بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)﴾ [آل عمران: 152]
يَدخُلُ هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِي سِيَاقِ آيَاتِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَلَا يَزَالُ الكَلَامُ فِيهَا عَنْ أَحْدَاثِهَا وَعِبَرِهَا وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنِ ابْتِلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ وَتَرْبِيَةٍ لِلمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مَعَ أَصْحَابِهِ إِلَى المَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هٰذَا، وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ النَّصْرَ؟ وَلَمْ يَكُنْ هٰذَا عَلَى وَجْهِ الاِعْتِرَاضِ عَلَى وَعْدِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْسَارٌ عَمَّا وَقَعَ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ نَحْوُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، الَّذِي لَا يَزَالُ تُرَابُهُ فِي أُحُدٍ مسْكِيًّا مُعَطَّرًا إِلَى يَوْمِنَا هٰذَا، حَتَّى إِنَّ الزَّائِرَ لَهُ يَجِدُ أَثَرًا مِنْ طِيبِهِ وَرَائِحَةِ المِسْكِ عِنْدَ قَبْرِهِ، ثُمَّ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَامِلُ اللِّوَاءِ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ رَئِيسُ الرُّمَاةِ عَلَى الجَبَلِ، وَهُوَ مِمَّنْ ثَبَتَ وَلَمْ يَتْرُكْ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُخَالِفْ، وَقُتِلَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يَكُنِ المُصَابُ يَسِيرًا.
وَلَمْ يَقِفِ الأَمْرُ عِنْدَ مَقْتَلِ هٰؤُلَاءِ الأَخْيَارِ، بَلْ أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفْسِهِ أَذًى عَظِيمٌ؛ فَقَدْ شُجَّ وَجْهُهُ الشَّرِيفُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ، وَسَالَ دَمُهُ الشَّرِيفُ، وَعُمِلَ لَهُ كَمِينٌ فَوَقَعَ فِي الحُفْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْهُ ﷺ، وَدَخَلَ بَعْضُ حَلَقِ المِغْفَرِ الحَدِيدِيِّ فِي وَجْنَتِهِ الشَّرِيفَةِ، مَعَ مَا تَلَقَّاهُ مِنَ الضَّرْبِ وَالأَذَى. ثُمَّ إِنَّ هٰذَا كُلَّهُ دُونَ مَا رَآهُ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ مِنَ التَّمْثِيلِ وَبَقْرِ البُطُونِ، وَخُصُوصًا مَا جَرَى لِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَكَانَ لِهِنْدٍ ثَأْرٌ عِنْدَهُ، وَهِيَ الَّتِي أَمَرَتْ وَحْشِيًّا أَنْ يُصِيبَهُ بِحَرْبَتِهِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالإِصَابَةِ بِالرُّمْحِ، فَلَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ أَخْرَجَتْ كَبِدَهُ، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَأْكُلَهُ فَلَمْ تَسْتَطِعْ فَلَفَظَتْهُ، وَمُثِّلَ بِبَعْضِ الشُّهَدَاءِ تَمْثِيلًا شَدِيدًا، فَقُطِّعَتْ آذَانٌ، وَجُدِعَتْ أُنُوفٌ، وَصُنِعَتْ مِنْ بَعْضِهَا حُلِيٌّ لِلنِّسَاءِ، فَكَانَ هٰذَا كُلُّهُ شَدِيدَ الأَثَرِ جِدًّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَمِنْ هُنَا يَقُودُنَا هٰذَا المَقَامُ إِلَى مَعْنًى عَظِيمٍ، وَهُوَ أَنَّ الاِبْتِلَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ المُؤْمِنَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُمْتَحَنَ أَهْلُ الإِيمَانِ، وَلَا يَكُونُ ذٰلِكَ دَلِيلًا عَلَى الهَوَانِ، بَلْ هُوَ اِخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَتَمْحِيصٌ وَرَفْعٌ لِلدَّرَجَاتِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَا يَجْرِي فِي زَمَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِي لُبْنَانَ وَفِي سَائِرِ أَرْضِ الشَّامِ، رَأَيْنَا بَلَاءً يَتَوَسَّعُ عَلَى أُمَّةِ الإِسْلَامِ، لَيْسَ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً وَلَا دَقَائِقَ مَعْدُودَةً، بَلِ ابْتِلَاءً مُتَّصِلًا، وَقَصْفًا يَقْصِدُ النَّاسَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمُسَيَّرَاتٍ مَبْرَمَجَةً لِتَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَجُوعًا وَعَطَشًا وَخَوْفًا وَفَقْدًا، حَتَّى كَادَ لَا يَخْلُو بَيْتٌ مِنْ مُصَابٍ أَوْ شَهِيدٍ. وَهٰذَا كُلُّهُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمَطْلُوبُ فِيهِ الصَّبْرُ وَالاِحْتِسَابُ، وَخَيْرُ الأَنْبِيَاءِ ﷺ قَدِ ابْتُلِيَ، وَكَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ مِنْ بَلَائِنَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نُسَلِّمَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا نَتَسَخَّطَ عَلَى قَضَائِهِ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هٰذِهِ الآيَةَ جَوَابًا عَمَّا وَقَعَ فِي نُفُوسِ بَعْضِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أَيْ: لَقَدْ حَقَّقَ اللهُ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ، فَوَعْدُ اللهِ لَا يَتَخَلَّفُ، وَوَعِيدُهُ لَا يَتَخَلَّفُ، وَإِذَا وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ فَهِيَ لَهُمْ حَقٌّ، وَإِذَا وَعَدَهُمْ بِالنَّصْرِ فَوَعْدُهُ حَقٌّ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّنَا أُمَّةٌ مَنْصُورَةٌ بِإِذْنِ اللهِ، وَأَنَّ الدَّائِرَةَ لَنَا عَلَى عَدُوِّنَا بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 125]. فَالصَّبْرُ سَبَبُ النَّصْرِ، وَالتَّقْوَى سَبَبُ التَّأْيِيدِ، وَلِهٰذَا تُذْكَرُ الكَلِمَةُ المَأْثُورَةُ: مَا النَّصْرُ إِلَّا صَبْرُ سَاعَةٍ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِالسَّاعَةِ سِتِّينَ دَقِيقَةً، بَلْ قَدْ يَقْصُرُ الأَمْرُ وَقَدْ يَطُولُ، لٰكِنَّهُ مَهْمَا طَالَ فَلَهُ نِهَايَةٌ، وَوَعْدُ اللهِ فِيهِ النَّجَاحُ وَالظَّفَرُ.
وَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ أَيْضًا أَنَّ عُلُوَّ أَعْدَاءِ اللهِ فِي الأَرْضِ لَيْسَ دَائِمًا، فَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]، ثُمَّ قَالَ: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8]، فَعُلُوُّهُمْ مَهْمَا بَلَغَ فَإِنَّهُ إِلَى زَوَالٍ، وَسَيُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ بِإِذْنِ اللهِ مَنْ يُذِلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ مِنَ اللهِ، وَوَعْدُ اللهِ لَا خُلْفَ فِيهِ.
وَيَدْخُلُ فِي هٰذَا أَيْضًا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الاِعْتِقَادِ، وَهُوَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ وَوَعِيدَهُ لَا يَتَغَيَّرَانِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ يُخْرِجُ الكُفَّارَ جَمِيعًا مِنَ النَّارِ، أَوْ يُفْنِي جَهَنَّمَ، أَوْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَهٰذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِخَبَرِ اللهِ، وَيُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالوَحْيِ. فَاللهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]، وَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20]، فَلَا يَسْتَوِي هٰؤُلَاءِ بِهٰؤُلَاءِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنْ يُخْرِجَ الكُفَّارَ مِنَ النَّارِ أَوْ يُفْنِيَهَا، فَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللهَ رَحِيمٌ، نَعَمْ، وَلٰكِنَّهُ أَخْبَرَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156]، أَيْ: فِي الآخِرَةِ تُكْتَبُ لِأَهْلِ التَّقْوَى، أَيْ لِمَنْ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَالكُفْرَ، فَلَا رَحْمَةَ فِي الآخِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى الكُفْرِ.
وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ يَبْغُونَ، وَيَقْتُلُونَ، وَيَغْصِبُونَ، وَيَسْتَعْلُونَ فِي الأَرْضِ، وَيَتَبَجَّحُونَ بِقُوَّتِهِمْ، وَيَتَشَمَّتُونَ بِالمُسْلِمِينَ، هٰؤُلَاءِ إِذَا مَاتُوا عَلَى ذٰلِكَ فَلَيْسَ لَهُمْ نَجَاةٌ، بَلْ هُمْ حَصَبُ جَهَنَّمَ وَوَقُودُهَا. وَمَهْمَا رَأَيْتَ مِنْ كِبْرِهِمْ وَغُرُورِهِمْ وَاسْتِخْفَافِهِمْ بِأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَمَا هِيَ إِلَّا مُدَّةٌ يَصِيرُونَ بَعْدَهَا جِيَفًا مُنْتِنَةً كَمَا صَارَ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ مَرَّ عَلَى القُدْسِ وَفِلَسْطِينِ غُزَاةٌ كَثِيرُونَ، ثُمَّ ذَهَبُوا وَانْدَثَرُوا، وَبَقِيَ الحَقُّ وَأَهْلُهُ.
وَهٰذَا يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِبَيَانِ دِينِ اللهِ الحَقِّ، فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُسَمَّى بِالمَعْنَى الصَّحِيحِ دِيَانَةً إِبْرَاهِيمِيَّةً تَجْمَعُ الأَدْيَانَ المُبَدَّلَةَ عَلَى سَوَاءٍ، بَلْ دِينُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الإِسْلَامُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِالإِسْلَامِ، فَمَنْ نَسَبَ لِلَّهِ الوَلَدَ، أَوْ أَشْرَكَ بِهِ، فَقَدْ خَالَفَ دِينَ الأَنْبِيَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ هٰذِهِ الوُعُودَ الإِلٰهِيَّةَ وَالنَّبَوِيَّةَ تَقْتَضِي مِنَّا اليَقِينَ وَعَدَمَ اليَأْسِ، فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقَالَ: «لَتُفْتَحَنَّ القُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الجَيْشُ ذٰلِكَ الجَيْشُ»، وَقَدْ تَحَقَّقَ هٰذَا الوَعْدُ بَعْدَ نَحْوِ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ، وَكَانَ مَاتُرِيدِيًّا صُوفِيًّا عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا وَقَائِدًا عَظِيمًا، وَقَدْ مَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ مَوْلِدِهِ بِقُرُونٍ، فَلَوْ كَانَ فَاسِدَ المَذْهَبِ وَالمُعْتَقَدِ لَمَا مَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ. وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا وَعَدَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، وَمَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُهُ فَسَيَقَعُ فِي زَمَانِهِ، بِإِذْنِ اللهِ. وَعَلَى هٰذَا فَفِلَسْطِينُ لَنَا، وَالقُدْسُ لَنَا، وَسَيَتَحَقَّقُ ذٰلِكَ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ اليَأْسُ إِلَى القُلُوبِ مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّةُ العَدُوِّ، وَمَهْمَا أَبَادُوا وَقَتَلُوا، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ بِوَعْدِ اللهِ.
