَهُ، واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، مُستَغنٍ عَن خَلقِهِ، لا يُشبِهُ المَخلُوقاتِ، حَيٌّ لا كَحَياتِنا، عالِمٌ لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ، قادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمكِنٍ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ لا بِجارِحَةٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ أَزَلِيٍّ لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ، وَمَشِيئَتُهُ نافِذَةٌ فِي كُلِّ ما يَكونُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] لَيسَ مَعناهُ أَنَّ الرُّوحَ جُزءٌ مِنَ اللهِ، فَاللهُ لا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ، بَل هِيَ إِضافَةُ تَشرِيفٍ؛ أَي مِنَ الرُّوحِ الَّتِي خَلَقَها اللهُ وَشَرَّفَها. وَمِثلُ ذٰلِكَ قَولُنا: بَيتُ اللهِ، أَيِ البَيتُ المُشَرَّفُ عِندَ اللهِ، لا أَنَّ اللهَ يَسكُنُهُ أَو يَحتاجُ إِلَيهِ.
وَكلامُ اللهِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ، لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لُغَةٍ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] إِثباتٌ لِصِفَةِ الكَلامِ، وَتَأكِيدُ الفِعلِ بِالمَصدَرِ يَدفَعُ حَملَهُ عَلَى المَجازِ. فَاللهُ أَسمَعَ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ كَلامَهُ الأَزَلِيَّ مِن غَيرِ حَرفٍ وَلَا صَوتٍ.
وَقَولُهُم: ﴿وَثَبِّت أَقدامَنا﴾ أَي ثَبِّتنا فِي مَواقِعِ القِتالِ، وَلا تَجعَلنا نَفِرُّ أَو نَتَراجَعُ، وَثَبِّتنا عَلَى دِينِكَ وَطاعَتِكَ. فَبَعدَ أَن سَأَلُوا المَغفِرَةَ وَاعتَرَفُوا بِالتَّقصِيرِ، سَأَلُوا اللهَ أَن يَخلُقَ فِيهِمُ الثَّباتَ وَالقُوَّةَ.
وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ أَفعالَ العِبادِ مَخلُوقَةٌ للهِ تَعالى، وَأَنَّ العَبدَ يَكسِبُ فِعلَهُ وَلَا يَخلُقُهُ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَت وَعَلَيها مَا اكتَسَبَت﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَأَثبَتَ لِلعَبدِ الكَسبَ، وَالخَلقُ للهِ وَحدَهُ. فَثَباتُ العَبدِ فِي القِتالِ وَعَلَى الطّاعَةِ يَكونُ بِتَوفِيقِ اللهِ وَخَلقِهِ وَإِعانَتِهِ.
وَقَولُهُم: ﴿وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرِينَ﴾ أَي أَظهِرنا عَلَى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحدانِيَّتَكَ وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، وَامْنَحنا الغَلَبَةَ عَلَيهِم. فَقَد جَمَعُوا بَينَ التَّوبَةِ وَالاستِغفارِ، وَطَلَبِ الثَّباتِ، وَسُؤالِ النَّصرِ، وَهٰذا مِن أَكمَلِ أَدعِيَةِ الشَّدائِدِ وَالمِحَنِ.
وَفِي تَقدِيمِ الاستِغفارِ عَلَى طَلَبِ النَّصرِ إِشارَةٌ إِلى أَنَّ الذُّنُوبَ مِن أَسبابِ الخِذلانِ، وَأَنَّ التَّوبَةَ وَالرُّجوعَ إِلى اللهِ مِن أَعظَمِ أَسبابِ التَّأيِيدِ. فَهُم لَم يَعتَمِدُوا عَلَى قُوَّتِهِم وَعَدَدِهِم، بَل فَوَّضُوا أَمرَهُم إِلى اللهِ، وَتَضَرَّعُوا إِلَيهِ، وَاستَعانُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ وَالدُّعاءِ.
