بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)﴾ [آل عمران: ١٥٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿إِذ تُصعِدُونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ لا تَزالُ هٰذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ فِي سِياقِ غَزوَةِ أُحُدٍ، وَما وَقَعَ فِيها مِنَ الابتِلاءِ وَالتَّمحيصِ، وَما تَضَمَّنَتهُ مِن دُرُوسٍ عَظيمَةٍ لِلمُؤمِنِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ. فَكَم فِي أُحُدٍ مِن عِبرَةٍ لِمَن تَأَمَّلَ، وَكَم فِيها مِن تَعلِيمٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الثَّباتِ وَالصَّبرِ، وَالخَوفِ مِن مُخالَفَةِ أَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَعنى ﴿تُصعِدُونَ﴾ أَي تُبعِدُونَ فِي الأَرضِ وَتَذهَبُونَ فِي صَعِيدِها. وَفَرَّقَ أَهلُ اللُّغَةِ بَينَ الإِصعادِ وَالصُّعُودِ؛ فَالإِصعادُ يَكونُ فِي الذَّهابِ فِي الأَرضِ المُستَوِيَةِ أَو فِي الوادِي، وَأَمّا الصُّعُودُ فَيَكونُ فِي الارتِفاعِ إِلى أَعلى، كَالصُّعُودِ فِي الجَبَلِ. فَالمُرادُ هُنا أَنَّ بَعضَ المُسلِمِينَ لَمّا اضطَرَبَت صُفُوفُهُم يَومَ أُحُدٍ أَبعَدُوا فِي الأَرضِ وَانصَرَفُوا عَن مَوضِعِ القِتالِ.
وَقَد وَقَعَ ذٰلِكَ بَعدَ أَن شاعَ الخَبَرُ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد قُتِلَ، وَبَعدَ أَنِ التَفَّت خَيلُ المُشرِكِينَ عَلَى المُسلِمِينَ مِن جِهَةِ جَبَلِ الرُّماةِ، لَمّا نَزَلَ بَعضُ الرُّماةِ عَن مَوضِعِهِم مُخالِفِينَ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ. فَحَصَلَ الاضطِرابُ، وَأَصابَ المُسلِمِينَ ما أَصابَهُم مِن جِراحٍ وَقَتلٍ، فَصارَ بَعضُهُم يُبعِدُ فِي الأَرضِ وَلا يَلتَفِتُ إِلى أَحَدٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ أَي لا تَلتَفِتُونَ إِلى أَحَدٍ، وَلا تَقِفُونَ لِداعٍ، مِن شِدَّةِ ما نَزَلَ بِكُم مِن خَوفٍ وَاضطِرابٍ. وَهٰذَا تَصويرٌ لِغايَةِ ما كانَ عَلَيهِ بَعضُهُم مِن تَركِ مَوضِعِ المَعرَكَةِ، حِينَ سَمِعُوا ما سَمِعُوا، وَرَأَوا ما رَأَوا مِن انقِلابِ الحالِ بَعدَ أَن كانَ الظُّهُورُ فِي أَوَّلِ القِتالِ لِلمُسلِمِينَ.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ فِي تَعَلُّقِ قَولِهِ تَعالى: ﴿إِذ تُصعِدُونَ﴾ وَجهَينِ عَامَّينِ؛ أَحَدُهُما أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبلَهُ، وَعَلَى هٰذا قِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُم عَنهُم﴾، أَي صَرَفَكُم عَنهُم إِذ تُصعِدُونَ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَولِهِ: ﴿لِيَبتَلِيَكُم﴾، أَي ابتَلاكُم إِذ تُصعِدُونَ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَولِهِ: ﴿وَلَقَد عَفا عَنكُم﴾، أَي عَفا عَنكُم إِذ تُصعِدُونَ مَعَ ما كانَ مِنكُم مِن تَركِ مَوقِفِ القِتالِ. وَالوَجهُ الثّانِي أَنَّهُ ابتِداءُ كَلامٍ، وَالتَّقدِيرُ: اذكُرُوا إِذ تُصعِدُونَ، أَو اذكُر يا مُحَمَّدُ إِذ تُصعِدُونَ.
وَعَلَى كِلَا الوَجهَينِ فَفِي الآيَةِ تَذكِيرٌ وَتَأدِيبٌ؛ أَي اذكُرُوا تِلكَ الحالَ الَّتِي كُنتُم فِيها، وَكُم كُنتُم بِحاجَةٍ إِلى الثَّباتِ وَالالتِزامِ بِأَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَإِنَّ مُخالَفَةَ أَمرِهِ هِيَ أَصلُ ما وَقَعَ مِنَ الاضطِرابِ وَالغَمِّ فِي ذٰلِكَ اليَومِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدعُوكُم فِي أُخراكُم﴾ أَي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُنادِيكُم مِن وَرائِكُم أَو مِن جِهَةِ آخِرِكُم، يَقولُ: «إِلَيَّ عِبادَ اللهِ، إِلَيَّ عِبادَ اللهِ». وَهٰذا أَبلَغُ فِي التَّذكِيرِ وَالعتابِ؛ فَإِنَّ الدّاعِيَ لَيسَ رَجُلًا مِن عامَّةِ النّاسِ، بَل هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَعَ ذٰلِكَ كانَ بَعضُهُم يُبعِدُ فِي الأَرضِ لا يَلتَفِتُ.