وَمِنْ لَطِيفِ هٰذَا السِّيَاقِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: جَدِّي كَانَ يَقُولُ سَأَرْجِعُ إِلَى فِلَسْطِينِ وَمَاتَ، وَأَبِي كَانَ يَقُولُ ذٰلِكَ وَمَاتَ، وَبَعْضُهُمْ احْتَفَظَ بِمِفْتَاحِ دَارِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَرْجِعْ، فَنَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ لَا يَرْجِعُ الفَرْدُ بِنَفْسِهِ، وَلٰكِنَّ الوَعْدَ لَا يَضِيعُ، فَإِنْ لَمْ نَرْجِعْ نَحْنُ رَجَعَ أَبْنَاؤُنَا أَوْ أَحْفَادُنَا، وَالمُهِمُّ أَنْ نَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُقُوعِ وَعْدِ اللهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَعْدَهُ لَا يَتَخَلَّفُ أَبَدًا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى مَوْضِعَ تَحَقُّقِ هٰذَا الوَعْدِ، فَقَالَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾، أَيْ: إِذْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ: حَسَّهُ أَيْ أَبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، كَمَا يُقَالُ: بَطَنَهُ إِذَا أَصَابَهُ فِي بَطْنِهِ، وَرَأَسَهُ إِذَا أَصَابَهُ فِي رَأْسِهِ، فَكَذٰلِكَ حَسَّهُ إِذَا قَتَلَهُ وَأَبْطَلَ إِحْسَاسَهُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ المَعْنَى: تَقْتُلُونَهُمْ، وَمِنْهُ يُقَالُ فِي الجَرَادِ إِذَا أَصَابَهُ البَرْدُ فَأَهْلَكَهُ: جَرَادٌ مَحْسُوسٌ.
فَمَعْنَى الآيَةِ: لَقَدْ حَقَّقَ اللهُ لَكُمُ الوَعْدَ أَوَّلَ الأَمْرِ، حِينَ كُنْتُمْ تَقْتُلُونَ المُشْرِكِينَ وَتُوقِعُونَ فِيهِمُ القَتْلَ، وَقَدْ قَتَلَ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ جَيْشِ الكُفَّارِ، وَصَارَ المُشْرِكُونَ يَهْرُبُونَ مِنْ أَرْضِ القِتَالِ، فَهُنَا ظَهَرَ وَعْدُ اللهِ، وَتَحَقَّقَ نَصْرُهُ، فَلَا يُقَالُ: أَيْنَ النَّصْرُ؟ بَلْ يُقَالُ: كَانَ النَّصْرُ حَاصِلًا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، وَلٰكِنَّ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَ ذٰلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِسَبَبٍ آخَرَ بَيَّنَتْهُ الآيَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فِيهِ إِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إِلَى أَنَّ هٰذَا القَتْلَ وَهٰذَا النَّصْرَ وَهٰذِهِ الغَلَبَةَ إِنَّمَا كَانَتْ بِأَمْرِ اللهِ وَعِلْمِهِ، وَزَادَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وَبِتَقْدِيرِهِ وَقَضَائِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَالنَّصْرُ إِذَنْ لَيْسَ بِالأَسْبَابِ مُجَرَّدَةً، مَعَ أَنَّ الأَخْذَ بِهَا مَأْمُورٌ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: 60]، لٰكِنَّ الأَسْبَابَ لَا تَخْلُقُ النَّتَائِجَ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا النَّصْرُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَالحَيَاةُ بِمَشِيئَتِهِ، وَالمَوْتُ بِمَشِيئَتِهِ. وَمِنْ هُنَا يُقَالُ لِمَنْ يَسْأَلُ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ نَقُولُ لَهُ: خُذْ بِالأَسْبَابِ إِنْ قَدَرْتَ، وَلٰكِنْ لَا تَنْسَ أَنَّ أَصْلَ النَّصْرِ هُنَا، فِي طَاعَةِ اللهِ، وَفِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي الصِّيَامِ، وَفِي الدُّعَاءِ، وَفِي تَرْكِ المَعَاصِي، وَفِي نُصْرَةِ دِينِ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
وَمِنْ هُنَا كَانَ الإِنْكَارُ عَلَى مَنْ يُجَاهِرُ بِالمَعْصِيَةِ فِي وَقْتٍ تَنْزِفُ فِيهِ الأُمَّةُ، وَيَفْرَحُ بِاللَّهْوِ وَالمُوسِيقَى وَالصَّخَبِ، وَإِخْوَانُهُ يُقْتَلُونَ وَيُشَرَّدُونَ؛ فَهٰذَا عَيْبٌ عَظِيمٌ، وَسُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللهِ وَمَعَ المُسْلِمِينَ، وَعَلَى العَبْدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ النَّصْرَ يَأْتِي مِنْ هُنَا، لَا مِنْ جِهَةِ التَّفَلُّتِ وَالمُجَاهَرَةِ بِالمَعَاصِي.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾، وَهُنَا بَدَأَ بَيَانُ سَبَبِ انْقِلَابِ الحَالِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الوَعْدِ فِي أَوَّلِ المَعْرَكَةِ؛ فَالفَشَلُ هُنَا هُوَ الضَّعْفُ وَالوَهَنُ، وَالتَّنَازُعُ هُوَ الاِخْتِلَافُ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالمَعْصِيَةُ هِيَ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ الصَّرِيحِ لِلرُّمَاةِ أَلَّا يَتْرُكُوا مَوْضِعَهُمْ، سَوَاءٌ رَأَوُا المُسْلِمِينَ يَنْتَصِرُونَ أَوْ يُهْزَمُونَ. فَلَمَّا أَرَاهُمُ اللهُ مَا يُحِبُّونَ مِنْ ظُهُورِ النَّصْرِ، وَغَلَبَةِ المُشْرِكِينَ، وَهَرَبِهِمْ، وَظُهُورِ الغَنِيمَةِ، حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ ضَعْفِ بَعْضِ النُّفُوسِ، فَنَزَلَ بَعْضُ الرُّمَاةِ طَلَبًا لِلدُّنْيَا، وَتَرَكُوا المَوْضِعَ الَّذِي أُمِرُوا بِلُزُومِهِ، فَكَانَ ذٰلِكَ سَبَبًا فِي انْكِشَافِ الظَّهْرِ، وَدُخُولِ الخَلَلِ عَلَى صُفُوفِ المُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ بَيَانٌ دَقِيقٌ لِمَا كَانَ فِي النُّفُوسِ فِي ذٰلِكَ المَوْقِفِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَرَادَ الدُّنْيَا، أَيْ أَرَادَ الغَنِيمَةَ وَالتَّعَجُّلَ فِي أَخْذِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَرَادَ الآخِرَةَ، أَيْ ثَبَتَ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَآثَرَ الطَّاعَةَ عَلَى العَاجِلَةِ. وَهٰذَا يُبَيِّنُ أَنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمُ التَّقْصِيرُ، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ بِذٰلِكَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلْ يُؤَدَّبُونَ وَيُرَبَّوْنَ وَيُمْتَحَنُونَ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، أَيْ: صَرَفَكُمْ عَنْ مُوَاصَلَةِ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَكُمْ تَنْكَفِئُونَ عَنْهُمْ، لِيَمْتَحِنَكُمْ وَيَخْتَبِرَكُمْ، وَلِيَظْهَرَ مَا فِي النُّفُوسِ، وَلِيُرَبِّيَكُمْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ لَهُ أَسْبَابٌ، وَأَنَّ المُخَالَفَةَ تُوجِبُ آثَارًا، وَأَنَّ الأُمَّةَ إِذَا عَصَتْ دَخَلَ عَلَيْهَا الضَّعْفُ وَالوَهَنُ. وَمَعَ هٰذَا كُلِّهِ لَمْ يُغْلِقِ اللهُ بَابَ الرَّجَاءِ، بَلْ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾، وَهٰذَا مِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَأْصِلْكُمْ بِذَنْبِكُمْ، وَلَمْ يُؤَاخِذْكُمْ بِكُلِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الذَّنْبُ، بَلْ عَفَا عَنْكُمْ، وَقَبِلَكُمْ، وَأَبْقَاكُمْ فِي دَائِرَةِ الإِيمَانِ، وَجَعَلَ مِنْ هٰذَا الَّذِي وَقَعَ دَرْسًا وَتَرْبِيَةً وَتَطْهِيرًا.
ثُمَّ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أَيْ: صَاحِبُ الإِفْضَالِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ، فَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّهُ هَدَاهُمْ لِلإِيمَانِ، وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّهُ وَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّهُ حَقَّقَ لَهُمْ وَعْدَهُ أَوَّلًا، وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ بَعْدَ المُخَالَفَةِ، وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الاِبْتِلَاءَ هَلَاكًا محْضًا، بَلْ جَعَلَهُ تَرْبِيَةً وَتَمْحِيصًا وَتَهْذِيبًا.
وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْهَمَ المُؤْمِنُ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْيَأْسِ، وَأَنَّهُ مَهْمَا اِشْتَدَّتِ الخُطُوبُ، وَطَالَ البَلَاءُ، وَتَوَسَّعَتِ المِحَنُ فِي أَرْضِ الشَّامِ وَفِي فِلَسْطِينِ وَلُبْنَانَ وَسِوَاهَا، فَإِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَلٰكِنَّهُ مَقْرُونٌ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى وَالثَّبَاتِ وَنُصْرَةِ دِينِ اللهِ. وَأَرْضُ الشَّامِ أَرْضُ رِبَاطٍ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهَا الرُّومُ وَالفِرَنْجُ وَغَيْرُهُمْ، وَقُسِّمَتْ بِلَادُنَا يَوْمًا إِمَارَاتٍ لِلصَّلِيبِيِّينَ، ثُمَّ هَيَّأَ اللهُ لَهَا مَنْ جَمَعَهَا وَوَحَّدَهَا، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ السُّلْطَانُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ إِلَى حِطِّينَ وَالقُدْسِ مَجَرَّدَ إِعْدَادِ سِلَاحٍ، بَلْ كَانَ مَعَ ذٰلِكَ يَبْنِي المَدَارِسَ الإِسْلَامِيَّةَ، وَيُنْشِئُ النَّاسَ عَلَى عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَيُعَلِّمُهُمُ العَقِيدَةَ وَالقُرْآنَ، وَيُخْرِجُ أَجْيَالًا تَحْمِلُ السِّلَاحَ بِيَدٍ مُتَوَضِّئَةٍ، وَقَلْبٍ مُمْتَلِئٍ يَقِينًا، فَهٰؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُرْهِبُونَ العَدُوَّ، وَهٰذَا هُوَ الخَطُّ الصَّحِيحُ لِلنَّصْرِ.
وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُقَالُ لِمَنْ أَصَابَهُ الاِكْتِئَابُ وَاليَأْسُ حَتَّى تَمَنَّى الخَلَاصَ مِنَ الحَيَاةِ: لَا تَيْأَسْ، وَلَا تَسْأَمْ، وَمُتْ مُسْلِمًا وَلَا تُبَالِ، مَا دُمْتَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَعَلَى دِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَدِينِ الأَنْبِيَاءِ، فَهٰذَا هُوَ الفَوْزُ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُطِيعَ اللهَ، وَتَتَمَسَّكَ بِطَاعَتِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتَتَّقِيَهُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. وَلَا تُظْهِرْ ذُلًّا لِعَدُوِّكَ، وَلَا اسْتِكَانَةً، وَلَا انْكِسَارًا، فَإِنَّ الَّذِي يَمُنُّ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَبْتَلِي وَيَخْتَبِرُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُفْرِغَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الاِبْتِلَاءِ صَبْرًا عَجِيبًا، كَمَا يَفْعَلُ بِأَهْلِ غَزَّةَ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لَوْ ذَاقَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْهُ سَاعَةً لَمَا اِحْتَمَلَ.
فَخُلَاصَةُ مَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى صَدَقَ المُؤْمِنِينَ وَعْدَهُ فِي أَوَّلِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ، فَكَانُوا يَقْتُلُونَ المُشْرِكِينَ بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا ضَعُفَ بَعْضُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، وَعَصَوْا أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى الدُّنْيَا، صَرَفَهُمُ اللهُ عَنِ الظَّفَرِ التَّامِّ لِيَبْتَلِيَهُمْ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُمْ، وَهٰذَا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ. وَفِي الآيَةِ أَعْظَمُ الدُّرُوسِ لِلأُمَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ: أَنَّ النَّصْرَ حَقٌّ، وَلٰكِنَّهُ لَهُ شُرُوطٌ، وَأَنَّ الوَعْدَ لَا يَتَخَلَّفُ، وَلٰكِنَّ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَصْبِرُوا وَيَتَّقُوا وَيَثْبُتُوا وَيَنْصُرُوا دِينَ اللهِ، عِنْدَهَا يَأْتِي نَصْرُ اللهِ الَّذِي لَا يُغْلَبُ.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152]
يُبَيِّنُ اللهُ تباركَ وتعالى في هٰذَا المَوضِعِ أَنَّهُ صَدَقَ المُؤمِنِينَ وَعدَهُ، أَي: حَقَّقَ لَهُم ما وَعَدَهُم بِهِ مِنَ النَّصرِ وَالتَّأييدِ، إِذْ مَكَّنَهُم مِن رِقابِ المُشرِكِينَ، وَجَعَلَهُم يَغلِبُونَهُم في أَوَّلِ الأَمرِ. فَقَولُهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ مَعناهُ: أَنَّ وَعدَ اللهِ لا يَتَخَلَّفُ، وَأَنَّ ما وَعَدَ بِهِ المُؤمِنِينَ مِن نَصرٍ أَو تَأييدٍ أَو ظَفَرٍ فَهُوَ حَقٌّ لا مِريَةَ فيهِ.
ثُمَّ قالَ سبحانهُ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾، وَمَعنى ﴿تَحُسُّونَهُم﴾: تُبطِلُونَ حِسَّهُم، أَي تُبطِلُونَ إِحساسَهُم بِالقَتلِ، فَيَكُونُ المَعنى: تَقتُلُونَهُم. وَقَد ذَكَرَ أَهلُ اللُّغَةِ وَالتَّفسيرِ أَنَّ العَرَبَ تَستَعمِلُ هٰذَا اللَّفظَ في القَتلِ، فَيُقالُ: حَسَّهُ، أَي أَبطَلَ حِسَّهُ. فَكَما يُقالُ: بَطَنَهُ إِذا أَصابَهُ في بَطنِهِ، وَرَأَسَهُ إِذا أَصابَهُ في رَأسِهِ، يُقالُ: حَسَّهُ إِذا أَذهَبَ إِحساسَهُ بِالقَتلِ. وَلِذٰلِكَ قالَ أَكثَرُ أَهلِ التَّفسيرِ: إِنَّ مَعنى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ أَي: تَقتُلُونَهُم. وَمِن هٰذَا أَيضًا ما يَذكُرُهُ أَهلُ اللُّغَةِ في الجَرادِ إِذا أَصابَهُ البَردُ فَأَهلَكَهُ، فَيُقالُ: جَرادٌ مَحسوسٌ.
وَإِضافَةُ قَولِهِ تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فيها إِشارَةٌ عَظيمَةٌ جِدًّا، تَدُلُّ عَلى أَنَّ النَّصرَ وَالظُّهورَ وَالغَلَبَةَ كُلَّها بِمَشيئَةِ اللهِ تعالى، فَلَيسَ لِلمُؤمِنِينَ أَن يَغتَرُّوا بِسَبَبٍ، وَلَيسَ لَهُم أَن يَظُنُّوا أَنَّ القُوَّةَ أَو العُدَّةَ أَو التَّنظيمَ يَخلُقُ النَّصرَ خَلقًا، بَلِ النَّصرُ بِمَشيئَةِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى. وَكَما أَنَّ الظُّهورَ وَالغَلَبَةَ وَالنَّصرَ بِمَشيئَةِ اللهِ، فَكَذٰلِكَ إِذا دالَتِ الأَيَّامُ وَظَهَرَ عَلَينا أَعداءُ اللهِ، فَهٰذا أَيضًا بِمَشيئَةِ اللهِ. فَكُلُّ شَيءٍ بِمَشيئَتِهِ سُبحانَهُ، لا يَخرُجُ عَنها شَيءٌ.
وَمِن هُنَا نَأخُذُ القاعِدَةَ العَظيمَةَ: خُذوا بِالأَسبابِ، وَاستَعِدُّوا، وَأَعِدُّوا ما استَطَعتُم، وَلٰكِنِ اعلَموا أَنَّهُ لَن يَكونَ إِلَّا ما أَرادَ اللهُ رَبُّ العالَمينَ. وَهٰذَا المَعنى يُؤَيِّدُهُ قَولُهُ تعالى: ﴿وَكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]، فَكُلُّ ذٰلِكَ بِمَشيئَةِ اللهِ وَبِإِذنِهِ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ، كَما سَبَقَ البَيانُ، نَزَلَت في غَزوَةِ أُحُدٍ، وَقَد ذَكَرَ اللهُ تعالى في سُورَةِ آلِ عِمرانَ آياتٍ كَثيرَةً تَتَعَلَّقُ بِأَحوالِ غَزوَةِ أُحُدٍ؛ لِيَكونَ في ذٰلِكَ عِبَرٌ عَظيمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ. وَنَحنُ في هٰذَا الزَّمانِ أَحوجُ ما نَكونُ إِلى القُرآنِ، وَأَحوجُ ما نَكونُ إِلى قِصَصِ القُرآنِ، لا لِمُجَرَّدِ مَعرِفَةِ ما وَقَعَ، وَلٰكِن لِنَأخُذَ مِنهُ قَواعِدَ الدِّينِ، وَالأَحكامَ الشَّرعِيَّةَ، وَما يُوَسِّعُ عَلى القُلوبِ في الصَّبرِ، وَما يُخَفِّفُ عَنِ المُؤمِنِ وَطأَةَ البَلاءِ.
فَإِذا اشتَدَّ البَلاءُ، فَماذا يَفعَلُ المُسلِمُ؟ يَلجَأُ إِلى اللهِ، وَيَلجَأُ إِلى كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَّا فَإِنَّ فُؤادَهُ يَتَفَطَّرُ إِذا أَطالَ التَّفكُّرَ في هٰذَا الَّذي يَحصُلُ مِنَ التَّآمُرِ العَظيمِ وَالتَّكالُبِ الشَّديدِ مِن أَعداءِ الدِّينِ مِن أَقصاها إِلى أَقصاها. فَنَحنُ نَحتاجُ إِلى العَودَةِ إِلى كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِن جُملَةِ ما نَعرِفُهُ وَنَتَعَلَّمُهُ مِن كِتابِ اللهِ: أَن نَعرِفَ سِيرَةَ المُصطَفى ﷺ، وَما كانَ عَلَيهِ مِن دَعوَةٍ وَتَعليمٍ وَتَثبيتٍ لِأُمَّتِهِ.
وَقَولُهُ تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ مَعناهُ هاهُنا: بِمَشيئَتِهِ سُبحانَهُ وَتعالى. وَالمَشيئَةُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهِيَ مِن صِفاتِهِ الواجِبَةِ لَهُ إِجماعًا. وَمَعنى المَشيئَةِ: تَخصيصُ المُمكِنِ بِبَعضِ ما يَجوزُ عَلَيهِ عَقلًا دونَ بَعضٍ، بِحالٍ دونَ حالٍ، وَبِصِفَةٍ دونَ صِفَةٍ.
فَإِذا قُلنا: المُمكِنُ العَقليُّ، أَو الجائِزُ العَقليُّ، فَما مَعناهُ؟ مَعناهُ: ما يَجوزُ في العَقلِ وُجودُهُ، وَيَجوزُ في العَقلِ عَدَمُهُ. فَيَجوزُ عَقلًا أَن نَكونَ نَحنُ في هٰذِهِ السّاعَةِ في هٰذِهِ الدُّنيا، وَيَجوزُ عَقلًا أَلَّا نَكونَ، وَيَجوزُ أَن نَعيشَ حَتَّى نُمسيَ، وَيَجوزُ أَن يَتَوَفَّانا اللهُ قَبلَ أَن نُمسيَ؛ فَهٰذا كُلُّهُ جائِزٌ عَقليٌّ. وَهٰذَا العالَمُ كُلُّهُ مُمكِنٌ عَقليٌّ، لَيسَ واجِبًا بِذاتِهِ، بَلِ اللهُ تعالى هُوَ الَّذي أَوجَدَهُ. وَالعالَمُ مَعناهُ: كُلُّ ما سِوى اللهِ. فَكُلُّ ما سِوى اللهِ مَخلوقٌ، وَكُلُّ ما في العالَمِ يَجوزُ عَقلًا أَن يَكونَ مَوجودًا، وَيَجوزُ عَقلًا أَن لا يَكونَ مَوجودًا، لٰكِنَّ اللهَ تعالى خَصَّهُ بِالوُجودِ بِمَشيئَتِهِ، فَوُجِدَ بِقُدرَتِهِ وَخَلقِهِ.
فَالمَخلوقاتُ إِذًا مَوجودَةٌ بِمَشيئَةِ اللهِ، وَبِقُدرَةِ اللهِ، وَبِخَلقِ اللهِ، وَبِعِلمِ اللهِ. وَهٰذِهِ قَواعِدُ عَظيمَةٌ في الدِّينِ. وَلِلعِلمِ فَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ في قَولِهِ تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَنَّ المَعنى: بِمَشيئَتِهِ، وَقالَ بَعضُهُم: بِقُدرَتِهِ، وَقالَ بَعضُهُم: بِعِلمِهِ. وَبِالحَقيقَةِ فَكُلُّ هٰذِهِ المَعاني صَحيحَةٌ؛ لِأَنَّ هٰذَا الظُّهورَ وَهٰذَا القَتلَ لا يَكونُ إِلَّا بِعِلمِ اللهِ، وَقُدرَتِهِ، وَمَشيئَتِهِ.
وَمِن هُنَا يَنبَغي أَن نَفهَمَ مَعنى قَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: 17]. فَقَد يَقولُ قائِلٌ: هَل رَمى النَّبِيُّ ﷺ؟ نَقولُ: نَعَم، رَمى. فَكَيفَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾؟ الجَوابُ: أَنَّ قَولَهُ تعالى: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ أَثبَتَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الرَّميَ، وَقَولَهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ نَفَى عَنهُ الخَلقَ. فَالمَعنى: وَما رَمَيتَ يا مُحَمَّدُ خَلقًا، إِذ رَمَيتَ كَسبًا. فَأَنتَ لَكَ الكَسبُ، وَأَمَّا الخَلقُ فَلَيسَ إِلَّا لِلَّهِ.
