بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 172-174]
قَولُهُ تَعالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: 172]، هَذا يُمكِنُ أَنْ يُجعَلَ مُبتَدَأً، وَخَبَرُهُ قَولُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]، وَيُمكِنُ أَنْ يُقالَ: هُوَ صِفَةٌ لِلمُؤمِنِينَ الَّذِينَ استَجابُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ. وَالمُرادُ بِالاستِجابَةِ: المُبادَرَةُ إِلَى طاعَةِ اللهِ وَطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَالانقِيادُ لِأَمرِهِما، وَلَوْ بَعدَ شِدَّةٍ، وَلَوْ بَعدَ جِراحٍ، وَلَوْ بَعدَ تَعَبٍ وَإِعياءٍ.
وَقَولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: 172]، القَرحُ مَعناهُ: الجُرحُ وَالجِراحاتُ. وَمَتى كانَ ذَلِكَ؟ كانَ ذَلِكَ فِي غَزوَةِ أُحُدٍ، حِينَ أُصِيبَ المُسلِمُونَ إِصابَةً كَبِيرَةً، وَقُتِلَ نَحوُ سَبعِينَ مِنَ الصَّحابَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَهَذِهِ الآياتُ تَذكُرُ ما حَصَلَ بَعدَ ذَلِكَ.
فَقَدْ كانَ أَبُو سُفيانَ وَأَصحابُهُ لَمَّا انصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ، وَبَلَغُوا الرَّوْحاءَ، وَهِيَ عَلَى مَسافَةِ ثَمانِيَةِ أَميالٍ مِنَ المَدِينَةِ، نَدِمُوا عَلَى انصِرافِهِم. وَقَدْ بَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثابِتًا فِي أَرضِ القِتالِ، لَمْ يَترُكْ سَاحَةَ أُحُدٍ، مَعَ كُلِّ مَا أَصابَهُ وَأَصابَ أَصحابَهُ. وَهُنَا يَنبَغِي التَّنبِيهُ إِلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهَزِيمَةِ، كَمَا يَفعَلُ بَعضُهُمْ فِي بَعضِ الكُتُبِ أَوِ الدُّرُوسِ. فَالرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُهزَمْ قَطُّ، بَلْ أُصِيبَ، وَأُصِيبَ المُسلِمُونَ، وَلَكِنَّهُ ﷺ بَقِيَ ثابِتًا فِي سَاحَةِ القِتالِ، وَالَّذِي انْسَحَبَ هُوَ أَبُو سُفيانَ وَجَيشُ المُشرِكِينَ، بَعدَ أَنْ قَذَفَ اللهُ الرُّعبَ فِي قُلُوبِهِم.
فَلَمَّا وَصَلَ أَبُو سُفيانَ إِلَى الرَّوْحاءِ، نَدِمَ عَلَى هَذا الانسِحابِ، وَقالَ بَعضُ أَصحابِهِ: ما الَّذِي فَعَلتُم؟ لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُم، وَلَا أَصحابَهُ أَفنَيْتُم، فَلبِئسَ ما صَنَعتُم، فَارجِعُوا إِلَيهِم. فَهَمُّوا بِالرُّجوعِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَدْ رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ؛ لِأَنَّ أُحُدًا قَرِيبَةٌ مِنَ المَدِينَةِ. فَأَرادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرْهِبَهُمْ، وَأَنْ يُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ أَصحابِهِ القُوَّةَ؛ لِأَنَّ إِرهابَ العَدُوِّ مَطلوبٌ، كَما قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. وَهَذا لَا يَختَصُّ بِجِهادِ السِّنانِ، بَلْ يَدخُلُ فِيهِ جِهادُ البَيانِ أَيْضًا؛ فَنُرِي أَعداءَ أَهلِ السُّنَّةِ، وَفِرَقَ البِدعَةِ، وَكُلَّ مَنْ يُحارِبُ الدِّينَ، قُوَّتَنا بِالحُجَّةِ، وَبِالدَّليلِ، وَبِالبُرهانِ، وَبِالثَّباتِ، وَبِعَدَمِ الخَوفِ وَعَدَمِ التَّراجُعِ عَنْ نُصرَةِ دِينِ اللهِ.