وَطَلَبُ الثَّباتِ لا يَختَصُّ بِساحَةِ القِتالِ، بَل أَعظَمُهُ الثَّباتُ عَلَى الإِسلامِ وَالتَّقوى حَتّى المَماتِ. وَقَد كانَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ». فَالثَّباتُ تَوفِيقٌ مِنَ اللهِ، وَمَن ثَبَتَ عَلَى الإِيمانِ وَالطّاعَةِ كانَ ذٰلِكَ مِن أَعظَمِ أَسبابِ قُوَّتِهِ وَنَصرِهِ.
﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنيا وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنيا﴾ أَي فَأَعطاهُم بِسَبَبِ إِيمانِهِم وَصَبرِهِم وَاستِغفارِهِم وَثَباتِهِم ما جَعَلَهُ لَهُم مِن نَصرٍ وَظَفَرٍ وَغَنِيمَةٍ وَعِزٍّ وَذِكرٍ حَسَنٍ فِي الدُّنيا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ أَي وَآتاهُمُ المَغفِرَةَ وَالرِّضوانَ وَدُخولَ الجَنَّةِ. وَخَصَّ ثَوابَ الآخِرَةِ بِوَصفِ الحُسنِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلَى أَنَّهُ الثَّوابُ الأَكمَلُ وَالأَعظَمُ وَالأَبقى، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنبَغِي أَن يَكونَ مَقصُودَ المُؤمِنِ الأَوَّلَ.
فَثَوابُ الدُّنيا، مَهما عَظُمَ، فانٍ مُنقَطِعٌ، وَأَمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَباقٍ لا يَفنى، وَنَعِيمُها لا يَنقَطِعُ. وَلِذٰلِكَ كانَ حُسنُ ثَوابِ الآخِرَةِ خَيرًا مِن كُلِّ ما يَنالُهُ الإِنسانُ فِي الدُّنيا مِن مَتاعٍ وَنَصرٍ وَمالٍ وَجاهٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ﴾ أَي يُحِبُّ الَّذِينَ أَحسَنُوا فِي إِيمانِهِم وَطاعَتِهِم، وَأَخلَصُوا للهِ، وَصابَرُوا عِندَ الشَّدائِدِ، وَقابَلُوا الذُّنُوبَ بِالتَّوبَةِ، وَالبَلاءَ بِالصَّبرِ، وَالخَوفَ بِالدُّعاءِ وَالثَّباتِ.
وَالإِحسانُ يَشمَلُ إِتقانَ العِبادَةِ وَإِخلاصَها للهِ، وَالإِحسانَ إِلى الخَلقِ، وَالثَّباتَ عَلَى الحَقِّ. فَأُولٰئِكَ الرِّبِّيُّونَ أَحسَنُوا فِي عَمَلِهِم، فَلَم يَغتَرُّوا بِطاعَتِهِم، وَلَم يَعتَرِضُوا عِندَ المُصِيبَةِ، بَل سَأَلُوا المَغفِرَةَ وَالثَّباتَ وَالنَّصرَ، فَأَكرَمَهُمُ اللهُ بِثَوابِ الدُّنيا وَحُسنِ ثَوابِ الآخِرَةِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ أُولٰئِكَ الرِّبِّيِّينَ لَمّا أَصابَهُم ما أَصابَهُم فِي سَبِيلِ اللهِ، لَم يَتَسَخَّطُوا وَلَم يَعتَرِضُوا، بَل رَجَعُوا إِلى اللهِ، وَاعترَفُوا بِذُنُوبِهِم وَإِسرافِهِم، وَسَأَلُوهُ أَن يَغفِرَ لَهُم، وَيُثَبِّتَ أَقدامَهُم، وَيَنصُرَهُم عَلَى الكافِرِينَ. فَآتاهُمُ اللهُ نَصرَ الدُّنيا وَعِزَّها، وَمَغفِرَةَ الآخِرَةِ وَجَنَّتَها، وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ العِلمِ وَالعَمَلِ، وَالتَّوبَةِ وَالصَّبرِ، وَالإِخلاصِ وَالثَّباتِ.