وَهٰذِهِ مَسأَلَةٌ عَظيمَةٌ جِدًّا في العَقيدَةِ، وَهِيَ أَنَّ العَبدَ لَهُ مِن عَمَلِهِ الكَسبُ، وَلَيسَ لَهُ الخَلقُ. فَتَوجِيهُ العَبدِ قَصدَهُ وَإِرادَتَهُ نَحوَ العَمَلِ يُسَمَّى كَسبًا، فَإِن كانَ ذٰلِكَ بِالعَزمِ القَلبيِّ فَهُوَ كَسبٌ قَلبيٌّ، وَإِن كانَ بِالجَوارِحِ فَهُوَ كَسبٌ بِالجَوارِحِ. وَقَد قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]. أَمَّا الخَلقُ فَهُوَ لِلَّهِ وَحدَهُ.
وَقَد بَيَّنَ اللهُ تعالى هٰذا بِصَراحَةٍ في قَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. فَـ«ما» هاهُنا مَصدَرِيَّةٌ، أَي: خَلَقَكُم وَخَلَقَ عَمَلَكُم. فَحَتَّى أَعمالُنا مَخلوقَةٌ لِلَّهِ. فَأَنتَ إِذا تَحَرَّكتَ، أَو رَمَيتَ، أَو قاتَلتَ عَدُوَّ اللهِ، أَو جاهَدتَ الكُفَّارَ، فَإِنَّكَ لا تَخلُقُ هٰذَا العَمَلَ، بَل هُوَ مَخلوقٌ لِلَّهِ، وَإِنَّما هُوَ كَسبٌ لَكَ.
فَالعِبارَةُ الَّتي عَبَّرَ بِها الفُقَهاءُ جَميلَةٌ جِدًّا وَنافِعَةٌ لِلتَّذكُّرِ، وَهِيَ: العَبدُ لَيسَ لَهُ مِن عَمَلِهِ إِلَّا الكَسبُ، وَأَمَّا الخَلقُ فَلَيسَ لِغَيرِ اللهِ. فَالخَلقُ لِلَّهِ وَحدَهُ، وَالعَبدُ لا يَخلُقُ عَمَلَهُ. وَإِلَّا فَما مَعنى «لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ»؟ مَعناها: لا خالِقَ إِلَّا اللهُ.
وَلِهٰذا يَنبَغي أَن يُفهَمَ أَنَّ الكَلامَ عَن غَزوَةِ أُحُدٍ لَم يَكُن مَقصودًا بِهِ سَردُ السِّيرَةِ مُجَرَّدًا، بَل لِأَنَّ سِيرَةَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ أَزكَى السِّيَرِ وَأَعطَرُها، وَهُوَ الَّذي كانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ «لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ»، وَيُقَرِّرُ لَهُم قَواعِدَ التَّوحيدِ. فَمِن هُنَا جاءَ الكَلامُ عَنِ المَشيئَةِ، وَالصِّفاتِ، وَالخَلقِ، وَالكَسبِ، لِأَنَّ الآيَةَ وَجَّهَت إِلَى هٰذا بِنَفسِها.
وَمِن جِهَةٍ أُخرَى، فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ بِسَبَبِ الجَهلِ يَقَعونَ في أَلفاظٍ خَطيرَةٍ، فَقَد يَقولُ بَعضُهُم لِغَيرِهِ إِذا طَلَبَ مِنهُ شَيئًا فَلَم يَجِدهُ: «بَدَّك تَخلُق لي»، أَو يَقولُ بَعضُهُم بِالعَامِّيَّةِ: «اخلُقْهَا خَلقَةً»، وَبَعضُهُم وَالعِياذُ بِاللهِ يَقولُ: «مِثل ما رَبُّنا خَلَقَك». فَإِن قالَ الإِنسانُ لِغَيرِهِ: «اخلُق لي كَذا كَما خَلَقَكَ اللهُ»، وَهُوَ يَفهَمُ مَعنى الخَلقِ في حَقِّ اللهِ، أَي الإِبرازَ مِنَ العَدَمِ إِلى الوُجودِ، فَهٰذا كُفرٌ وَإِشراكٌ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ أَثبَتَ خالِقًا غَيرَ اللهِ. وَكَثيرٌ مِنَ النَّاسِ لا يَنتَبِهُ لِخُطورَةِ هٰذِهِ العِباراتِ، فَيَقولُ: أَنا لَم أَكُن أَعرِفُ حُكمَها. فَيُقالُ لَهُ: وَلِماذا لَم تَتَعَلَّم؟ وَلِماذا تُهلِكُ نَفسَكَ؟ فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». فَبَعضُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ خَطيرٍ، ثُمَّ يَعتَذِرُ بِأَنَّهُ لَم يَعرِفِ الحُكمَ، وَمُجَرَّدُ عَدَمِ مَعرِفَتِهِ بِالحُكمِ لا يُنَجِّيهِ إِذا كانَ قَد فَهِمَ المَعنى.
ثُمَّ إِنَّهُ قَد يَرِدُ السُّؤالُ: هَل سَعيُنا مُقَدَّرٌ أَم لا؟ وَالجَوابُ: نَعَم، سَعيُنا مُقَدَّرٌ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِاللهِ. فَالسَّعيُ مُقَدَّرٌ، وَالعَمَلُ مُقَدَّرٌ، حَسَنَةً كانَ أَو مَعصِيَةً. وَلَمَّا سَمِعَ بَعضُ الصَّحابَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرٍ، قالَ: إِذًا يا رَسولَ اللهِ، لا نَعمَلُ وَنَتَّكِلُ عَلى الكِتابِ؟ فَماذا أَجابَهُمُ المُصطَفى ﷺ؟ قالَ: «بَلِ اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَأَهْلُ الجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ».
فَالَّذي شاءَ اللهُ لَهُ أَن يَكونَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ، يُيَسِّرُ لَهُ عَمَلَ أَهلِ الجَنَّةِ، فَتَراهُ يَندَفِعُ إِلى عِلمِ الدِّينِ، وَيُحِبُّ مَجالِسَ العِلمِ، وَيُبادِرُ إِلى الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَيُبَكِّرُ إِلى المَسجِدِ، وَيَحرِصُ عَلى أَن يَتَعَلَّمَ العَقيدَةَ، وَيَطمَئِنَّ إِلى صِحَّتِها، وَيَتَعَلَّمَ ما افْتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ مِن عِلمِ الدِّينِ، ثُمَّ يَعمَلَ بِذٰلِكَ. وَهٰذا مِمَّن يَسَّرَهُ اللهُ لِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ.
وَأَمَّا الَّذي أَرادَ اللهُ أَن يَكونَ مِن أَهلِ النَّارِ، فَيُيَسِّرُ لَهُ طَريقَ أَهلِ النَّارِ. وَإِذا قالَ قائِلٌ: فَما ذَنبُهُ إِذا كانَ في بِيئَةٍ فاسِدَةٍ وَمَن حَولَهُ عَلى غَيرِ الحَقِّ؟ قُلنا: لَو شاءَ اللهُ لَهُ الخَيرَ لَيَسَّرَهُ لَهُ، وَقَد كانَ سَيِّدُنا سَلمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في بِلادٍ بَعيدَةٍ، وَحَولَهُ الكُفَّارُ وَالمُشرِكونَ، ثُمَّ تَرَكَ بِلادَهُ وَمَشى يَطلُبُ الحَقَّ حَتَّى وَصَلَ إِلَيهِ؛ فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلى أَنَّ مَا شاءَهُ اللهُ لا بُدَّ أَن يَكونَ.
وَلِذٰلِكَ لَمَّا قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، دَخَلَ في هٰذَا العُمومِ العِبادُ وَأَعمالُ العِبادِ. فَلَفظُ ﴿كُلَّ﴾ مِن أَلفاظِ العُمومِ وَالشُّمولِ، فَإِذا جاءَ عَلى إِطلاقِهِ، شَمِلَ كُلَّ ما يَصِحُّ دُخولُهُ تَحتَهُ إِلَّا بِقَرِينَةٍ تُخَصِّصُهُ. وَهُنَا لا قَرِينَةَ تُخرِجُ أَعمالَ العِبادِ، فَدَخَلَت في الآيَةِ. فَإِن قِيلَ: هَل نَستَطيعُ أَن نُحصِيَ أَعمالَنا مِن لَحظَةِ الوِلادَةِ إِلى الوَفاةِ؟ أَنَقولُ: مِئَةٌ، أَو أَلفٌ، أَو عَشَرَةُ آلافٍ، أَو مِئَاتُ الآلافِ، أَو مِلياراتٌ؟ لِسانُكَ كَم مَرَّةً يَتَحَرَّكُ؟ وَجَوارِحُكَ كَم تَتَقَلَّبُ؟ حَتَّى وَأَنتَ نائِمٌ لا تُحصِي هٰذا. فَلَو قيلَ: إِنَّ العَبدَ هُوَ الَّذي يَخلُقُ فِعلَهُ، لَكانَ هٰذا إِشراكًا بِاللهِ.
وَلِذٰلِكَ كانَ أَبو يُوسُفَ القاضِي يَقولُ: المُعتَزِلَةُ زَنادِقَةٌ. وَمِثلُ هٰذا كانَ أَبو حَنيفَةَ يَقولُ فيمَن قالَ بِهٰذا القَولِ: إِنَّهُم مُشرِكونَ بِاللهِ؛ لِأَنَّ القَدَرِيَّةَ وَالمُعتَزِلَةَ الَّذينَ يَقولونَ: إِنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ، هٰؤُلاءِ في الحَقيقَةِ يُثبِتونَ خالِقًا سِوى اللهِ. وَاللهُ تعالى يَقولُ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]، فَلا خالِقَ إِلَّا اللهُ.
وَلَمَّا جاءَ رَجُلٌ إِلى سَيِّدِنا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَسأَلُهُ عَنِ القَدَرِ، وَأَلَحَّ عَلَيهِ في السُّؤالِ، قالَ لَهُ: «سِرُّ اللهِ فَلا تَتَكَلَّفْ». وَالمُرادُ أَنَّ القَدَرَ مِن جِهَةِ الإِحاطَةِ بِكُنهِهِ سِرٌّ لَم يُطلِعِ اللهُ عَلَيهِ لا نَبِيًّا مُرسَلًا، وَلا مَلَكًا مُقَرَّبًا، فَلا يَستَطيعُ العَقلُ أَن يُحيطَ بِهِ إِحاطَةً تامَّةً. وَلٰكِن يَجبُ أَن نَعتَقِدَ ما جاءَ بِهِ القُرآنُ: أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِخَلقِ اللهِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِمَشيئَةِ اللهِ، وَبِتَقديرِهِ، وَبِعِلمِهِ، وَأَنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالخَيرِ وَلا يَأمُرُ بِالشَّرِّ، كَما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]، وَيَجبُ أَلا نُسقِطَ أَيضًا قَولَهُ تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
فَلا يَجوزُ لِلعَبدِ أَن يَعترِضَ عَلى اللهِ، فَيَقولَ: لِماذا يا رَبِّ تأَخَّرَ الفَرَجُ؟ أَو لِماذا وَقَعَ البَلاءُ؟ فَاللهُ لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ، وَأَنتَ تُسأَلُ. نَعَم، قَد يَكونُ لِلبَلاءِ أَسبابٌ، وَقَد يَظهَرُ بَعضُها، وَلٰكِن يَبقى الأَصلُ أَنَّ اللهَ يَفعَلُ ما يَشاءُ، وَلا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ. وَالأَنبِياءُ، وَهُم صَفوَةُ الخَلقِ، كانَ بَلاؤُهُم أَشَدَّ مِن بَلائِنا. فَسَيِّدُنا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ قَتَلوا وَلَدَهُ يَحيى، وَهُوَ الَّذي جاءَهُ عَلى كِبَرٍ بَعدَ طُولِ انتِظارٍ، ثُمَّ نَفسُ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ نَشَرَهُ بَنو إِسرائيلَ بِالمِنشارِ، فَشُقَّ إِلى نِصفَينِ، وَهُوَ نَبِيٌّ كَريمٌ. وَهٰذا بَلاءٌ شَديدٌ.