وَمِنْ هُنَا يُعلَمُ أَنَّ الأَمرَ بِالمَعروفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ لَا يُقَدِّمُ أَجَلًا، وَلَا يُؤَخِّرُ رِزقًا. فَالرِّزقُ الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ لَكَ لَا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَحرِمَكَ إِيَّاهُ؛ لَا إِنسِيٌّ، وَلَا جِنِّيٌّ، وَلَا إِبلِيسُ، وَلَا أَعْوانُهُ، وَلَا شَياطِينُ الإِنسِ وَالجِنِّ. فَلَا تَظُنَّ أَنَّكَ إِذا قُلتَ كَلِمَةَ الحَقِّ نَقَصَ رِزقُكَ، أَوْ إِذا دافَعتَ عَنِ الدِّينِ تَأَخَّرَتْ مَصالِحُكَ. بَلْ هَذِهِ دُرُوسٌ نَتَعَلَّمُها مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ: الثَّباتُ عَلَى الحَقِّ، وَالمُبَادَرَةُ إِلَى الطّاعَةِ، وَإِظهارُ القُوَّةِ لِلعَدُوِّ.
فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ خَبَرُ هَمِّهِم بِالرُّجوعِ، نَدَبَ أَصحابَهُ إِلَى الخُروجِ فِي طَلَبِ أَبِي سُفيانَ. وَهَذا عَجِيبٌ: جَيشٌ رَجَعَ مِنْ مَعرَكَةٍ وَفِيهِ الجِراحاتُ، وَالقائِدُ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَقولُ لَهُمْ: نَخرُجُ نُلاحِقُ العَدُوَّ، وَلَا نَكتَفِي بِالرُّجوعِ إِلَى المَدِينَةِ، بَلْ نَخرُجُ إِلَى الرَّوْحاءِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومَ الأَحَدِ، وَالمَعرَكَةُ كانَتْ يَومَ السَّبتِ فِي مُنتَصَفِ شَوّالٍ، أَيْ فِي اليَومِ التّالِي مُباشَرَةً، وَخَرَجَ مَعَهُ نَحوُ سَبعِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: أَكثَرُ مِنْ ذَلِكَ، مِمَّنْ كَانَ بِهِمُ القَرحُ وَالجِراحاتُ. وَبِبَرَكَةِ هَذِهِ الاستِجابَةِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، جَعَلَ اللهُ تَعالَى الرُّعبَ فِي قُلُوبِ المُشرِكِينَ.
وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]، قَدْ قالَ أَهلُ التَّفسيرِ: ﴿مِنْهُمْ﴾ هُنَا بَيانِيَّةٌ، لَا تَبعِيضِيَّةٌ، كَما فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29]، فَلَيسَ المَعنى أَنَّ بَعضَهُمْ دُونَ بَعضٍ فِي أَصلِ هَذِهِ الاستِجابَةِ، بَلِ الَّذِينَ استَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قَدْ أَحسَنُوا كُلُّهُمْ وَاتَّقَوْا كُلُّهُمْ، فَلَهُمْ أَجرٌ عَظِيمٌ. وَالإِحسانُ هُنَا: فِيمَا أَتَوا بِهِ مِنْ طاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالمُبادَرَةِ إِلَى أَمرِهِ. وَالتَّقوَى: أَنْ يَجتَنِبُوا الوُقوعَ فِي المَنهِيّاتِ، وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى خَوفٍ مِنَ اللهِ وَمُراقَبَةٍ لَهُ.
وَقَدْ قالَ الإِمامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي مِثلِ هَذا: يَعْنِي جَلَّ ثَناؤُهُ أَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ المُؤمِنِينَ. وَهَذا مِنْ أَعظَمِ ما يُطَمْئِنُ قَلْبَ المُؤمِنِ؛ أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ يَعمَلُها لِلَّهِ فَهِيَ مَحفوظَةٌ، وَلَا تَضِيعُ عِندَ اللهِ أَبَدًا، بَلْ أَقَلُّ ما تُضاعَفُ بِهِ إِلَى عَشْرِ أَمثالِها، وَوَعْدُ اللهِ لَا يُخلَفُ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَكونَ شَيءٌ واجِبًا عَلَى اللهِ، بَلْ هُوَ فَضلٌ مِنْهُ وَكَرَمٌ.
وَهَذِهِ الغَزوَةُ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي إِثْرِ أَبِي سُفيانَ تُسَمَّى غَزوَةَ حَمْراءَ الأَسَدِ. وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا قِتالٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفيانَ وَمَنْ مَعَهُ رَجَعُوا هارِبِينَ، وَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى مُواجَهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَهُنَا يَجْمُلُ أَنْ نَذْكُرَ مَوقِفًا عَظِيمًا يَدُلُّ عَلَى بَرَكَةِ أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَى صَبرِهِم وَثَباتِهِم، وَعَلَى بَرَكَةِ مَنْ استَجابَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.