وَالأَصلُ فِي القائِدِ أَن يَكونَ فِي مُقَدِّمَةِ جَيشِهِ، وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثابِتًا فِي مَوقِعِهِ. وَلٰكِن لَمّا اضطَرَبَ بَعضُ المُسلِمِينَ، وَتَقَدَّمُوا مُبتَعِدِينَ عَن مَوضِعِ القِتالِ، صارَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِم فِي آخِرِهِم، يَدعُوهُم لِيَرجِعُوا وَيَثبُتُوا. فَلَيسَ المَعنى أَنَّهُ ﷺ تَأَخَّرَ عَن مَوقِعِهِ، بَل المَعنى أَنَّهُم هُمُ الَّذِينَ انصَرَفُوا عَنهُ.
وَقَد كانَ الاضطِرابُ شَدِيدًا؛ أَصواتُ القِتالِ، وَالغُبارُ، وَتَداخُلُ الصُّفُوفِ، وَشُيُوعُ خَبَرِ قَتلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالتِفافُ المُشرِكِينَ بَعدَ نُزُولِ بَعضِ الرُّماةِ عَن مَوضِعِهِم. فَبَعضُ النّاسِ لَم يَسمَع نِداءَ النَّبِيِّ ﷺ، وَبَعضُهُم غَلَبَهُ الخَوفُ وَالدَّهَشة. وَمَعَ هٰذا كُلِّهِ بَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثابِتًا، حَتّى رَجَعَ إِلَيهِ مَن رَجَعَ مِن أَصحابِهِ.
وَفِي هٰذا دَرسٌ عَظيمٌ فِي أَنَّ ثَباتَ القائِدِ عَلَى الحَقِّ عِندَ الشَّدائِدِ سَبَبٌ لِرُجوعِ القُلُوبِ وَاستِجماعِ القُوَى. فَقَد انكَشَفَ النّاسُ يَومَ أُحُدٍ، وَاشتَدَّتِ المِحنَةُ، وَلٰكِنَّ ثَباتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ أَصلًا فِي رُجوعِ المُؤمِنِينَ وَتَماسُكِهِم، حَتّى كانَ الَّذِي انصَرَفَ آخِرًا هُمُ المُشرِكِينَ، لا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَقَد كانَ أَصلُ هٰذا البَلاءِ مُخالَفَةَ أَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد أَمَرَ الرُّماةَ أَلّا يُفارِقُوا الجَبَلَ مَهما كانَتِ الحالُ، وَقالَ لَهُم: لا تَبرَحُوا مَكانَكُم. فَلَمّا ظَنَّ بَعضُهُم أَنَّ القِتالَ قَد انتَهى، وَأَنَّ الغَنائِمَ قَد حانَ وَقتُها، نَزَلُوا، وَقالَ لَهُم أَمِيرُهُم عَبدُ اللهِ بنُ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لا تُخالِفُوا أَمرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَثَبَتَ هُوَ وَمَن ثَبَتَ مَعَهُ، وَقُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَمِن هُنا يُعلَمُ أَنَّ مُخالَفَةَ أَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ هِيَ بَدايَةُ الوَهَنِ وَالغَمِّ وَالانكِسارِ. فَالأُمَّةُ لا تَذُوقُ مَرارَةَ الهَوانِ إِلّا إِذا تَرَكَت طاعَةَ اللهِ، وَتَساهَلَت فِي أَوامِرِ رَسُولِهِ ﷺ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَأَثابَكُم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَي جازاكُم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ، أَو غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أَو غَمًّا بَعدَ غَمٍّ. وَالأَصلُ فِي «أَثابَ» أَن تُستَعمَلَ فِي الجَزاءِ، وَقَد يَكونُ الجَزاءُ خَيرًا أَو شَرًّا بِحَسَبِ السِّياقِ، وَهُنا دَلَّ السِّياقُ عَلَى أَنَّ المُرادَ المُجازاةُ بِالغَمِّ.
وَقِيلَ: مَعنى ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَي غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أَذَقتُمُوهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ خالَفتُم أَمرَهُ وَتَرَكتُم مَوقِعَكُم، فَجازاكُمُ اللهُ عَلَى ذٰلِكَ بِغَمٍّ أَصابَكُم. وَقِيلَ: غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أَي جَمَعَ عَلَيكُم غُمُومًا مُتَتابِعَةً. وَقِيلَ: غَمًّا بَعدَ غَمٍّ، أَي تَوالَت عَلَيكُمُ الأَحزانُ وَالأَخبارُ وَالمَصائِبُ.
وَقَد تَعَدَّدَتِ الغُمُومُ يَومَ أُحُدٍ؛ فَمِنها غَمُّ فَواتِ الغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ الَّذِي ظَهَرَ فِي أَوَّلِ المَعرَكَةِ، وَمِنها غَمُّ ما أَصابَهُم مِن جِراحٍ وَقَتلٍ، وَمِنها غَمُّ ما أَصابَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِن شَجِّ وَجهِهِ وَكَسرِ رَباعِيَتِهِ، وَمِنها الغَمُّ الأَعظَمُ عِندَ شُيُوعِ خَبَرِ قَتلِهِ ﷺ، وَمِنها غَمُّهُم بِأَنَّهُم خالَفُوا أَمرَهُ وَتَرَكُوا مَوقِعَ القِتالِ.
وَقَد رَجَّحَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ أَنَّ الغَمَّ الثّانِيَ هُوَ خَبَرُ قَتلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لأَنَّهُ كانَ أَشدَّ عَلَيهِم مِن كُلِّ ما سَبَقَ، حَتّى أَنساهُم ما فَاتَهُم مِنَ الغَنِيمَةِ وَما أَصابَهُم مِنَ الجِراحِ. فَجاءَ الغَمُّ الأَكبَرُ لِيَصغُرَ عِندَهُم ما سِواهُ، وَلِيَتَعَلَّمُوا أَنَّ المَصائِبَ تَتفاضَلُ، وَأَنَّ أَعظَمَها ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَرَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِكَيلا تَحزَنُوا عَلى ما فاتَكُم وَلا ما أَصابَكُم﴾ أَي لِكَيلا يَستَولِيَ عَلَيكُمُ الحُزنُ عَلَى ما فاتَكُم مِنَ الغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ، وَلَا عَلَى ما أَصابَكُم مِن جِراحٍ وَقَتلٍ، فَقَد جاءَكُم مِنَ الغَمِّ ما هُوَ أَعظَمُ مِن ذٰلِكَ، فَصارَ ما دُونَهُ هَيِّنًا فِي جَنبِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ المَعنى وَلَقَد عَفا عَنكُم لِكَيلا تَحزَنُوا عَلى ما فاتَكُم وَلَا ما أَصابَكُم؛ أَي إِنَّ عَفوَ اللهِ عَنكُم يُخَفِّفُ عَنكُم أَحزانَكُم، وَيَمنَعُكُم مِنَ القُنوطِ وَاليَأسِ.
وَفِي الآيَةِ تَربِيَةٌ عَلى الصَّبرِ، فَإِنَّ الصَّبرَ عَلَى طاعَةِ اللهِ أَهوَنُ مِنَ الصَّبرِ عَلَى آثارِ المَعصِيَةِ، وَالمُؤمِنُ إِذا صَبَرَ عَلَى أَمرِ اللهِ سَلِمَ مِن كَثِيرٍ مِنَ الغَمِّ وَالضِّيقِ. وَأَمّا إِذا خالَفَ وَتَساهَلَ، فَقَد يَذُوقُ مِن وَبالِ ذٰلِكَ ما يَكونُ أَشقَّ عَلَيهِ مِمّا كانَ يَفِرُّ مِنهُ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ المِحَنَ قَد تَحمِلُ بَينَ ثَناياها الفَرَجَ، فَيَشتَدُّ الأَمرُ ثُمَّ يَجعَلُ اللهُ بَعدَ العُسرِ يُسرًا، وَبَعدَ الضِّيقِ مَخرَجًا. وَفِي أُحُدٍ دَرسٌ ظاهِرٌ فِي تَداوُلِ الأَيّامِ، فَقَد كانَ أَوَّلُ القِتالِ ظُهُورًا لِلمُسلِمِينَ، ثُمَّ وَقَعَ الابتِلاءُ بِسَبَبِ المُخالَفَةِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَمَن مَعَهُ، وَانصَرَفَ المُشرِكُونَ آخِرَ الأَمرِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى عالِمٌ بِبَواطِنِكُم وَظَواهِرِكُم، مُطَّلِعٌ عَلَى أَعمالِكُم وَنِيّاتِكُم، لا يَخفى عَلَيهِ مَن ثَبَتَ وَمَن تَراجَعَ، وَمَن أَطاعَ وَمَن خالَفَ، وَمَن خَرَجَ مِن مَوقِعِهِ، وَمَن صَبَرَ وَاحتَسَبَ.
فَهُوَ سُبحانَهُ خَبِيرٌ بِإِصعادِ مَن أَصعَدَ فِي الوادِي، وَفِرارِ مَن فَرَّ، وَثَباتِ مَن ثَبَتَ، وَنِداءِ رَسُولِهِ ﷺ وَمَن استَجابَ لَهُ، وَحُزنِ المُؤمِنِينَ عَلَى ما فَاتَهُم وَما أَصابَهُم. وَهُوَ يُجازِي المُحسِنَ بِإِحسانِهِ، وَالمُسِيءَ بِإِساءَتِهِ، أَو يَعفُو عَنهُ بِفَضلِهِ، كَما قالَ قَبلَ ذٰلِكَ: ﴿وَلَقَد عَفا عَنكُم﴾.