بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)﴾
﴿إِن يَنصُركُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُم وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
﴿إِن يَنصُركُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُم﴾ [آل عمران: ١٦٠]
إِن يَنصُركُمُ اللهُ، كَما نَصَرَكُم يَومَ بَدرٍ، حِينَ كانَ المُسلِمُونَ مُلتَفِّينَ حَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثابِتِي الأَقدامِ، مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ الرَّحيمِ الرَّحمنِ، لا يَشغَلُهُم مَتاعٌ، وَلَا دِرهَمٌ، وَلَا دِينارٌ، بَل كانُوا عَلَى صِدقِ الاتِّباعِ لِنَبِيِّهِم مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَنا فِي ذٰلِكَ كُلِّهِ أُسوَةٌ وَعِبرَةٌ.
فَإِن يَنصُركُمُ اللهُ فَلَا أَحَدَ يَغلِبُكُم، وَلَا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلَى قَهرِكُم مَعَ نَصرِ اللهِ. وَإِنَّما يُدرِكُ نَصرَ اللهِ مَن تَبَرَّأَ مِن حَولِهِ وَقُوَّتِهِ، وَاعتَصَمَ بِرَبِّهِ وَقُدرَتِهِ، وَوَكَلَ أَمرَهُ إِلَيهِ، وَاسْتَيْقَنَ فِي قَلبِهِ أَنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ.
وَهٰذِهِ عَقِيدَةٌ عَظِيمَةٌ يَنبَغِي أَن تَرسَخَ فِي القُلُوبِ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، خالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالطّاعَةِ وَالمَعصِيَةِ، وَلا خالِقَ غَيرُهُ. فَالعِبادُ مَخلُوقُونَ، وَأَعمالُ العِبادِ مَخلُوقَةٌ لِرَبِّ العِبادِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَما تَعمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
وَمِن أَحسَنِ ما قِيلَ فِي مَعنى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، ما نُقِلَ عَنِ الإِمامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: لا خالِقَ إِلَّا اللهُ. فَمَعنى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ أَنَّهُ لا خالِقَ لِشَيءٍ مِنَ الأَعيانِ وَالأَفعالِ إِلَّا اللهُ تَعالى. فاللهُ خالِقُ العِبادِ، وَخالِقُ أَعمالِهِم، وَخالِقُ نِيّاتِهِم، وَقُصُودِهِم، وَالخَواطِرِ الَّتِي تَجرِي فِي قُلُوبِهِم. فَكُلُّ دَبِيبِ نَملَةٍ، وَكُلُّ طَنِينِ نَحلَةٍ، وَكُلُّ ارتِفاعٍ وَانخِفاضٍ، وَكُلُّ عِزٍّ وَذُلٍّ، وَغِنًى وَفَقرٍ، كُلُّ ذٰلِكَ بِخَلقِ اللهِ تَعالى.
وَهٰذِهِ المَعانِي يَنبَغِي أَلَّا تَغِيبَ عَنّا، لا سِيَّما فِي زَمَنٍ تَنهَشُ فِيهِ الذِّئابُ جَسَدَ الأُمَّةِ، وَتَتَداعى عَلَينا الأُمَمُ، وَتَتَكالَبُ عَلَينا القُوَى. فَنَحنُ فِي حاجَةٍ إِلَى استِحضارِ أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، وَأَنَّ اللهَ يَنصُرُ مَن يَشاءُ، وَيُظهِرُ نَصرَهُ فِي الوَقتِ الَّذِي يَشاءُ. فَإِن قالَ قائِلٌ: تَأَخَّرَ النَّصرُ، قِيلَ لَهُ: اللهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ، وَهُم يُسأَلُونَ.
وَمِنَ الكُنُوزِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَنبَغِي أَلَّا تَغِيبَ عَنِ المُسلِمِ قَولُهُ: لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. فَقَد جاءَ فِي مَعناها عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لا حَولَ عَن مَعصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصمَةِ اللهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طاعَةِ اللهِ إِلَّا بِعَونِ اللهِ». فَلا أَحَدَ يَسلَمُ مِنَ المَعصِيَةِ إِلَّا إِذا سَلَّمَهُ اللهُ، وَلا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى الطّاعَةِ إِلَّا إِذا أَعانَهُ اللهُ.