وَسَيِّدُنا مُحَمَّدٌ ﷺ أَلَم يُهاجِرْ مِن مَكَّةَ إِلى المَدينَةِ؟ وَهِجرَتُهُ لَم تَكُن هُروبًا وَلا جُبنًا، بَل تَنفيذًا لِأَمرِ اللهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ وَقَفَ ﷺ عِندَ مُفارَقَةِ مَكَّةَ وَقالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». فَفِراقُ الوَطَنِ بَلاءٌ، وَلَنا في ذٰلِكَ أُسوَةٌ لِمَن يُهَجَّرُ اليَومَ مِن بِلادِهِ. وَقَد لاحَقَهُ المُشرِكونَ في الطَّريقِ إِلى غارِ ثَورٍ، حَتَّى إِنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ أَكبَرُ وَلِيٍّ في هٰذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ نَبِيِّها، بَكى خَوفًا عَلى رَسولِ اللهِ ﷺ. وَلَمَّا تَقاعَسَ أَكثَرُ النَّاسِ عَنِ النُّصرَةِ، بَعَثَ اللهُ حَمامَتَينِ وَعَنكَبوتًا، فَحَفِظَ نَبِيَّهُ بِما شاءَ، فَدَلَّ ذٰلِكَ كُلُّهُ عَلى أَنَّ الأَمرَ كُلَّهُ بِمَشيئَةِ اللهِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ فَالأَخْذُ بِالأَسبابِ مَطلوبٌ، وَلٰكِن لَن تَقوى عَلى ذٰلِكَ إِلَّا بِما أَعانَكَ اللهُ عَلَيهِ، فَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ. وَقَد كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقولُ عَن سَيِّدَتِنا عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها: «مُوَفَّقَةٌ بِنْتُ مُوَفَّقٍ»، يَعني: عائِشَةَ بِنْتَ أَبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما. فَهِيَ مُوَفَّقَةٌ، وَأَبُوها مُوَفَّقٌ. وَكَذٰلِكَ سَيِّدَتُنا خَديجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها، كانَت مِن أَغنَى نِساءِ مَكَّةَ، وَمَعَ ذٰلِكَ اختارَت رَسولَ اللهِ ﷺ مِن بَينِ شَبابِ مَكَّةَ كُلِّهِم، وَهِيَ الَّتي بَعَثَت إِلَيهِ، وَكانَ مِنها أَولادُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُم إِلَّا إِبراهيمَ، فَكُلُّ هٰذَا مِنَ التَّيسيرِ الَّذي يُيَسِّرُهُ اللهُ لِمَن شاءَ.
وَفي المُقابِلِ، كانَ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ أَبو لَهَبٍ قَريبًا جِدًّا مِنَ النُّبوَّةِ، وَرَأَى مِنَ المُعجِزاتِ ما رَأى، وَمَعَ ذٰلِكَ ماتَ مُشرِكًا كافِرًا، وَهُوَ مَلعونٌ إِلى يَومِ الدِّينِ. فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلى أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
فَإِشارَةُ الآيَةِ إِذًا في قَولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾، أَي: أَنَّكُم كُنتُم تُبطِلونَ حِسَّهُم، وَتَقتُلُونَهُم، وَلٰكِنَّ قَتلَكُم إِيَّاهُم كانَ بِمَشيئَةِ اللهِ. فَمِنَ المُفَسِّرينَ مَن قالَ: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَي بِمَشيئَتِهِ، وَمِنهُم مَن قالَ: بِقُدرَتِهِ، وَمِنهُم مَن قالَ: بِعِلمِهِ، وَالحَقُّ أَنَّ هٰذا كُلَّهُ صَحيحٌ؛ فَهُوَ بِعِلمِ اللهِ، وَقُدرَتِهِ، وَمَشيئَتِهِ.
وَمِن هٰذا المَقامِ يَحسُنُ أَن نَنتَقِلَ إِلى أَعظَمِ آيَةٍ في كِتابِ اللهِ في التَّنزيهِ، وَهِيَ قَولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وَقَد قالَ العُلَماءُ: هٰذِهِ مِن أَصرَحِ الآياتِ في تَنزيهِ اللهِ عَنِ الزَّمانِ، وَالمَكانِ، وَالأَعضاءِ، وَالجَوارِحِ، وَالزَّوجَةِ، وَالوَلَدِ. فَلَم يَقُلِ اللهُ: لَيسَ كَمِثلِهِ الشَّمسُ، وَلا القَمَرُ، وَلا الإِنسانُ، وَلا الجانُّ، وَلا المَلائِكَةُ، بَل قالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وَ«شَيءٌ» نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفيِ، وَالنَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفيِ تُفيدُ العُمومَ، فَيَكونُ المَعنى: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ أَلبَتَّةَ، وَلا بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجوهِ.
فَإِذا جاءَ مَن يَقولُ: أَعطِني دَليلًا عَلى أَنَّ اللهَ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ، قُلتَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وَإِذا قالَ: أَعطِني دَليلًا عَلى أَنَّ اللهَ لا يَجرِي عَلَيهِ زَمانٌ، قُلتَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وَإِذا قالَ: أَعطِني دَليلًا عَلى أَنَّ اللهَ لا يَموتُ، قُلتَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وَإِذا قالَ: أَعطِني دَليلًا عَلى أَنَّ اللهَ لا لَونَ لَهُ، قُلتَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فَهٰذِهِ الآيَةُ تَكفِي مَن أَرادَ الفَهمَ.
وَدُخولُ الكافِ في قَولِهِ: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ لِلتَّأكيدِ في نَفيِ التَّشبيهِ، وَالمَعنى لَيسَ فيهِ إِثباتُ مِثلٍ لِلَّهِ، بَلِ المَعنى: أَنَّهُ لا يُشبِهُهُ شَيءٌ بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ. ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قالَ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَثبَتَ لِنَفسِهِ صِفَتَيِ السَّمعِ وَالبَصَرِ، لٰكِن بَعدَ تَقديمِ التَّنزيهِ، حَتَّى لا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ سَمعَ اللهِ كَسَمعِنا، أَو بَصَرَهُ كَبَصَرِنا. فَسَمعُ اللهِ لَيسَ بِأُذُنٍ، وَبَصَرُهُ لَيسَ بِعَينٍ جارِحَةٍ. وَقَد ذَكَرَ الحافِظُ العِراقِيُّ هٰذِهِ النُّكتَةَ اللَّطيفَةَ، فَقالَ: إِنَّ النَّفيَ قُدِّمَ عَلى الإِثباتِ؛ حَتَّى لا يَتَبادرَ إِلى ذِهنِ أَحَدٍ تَشبيهُ صِفاتِ اللهِ بِصِفاتِ الخَلقِ.
وَمِنَ الحَديثِ العَظيمِ في هٰذا البابِ ما رَواهُ البُخارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ». وَجاءَت رِوايَةٌ أُخرَى حَسَّنَها الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ». وَجاءَت رِوايَةٌ ثالِثَةٌ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ». وَهٰذِهِ نُصوصٌ صَريحَةٌ جِدًّا في أَنَّ اللهَ كانَ مَوجودًا قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، قَبلَ السَّماءِ، وَقَبلَ الأَرضِ، وَقَبلَ العَرشِ، وَقَبلَ الكُرسِيِّ، وَقَبلَ العالَمِ كُلِّهِ، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلى أَنَّ اللهَ مَوجودٌ قَبلَ المَكانِ وَقَبلَ الزَّمانِ، فَلا يَحِلُّهُ مَكانٌ، وَلا يَجري عَلَيهِ زَمانٌ.
وَقَدِ استَدَلَّ الإِمامُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، في كِتابِهِ «الأَسماءُ وَالصِّفاتُ»، بِقَولِ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3] عَلى نَفيِ المَكانِ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقالَ: إِذا لَم يَكُنْ قَبلَهُ شَيءٌ، وَلَم يَكُنْ بَعدَهُ شَيءٌ، فَهُوَ لَيسَ في مَكانٍ. وَإِذا كانَ هُوَ ﴿الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهاتِ كُلِّها؛ فَلا فَوقٌ يَحويهِ، وَلا تَحتٌ يَحمِلُهُ، وَلا يَمينٌ، وَلا يَسارٌ، وَلا أَمامٌ، وَلا خَلفٌ؛ لِأَنَّ الجِهاتِ السِّتَّ كُلَّها مَخلوقَةٌ، وَالَّذي خَلَقَها هُوَ اللهُ، وَاللهُ كانَ مَوجودًا قَبلَها، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكونَ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.
فَالحاصِلُ مِن هٰذَا كُلِّهِ: أَنَّ قَولَهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ يَجمَعُ بَينَ البَيانِ السِّيريِّ في غَزوَةِ أُحُدٍ، وَالبَيانِ العَقدِيِّ في تَقرِيرِ أَنَّ النَّصرَ بِمَشيئَةِ اللهِ، وَأَنَّ القَتلَ وَالفِعلَ وَالحَرَكَةَ لا يَخرُجُ شَيءٌ مِنها عَن خَلقِ اللهِ وَقُدرَتِهِ وَعِلمِهِ، وَأَنَّ العَبدَ لَيسَ لَهُ مِن عَمَلِهِ إِلَّا الكَسبُ، وَأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَن شَبَهِ الخَلقِ، وَعَنِ المَكانِ، وَعَنِ الزَّمانِ، وَعَنِ الأَعضاءِ وَالجَوارِحِ، وَأَنَّهُ سُبحانَهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلقِ وَالمَشيئَةِ وَالتَّدبيرِ.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)﴾ [آل عمران: 152]
يُبَيِّنُ اللهُ تباركَ وتعالى في هٰذِهِ الآيةِ الكريمةِ أَنَّهُ صَدَقَ المؤمنينَ وَعْدَهُ، أَي: حَقَّقَ لَهُم ما وَعَدَهُم بِهِ مِنَ النَّصْرِ وَالتَّأييدِ وَالظَّفَرِ، وَذٰلِكَ حينَ أَظْهَرَهُم على عَدُوِّهِم، ما داموا مُتَمَسِّكِينَ بِأَمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، مُقِيمينَ على الطّاعةِ، ثابِتينَ على ما أُمِرُوا بِهِ. فَوَعْدُ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، كما تَقَدَّمَ، صِدْقٌ لا خُلْفَ فيهِ، وَوَعْدُهُ لِلمؤمنينَ بِالجَنَّةِ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ للكافرينَ بِجَهَنَّمَ حَقٌّ، وَكَمَا أَنَّ وَعْدَهُ لا يَتَخَلَّفُ، فَكَذٰلِكَ وَعيدُهُ لا يَتَخَلَّفُ. وَوَعْدُ اللهِ أَيضًا بِأَنَّ الدَّائِرَةَ تَكونُ في النِّهايَةِ لأُمَّةِ الإِسلامِ حَقٌّ لا بُدَّ مِن وُقوعِهِ، وَإِن سَبَقَ ذٰلِكَ ظُلمٌ عَظيمٌ، وَقَتلٌ كَثيرٌ في المسلمينَ، وَجوعٌ، وَقَحْطٌ، وَوَبَاءٌ، وَضُروبٌ شتّى مِنَ البَلاءِ، فَبَعدَ هٰذَا كُلِّهِ لا بُدَّ أَن تَظْهَرَ أُمَّةُ الإِسلامِ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ، وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ.
وَفي هٰذِهِ الآيةِ الكريمةِ، وَفيما تَقَدَّمَ مِن بَعْضِ الآياتِ، عِبْرَةٌ كَبيرةٌ لِلأُمَّةِ. فَإِنَّ الرُّماةَ الَّذينَ كانوا على جَبَلِ عيْنَيْنَ، وَهُوَ جَبَلُ الرُّماةِ، لَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَمرًا صَريحًا مُؤَكَّدًا أَلَّا يَبْرَحُوا مَكانَهُم، وَقالَ لَهُم بِمَعْنى الكَلامِ: إِن رَأَيْتُمونا قَد هَزَمناهُم فَإِنّا لَن نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّم مَكانَكُم، جَعَلَ عَلَيْهِم عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكانُوا نَحوَ خَمسينَ. فَلَمّا بَدَأَ القِتالُ، وَظَهَرَ المُسلِمونَ في أَوَّلِ الأَمرِ، وَصَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَبَدَأَ الكُفّارُ يَنهَزِمونَ وَيَفِرُّونَ، قالَ بَعْضُ الرُّماةِ: قُضِيَ الأَمرُ، وَانْتَهَتِ المَعْرَكَةُ، فَلِمَ نَبْقَى هاهُنا؟ وَقالَ بَعْضُهُم: حِصَّتُنا مِنَ الغَنيمَةِ. فَذَكَّرَهُم أَميرُهُم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ بِأَمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَقالَ لَهُم: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَكُم أَلَّا تَنْزِلُوا. فَقالَ بَعْضُهُم: لٰكِنَّ المَعْرَكَةَ قَدِ انْتَهَت، وَالقِتالُ قَدِ انْقَضَى، فَلِمَ نَبْقَى في هٰذا المَوضِعِ؟ فَوَقَعَ بَيْنَهُم الجِدالُ وَالتَّنازُعُ.
وَقَبلَ ذٰلِكَ كانَ صاحِبُ لِواءِ المُشرِكينَ، وَهُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُثْمانَ، قَد قالَ في أَوَّلِ المَعْرَكَةِ: يا مَعْشَرَ أَصحابِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُم تَزْعُمونَ أَنَّ اللهَ يُعَجِّلُنا بِسُيوفِكُم إِلَى النّارِ، فَهَلْ مِنكُم أَحَدٌ يُعَجِّلُهُ اللهُ بِسَيْفي إِلَى الجَنَّةِ، أَوْ يُعَجِّلُني بِسَيْفِهِ إِلَى النّارِ؟ فَقامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، وَقالَ: وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لا أُفارِقُكَ حَتّى يُعَجِّلَكَ اللهُ بِسَيْفي إِلَى النّارِ، أَوْ يُعَجِّلَني بِسَيْفِكَ إِلَى الجَنَّةِ. فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، فَقَطَعَ رِجلَهُ، فَسَقَطَ حَتّى انْكَشَفَت عَورَتُهُ. ثُمَّ شَدَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، حَوارِيُّ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَالمِقْدادُ بْنُ الأَسوَدِ، عَلَى المُشرِكينَ، وَكانَ الزُّبَيْرُ مِمَّن نَزَلَتِ المَلائِكَةُ يَومَ بَدْرٍ مُعَمَّمَةً بِعَمائِمَ صُفْرٍ عَلى سِيمائِهِ، فَلَمّا رَأَى المُشرِكونَ ذٰلِكَ، وَرَأَوا ظُهورَ المسلمينَ عَلَيْهِم، بَدَأَ التَّزَلْزُلُ يَدْخُلُهُم، وَبَدَؤُوا بِالانْسِحابِ.
عِندَئِذٍ قالَ بَعْضُ الرُّماةِ: قُضِيَ الأَمرُ، وَانْتَهَتِ المَعْرَكَةُ. فَنَزَلَ مَن نَزَلَ، وَثَبَتَ أَميرُهُم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْزِلْ، بَلْ ثَبَتَ عَلى مَوضِعِهِ حَتّى قُتِلَ شَهيدًا في سَبيلِ اللهِ. وَأَمَّا الَّذينَ نَزَلُوا فَقَد كُسِرُوا، وَهٰهُنا تَسَبَّبَت مُخالَفَةُ بَعْضِهِم لِأَمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ في أَن يَعُمَّ البَلاءُ، فَقُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقُتِلَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَشُجَّ وَجهُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكُسِرَت رَباعِيَّتُهُ، وَسالَ دَمُهُ الشَّريفُ، وَوُضِعَ لَهُ كَمينٌ في حُفْرَةٍ فَوَقَعَ فيها النَّبِيُّ ﷺ. فَفي ذٰلِكَ دَرسٌ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ: أَلَّا تُخالِفَ أَمْرَ اللهِ، وَأَلَّا تُخالِفَ أَمْرَ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ إِذا خالَفَت فِئَةٌ أَمْرَ اللهِ أَوْ أَمْرَ رَسولِهِ، أَوشَكَ أَن يَعُمَّ البَلاءُ. وَلِهٰذا لَمّا قيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» قالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ». فَقَد يَعُمُّ البَلاءُ، لٰكِنَّ الصّالِحَ الَّذي يَنْزِلُ عَلَيْهِ البَلاءُ وَيُصيبُهُ البَلاءُ يَكونُ ذٰلِكَ رَفْعًا لَهُ في الدَّرَجَةِ عِندَ اللهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ في الحَديثِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ مِنَ المؤمنينَ مَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ البَلاءُ قُبَيْلَ المَوتِ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّنيا وَلَيسَ عَلَيْهِ خَطيئَةٌ. فَرُبَّ إِنسانٍ تَنْزِلُ عَلَيْهِ في آخِرِ شُهورِ عُمْرِهِ أَمراضٌ شَديدَةٌ ما سَبَقَ لَهُ مِثلُها، وَرُبَّ إِنسانٍ يُقتَلُ وَيُعَذَّبُ كَما يَجْري اليَومَ في غَزَّةَ وَفِلَسطينَ وَفي لُبنانَ، نَسأَلُ اللهَ اللُّطْفَ بِأُمَّةِ الإِسلامِ، فَيَنْزِلُ هٰذا البَلاءُ، وَقَد يَكونُ شَديدًا، فَتَكونُ مُخالَفَةُ أَمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ شُؤمًا، وَالَّذي يَقَعُ في المَعصِيَةِ شُؤمٌ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَد يَصيرُ بِسَبَبِهِ شُؤمٌ عَلى مَن حَولَهُ أَيضًا.
وَأَمَّا وَعْدُ اللهِ، فَلَمّا رَجَعَ بَعْضُهُم إِلَى المَدينَةِ وَقالوا: كانَ وَعْدٌ مِنَ اللهِ لَنا بِالظُّهورِ، وَلٰكِنَّنا أُصِبْنا يَومَ أُحُدٍ، وَنَحنُ نَقولُ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يُهْزَمْ، بَل هُوَ مَنصورٌ، وَلٰكِنْ كُسِرَ مَن خالَفَهُ، هٰكَذا نَقولُ: كُسِرَ مَن خالَفَهُ. فَلَمّا قالَ بَعْضُهُم: وَأَيْنَ إِذًا هُوَ الوَعْدُ؟ نَزَلَ قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾؛ فَقَد كُسِرَ حامِلُ لِوائِهِم، وَنَزَلَ فِيهِمُ السَّيْفُ حَتّى انهَزَمُوا، وَكانَ أَبو سُفْيانَ مَعَهُم، فَصَدَقَ اللهُ تعالى وَعْدَهُ، وَلٰكِنْ بَعْدَ ذٰلِكَ وَقَعَ مِنَ المُخالِفِينَ ما وَقَعَ، فَجاءَ بَيانُهُ في قَولِهِ تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾.
فَما مَعْنى هٰذا؟ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ المُفَسِّرينَ، كالإِمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّ الأَرجَحَ في مَعْنى ﴿فَشِلْتُمْ﴾ أَنَّهُ الضَّعْفُ، أَي: أَصابَكُم ضَعْفٌ. وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ: مَعناهُ الجُبْنُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ القَولَيْنِ. فَمَعنى الآيةِ: حَتّى إِذا أَصابَكُمُ الضَّعْفُ، وَوَقَعَ بَيْنَكُمُ التَّنازُعُ في الأَمرِ. وَهٰهُنا أَيضًا اختلفُوا: ما هُوَ الأَمرُ؟ فَقالَ بَعْضُهُم: هُوَ الأَمرُ الَّذي وَقَعَ بَيْنَ الرُّماةِ، حينَ صارَ بَعْضُهُم يَقولُ: نَعَمْ، أَمَرَنا الرَّسولُ ﷺ أَن نَثبُتَ، وَلٰكِنَّ المَعْرَكَةَ انْتَهَت، وَأَميرُهُم يَقولُ: لا تَنْزِلُوا، فَوَقَعَتِ المُنازَعَةُ. وَقالَ بَعْضُهُم: بَلِ المُرادُ بِمُنازَعَتِهِم في الأَمرِ: مُخالَفَةُ مَن خالَفَ مِنَ الرُّماةِ أَمْرَ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فَهٰذِهِ المُخالَفَةُ نَفْسُها هِيَ التَّنازُعُ في الأَمرِ. وَفي هٰذَا دَرسٌ بَيِّنٌ: أَنَّ المُنازَعَةَ في الأَمرِ، حينَ تَكونُ بِمُخالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، تُؤَدِّي إِلَى الضَّعْفِ، وَتُؤَدِّي إِلَى ظُهورِ العَدُوِّ عَلَيْنا. أَما تَذَكَّرونَ جَميعًا قَولَ اللهِ تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]؟ فَبِمَعْنى هٰذا: إِن نَصَرْتُمْ دِينَ اللهِ، وَثَبَتُّمْ عَلى طاعَتِهِ، نَصَرَكُمُ اللهُ. لا بِمَعْنى أَنَّ اللهَ يَحتاجُ إِلَيْنا، حاشاهُ؛ فَاللهُ غَنِيٌّ عَنّا، لا يَنْتَفِعُ بِطاعَةِ الطّائِعينَ، وَلا يَتَضَرَّرُ بِعِصيانِ العُصاةِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]، وَإِنَّما نَحنُ الفُقَراءُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاللهُ سُبحانَهُ تَكَرُّمًا وَفَضلًا يُعينُنا عَلى الطّاعَةِ، فَلا يَمُنَّنَّ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ، فَيَقولُ: أَنا أَفعَلُ كَذا وَكَذا؛ فَمَهْما قَدَّمْنا لَن نُوَفِّيَ حَقَّ الشُّكْرِ، بَل شُكْرُنا نِعْمَةٌ أُخرَى مِنَ اللهِ عَلَيْنا.
فَيَنْبَغي إِذًا الثَّباتُ عَلى طاعَةِ اللهِ، مَعَ اعتِقادِنا أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ غَنِيٌّ عَنّا. وَقَد قالَ تَعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، أَي: لِآمُرَهُمْ بِعِبادَتي. فَاللهُ أَمَرَ الجَميعَ بِالإِيمانِ، وَلٰكِنْ هَلْ آمَنَ كُلُّ النّاسِ؟ لا. وَهَلْ آمَنَ كُلُّ الجِنِّ؟ لا. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. فَالخَبَثُ كَثيرٌ، وَالفَسادُ ظَهَرَ في البَرِّ وَالبَحرِ، وَلٰكِنَّ اللهَ سُبحانَهُ أَمَرَ الجَميعَ بِالإِيمانِ، وَشاءَ لِبَعْضِ العِبادِ أَن يَكونُوا مُؤمِنينَ، وَشاءَ لِبَعْضِهِم أَن يَكونُوا كافِرينَ. وَكما جاءَ في الحَديثِ: «فَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». فَمَنْ عَصى فَوَبالُ ذٰلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَضُرُّ نَفْسَهُ، كَمَنْ يَقطَعُ رَحِمَهُ، أَوْ يَعُقُّ والِدَيْهِ؛ فَهٰذا قَد يَكونُ آذى أَبَوَيْهِ، لٰكِنَّهُ أَوَّلًا ضَرَّ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ يَرجِعُ شُؤمُ ذٰلِكَ وَوَبالُهُ عَلَيْهِ.
وَلِذٰلِكَ قالَ الإِمامُ الفَرّاءُ، وَهُوَ مِن أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، في قَولِهِ تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: إِنَّ فيها تَقْديمًا وَتَأخيرًا؛ أَي: أَنَّكُم تَنازَعْتُمْ، فَلَمّا تَنازَعْتُمْ فَشِلْتُمْ. فَالمَعنى: أَنَّ التَّنازُعَ كانَ سَبَبًا لِلفَشَلِ. وَهٰهُنا لَفْتَةٌ مُهِمَّةٌ: أَنَّ النِّزاعَ المَذْمومَ هُوَ ما كانَ في مُخالَفَةِ الحَقِّ، أَوِ الخُروجِ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَمَّا الاِختِلافُ بَيْنَ أَئِمَّةِ الإِسلامِ، كالإِمامِ الشّافِعِيِّ وَالإِمامِ مالِكٍ وَالإِمامِ أَحمَدَ وَالإِمامِ أَبي حَنيفَةَ، فَهٰذا اخْتِلافٌ رَحْمَةٌ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ في إِطارِ قَواعِدِ الشَّريعَةِ. أَمَّا الخُروجُ عَنِ الجَماعَةِ، وَالخُروجُ عَنْ طاعَةِ اللهِ، فَعِندَئِذٍ يَكونُ الفَشَلُ، وَيَحصُلُ الضَّعْفُ، وَكَمْ مِن نِعْمَةٍ يَفْقِدُها النّاسُ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ أَمْرِ اللهِ وَأَمْرِ رَسولِهِ ﷺ.
فَالوَاحِدُ مِنّا إِذا فَرِحَ بِطاعَةِ اللهِ، أَوْ أُنعِمَ عَلَيْهِ، فَماذا يَفعَلُ؟ يُطعِمُ الطَّعامَ لِلَّهِ، وَيَتَصَدَّقُ، وَيَأتي إِلَى المَسجِدِ فَيُصَلّي، أَوْ يُصَلّي في بَيْتِهِ نَوافِلَ، وَيَشكُرُ اللهَ بِأَنْواعِ الشُّكرِ، وَيُقيمُ مَجلِسَ ذِكْرٍ. وَلٰكِنَّ بَعْضَ النّاسِ يُقابِلُ ذٰلِكَ بِالمَعاصي، فَيَجلِبُ آلاتِ اللَّهْوِ المُحَرَّمَةِ، وَالمُوسِيقى بِأَنْواعِها، وَيَجْتَمِعُ بَعْضُ النِّساءِ وَهُنَّ كاشِفاتُ العَوْراتِ، وَيُؤذُونَ الجيرانَ وَمَنْ حَولَهُمْ، وَفي الأَعْراسِ يَفْعَلونَ أَشياءَ هِيَ مِن شِعارِ أَهْلِ الفِسْقِ وَالفُجورِ، فَيَحصُلُ بَعْدَ ذٰلِكَ الشُّؤمُ. وَكَذٰلِكَ الأَمْرُ عَلى مُستَوى الأُمَّةِ: فَقَد قالَ ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا المُنكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا»، أَي: عِقابًا عاجِلًا. فَإِذا كَثُرَتِ المُنكَراتُ، وَكَثُرَ الفَسادُ، وَلَم يَقُمْ مَنْ يُنْكِرُ المُنكَرَ، وَصارَ كُلُّ واحِدٍ يَقولُ: نَفْسي، وَمالي، وَوَلَدي، وَبَيْتي، وَالفَسادُ يَعُمُّ، وَالرِّبا يَطمُّ، وَالمُنكَراتُ تَنتَشِرُ، فَهٰذا يَجلِبُ شُؤمًا عَلى الأُمَّةِ. نَعَمْ، أَنا عَلَيَّ فَرْضٌ في نَفْسي، وَلَكِنَّ مِن جُمْلَةِ ما افْتَرَضَهُ اللهُ عَلَيَّ أَن أُصلِحَ غَيْري إِذا اسْتَطَعْتُ، وَأَنْهى عَنِ المُنكَرِ إِذا وَقَعَتْ مَعْصِيَةٌ أَوْ فُعِلَ مُنكَرٌ.
وَالإِشارَةُ في هٰذِهِ الآيةِ جَاءَ بَيانُها في لَفْظِ ﴿حَتَّىٰ﴾. فَقَد قالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفسيرِ: مَعْنى الآيةِ أَنَّكُم كُنْتُم ظاهِرِينَ عَلى عَدُوِّكُم في أَوَّلِ المَعْرَكَةِ إِلى غايَةٍ، وَهِيَ: أَنَّكُم لَمّا خالَفْتُم أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَ الفَشَلُ. فَعَلى القَولِ بِالتَّقْديمِ وَالتَّأخيرِ: ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ أَي: تَنازَعْتُمْ فَفَشِلْتُمْ. فَالنِّزاعُ هُنا، أَعْني الاِختِلافَ بِمَعْنى الخُروجِ عَن أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، هُوَ الَّذي أَدّى إِلَى الفَشَلِ. وَبَعْضُ المُفَسِّرينَ قالَ: إِنَّ ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ لا بُدَّ لَهُ مِن جَوابٍ، فَاختَلَفُوا في تَقديرِ الجَوابِ. وَلٰكِنَّ هٰذا القَولَ الَّذي اخْتيرَ هاهُنا قَريبُ المَعْنى، وَهُوَ أَنَّ الظُّهورَ اسْتَمَرَّ إِلى أَنْ وَقَعَت مُخالَفَةُ الرُّماةِ، فَعِنْدَئِذٍ حَصَلَ الفَشَلُ.
وَهٰهُنا يَجِبُ التَّنْبيهُ إِلى أَمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا، وَهُوَ أَنَّهُ لا يَجوزُ وَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ بِالفَشَلِ وَلا بِالهَزيمَةِ. لا يَجوزُ ذٰلِكَ أَبَدًا. فَرَسولُ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ، وَهُوَ دائِمًا مَنْصورٌ، حَتّى لَوْ أُصيبَ، فَهُوَ مَنْصورٌ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَالَّذي يَتْبَعُ النَّبِيَّ ﷺ بِحَقٍّ فَهُوَ مَنْصورٌ. فَإِن قيلَ: طَيِّبٌ، لَوْ قُتِلَ؟ نَقولُ: سَيِّدُ الشُّهَداءِ مَنْ؟ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَإِلى يَومِنا هٰذا يُقالُ: سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ، أَسَدُ اللهِ حَمْزَةُ. فَهَلْ يُوصَفُ بِالفَشَلِ أَوِ الهَزيمَةِ لِأَنَّ وَحْشِيًّا أَصابَهُ بِذٰلِكَ الرُّمْحِ فَقَتَلَهُ؟ لا. بَلْ يُقالُ: قُتِلَ شَهيدًا في سَبيلِ اللهِ. وَالَّذي يَموتُ شَهيدًا في سَبيلِ اللهِ هٰذا مَنْصورٌ؛ لِأَنَّهُ نالَ رَحْمَةً عَظيمَةً عِندَ اللهِ، وَنَالَ ما يَتَمَنّاهُ المُسلِمُ الصّادِقُ صَباحَ مَساءَ: أَنْ يَرْزُقَهُ اللهُ الشَّهادَةَ. وَالشَّهادَةُ أَنْواعٌ: فَمِنّا مَن يَموتُ مَبْطونًا، وَمِنّا مَن يَموتُ بِالحَرْقِ، وَمِنّا مَن يَموتُ بِالغَرَقِ، وَمِنّا مَن يَموتُ تَحْتَ الهَدْمِ، وَمِنّا مَن يَموتُ بِالتَّرَدِّي، وَكُلُّ هٰذِهِ أَنْواعٌ مِنَ الشَّهادَةِ، لٰكِنَّ أَعْظَمَ ما يَتَمَنّاهُ المُؤمِنُ شَهادَةُ المَعْرَكَةِ في سَبيلِ اللهِ، وَأَنْتَ تُقاتِلُ أَعْداءَ اللهِ. فَهٰذا لا يُسَمَّى فَشَلًا وَلا هَزيمَةً، بَلْ هُوَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، وَمِن وَعْدِ اللهِ: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140].
فَأَنتُم إِذًا ما عَلَيْكُم؟ أَلَّا تَفْشَلُوا، وَأَلَّا تَضْعُفُوا. وَهٰذِهِ وَصِيَّةٌ عَظيمةٌ. وَقَد وَجَدُوا أَثَرَها لَمّا دارَتِ الدَّائِرَةُ وَالدَّوْلَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَولِهِ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. فَقَد تَكونُ كَرَّةٌ وَكَرَّةٌ. فَبَعْدَ أَنْ كَرَّ المُشرِكونَ مِن جِهَةِ الرُّماةِ الَّذينَ نَزَلُوا، وَوَقَعَ القَتْلُ في المسلمينَ، ماذا حَصَلَ؟ كانَ ثَباتٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَثَباتٌ مِن بَعْضِ الصَّحابَةِ الكِبارِ، كَأَبي دُجانَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَإِنْ كانَ أَنَسٌ قَد قُتِلَ في تِلْكَ المَعْرَكَةِ، وَكَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَعَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَغَيْرِهِم مِمَّن ثَبَتَ، فَمِنْهُم مَن قُتِلَ، وَمِنْهُم مَن بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. فَصَبَرُوا في ذٰلِكَ المَوقِفِ، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا، حَتّى لَمّا صارَ الصّارِخُ يَصرُخُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، لَمْ يَتَراجَعُوا.
وَقَد قالَ اللهُ تعالى: ﴿مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّهُ كانَ مِن بَعْضِهِم، كَهٰؤُلاءِ الَّذينَ خالَفُوا أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَزَلُوا لِأَجْلِ الغَنيمَةِ، مَنْ أَرادَ أَمرًا دُنْيَوِيًّا. وَكانَ مِنهُم مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ، فَلا يُبالي بِالدُّنيا، وَلا يَسأَلُ عَنْها. وَقَد كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ يَقولُ: ما عَلِمْنا أَنَّ أَحَدًا مِن أَصْحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ كانَ يُريدُ الدُّنيا وَعَرَضَها حَتّى كانَ يَومَئِذٍ، وَنَزَلَت هٰذِهِ الآيةُ، فَعَرَفْنا ذٰلِكَ. فَكانَ مِنهُم مَن خالَفَ وَنَزَلَ لِأَجْلِ الغَنيمَةِ، وَكانَ مِنهُم مَن بَقِيَ ثابِتًا، لا تَراجُعَ عِندَهُ وَلا تَزَلْزُلَ، وَبَقِيَ يُدافِعُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَرْضَ القِتالِ، بَلْ صارَ يُلاحِقُ بَعْضًا مِمَّن كانَ يَتْرُكُ ساحَةَ القِتالِ، وَيَقولُ لَهُم: إِلى أَيْنَ؟ فَيَقولُونَ: بَلَغَنا أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ ماتَ. فَيَقولُ لَهُم: إِنْ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قَدْ ماتَ، فَما تَصْنَعونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ أَي: إِذا كانَ الأَمرُ كَما تَقولونَ، فَما الَّذي يَبقى لَكُم في الدُّنيا؟ اِرجِعوا، لَيسَ بِمَعْنى اِترُكوا، بَلِ اِرجِعوا فَموتوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسولُ اللهِ ﷺ. فَكانَ مِنهُم مَنْ هُوَ ثابِتٌ مُرابِطٌ، وَهٰذا الرِّباطُ سَيَبقى؛ فِئَةٌ تُرابِطُ. وَكيفَ يَكونُ الرِّباطُ اليَومَ؟ يَكونُ بِالجِهادِ بِالبَيانِ، بِالدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ، وَبِتَعْليمِ الإِسلامِ، وَبِالرَّدِّ عَلى شُبُهاتِ المُفسِدينَ، وَبِالرَّدِّ عَلَى المُلحِدينَ، وَبِتَثْبيتِ عَقائِدِ المسلمينَ. وَتَجِدُ أَيضًا مَن يُرابِطُ في المَسْجِدِ الأَقصى، حَتّى لا يُتْرَكَ المَسْجِدُ الأَقصى وَلَو دَقيقَةً واحِدَةً فارِغًا لِأَعْداءِ الدِّينِ. فَاللهُ سُبحانَهُ وَتعالى جَعَلَ في كُلِّ وَقتٍ مِنَ الأَوقاتِ مَن يُريدُ الآخِرَةَ.
فَأَنْتَ ماذا تُريدُ؟ إِذا أَرَدْتَ الآخِرَةَ، فَاسْمَعْ قَولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. فَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ الَّذي يُوَفِّقُهُ اللهُ إِلى أَنْ يُجاهِدَ، سَواءٌ كانَ جِهادُهُ جِهادًا بِالبَيانِ، أَوْ جِهادًا بِالسِّنانِ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الجِهادَيْنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتعالى يَفتَحُ لَهُ أَبوابَ الآخِرَةِ، وَأَبوابَ العَمَلِ لِلآخِرَةِ، وَأَبوابَ السَّلامَةِ، وَأَبوابَ الجَنَّةِ. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. فَهٰذا هُوَ السَّعْيُ المَشْكورُ. وَإِلَّا فَنَحنُ سَنَموتُ، لا مَحالَةَ؛ قَد نَموتُ عَلى الفِراشِ، وَقَد نَموتُ بِالحُمّى، وَقَد نَموتُ بِالسَّرَطانِ، وَقَد نَموتُ بِنَوعٍ مِن أَنْواعِ الوَباءِ، وَقَد يَتَّخِذُ اللهُ مِنَّا شُهَداءَ. فَما الَّذي عَلَيْكَ؟ عَلَيْكَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَ الآخِرَةِ، وَأَنْ تَسْتَعِدَّ.
ثُمَّ قالَ تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. أَي: بَعْدَ أَنْ دالُوا عَلَيْكُمْ وَأَغارُوا عَلَيْكُمْ، وَبَعْدَ أَنْ كانَتِ الدَّوْلَةُ لَكُمْ في أَوَّلِ الأَمرِ، صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ، أَي: جَعَلَ مِنكُمْ مَنْ يَنْسَحِبُ مِن سَاحَةِ القِتالِ، وَحَصَلَ ما حَصَلَ، وَتَرَكْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، فَكانَ ذٰلِكَ كُلُّهُ لِلاِبتِلاءِ. فَلَو سَأَلَ سائلٌ: كَيْفَ تَقَعُ مَعْرَكَةٌ فيها مُحَمَّدٌ ﷺ، وَفيها كِبارُ الصَّحابَةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَقَعُ ما يَقَعُ؟ نَقولُ: هٰذا ابْتِلاءٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ. وَاليَومَ أَيضًا، حينَ نُقتَلُ وَنُصابُ، فَهٰذا ابْتِلاءٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ. وَقَد قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. فَهٰذا ابْتِلاءٌ. فَلَمّا ثَبَتُّمْ بَعْدَ ذٰلِكَ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ ثَبَتَ، وَقَعَتِ البُشرى الَّتي أَشارَت إِلَيْها الآيةُ الَّتي قَبْلَها: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: 151]. فَعِندَئِذٍ، مَعَ كُلِّ ما قَتَلُوا مِنَ المسلمينَ، وَقَد قُتِلَ نَحوُ سَبْعينَ شَهيدًا، وَقُتِلَ أَكابِرُ مِنَ الصَّحابَةِ، وَأُصيبَ النَّبِيُّ ﷺ، مَعَ ذٰلِكَ أَلْقَى اللهُ الرُّعْبَ في قُلوبِ المُشرِكينَ، لَمّا ثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. فَهُمْ مَنْ اِنْسَحَبَ وَرَجَعَ، لا رَسولُ اللهِ ﷺ. بَقِيَ هُوَ في أَرْضِ القِتالِ، وَرَجَعُوا هُمْ حَتّى وَصَلُوا إِلى ناحِيَةٍ يُقالُ لَها حَمْراءُ الأَسَدِ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدينَةِ مَعَ الصَّحابَةِ وَالجِراحاتُ فِيهِم، وَجاءَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ الخَبَرُ أَنَّهُم يُريدونَ العَوْدَةَ لِإِكمالِ القِتالِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ المُشرِكينَ صارَ يَقولُ لِأَبي سُفْيانَ وَمَنْ مَعَهُ: أَنتُم ما صَنَعْتُمْ شَيئًا، لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ، وَلا أَصحابَهُ أَفْنَيْتُمْ، فَلِمَ تَنْسَحِبُونَ؟ فَلَمّا بَلَغَ ذٰلِكَ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: نَلحَقُهُم إِلى حَمْراءِ الأَسَدِ. وَكانَ ذٰلِكَ بَعْدَ قِتالٍ شَديدٍ يَومَ سَبْتٍ في مُنْتَصَفِ شَوّالٍ، وَكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ لا يَزالُ الدَّمُ يَنْزِفُ مِنْهُ، وَقَد قُطِعَت بَعْضُ أَعْضائِهِ، وَمَعَ ذٰلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ كانَ مَعَنا في المَعْرَكَةِ فَلْيَخْرُجْ مَعَنا. فَجاءَ بَعْضُ مَنْ لَم يُشارِكُوا وَقالُوا: يا رَسولَ اللهِ، نَخرُجُ مَعَكُمْ؟ فَقالَ: لا يَخْرُجُ مَعَنا إِلَّا مَنْ قاتَلَ مَعَنا. فَماذا يَدُلُّنا هٰذا؟ يَدُلُّنا عَلى أَنَّنا مَهْما أَصابَ مِنّا العَدُوُّ، فَلَمْ نَنْتَهِ. وَلَو قَتَلوا مِنّا آلَافًا، فَلَم نَنْتَهِ. كَمْ قَتَلَ مِنّا الفِرِنْجُ في فِلَسطينَ؟ وَكَمْ سالَتِ الدِّماءُ حَتّى بَلَغَتِ الرُّكَبَ في المَسْجِدِ الأَقصى يَوْمَ كانَ الإِفرَنْجُ؟ وَكَمْ جَعَلُوا المَسْجِدَ الأَقصى إِسْطَبْلاتٍ لِخُيولِهِم؟ وَاليَومَ، قَتَلَةُ النَّبِيِّينَ، كَمْ قَتَلوا مِنّا؟ وَهَجَّرُوا أَهْلَنا، وَهَجَّرُوا إِخْوانَنا، وَمِن نَكْبَةٍ إِلى نَكْسَةٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ أَبادُونا؟ لا، وَاللهِ، وَلَنْ يَسْتَطيعُوا. فَالإِشارَةُ هاهُنا: لِيَكُنْ مِنكُم، مَهْما أَصابَكُم، الثَّباتُ، فَلا تَتَراجَعوا، وَلا تَتَزَلْزَلوا.
ثُمَّ قالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. أَي: عَفا اللهُ سُبحانَهُ وَتعالى عَن هٰؤُلاءِ الَّذينَ نَزَلُوا وَخالَفُوا الأَمرَ. فَمَعَ أَنَّهُم أَخطَؤوا، وَكانَ خَطَؤُهُم سَبَبًا في عُقوبَةٍ عاجِلَةٍ وَابْتِلاءٍ عَظيمٍ، لَمْ يُغْلِقِ اللهُ بابَ رَحْمَتِهِ في وُجوهِهِم، بَلْ عَفا عَنْهُم. ثُمَّ خَتَمَ الآيةَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وَهٰذا مِن فَضْلِ اللهِ سُبحانَهُ وَتعالى عَلى المؤمنينَ، وَمِن تَمامِ نِعَمِهِ عَلَيْهِم؛ لِأَنَّهُ نَصَرَهُم أَوَّلًا، ثُمَّ عَفا عَمَّن خالَفَ مِنَ الرُّماةِ، ثُمَّ قَذَفَ الرُّعْبَ في قُلوبِ المُشرِكينَ، ثُمَّ أَعْطاهُمُ القُوَّةَ حَتّى لَحِقوا بِهِم إِلى حَمْراءِ الأَسَدِ فَهَرَبوا. فَاللهُ ذو فَضْلٍ عَلَى المؤمنينَ؛ لِأَنَّهُ سُبحانَهُ صاحِبُ الفَضْلِ وَالإِحْسانِ، وَهُوَ الَّذي يَنْصُرُ أُمَّتَهُ، وَيَنْصُرُ دِينَهُ.