فَقَدْ رَوَى جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ حَرامٍ الأَنْصارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ لَمْ يَخرُجْ يَومَ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ أَباهُ خَلَّفَهُ عَلَى بَناتِهِ، وَكُنَّ سَبعًا، فَقالَ لَهُ أَبوهُ: يا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا يَنبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَترُكَ هَؤُلاءِ النِّسوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَستُ بِالَّذِي أُؤثِرُكَ بِالجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى نَفسِي، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَواتِكَ. فَتَخَلَّفَ جابِرٌ. فَلَمَّا كانَ بَعدَ أُحُدٍ، وَنادَى النَّبِيُّ ﷺ بِالخُروجِ فِي طَلَبِ العَدُوِّ، كانَ الأَمرُ أَنَّهُ لَا يَخرُجُ مَعَهُ إِلَّا مَنْ شَهِدَ أُحُدًا. فَجاءَ جابِرٌ يَستَأذِنُ، وَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ أَبِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالخُروجِ مَعَهُ إِلَى حَمْراءِ الأَسَدِ. فَخَرَجَ.
وَمِنْ أَعظَمِ ما يُذكَرُ هُنَا أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبدِ الأَشْهَلِ، أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا هُوَ وَأَخٌ لَهُ، فَرَجَعا جَرِيحَيْنِ. فَلَمَّا نادى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالخُروجِ فِي طَلَبِ العَدُوِّ، قالَ أَحَدُهُما لِلآخَرِ: أَتُفَوِّتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ وَاللهِ ما لَنا مِنْ دابَّةٍ نَركَبُها، وَما مِنَّا إِلَّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. قالَ: فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنتُ أَيْسَرَ جُرحًا مِنهُ، فَكُنتُ إِذا غَلَبَ حَمَلْتُهُ عُقبَةً، وَمَشى عُقبَةً. تَصَوَّرْ: جَرِيحٌ يَحمِلُ أَخاهُ الجَرِيحَ، وَيَمشيانِ هَذِهِ المَسافَةَ، حَتَّى بَلَغا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَمْراءَ الأَسَدِ. فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: 172].
وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمْراءَ الأَسَدِ، مَكَثَ هُنَاكَ يَومَ الِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثاءِ، وَالأَرْبِعاءِ، ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. وَفِي هَذَا رِسالَةٌ قَوِيَّةٌ لِلعَدُوِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ فَوْرًا لَرُبَّما قالَ أَبُو سُفيانَ: قَدْ تَراجَعُوا، فَنَرجِعُ إِلَيهِم. أَمَّا مَكثُهُ ﷺ هُنَاكَ مَعَ جَيشٍ مُصابٍ فِي أَكثَرِهِ، فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلَى القُوَّةِ وَالثَّباتِ، وَأَنَّ هَذا الجَيشَ لَمْ يَضْعُفْ، بَلْ هُوَ قَوِيٌّ ثابِتٌ. وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنادِي فِي أَصحابِهِ: «أَلَا عِصابَةٌ تَشُدُّ لِأَمْرِ اللَّهِ، تَطْلُبُ عَدُوَّهَا، فَإِنَّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوِّ، وَأَبْعَدُ لِلسَّمْعِ». فَكانَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الخُروجِ وَعَلَى إِظهارِ القُوَّةِ.
وَقَدْ قالَتْ عائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها لِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: يا ابنَ أُختي، أَمَا وَاللهِ إِنَّ جَدَّكَ وَأَباكَ مِمَّنْ قالَ اللهُ تَعالَى فِيهِم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: 172]. تَعْنِي بِجَدِّهِ: أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَبِأَبِيهِ: الزُّبَيرَ بنَ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ استَجابُوا، وَثَبَتُوا، وَخَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ مَا بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ وَالإِصابَاتِ.