وَفِي قَولِنا: لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، إِثباتٌ لِأَنَّ لِلعَبدِ حَولًا وَقُوَّةً، وَلَكِنَّهُما لا يَكونانِ إِلَّا بِما أَعطاهُ اللهُ تَعالى. فَلِلعَبدِ مَشِيئَةٌ وَاختِيارٌ وَكَسبٌ، وَلَكِنَّهُ لا يَخرُجُ عَن مَشِيئَةِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إِلّا أَن يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. فَقَولُهُ: ﴿وَما تَشاءُونَ﴾ فِيهِ إِثباتُ مَشِيئَةٍ لِلعَبدِ، وَقَولُهُ: ﴿إِلّا أَن يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ بَيانُ أَنَّ مَشِيئَةَ العَبدِ لا تَكونُ إِلَّا تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ.
وَفِي هٰذا رَدٌّ عَلَى الجَبرِيَّةِ الَّذِينَ يَقولُونَ إِنَّ العَبدَ لا مَشِيئَةَ لَهُ وَلَا اختِيارَ، كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، وَرَدٌّ أَيضًا عَلَى مَن يَزعُمُونَ أَنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ تَستَقِلُّ عَن مَشِيئَةِ اللهِ. فَالحَقُّ أَنَّ العَبدَ لَهُ كَسبٌ وَاختِيارٌ، وَاللهُ خالِقُ العَبدِ وَخالِقُ فِعلِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالى كَلِمَةَ لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ كَنزًا مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ. وَقَد جاءَ فِي بَعضِ الرِّواياتِ أَنَّها دَواءٌ لِتِسعِينَ داءً، أَقلُّها الهَمُّ، وَفِي رِوايَةٍ: دَواءٌ لِتِسعَةٍ وَتِسعِينَ داءً، أَقلُّها الهَمُّ. فَمِن أَسرارِها أَنَّها تُصرَفُ بِها هُمُومُ القَلبِ، وَيَزدادُ العَبدُ بِها تَفويضًا وَتَسليمًا، لا سِيَّما إِذا أَكثَرَ مِنها وَاستَحضَرَ مَعناها.
وَيَنبَغِي التَّنبِيهُ إِلَى أَنَّ بَعضَ الأَلفاظِ الدّارِجَةِ عَلَى أَلسِنَةِ النّاسِ لا تَجوزُ، كَقَولِ بَعضِهِم: لا حَولَ اللهِ، فَهٰذا لَفظٌ فاسِدٌ؛ لأَنَّهُ يُوهِمُ نَفيَ الحَولِ عَنِ اللهِ، وَاللهُ تَعالى لَهُ القُدرَةُ الكامِلَةُ. وَإِن كانَ العامِّيُّ لا يُرِيدُ هٰذا المَعنى، فَالوَاجِبُ أَن يُتْرَكَ هٰذا اللَّفظُ، وَأَن يُقالَ كَما عَلَّمَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
وَمِثلُ ذٰلِكَ أَلفاظٌ أُخرى تَجري عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النّاسِ فِي الدُّعاءِ، فَيُحرِّفُونَ المَعنى مِن غَيرِ أَن يَشعُرُوا. فَالصَّوابُ أَن يُقالَ لِلمُسلِمِ: اللهُ يُسَلِّمُكَ، أَو اللهُ يُسعِدُكَ، لا أَن يُقالَ ما يُوهِمُ الدُّعاءَ لِلهِ تَعالى، كَبَعضِ العِباراتِ العامِّيَّةِ الفاسِدَةِ. فاللهُ تَعالى يُدعى، وَلَا يُدعى لَهُ، وَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَتَحَرَّى الأَلفاظَ الصَّحِيحَةَ فِي ذِكرِهِ وَدُعائِهِ.
﴿وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِن يَخذُلكُم﴾ أَي إِن يَترُك نَصرَكُم وَمَعونَتَكُم، وَنَعوذُ بِاللهِ مِنَ الخِذلانِ. وَالخِذلانُ ضِدُّ التَّوفيقِ، وَالتَّوفيقُ يُفسَّرُ بِمَعنيَينِ: أَحَدُهُما خَلقُ القُدرَةِ عَلَى الطّاعَةِ، وَالثّانِي فَتحُ بابِ الخَيرِ وَإِغلاقُ بابِ الشَّرِّ.
وَلِذٰلِكَ لا يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَدعُوَ عَلَى أَخِيهِ المُسلِمِ فَيَقولَ: اللهُ لا يُوَفِّقُكَ، وَلَو كانَ مَغضوبًا عَلَيهِ، وَلَو كانَ مِن أَبنائِهِ؛ لأَنَّ قَولَهُ: لا يُوَفِّقُكَ، يَدخُلُ فِيهِ الدُّعاءُ عَلَيهِ بِالوقوعِ فِي المَعاصِي وَالحِرمانِ مِنَ الطّاعَةِ. وَلا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أَن يَدعُوَ عَلَى أَخِيهِ بِأَن يَقَعَ فِي الرِّبا أَو الزِّنا أَو سائرِ الحَرامِ. بَل يَدعُو لَهُ بِالهِدايَةِ وَالصَّلاحِ، وَيَسأَلُ اللهَ لَهُ التَّوفيقَ.
فَإِن خَذَلَ اللهُ قَومًا، فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُهُم مِن بَعدِ خِذلانِهِ؟ وَإِن قالَ لَهُم أَحدٌ مِنَ الخَلقِ: أَنا أُمِدُّكُم، وَأَنا أَنصُرُكُم، مَعَ أَنَّهُ يَدعُوهُم إِلَى مُخالَفَةِ أَمرِ اللهِ، فَطاعَتُهُ مَسيرٌ إِلَى الخِذلانِ، وَإِن ظَهَرَ لَهم فِي أَوَّلِ الأَمرِ أَنَّ أُمُورَهُم مَاشِيَةٌ. فَمَتاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ، وَقَد يَظهَرُ ذُلُّ الظالِمِ وَالفاسِقِ فِي الدُّنيا بِفَضيحَةٍ أَو مَرَضٍ أَو هَوانٍ، ثُمَّ يَبقى ما يَنتَظِرُهُ فِي الآخِرَةِ إِن لَم يَتُب.
وَمَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ﴾ أَي مَن الَّذِي يَنصُرُكُم بَعدَ أَن يَمنَعَ اللهُ عَنكُم نَصرَهُ وَمَعونَتَهُ؟ فَفِي ذٰلِكَ تَنبيهٌ إِلَى أَنَّ الأَمرَ كُلَّهُ لِلهِ، وَأَنَّ العِبادَ لا يَملِكُونَ نَفعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا بِإِذنِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ.
﴿وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
لَمّا بَيَّنَ اللهُ تَعالى أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِهِ، وَأَنَّ مَن نَصَرَهُ اللهُ فَلَا غالِبَ لَهُ، وَمَن خَذَلَهُ فَلَا ناصِرَ لَهُ، أَرشَدَ المُؤمِنِينَ إِلَى طَرِيقِ النَّجاةِ فَقالَ: ﴿وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾. أَي لِيَكُنِ المُؤمِنُونَ عَلَى صِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَتَفوِيضِ الأَمرِ إِلَيهِ، وَالثِّقَةِ بِهِ، وَالاعتمادِ عَلَيهِ دُونَ سائِرِ خَلقِهِ.
فَإِذا أَرادَ المُؤمِنُ النَّصرَ وَالمَدَدَ وَالعَونَ، فَلْيَلجَأ إِلَى اللهِ، وَلْيَستَقِم عَلَى طاعَتِهِ وَطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ. وَقَد يَقولُ قائِلٌ: نَحنُ نَدعُو اللهَ وَنَسأَلُهُ وَنُوقِنُ بِالإِجابَةِ، فَمَتى يَكونُ النَّصرُ؟ فَيُقالُ: عِلمُ ذٰلِكَ عِندَ اللهِ، وَقَد تُجابُ دَعوةُ العَبدِ وَلكِن لا عَلَى وَجهِ العَجَلَةِ الَّتِي يَطلُبُها، فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَعنى ذٰلِكَ إِنَّ العَبدَ يُستَجابُ لَهُ ما لَم يَعجَل، يَقولُ: دَعَوتُ فَلَم يُستَجَب لِي.
فَطَرِيقُ النَّصرِ هُوَ الثَّباتُ عَلَى الحَقِّ، وَالثِّقَةُ بِاللهِ، وَعَدَمُ الالتِفاتِ إِلَى تَخذِيلِ المُخَذِّلِينَ. وَكَم يَحصُلُ فِي حَياةِ النّاسِ أَن يَتُوبَ إِنسانٌ، فَيَبدَأَ بِالصَّلاةِ، أَو يَترُكَ رُفقاءَ السُّوءِ، أَو يُقبِلَ عَلَى تَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ، فَيُجَيِّشُ الشَّيطانُ عَلَيهِ جُيُوشَ الإِنسِ وَالجِنِّ لِيُبعِدُوهُ عَنِ الطّاعَةِ، وَيُخَوِّفُوهُ مِن نُفُورِ النّاسِ عَنهُ أَو بُعدِهِم مِنهُ. فَلْيَثبُت وَلْيَتَوَكَّل عَلَى اللهِ.
وَقَد جَهَرَ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ ﷺ بِالدَّعوَةِ إِذ أَمَرَهُ اللهُ تَعالى بِقَولِهِ: ﴿فَاصدَع بِما تُؤمَرُ وَأَعرِض عَنِ المُشرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، فَوَقَفَ عَلَى الصَّفا يَدعُو قَومَهُ إِلَى لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، فَقابَلَهُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ بِالإِيذاءِ وَالرَّدِّ القَبِيحِ، وَمَعَ ذٰلِكَ مَضَى ﷺ ثابِتًا عَلَى أَمرِ اللهِ، لا يَلتَفِتُ إِلَى تَخذِيلِ المُخَذِّلِينَ. ثُمَّ كانَ مِن قُرَيشٍ مَن عادَاهُ أَشدَّ العَداوَةِ، ثُمَّ هَداهُمُ اللهُ بَعدَ ذٰلِكَ، وَصارُوا مِن أَصحابِهِ.
وَقَد قالَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رَحِمَهُ اللهُ: إِذا أَرَدتَ أَن تَسلُكَ طَرِيقَ الحَقِّ فَلا يَغرَّنَّكَ قِلَّةُ السّالِكِينَ، وَلا يَغرَّنَّكَ كَثرَةُ الهالِكِينَ. فَقَد يَكونُ المَسجِدُ فِي بَعضِ الأَوقاتِ لا يَحضُرُهُ إِلَّا صَفٌّ أَو أَقلُّ، وَتَكونُ مَواضِعُ اللَّهوِ مَملُوءَةً، فَلا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَغتَرَّ بِكَثرَةِ أَهلِ الغَفلَةِ.
وَالتَّوكُّلُ الحَقِيقِيُّ هُوَ ثِقَةُ القَلبِ بِاللهِ، لا مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ تُقالُ عَلَى اللِّسانِ. فَقَد يَقولُ الإِنسانُ لِغَيرِهِ: تَوَكَّل عَلَى اللهِ، وَهٰذِهِ كَلِمَةٌ حَسَنَةٌ، وَلٰكِن لا بُدَّ مِن استِحضارِ مَعناها، وَهُوَ أَن يَعتَمِدَ القَلبُ عَلَى اللهِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَأَلَّا يَكِلَ العَبدُ أَمرَهُ إِلَى مَخلُوقٍ يَمُوتُ وَيَضعُفُ وَيَتَغَيَّرُ.
﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغلُل يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]
﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ قُرِئَ أَيضًا بِصِيغَةٍ أُخرى، وَلِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَينِ وَجهٌ فِي المَعنى. وَالغُلُولُ فِي الاستِعمالِ المَشهُورِ هُوَ الأَخذُ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبلَ قِسمَتِها القِسمَةَ الشَّرعِيَّةَ، يُقالُ: غَلَّ شَيئًا مِنَ المَغنَمِ غُلُولًا، إِذا أَخَذَهُ خِفيَةً. وَقَد يُستَعمَلُ اللَّفظُ أَوسَعَ مِن ذٰلِكَ فِي مَعنى الخِيانَةِ فِي المالِ.
وَمَعنى الآيَةِ أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى نَبِيٍّ مِن أَنبِياءِ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَن يَغُلَّ أَو يَخُونَ، فَالأَنبِياءُ مَعصُومُونَ، وَالكَلامُ فِي حَقِّهِم لَيسَ كَالكَلامِ فِي حَقِّ غَيرِهِم. فَإِذا قالَ اللهُ تَعالى فِي نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فَكَيفَ بِمَقامِ الأَنبِياءِ أَنفُسِهِم عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؟
فَالأَنبِياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الكُفرِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَها، وَمِنَ الكَبائِرِ، وَمِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ أَو دَناءَةٌ، وَمِن كُلِّ ما يُنفِّرُ النّاسَ عَن قَبولِ دَعوَتِهِم. فَلا يَقَعُ نَبِيٌّ فِي كُفرٍ، وَلَا كَذِبٍ، وَلَا خِيانَةٍ، وَلَا فاحِشَةٍ، وَلَا سَفاهَةٍ، وَلا رَذالَةٍ.
وَسَيِّدُنا إِبراهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ لَم يَعبُدِ الشَّمسَ وَلَا القَمَرَ وَلَا الكَوكَبَ، وَإِنَّما كانَ قَولُهُ لِقَومِهِ عَلَى وَجهِ الاستِفهامِ الإِنكارِيِّ، أَي يا قَومِ، هٰذا لا يَصلُحُ أَن يَكونَ رَبًّا. فَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ تَتَحَرَّكُ وَتَأفُلُ وَتَتَغَيَّرُ، وَرَبُّ العالَمِينَ لا يَحتاجُ إِلَى مَكانٍ، وَلَا يَطرَأُ عَلَيهِ تَغَيُّرٌ؛ فَهُوَ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ.
وَكَذٰلِكَ سَيِّدُنا يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلامُ لَم يَحصُل مِنهُ هَمٌّ بِالفاحِشَةِ، فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] مَعناهُ أَنَّ الهَمَّ امتَنَعَ لِرُؤيَةِ البُرهانِ، فَلَم يَقَع مِنهُ هَمٌّ بِالفاحِشَةِ. فَالأَنبِياءُ مَحفُوظُونَ مِن هٰذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَقاماتِهِم.
وَمِن جُملَةِ ما حَفِظَ اللهُ مِنهُ الأَنبِياءَ الغُلُولُ وَالخِيانَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾. وَقَد رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أَنَّهُ فُقِدَت يَومَ بَدرٍ قَطِيفَةٌ حَمراءُ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشرِكِينَ، فَقالَ بَعضُ المُنافِقِينَ: لَعَلَّ مُحَمَّدًا أَخَذَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَنزِيهًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيانًا لاستِحالَةِ الغُلُولِ فِي حَقِّ الأَنبِياءِ.
وَعَلَى القِراءَةِ الأُخرى فِي الآيَةِ، ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ أَنَّ المَعنى يَرجِعُ إِلَى أَنَّهُ لا يَنبَغِي أَن يُخانَ نَبِيٌّ فِي الغَنائِمِ، فَيَكونُ فِي الآيَةِ تَحذِيرٌ لِلأُمَّةِ مِنَ الغُلُولِ وَالخِيانَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ ما جاءَ بَعدَهُ مِنَ الوَعيدِ.
﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامَةِ﴾ وَعيدٌ شَديدٌ لِمَن غَلَّ مِنَ الغَنيمَةِ أَو خانَ فِي المالِ، فَإِنَّهُ يَأتي يَومَ القِيامَةِ حامِلًا ما غَلَّهُ، فَتَكونُ فَضيحَتُهُ وَعُقُوبَتُهُ عَلَى قَدرِ جُرمِهِ.
وَقَد جاءَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ خَطِيبًا، فَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ حَذَّرَ مِنَ الغُلُولِ، وَذَكَرَ أَنَّ الرَّجُلَ قَد يَأتي يَومَ القِيامَةِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، أَو فَرَسٌ لَهُ حَمحَمَةٌ، أَو بَقَرَةٌ لَها خُوارٌ، أَو رِقاعٌ تَخفِقُ، ثُمَّ يَقولُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَغِثنِي، فَيَقولُ لَهُ ﷺ: «لا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ». فَمَن أَخَذَ شَيئًا بِغَيرِ حَقٍّ، جِيءَ بِهِ عَلَيهِ يَومَ القِيامَةِ، يَحمِلُ وِزرَهُ وَفَضيحَتَهُ.
وَمِن هٰذا البابِ ما جاءَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي استَعمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمّا جاءَ قالَ: هٰذا لَكُم، وَهٰذا هَدِيَّةٌ أُهدِيَت لِي. فَأَنكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذٰلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَو جَلَسَ فِي بَيتِ أَبِيهِ أَو بَيتِ أُمِّهِ، أَتَأتِيهِ هَدِيَّتُهُ؟ ثُمَّ حَذَّرَ مِن أَن يَأخُذَ أَحَدٌ مِن ذٰلِكَ شَيئًا إِلَّا جاءَ بِهِ يَومَ القِيامَةِ يَحمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ.
فَفِي هٰذَا تَحذِيرٌ مِن كُلِّ مَن يَستَغِلُّ وِلايَةً أَو عَمَلًا أَو مَنصِبًا لِيَأخُذَ مالًا لا يَستَحِقُّهُ، أَو لِيَطلُبَ مِنَ النّاسِ ما لا يَحِلُّ لَهُ. فَقَد يَأتيهِ إِنسانٌ يَطلُبُ حَقًّا أَو دَفعَ ظُلمٍ، فَيُصَرِّحُ لَهُ أَو يُلَمِّحُ أَنَّهُ لا يَقضي حاجَتَهُ إِلَّا بِمالٍ، فَهٰذا مِنَ الخِيانَةِ وَأَكلِ المالِ بِالباطِلِ. وَلَو جَلَسَ فِي بَيتِ أَبِيهِ أَو أُمِّهِ، ما أَتاهُ هٰذا المالُ، وَإِنَّما أُتِيَ لِمَوضِعِهِ وَعَمَلِهِ.
فَلْيَتَّقِ اللهَ مَن كانَ فِي يَدِهِ أَمرٌ مِن أُمُورِ النّاسِ، وَلْيَحذَرِ الغُلُولَ وَالخِيانَةَ وَأَكلَ المالِ بِالباطِلِ. فَالَّذِي يَأخُذُهُ الإِنسانُ اليَومَ مِن حَرامٍ، قَد يَحمِلُهُ غَدًا يَومَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ، فَيَكونُ عَلَيهِ وَبالًا وَفَضيحَةً.
﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت﴾ أَي تُعطى كُلُّ نَفسٍ جَزاءَ ما عَمِلَت، مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، وَلا يُنقَصُ أَحَدٌ مِن حَقِّهِ شَيئًا. فَلَم يَقتَصِرِ الخِطابُ عَلَى مَن غَلَّ فَقَط، بَل قالَ: ﴿ما كَسَبَت﴾، لِيَدخُلَ فِي ذٰلِكَ كُلُّ ما كَسَبَتهُ النُّفُوسُ مِن طاعَةٍ أَو مَعصِيَةٍ، وَمِن أَمانَةٍ أَو خِيانَةٍ، وَمِن حَلالٍ أَو حَرامٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ أَي لا يُنقَصُونَ مِن حَسَناتِهِم، وَلَا يُزادُ فِي سَيِّئاتِهِم، فَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا؛ لِأَنَّ الظُّلمَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى. فَمَن عَمِلَ خَيرًا وَجَدَ ثَوابَهُ، وَمَن عَمِلَ شَرًّا وَجَدَ جَزاءَهُ، إِلَّا أَن يَعفُوَ اللهُ عَمَّن شاءَ مِن أَهلِ الإِيمانِ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ.
فَتَختِمُ الآيَةُ مَعنَى عَظيمًا: النَّصرُ مِن عِندِ اللهِ، وَالتَّوكُّلُ عَلَى اللهِ، وَالأَمانَةُ فِي دِينِ اللهِ، وَالحَذَرُ مِنَ الغُلُولِ وَالخِيانَةِ؛ فَمَن عَلِمَ أَنَّهُ سَيُوفَّى ما كَسَبَ، وَأَنَّهُ لا يُظلَمُ، حَفِظَ نَفسَهُ، وَتَحَرّى الحَلالَ، وَتَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ، وَابتَعَدَ عَن كُلِّ خِيانَةٍ وَحَرامٍ.