بسم الله الرحمن الرحيم
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾
[آل عمران: 151]
يُبَيِّنُ اللهُ تباركَ وتعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ سُنَّةً عظيمةً من سُنَنِهِ في نُصرةِ أوليائِهِ، وخِذلانِ أعدائِهِ، فيقولُ سبحانهُ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، أي سنقذفُ ونُوقِعُ في قلوبِ الكافرينَ خوفًا عظيمًا شديدًا مُفزِعًا، وهو الرُّعبُ، وقد ذُكِرَ في اللُّغةِ أنَّهُ يُقالُ: الرُّعْبُ بتسكينِ العينِ، ويُقالُ كذلكَ الرُّعُبُ بضمِّها، وقد قُرِئَ بهما، فهما لغتانِ صحيحتانِ.
وقد قيلَ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد قذفَ هذا الرُّعبَ في قلوبِ المشركينَ يومَ أُحُدٍ، فانهزموا وانصرفوا إلى مكَّةَ، مع أنَّهم كانوا قد أصابوا من المسلمينَ ما أصابوا، فقتلوا منهم عددًا من الصحابةِ الكرامِ رضي اللهُ عنهم، ومع ذلكَ لم يُثبِتْ لهم ذلكَ نصرًا حقيقيًّا، بل قذفَ اللهُ الخوفَ في قلوبِهم، فاضطربوا وانصرفوا.
وهذهِ الآيةُ لا تزالُ في سياقِ آياتِ غزوةِ أُحُدٍ، التي ابتدأت من قولِهِ تعالى:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ (121)﴾ [آل عمران: 121]، واستمرَّت إلى هذهِ الآيةِ، فنحنُ في نحوِ ثلاثينَ آيةً متتابعةً كلُّها تتعلَّقُ بأحداثِ أُحُدٍ وما فيها من العِبَرِ والدُّروسِ.
ويُؤكَّدُ هنا تأكيدًا جازمًا: أنَّهُ لا يجوزُ أن يُقالَ إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد هُزِمَ في أُحُدٍ، ولا في حُنينٍ، ولا في غيرِهما من الغزواتِ، وإنَّما الذي وقعَ أنَّ بعضَ الرُّماةِ خالفوا أمرَ النبيِّ ﷺ، فنزلوا عن جبلِ الرُّماةِ (جبلِ عينينَ)، فحصلَ بسببِ ذلكَ خللٌ في صفوفِ المسلمينَ، وقُتِلَ بسببِ هذهِ المخالفةِ حمزةُ سيِّدُ الشهداءِ رضي اللهُ عنه، وقُتِلَ مصعبُ بنُ عُميرٍ رضي اللهُ عنه، وقُتِلَ نحوُ سبعينَ من الصحابةِ الكرامِ، ومع ذلكَ بقيَ النبيُّ ﷺ ثابتًا في أرضِ المعركةِ، لم يتراجع، ولم ينهزم، بل ثبتَ ثباتًا عظيمًا، حتى إنَّهُ في بعضِ اللحظاتِ لم يبقَ حولَهُ إلا اثنا عشرَ رجلًا، وقد كُشِفَت الجهةُ التي تُواجهُهُ، فكانَ الموقفُ شديدًا، ومع ذلكَ لم يتزلزل.
وفي ذلكَ دروسٌ عظيمةٌ: أن لا يَجبُنَ المؤمنُ عند لقاءِ العدوِّ، ولا يَضعُفَ، ولا يَهنَ، بل يثبتُ، ولا يتزلزلُ، فإنَّ العاقبةَ للثابتينَ.
ثمَّ تأمَّلْ ارتباطَ هذهِ الآيةِ بما قبلَها من السياقِ، فقد قالَ تعالى قبلَها:
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]، فحصلَت إصابةٌ للمسلمينَ، لكن لمَّا ثبتَ النبيُّ ﷺ ومن ثبتَ معهُ، مع ما كان من اضطرابٍ وانسحابِ بعضِ الناسِ، بل وتصديقِ بعضِهم للصَّارخِ الذي نادى بأنَّ النبيَّ ﷺ قد قُتِلَ، مع ذلكَ ثبتَ مَن ثبتَ، فجاءَ المددُ من اللهِ تعالى، والتأييدُ، والبُشرى، فقالَ سبحانهُ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.
وفي قولهِ: «سَنُلْقِي» دليلٌ على أنَّ الذي يُوقِعُ هذا الخوفَ هو اللهُ سبحانهُ، وفي ذلكَ بيانٌ لعقيدةٍ عظيمةٍ، وهي أنَّ اللهَ هو الخالقُ وحدهُ، لا خالقَ سواهُ، وأنَّ الأسبابَ لا تخلقُ شيئًا، وإنَّما التأثيرُ الحقيقيُّ بخلقِ اللهِ تعالى، وهذا من أعظمِ معاني «لا إله إلا الله»، أي لا خالقَ إلا اللهُ، فهو الذي يُبرِزُ الأشياءَ من العدمِ إلى الوجودِ.
فالمؤمنُ يأخذُ بالأسبابِ: يُعِدُّ العُدَّةَ، ويستعدُّ، ويُجَهِّزُ، لكنَّهُ يعلمُ يقينًا أنَّ النصرَ لا يكونُ إلا إذا أرادَهُ اللهُ تعالى، كما وقعَ يومَ أُحُدٍ، فلمَّا ثبتوا أنزلَ اللهُ هذا التأييدَ.
ثمَّ قالَ تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، أي بسببِ إشراكِهم باللهِ، وعبادتِهم غيرَهُ دونَ دليلٍ ولا حُجَّةٍ، فالسلطانُ هنا بمعنى الحُجَّةِ والبرهانِ، كما قالَ ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: كلُّ سلطانٍ في كتابِ اللهِ فهو الحُجَّةُ، ويُقالُ: قوَّةُ البرهانِ.
فالمشركونَ ليس لهم دليلٌ صحيحٌ على ما هم عليه، بل هم محجوجونَ، مغلوبونَ بالحُجَّةِ، ولهذا استحقُّوا هذا الرُّعبَ.
ومن سُننِ اللهِ تعالى: أنَّهُ قد يُرِي العدوَّ القليلَ كثيرًا، وقد يُوقِعُ في قلبِه الخوفَ من المؤمنينَ، ولو كانوا قِلَّةً، وإذا أصابَ الأمَّةَ ضعفٌ ووهنٌ ومخالفةٌ لأمرِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ، فإنَّها قد تصيرُ في نظرِ عدوِّها قليلةً ضعيفةً، بل قد تصيرُ كالقَصعةِ التي تتداعى عليها الأممُ.
وفي هذا بيانٌ أنَّ العزَّةَ إنَّما تكونُ باللهِ وبرسولِهِ ﷺ، لا بالأسبابِ الماديَّةِ فقط، وهذا يشملُ الأمَّةَ عامَّةً، ويشملُ الأفرادَ أيضًا، فمَن عملَ بأمرِ اللهِ، وتعلَّمَ ما افترضَهُ اللهُ عليه، وصحَّحَ عبادتَهُ، فإنَّ اللهَ يجعلُ لهُ من الأسبابِ ما لا يحتسبُ.
فالعلمُ قبلَ العملِ ضرورةٌ، لأنَّ العملَ بلا علمٍ قد يوقعُ في تركِ أركانٍ، أو الوقوعِ في مُبطِلاتٍ دونَ شعورٍ، ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، وقالَ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فدلَّ ذلكَ على أنَّ تركَ الفقهِ في الدينِ من أسبابِ ضعفِ الأمَّةِ ووهنِها.
ثمَّ انظرْ إلى موضعِ هذهِ الآيةِ في السياقِ، فقد قالَ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149]، ثم قالَ:
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150]، ثم قالَ:
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، فبيَّنَ أنَّ من تركَ طاعةَ الكافرينَ، وتولَّى اللهَ، فإنَّ اللهَ ينصرُهُ، ومن نصرِهِ أن يُوقِعَ الرُّعبَ في قلوبِ أعدائِهِ.
ومن شواهدِ ذلكَ: ما وقعَ لأبي سفيانَ بعدَ أُحُدٍ، إذ كان ينادي من وراءِ الجبلِ خائفًا: أفي القومِ محمدٌ؟ أفي القومِ ابنُ أبي قحافةَ؟ أفي القومِ عمرُ؟، ولم يجرؤْ على الظهورِ، وهذا دليلٌ على الرُّعبِ الذي دخلَ قلبَهُ.
فأمرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ ألا يُجيبوا، فلمَّا قالَ: أفي القومِ عمرُ؟ أجابَ عمرُ رضي اللهُ عنه، فدارَ بينهُما الكلامُ، فقالَ أبو سفيانَ: الحربُ سِجالٌ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ أن يقولَ: «لا سواء، قتلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ»، فدلَّ ذلكَ على أنَّ المؤمنَ لا يُهزَمُ حقيقةً، لأنَّ الشهادةَ نصرٌ.
ثمَّ قالَ أبو سفيانَ: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقالَ النبيُّ ﷺ: «قولوا: اللهُ مولانا ولا مولى لكم»، مصداقًا لقولهِ تعالى:
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150].
وفي هذا بيانٌ أنَّ القوَّةَ الحقيقيَّةَ ليست في الظواهرِ، بل في معيةِ اللهِ ونصرِهِ، وأنَّ من أعظمِ قواعدِ النصرِ: ألا يُظهِرَ المؤمنُ ضعفَهُ لعدوِّهِ، بل يُظهِرُ الثباتَ والقوَّةَ.
ثمَّ إنَّ أبا سفيانَ لمَّا انسحبَ إلى حمراءِ الأسدِ، لامَهُ قومُهُ، فقالوا: لا نصرًا حقَّقتم، ولا محمدًا قتلتم، فأرادَ أن يُظهِرَ القوَّةَ، فقالَ: نرجعُ، مع أنَّهُ كان خائفًا، وهذا من آثارِ الرُّعبِ.
وفي المقابلِ، خرجَ النبيُّ ﷺ، مع ما بهِ من جراحاتٍ: شُجَّ وجهُهُ، وكُسِرَت رباعيتُهُ، ودُمِيَت قدمُهُ، ووقعَ في حفرةٍ، ومع ذلكَ خرجَ في أثرِهم، ولم يخرجْ معهُ إلا من شهدَ القتالَ، حتى إنَّ بعضَهم كان يُحمَلُ لشدَّةِ جراحاتِهِ.
وكانَ من المواقفِ العظيمةِ: موقفُ أبي دُجانةَ رضي اللهُ عنه، إذ وقفَ يتلقَّى الرماحَ بظهرِهِ، حمايةً للنبيِّ ﷺ، مع أدبٍ عظيمٍ إذ لم يُرِدْ أن يُعطيَ ظهرَهُ للنبيِّ ﷺ، بل جعلَ وجهَهُ إليهِ، وظهرَهُ للعدوِّ.
وقد كان يقولُ وهو ثابتٌ: أنا الذي عاهدني خليلي، ونحنُ بالسفحِ لدى النخيلِ، ألا أكونَ الدهرَ في الكُيولِ، أضربُ بسيفِ اللهِ والرسولِ، فثبتَ رضي اللهُ عنه، وعاشَ بعدَ ذلكَ حتى قُتِلَ يومَ اليمامةِ.
ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا بلغَ حمراءَ الأسدِ، وبلغَ الخبرُ المشركينَ أنَّهُ خرجَ في أثرِهم بجيشٍ عظيمٍ، ازدادَ الرُّعبُ في قلوبِهم، فتفرَّقوا وانصرفوا، فكانَ ذلكَ تحقيقًا لوعدِ اللهِ تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.
وقد قالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ هذهِ الآيةَ نزلت في أُحُدٍ، وقالَ آخرونَ: بل هي عامَّةٌ، أي أنَّ هذهِ السُّنَّةَ باقيةٌ، فيبقى الكفارُ في رُعبٍ من المؤمنينَ، ولهذا تراهم دائمًا يتآمرونَ على أمَّةِ الإسلامِ، خوفًا من قوَّتِها إذا عادت إلى دينِها.
ثمَّ قالَ تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾، فبيَّنَ أنَّ سببَ الرُّعبِ هو الشِّركُ، وهو عبادةُ غيرِ اللهِ، وهو أعظمُ الذنوبِ، وهو الذنبُ الذي لا يُغفَرُ لمن ماتَ عليه، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، وقالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116]. وقالَ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]، فالمشركُ إذا ماتَ على شركِه فهو مُخلَّدٌ في النارِ، لا يخرجُ منها، ولا يُخفَّفُ عنهُ العذابُ، ولا تفنى جهنَّمُ، ولا يُخلَفُ وعيدُ اللهِ. وقالَ تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، فدلَّ على أنَّ النجاةَ في التوحيدِ. وأعظمُ الظلمِ هو الشِّركُ باللهِ، وأعظمُ حقِّ اللهِ على العبادِ أن يُوحِّدوهُ ولا يُشركوا بهِ شيئًا.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ»، قيلَ: وما وقوعُ الحجابِ؟ قالَ: «أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ»، فدلَّ على أنَّ الشِّركَ هو الحاجبُ عن المغفرةِ.
وليس كلُّ توسُّلٍ أو زيارةٍ شركًا، فمجرَّدُ زيارةِ القبورِ لا يُعَدُّ عبادةً لها، وإنَّما الشِّركُ هو عبادةُ غيرِ اللهِ، ومن ذلكَ ما جاءَ في حديثِ الأعمى، حينَ علَّمهُ النبيُّ ﷺ أن يقولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ…»، فكانَ ذلكَ دعاءً للهِ، لا عبادةً للنبيِّ ﷺ.
ثمَّ قالَ تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، أي لم يُنزِلْ بهِ حُجَّةً ولا دليلًا، فدلَّ على أنَّ الشِّركَ لا دليلَ عليهِ أصلًا.
ثمَّ قالَ تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾، أي مسكنُهم ومستقرُّهم في الآخرةِ نارُ جهنَّمَ.
وختمَ بقولهِ: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، أي بئسَ المقامُ والمستقرُّ الذي يأوونَ إليهِ، وهو النارُ، جزاءً على ظلمِهم العظيمِ، وهو الشِّركُ باللهِ تعالى.