وَمِنْ هُنَا نَتَعَلَّمُ دَرسًا عَظِيمًا: أَنَّ المُسلِمَ لَا يَترُكُ الطّاعَةَ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ مَا دامَ قادِرًا عَلَى وَجهٍ مِنْ وُجُوهِها. فَإِذا عَجَزَ عَنِ الصَّلاةِ قائِمًا صَلَّى قاعِدًا، وَإِذا عَجَزَ قاعِدًا صَلَّى مُضْطَجِعًا، وَإِذا عَجَزَ مُضطَجِعًا صَلَّى مُستَلقِيًا. وَزادَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَإِنْ عَجَزَ حَتَّى عَنْ ذَلِكَ، أَجرَى أَركانَ الصَّلاةِ عَلَى قَلبِهِ، وَلَمْ يَترُكْها. فَإِذا ضاقَتْ عَلَى الإِنسانِ الحالُ فِي مالِهِ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِما تَيَسَّرَ، وَلَا يَنقَطِعْ عَنِ الصَّدَقَةِ. وَإِذا جاءَ اللَّيلُ، وَكانَ البَردُ، وَكانَ مُعتادًا قِيامَ اللَّيلِ، فَلَا يَترُكْهُ. وَإِذا كانَ مُعتادًا صَلاةَ الفَجرِ فِي المَسجِدِ، فَلَا يَنقَطِعْ عَنْها. فَهُنَا تَظهَرُ قُوَّةُ المُؤمِنِ فِي الطّاعَةِ.
وَنَحنُ فِي هَذَا الزَّمانِ، وَالأَعداءُ يَكادُونَ يَخنُقُونَ المُسلِمِينَ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ، خُصوصًا فِي فِلَسطينَ وَغَزَّةَ، مَعَ الحِصارِ، وَالقَتلِ، وَالظُّلمِ، وَالبَطشِ، وَالمَآسِي الَّتِي لَمْ نَرَ مِثلَها فِي حَياتِنا، وَمَعَ تَكالُبِ الأَعداءِ، كَأَنَّ الأُمَّةَ قَصعَةُ طَعامٍ يَتَجاذَبُها اللِّئامُ، كُلٌّ يُريدُ أَنْ يَأخُذَ نَصِيبَهُ، فَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ نَبْقَى ثابِتِينَ عَلَى الطّاعَةِ، وَعَلَى نُصرَةِ دِينِ اللهِ. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. نَسأَلُ اللهَ أَنْ يُعَجِّلَ لَنا وَلِلمُسلِمِينَ بِالنَّصرِ وَالفَرَجِ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]. وَهَذِهِ الآيَةُ، فِيما رَجَّحَهُ بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ، تُشيرُ إِلَى قِصَّةٍ أُخرَى، وَهِيَ ما حَصَلَ فِي بَدْرِ المَوْعِدِ، أَوْ بَدْرِ الصُّغْرَى. وَقِصَّتُها: أَنَّ أَبَا سُفيانَ لَمَّا كانَ بَعدَ أُحُدٍ، قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوعِدُنا بَدرٌ فِي العَامِ القابِلِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَلَمَّا جاءَ الوَقتُ فِي السَّنَةِ القابِلَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المَوْعِدِ، وَأَمَّا أَبُو سُفيانَ فَقَدْ خَرَجَ، ثُمَّ وَقَعَ الرُّعبُ فِي قَلبِهِ، فَأَرادَ الرُّجوعَ. فَلَقِيَ نُعَيْمَ بنَ مَسعُودٍ الأَشجَعِيَّ، وَكانَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ، فَقالَ لَهُ أَبُو سُفيانَ: يا نُعَيْمُ، إِنِّي وَعَدتُ مُحَمَّدًا أَنْ نَلْتَقِيَ فِي بَدرٍ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَرجِعَ، فَالْحَقْ بِالمَدِينَةِ فَثَبِّطْهُمْ عَنِ الخُرُوجِ، وَأَنَا أُعْطِيكَ عَشرًا مِنَ الإِبِلِ. فَجاءَ نُعَيْمٌ إِلَى المُسلِمِينَ، وَوَجَدَهُمْ قَدْ تَجَهَّزُوا، فَقالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا سُفيانَ قَدْ خَرَجَ بِجَيشٍ كَبِيرٍ، فَلَا تَخرُجُوا. فَهَذا هُوَ مَعْنَى قَولِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173]. فَمَنْ هُوَ «النَّاسُ» هُنَا؟ قالَ بَعضُهُم: هُوَ نُعَيْمٌ. وَإِنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِـ«النَّاسِ»؛ لِأَنَّهُ واحِدٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذا مَعروفٌ فِي اللُّغَةِ.
وَمَعْنَى ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173]، أَيْ: قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جَيشًا وَسِلاحًا وَعُدَّةً، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]، أَيْ: خافُوهُمْ، وَلا تَخرُجُوا إِلَيهِم. فَماذا كانَ أَثَرُ هَذَا التَّخْوِيفِ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ؟ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173]. وَفِي هَذَا دَليلٌ ظاهِرٌ عَلَى أَنَّ الإِيمانَ يَزيدُ وَيَنقُصُ، فَيَزيدُ بِالطّاعاتِ، وَيَنقُصُ بِالمَعاصِي. فَأَصلُ التَّصديقِ حاصِلٌ، وَلَكِنَّ كَمالَ الإِيمانِ يَزيدُ وَيَقوَى. وَلِذَلِكَ قالَ ابنُ رَسلانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكُنْ مِنَ الإِيمَانِ فِي مَزِيدِ
وَفِي صَفاءِ القَلْبِ ذاتَ تَجْدِيدِ
بِكَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالطَّاعَاتِ
وَتَرْكِ ما لِلنَّفْسِ مِنْ شَهَواتِ
فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، لَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ خَوْفًا وَجُبْنًا، بَلْ زادَهُمْ إِيمانًا، وَثِقَةً بِاللهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وَقالُوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. وَمَعْنى ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 173] أَيْ: اللهُ كافِينَا، وَهُوَ الَّذِي يَكْفِينَا كُلَّ مَا أَهَمَّنا. وَ﴿نِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] أَيْ: نِعْمَ المُفَوَّضُ إِلَيْهِ الأَمرُ، وَنِعْمَ المَوْلَى، وَنِعْمَ النَّاصِرُ. وَقَدْ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: قالَها إِبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174]. أَيْ: رَجَعُوا بِسَلامَةٍ، وَنِعمَةٍ، وَفَضلٍ مِنَ اللهِ، لَمْ يَصِبْهُمْ شَرٌّ وَلَا أَذًى، وَلَا لَحِقَهُمْ سُوءٌ. فَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحابُهُ إِلَى بَدرٍ عَلَى المَوْعِدِ، وَأَمَّا أَبُو سُفيانَ فَجَبُنَ وَرَجَعَ، وَأَرْسَلَ مَنْ يُثَبِّطُ المُسلِمِينَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا إِيمانًا وَثَباتًا. فَكانَتِ النَّتيجَةُ أَنَّهُمْ رَجَعُوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضلٍ، مَعَ مَا نالُوهُ مِنَ السَّلامَةِ، وَمِنْ إِرهابِ العَدُوِّ، وَمِنْ رِفْعَةِ المَعنَوِيَّاتِ، وَمِنْ ظُهورِ صِدقِهِم وَثَباتِهِم.
وَقَولُهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 174]، أَيْ: طَلَبُوا مَرْضاتَهُ، وَسَعَوْا فِيما يُرضِيهِ، فَخَرَجُوا طاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُمْ لِدُنْيا، وَلَا لِرِياءٍ، وَلَا لِسُمْعَةٍ، بَلْ كانَ خُرُوجًا فِي طاعَةِ اللهِ، وَفِي نُصرَةِ دِينِهِ. ثُمَّ خَتَمَ سُبحانَهُ الآيَةَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 174]، أَيْ: أَنَّ اللهَ صاحِبُ الفَضلِ العَظِيمِ عَلَى عِبادِهِ، فَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُمْ لِلثَّباتِ، وَهُوَ الَّذِي حَفِظَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ عَنْهُمُ السُّوءَ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ عاقِبَتَهُمْ فَضلًا وَنِعمَةً وَرِضوانًا.
فَهاتِهِ الآياتُ تُعَلِّمُ المُؤمِنَ أُمورًا عَظِيمَةً: تُعَلِّمُهُ سُرعَةَ الاستِجابَةِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﷺ، وَالثَّباتَ بَعدَ الجِراحِ وَالمِحَنِ، وَعَدَمَ الوَهَنِ بَعدَ الشِّدَّةِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ، وَأَنَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُرادُ بِهِ إِضْعافُ المُؤمِنِ يَنبَغِي أَنْ يَكونَ سَبَبًا فِي زِيادَةِ إِيمانِهِ، لَا فِي انكِسارِهِ، وَتُعَلِّمُهُ أَنَّ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ، وَاتَّبَعَ رِضوانَهُ، رَجَعَ بِنِعمَةٍ وَفَضلٍ، وَلَمْ يَمْسَسْهُ سُوءٌ، وَأَنَّ اللهَ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ.