بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم فَتَنقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ عَظِيمٌ لأَهلِ الإِيمانِ، وَقَد كانَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ يَقولُ: إِذا سَمِعتَ فِي كِتابِ اللهِ تَعالى قَولَهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرخِ لَها سَمعَكَ، فَإِنَّهُ خَيرٌ تُؤمَرُ بِهِ، أَو شَرٌّ تُنهى عَنهُ. فَهٰذا النِّداءُ يَقتَضِي مِنَ المُؤمِنِ مَزيدَ إِصغاءٍ وَاهتِمامٍ، لِأَنَّ اللهَ تَعالى يُخاطِبُ عِبادَهُ المُؤمِنِينَ بِما فِيهِ نَجاتُهُم وَعِزُّهُم وَثَباتُهُم.
وَمِن نَظائِرِ هٰذا الخِطابِ قَولُهُ تَعالى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الحُجُراتِ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، ثُمَّ تَكَرَّرَ الخِطابُ بَعدَ ذٰلِكَ فِي السُّورَةِ. فَكُلُّ مَوضعٍ يَردُ فِيهِ هٰذا النِّداءُ فَهُوَ مَوضعُ تَنبيهٍ وَتَشريفٍ وَتَكليفٍ.
﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم فَتَنقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]
يُحَذِّرُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ المُؤمِنِينَ مِن طاعَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَقولُ: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم فَتَنقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾. وَهٰذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي بَيانِ مَقاصِدِ أَعداءِ الدِّينِ؛ فَهُم لا يُرِيدُونَ مِنَ المُسلِمِينَ مُجَرَّدَ المُهادَنَةِ أَو المُوادَعَةِ، وَلَا يَقِفُ مَطلَبُهُم عِندَ دُنياهُم، بَل غايَةُ ما يَطلُبُونَهُ أَن يَرُدُّوا المُؤمِنِينَ عَن دِينِهِم، وَأَن يُرجِعُوهُم إِلَى الكُفرِ بَعدَ الإِيمانِ.
فَمَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم﴾ أَي يُرجِعُوكُم إِلَى الوَراءِ، بَعدَ أَن أَكرَمَكُمُ اللهُ بِالإِسلامِ، فَيُريدُونَ أَن يَرُدُّوكُم إِلَى الشِّركِ وَالكُفرِ، فَتَنقَلِبُوا خاسِرِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَهٰذا التَّحذيرُ عامٌّ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا، لا يَختَصُّ بِطائِفَةٍ دُونَ طائِفَةٍ، فالعِبرَةُ بِعُمُومِ اللَّفظِ، وَالمَعنى صادِقٌ فِي كُلِّ مَن دَعا المُؤمِنِينَ إِلَى ما يُخالِفُ دِينَهُم وَمَصلَحَتَهُم الشَّرعِيَّةَ.
وَينبَغِي أَن يُفهَمَ مَعنى المَصلَحَةِ فَهمًا شَرعِيًّا؛ فَالمَصلَحَةُ هِيَ ما وافَقَ الشَّرعَ وَكانَ فِيهِ خَيرٌ حَقِيقِيٌّ. وَلَيسَ كُلُّ ما يَسعَى إِلَيهِ الإِنسانُ لِمَآرِبِهِ يُسَمّى مَصلَحَةً، فَمَصلَحَةُ الكافِرِ الحَقِيقِيَّةُ أَن يُسلِمَ وَيَدخُلَ فِي دِينِ اللهِ، وَمَصلَحَةُ المُسلِمِينَ أَن يَثبُتُوا عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَن يَتَّبِعُوا هَديَهُ، وَأَلَّا يُطِيعُوا أَعداءَ الدِّينِ فِيما يُبعِدُهُم عَنِ الحَقِّ.
وَقَد قالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ، كَالسُّدِّيِّ رَحِمَهُ اللهُ، إِنَّ المَعنى فِي سِياقِ أُحُدٍ: إِن تَستَكِينُوا لِأَبِي سُفيانَ وَأَصحابِهِ، وَتَستَأمِنُوهُم، يَرُدُّوكُم إِلَى دِينِهِم. وَذٰلِكَ أَنَّ الآيَةَ جاءَت فِي سِياقِ ما وَقَعَ يَومَ أُحُدٍ، حِينَ أُشِيعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، فَقالَ بَعضُ النّاسِ: لَو ذَهَبنا إِلَى أَبِي سُفيانَ أَو إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ لِيَكونَ بَينَنا وَبَينَ القَومِ أَمانٌ. فَنَزَلَ التَّحذِيرُ مِن طاعَةِ الكافِرِينَ وَالمُنافِقِينَ.
وَقِيلَ إِنَّ الآيَةَ نَزَلَت فِي قَولِ المُنافِقِينَ لِلمُؤمِنِينَ بَعدَ ما جَرَى فِي أُحُدٍ: ارجِعُوا إِلَى إِخوانِكُم، وَادخُلُوا فِي دِينِهِم. وَهٰذا مِمّا يُبَيِّنُ خَطَرَ طاعَةِ أَهلِ الكُفرِ وَالنِّفاقِ، وَأَنَّهُم لا يَقصُدُونَ بِالمُؤمِنِينَ إِلَّا الرّدَّةَ وَالخَسارَةَ.
وَمِن أَعظَمِ المَواقِفِ الَّتِي تَدلُّ عَلَى صِدقِ الإِيمانِ وَالثَّباتِ فِي أُحُدٍ مَوقِفُ أَنَسِ بنِ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَمِّ أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَقَد تَخلَّفَ عَن بَدرٍ، ثُمَّ قالَ: لَئِن أَشهَدَنِيَ اللهُ مَشهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أَصنَعُ. فَلَمّا كانَ يَومُ أُحُدٍ، وَانتَشَرَ خَبَرُ قَتلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَأَى بَعضَ المُسلِمِينَ قَد أَلقَوا بِأَيدِيهِم أَو هَمُّوا بِالانسِحابِ، قالَ لَهُم: إِلَى أَينَ؟ فَقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقالَ: فَما تَصنَعُونَ بِالحَياةِ بَعدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى ما ماتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ أَقبَلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقاتِلُ، وَيَقولُ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى استُشهِدَ، فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بَضعٌ وَسَبعُونَ أَثَرًا مِن ضَربَةِ سَيفٍ وَطَعنَةِ رُمحٍ وَرَميَةِ سَهمٍ، حَتّى لَم يُعرَف إِلَّا بِبَنانِهِ. فَهٰذا مَثَلٌ لِمَن لَم يُطِع أَعداءَ الدِّينِ، وَلَم يَضَعُف عِندَ الشِّدَّةِ، بَل ثَبَتَ عَلَى ما عاهَدَ اللهَ عَلَيهِ.
وَمِن مَداخِلِ أَعداءِ الدِّينِ أَنَّهُم يُلقُونَ الشُّبُهاتِ وَالأَراجِيفَ بَينَ المُسلِمِينَ لِزَعزَعَةِ ثَباتِهِم، لا فِي مَيدانِ القِتالِ فَقَط، بَل فِي أَمرِ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ وَالأَحكامِ أَيضًا. فَيُقالُ لِلمُسلِمِينَ: لِمَ تَرجِعُونَ إِلَى صَحِيحِ البُخارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ؟ وَلِمَ تَقولُونَ: قالَ الشّافِعِيُّ وَمالِكٌ وَأَحمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةُ؟ وَيُرادُ بِذٰلِكَ تَسمِيمُ الأَفكارِ، وَقَطعُ النّاسِ عَن أَئِمَّةِ الهُدى، وَإِقناعُهُم بِأَنَّ كُلَّ إِنسانٍ يَستَقِلُّ بِفَهمِ الدِّينِ وَالأَحكامِ حَسَبَ رَأيِهِ وَمَيلِهِ.
وَقَد يَستَعمِلُ بَعضُهُم عِباراتٍ مُزَخرَفَةً، كَقَولِهِ: استَفتِ قَلبَكَ، أَو: اجعَل ضَمِيرَكَ هُوَ الحَكَمَ، وَيُرادُ بِذٰلِكَ إِسقاطُ مَرجِعِيَّةِ الشَّرعِ. وَحَدِيثُ «استَفتِ قَلبَكَ» لَيسَ مَعناهُ أَنَّ العامِّيَّ أَو الجاهِلَ يُعرِضُ عَن نُصوصِ الشَّرعِ وَأَقوالِ العُلَماءِ، ثُمَّ يَحكُمُ بِما يَميلُ إِلَيهِ قَلبُهُ، بَل هٰذا لِمَن كانَ أَهلًا لِلنَّظَرِ فِي مَوضعٍ لا نَصَّ صَرِيحًا فِيهِ، أَمّا مَعَ وُجودِ النَّصِّ الشَّرعِيِّ فَلا مَجالَ لِلهَوى وَلا لِمُخالَفَةِ الشَّرعِ.
فَالدِّينُ لا يُبنَى عَلَى الأَهواءِ، وَلَا تُبدَّلُ أَحكامُهُ لِمُجاراةِ أَعداءِ الدِّينِ أَو لِدَفعِ وَصفٍ يُلصِقُونَهُ بِالمُسلِمِينَ. فَلَو قالَ قائِلٌ: نَحُلُّ مُشكِلَةَ الزِّحامِ فِي عَرَفَةَ بِأَن يَقفَ كُلُّ قَومٍ فِي بَلَدِهِم، أَو نُوَزِّعَ الوُقوفَ عَلَى أَيّامِ السَّنَةِ، كانَ هٰذا باطِلًا؛ لِأَنَّ العِباداتِ مَبناها عَلَى التَّوقِيفِ وَالاتِّباعِ. وَكَذٰلِكَ الطَّوافُ لا يَصِحُّ بِلا طَهارَةٍ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الطَّوافُ بِالبَيتِ صَلاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَحَلَّ فِيهِ الكَلامَ»، أَمّا السَّعيُ فَلَهُ حُكمُهُ، وَلَا يُعرَفُ ذٰلِكَ بِالرَّأيِ، بَل بِالشَّرعِ.
وَمِن أَخطارِ طاعَةِ أَعداءِ الدِّينِ أَنَّهُم يَستَدرِجُونَ المُسلِمِينَ شَيئًا فَشَيئًا؛ فَيَبدَؤونَ بِدَعوَى الانفِتاحِ وَالتَّحَرُّرِ وَالحَضارَةِ، ثُمَّ يُرِيدُونَ مِنَ المُسلِمِينَ أَن يَترُكُوا الحَجابَ وَيُظهِرُوا العَوْراتِ، ثُمَّ يَنتَقِلُونَ إِلَى أَبعَدَ مِن ذٰلِكَ. وَقَد يَستَدلُّونَ بِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ ٦﴾ [الكافرون: ٦] عَلَى غَيرِ وَجهِهِ، فَيَزعُمُونَ أَنَّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ إِنسانٍ أَن يَختارَ ما شاءَ مِن دِينٍ بِلا إِنكارٍ. وَالصَّوابُ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ بَراءَةٌ مِن دِينِ الكافِرِينَ، فَمَعناها: لَكُم دِينُكُمُ الباطِلُ، وَلِيَ دِينِيَ الحَقُّ الَّذِي أَثبُتُ عَلَيهِ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم﴾ يَدلُّ عَلَى أَنَّ غايَةَ أَعداءِ الدِّينِ أَن يَصُدُّوا المُؤمِنِينَ عَن دِينِهِم، وَمِن هُنا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَحفَظَ نِعمَةَ الإِيمانِ، وَأَن يَحذَرَ مِن كُلِّ ما يُفسِدُ إِسلامَهُ أَو يَنقُضُهُ.
وَقَد بَيَّنَ عُلَماءُ الإِسلامِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وَالمالِكِيَّةِ وَالحَنَفِيَّةِ وَالحَنابِلَةِ، وَغَيرِهِم، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ أَن يَحفَظَ إِسلامَهُ عَمّا يُفسِدُهُ وَيُبطِلُهُ وَيَقطَعُهُ، وَهُوَ الرِّدَّةُ، وَالعِياذُ بِاللهِ. وَالرِّدَّةُ هِيَ قَطعُ الإِسلامِ، وَتَكونُ بِالقَولِ، أَو بِالفِعلِ، أَو بِالاعتِقادِ.
فَالرِّدَّةُ القَولِيَّةُ، وَهِيَ الأَكثَرُ انتِشارًا فِي كَثيرٍ مِنَ الأَزمانِ، تَكونُ بِاللِّسانِ، كَسَبِّ دِينِ الإِسلامِ، أَو سَبِّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِياءِ، أَو مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أَو تَكفِيرِ مُسلِمٍ بِغَيرِ حَقٍّ. فَلَا يَجوزُ أَن يَقولَ المُسلِمُ لِأَخِيهِ المُسلِمِ بِلا مُوجِبٍ شَرعِيٍّ: يا كافِرُ، أَو يا يَهُودِيُّ، أَو يا عَدِيمَ الدِّينِ، وَنَحوَ ذٰلِكَ مِن أَلفاظِ التَّكفِيرِ الباطِلَةِ. وَقَد يَقولُ بَعضُ النّاسِ عِندَ الغَضَبِ كَلِماتٍ قَبِيحَةً فِيها إِساءَةٌ إِلَى الدِّينِ أَو نِسبَةُ ما لا يَليقُ بِاللهِ تَعالى، فَيَجِبُ التَّنبِيهُ وَالتَّحذِيرُ مِن ذٰلِكَ.
وَيَشهَدُ لِخَطَرِ الكَلِمَةِ قَولُهُ ﷺ: «إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرى بِها بَأسًا يَهوِي بِها فِي النّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا». وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ العَبدَ قَد يَهلِكُ بِالكَلامِ وَهُوَ لا يَشعُرُ، قَولُهُ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ أَن تَحبَطَ أَعمالُكُم وَأَنتُم لا تَشعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. فَذَكَرَ اللهُ حُبوطَ الأَعمالِ مَعَ عَدَمِ الشُّعورِ، وَهٰذا يَدلُّ عَلَى وُجوبِ الحَذَرِ الشَّديدِ فِي أَمرِ اللِّسانِ.
وَالرِّدَّةُ الفِعلِيَّةُ تَكونُ بِفِعلِ الجَوارِحِ، كَرَميِ المُصحَفِ فِي القاذُوراتِ، أَو إِهانَةِ ما عَظَّمَهُ اللهُ تَعالى. وَيَدخُلُ فِي وُجوبِ التَّعظيمِ عَدَمُ إِلقاءِ الأَوراقِ الَّتِي عَلَيها آياتٌ مِن كِتابِ اللهِ، أَو أَحادِيثُ نَبَوِيَّةٌ، أَو أَسماءٌ مُعَظَّمَةٌ، فِي النُّفاياتِ وَالمُستَقذَراتِ. وَكَذٰلِكَ يَنبَغِي الحَذَرُ مِن إِلقاءِ أَوراقِ التَّقويمِ، أَو أَوراقِ المَدارِسِ وَالامتحاناتِ، إِذا كانَ عَلَيها آياتٌ أَو أَسماءٌ مُعَظَّمَةٌ، فِي مَواضِعِ الإِهانَةِ. وَينبَغِي أَن تُجمَعَ هٰذِهِ الأَوراقُ وَتُحفَظَ أَو تُتلَفَ بِطَرِيقٍ لا إِهانَةَ فِيهِ.
وَيَنبَغِي أَيضًا التَّنبِيهُ إِلَى ما يُكتَبُ عَلَى الأَكياسِ وَالعُبُواتِ مِن أَسماءٍ مُعَظَّمَةٍ، كَمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، فَإِنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ يَستَعمِلُونَ الأَكياسَ بَعدَ ذٰلِكَ فِي النُّفاياتِ، فَيَقَعُ التَّعريضُ لِهٰذِهِ الأَسماءِ لِلإِهانَةِ. وَتَعظيمُ شَعائِرِ اللهِ مِن تَقوى القُلُوبِ.
وَالرِّدَّةُ الاعتِقادِيَّةُ تَكونُ بِالقَلبِ، كَأَن يَعتَقِدَ الإِنسانُ أَنَّ لِلهِ تَعالى شَرِيكًا، أَو أَنَّ لَهُ شَكلًا أَو صُورَةً أَو زَوجَةً أَو وَلَدًا، أَو أَنَّهُ جِسمٌ، أَو أَنَّهُ يَجلِسُ وَيَنتَقِلُ مِن مَكانٍ إِلَى مَكانٍ. فَاللهُ تَعالى لا يَسكُنُ السَّماءَ وَلا الأَرضَ، بَل هُوَ خالِقُ السَّماءِ وَالأَرضِ وَالعَرشِ وَالمَكانِ وَالزَّمانِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ. كانَ اللهُ تَعالى مَوجُودًا قَبلَ خَلقِ المَكانِ بِلا مَكانٍ، وَقَبلَ خَلقِ الزَّمانِ بِلا زَمانٍ، وَهُوَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكانٍ وَلَا زَمانٍ.
وَمَن وَقَعَ فِي نَوعٍ مِن أَنواعِ الرِّدَّةِ الثَّلاثَةِ، بِالقَولِ أَو الفِعلِ أَو الاعتِقادِ، فَلَا يَرجِعُ إِلَى الإِسلامِ بِمُجَرَّدِ قَولِ: أَستَغفِرُ اللهَ، وَلا بِالغُسلِ، وَلا بِالصَّلاةِ، بَل لا بُدَّ مِنَ العَودَةِ إِلَى الإِسلامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ، فَيَقولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، مَعَ تَركِ ما وَقَعَ فِيهِ مِنَ الكُفرِ وَالرُّجوعِ إِلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَد نَقَلَ الإِمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ الإِجماعَ عَلَى أَنَّ الدُّخولَ فِي الإِسلامِ يَكونُ بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ. فَمَن أَرادَ الإِسلامَ، وَكانَ عِندَهُ اعتِقادٌ فاسِدٌ يُناقِضُ أَصلَ الشَّهادَتَينِ، فَلَا يَدخُلُ فِي الإِسلامِ حَتّى يَترُكَ ذٰلِكَ الاعتِقادَ الفاسِدَ وَيَنطِقَ بِالشَّهادَتَينِ عَلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَمِن تَيسِيرِ اللهِ تَعالى لِمَن أَرادَ بِهِ الخَيرَ أَنَّهُ يَفتَحُ لَهُ أَسبابَ الهِدايَةِ، وَلَو كانَ بَعيدًا عَن بِلادِ المُسلِمِينَ. فَسَلمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَصُهَيبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَبِلالٌ الحَبَشِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، جاؤُوا مِن بِلادٍ وَأَحوالٍ مُختَلِفَةٍ، فَهَداهُمُ اللهُ إِلَى الإِسلامِ. وَفِي المُقابِلِ كانَ أَبُو لَهَبٍ مِن أَقرَبِ النّاسِ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَسَمِعَ دَعوَتَهُ مِرارًا، وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يُسلِم، بَل ماتَ عَلَى الكُفرِ، وَنَزَلَت فِيهِ سُورَةٌ تُتلى إِلَى يَومِ القِيامَةِ فِي ذَمِّهِ.
وَلا يَصِحُّ ما يُروى مِن أَنَّ العَذابَ يُخَفَّفُ عَن أَبِي لَهَبٍ كُلَّ اثنَينِ لِأَنَّهُ أَعتَقَ ثُوَيبَةَ لَمّا بَشَّرَتهُ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَالكافِرُ لا يُخفَّفُ عَنهُ العَذابُ فِي الآخِرَةِ، وَلا يُنصَرُ، وَهُوَ خالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي نارِ جَهَنَّمَ إِن ماتَ عَلَى الكُفرِ.
وَمِن دَلائِلِ تَيسِيرِ الهِدايَةِ لِمَن شاءَ اللهُ لَهُ الخَيرَ ما رُوِيَ فِي شَأنِ رَجُلٍ أَعرابِيٍّ مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي ناحِيَةٍ مِن مَكَّةَ، قُربَ مَوضعٍ يُعرَفُ بِمَسجِدِ الشَّجَرَةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَل لَكَ إِلَى خَيرٍ؟ قالَ: ما هُوَ؟ قالَ ﷺ: أَن تَشهَدَ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. فَقالَ الأَعرابِيُّ: مَن يَشهَدُ لَكَ؟ فَأَشارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى شَجَرَةٍ، فَجاءَت تَشُقُّ الأَرضَ حَتّى وَقَفَت بَينَ يَدَيهِ، فَسَأَلَها النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أَنا؟» فَقالَت: أَنتَ رَسُولُ اللهِ. فَآمَنَ الرَّجُلُ وَشَهِدَ الشَّهادَتَينِ. فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
وَأَعداءُ الدِّينِ يَحرِصُونَ عَلَى الإِفسادِ مِن أَبوابٍ كَثِيرَةٍ، وَمِن أَشدِّها بَابُ النِّساءِ؛ فَيُزَخرِفُونَ لَهُنَّ الباطِلَ، وَيَستَعمِلُونَ ذٰلِكَ لِلوُصُولِ إِلَى الرِّجالِ وَالبُيُوتِ وَالمُجتَمَعِ. فَيُبعِدُونَ النّاسَ عَنِ المساجِدِ وَمَجالِسِ العِلمِ، وَيَملَؤُونَ الأَسواقَ وَالمَواطِنَ بِما يُضعِفُ الدِّينَ وَالحَياءَ. فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِن طاعَتِهِم فِيما يُبعِدُ عَنِ الحَقِّ، فَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُم عَلَى أَعقابِكُم فَتَنقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾.
﴿بَلِ اللهُ مَولاكُم وَهُوَ خَيرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]
﴿بَلِ اللهُ مَولاكُم﴾ [آل عمران: ١٥٠]
بَعدَ أَن نَهَى اللهُ تَعالى المُؤمِنِينَ عَن طاعَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، بَيَّنَ لَهُم أَنَّ مَرجِعَهُم وَمُعتَمَدَهُم وَناصرَهُم هُوَ اللهُ، فَقالَ: ﴿بَلِ اللهُ مَولاكُم﴾. أَي لا تَجعَلُوا وِلايَتَكُم وَاعتمادَكُم عَلَى أَعداءِ الدِّينِ، فاللهُ هُوَ مَولاكُم وَناصِرُكُم وَمُتَوَلِّي أَمرِكُم.
وَفِي هٰذا تَطمِينٌ عَظيمٌ لِلمُؤمِنِينَ؛ فَقَد يقولُ قائِلٌ: إِذا لَم نَستَعِن بِهٰؤُلاءِ الأَعداءِ، فَبِمَن نَستَعِينُ؟ وَإِذا لَم نُطِعهُم، فَمَن يَنصُرُنا؟ فَيَأتي الجَوابُ مِن كِتابِ اللهِ: ﴿بَلِ اللهُ مَولاكُم﴾. فاللهُ تَعالى هُوَ الَّذِي يُؤمَرُ بِطاعَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُرجَعُ إِلَيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ النَّصرُ وَالخِذلانُ.
﴿وَهُوَ خَيرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ خَيرُ النّاصِرِينَ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى خَيرُ مَن يَنصُرُ، فَنَصرُهُ حَقٌّ، وَوَعدُهُ صِدقٌ، وَمَن نَصَرَهُ اللهُ فَلَا غالِبَ لَهُ، وَمَن خَذَلَهُ فَلَا ناصِرَ لَهُ. فَلَا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَطلُبَ العِزَّةَ عِندَ أَعداءِ اللهِ، وَلَا أَن يَظُنَّ أَنَّ النَّصرَ يَكونُ بِطاعَتِهِم، بَل العِزَّةُ وَالنَّصرُ مِن عِندِ اللهِ، وَطَرِيقُهُما الإِيمانُ وَالتَّقوى وَالثَّباتُ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ.