بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ ۘ سَنَكتُبُ مَا قَالُوا وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨١-١٨٢]
﴿لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]
ذُكِرَ هُنَا أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ، وَآيَاتٍ بَعدَهَا، نَزَلَت فِي بَعضِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَمِمَّا جَاءَ فِي ذٰلِكَ مَا وُرِدَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَيتًا لِبَعضِ اليَهُودِ، وَقَدِ اجتَمَعَ نَاسٌ كَثِيرٌ إِلَى رَجُلٍ فِيهِم يُقَالُ لَهُ فِنحَاصُ، وَكَانَ هٰذَا مِن عُلَمَائِهِم وَأَحبَارِهِم، وَمَعَهُ حَبرٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ أَشيَعُ. فَقَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ وَأَنتُم تَعرِفُونَ جُرأَةَ أَبِي بَكرٍ فِي قَولِ الحَقِّ، مَعَ أَنَّ بُنيَتَهُ مَا كَانَت كَبُنيَةِ غَيرِهِ، فَلَم يَكُن، مَثَلًا، كَسَيِّدِنَا عُمَرَ مِن حَيثُ القُوَّةُ الجِسمِيَّةُ، وَلٰكِنَّهُ، مَعَ ذٰلِكَ، كَانَ مِن أَجرَإِ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَولِ الحَقِّ ـ: وَيحَكَ يَا فِنحَاصُ، اتَّقِ اللهَ وَأَسلِم. عَرَضَ عَلَيهِ الإِسلَامَ، وَهُوَ فِي وَسَطِ اليَهُودِ، ثُمَّ قَالَ: فَوَاللهِ، إِنَّكَ لَتَعلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. يَعنِي: أَنتَ لِمَاذَا تُعرِضُ عَنِ الإِسلَامِ، وَأَنتَ تَعلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ رَسُولُ اللهِ، قَد جَاءَكُم بِالحَقِّ مِن عِندِ اللهِ، تَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَكُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ؟
فَقَالَ فِنحَاصُ: وَاللهِ يَا أَبَا بَكرٍ، مَا بِنَا إِلَى اللهِ مِن فَقرٍ. اُنظُرُوا إِلَى هٰذَا الجَوَابِ القَبِيحِ؛ يَعنِي، عَلَى زَعمِهِ، نَحنُ لَسنَا فُقَرَاءَ إِلَى اللهِ. بَل زَادَ عَلَى ذٰلِكَ، فَقَالَ: وَإِنَّهُ إِلَينَا لَفَقِيرٌ. قَالَ: وَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَينَا كَمَا نَتَضَرَّعُ إِلَيهِ، وَإِنَّا عَنهُ لَأَغنِيَاءُ، وَلَو كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا استَقرَضَ مِنَّا، كَمَا يَزعُمُ صَاحِبُكُم. كَيفَ؟ قَالَ: أَلَيسَ يَنهَى عَنِ الرِّبَا؟ وَلَو كَانَ غَنِيًّا مَا نَهَانَا عَنِ الرِّبَا. وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَيُقَالُ أَيضًا فِي هٰذَا: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ مَا جَاءَ فِي الأَمرِ بِبَذلِ الأَموَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ، قَالُوا: اللهُ فَقِيرٌ، وَنَحنُ الأَغنِيَاءُ. وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
فَغَضِبَ أَبُو بَكرٍ غَضَبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى ضَرَبَ فِنحَاصَ عَلَى وَجهِهِ، فَلَطَمَهُ لَطمَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَولَا العَهدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَكُم، لَضَرَبتُ عُنُقَكَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فَذَهَبَ فِنحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اُنظُر مَاذَا صَنَعَ صَاحِبُكَ، فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَدُوَّ اللهِ يَقُولُ قَولًا عَظِيمًا؛ زَعَمَ أَنَّ اللهَ فَقِيرٌ، وَأَنَّهُم عَنهُ أَغنِيَاءُ، فَلَمَّا قَالَ ذٰلِكَ غَضِبتُ لِلهِ مِمَّا قَالَ، فَضَرَبتُ وَجهَهُ.
فَمَاذَا كَانَ مِن فِنحَاصَ؟ عَلَى عَادَةِ اليَهُودِ: جَحَدَ. فَقَالَ: أَنَا مَا قُلتُ. أَنَا مَا قُلتُ. وَكَيفَ تَرَاهُم يَقتُلُونَ، وَيَعمَلُونَ الجَرَائِمَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: نَحنُ مَا فَعَلنَا، بَل نَحنُ الضَّحِيَّةُ! فَقَالَ: أَنَا مَا قُلتُ. فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذٰلِكَ هٰذِهِ الآيَةَ تَصدِيقًا لِأَبِي بَكرٍ، وَرَدًّا عَلَى فِنحَاصَ: ﴿لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وَفِي قَولِ أَبِي بَكرٍ، لَمَّا غَضِبَ غَضَبَتَهُ، نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَسمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَمِنَ الَّذِينَ أَشرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
سُبحَانَ اللهِ، تَنظُرُ فِي حَالِنَا اليَومَ، فَمَا أَشبَهَ فَنَاحِيصَ اليَومِ بِفِنحَاصِ الأَمسِ. عَلَى شَاكِلَةِ فِنحَاصَ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِم. سَوفَ تَسمَعُونَ مِنهُم أَذًى، وَتَسمَعُونَ مِنهُم أَذًى وَزِيَادَةً، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشرَكُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦]. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ بَعضَهُم أَحلَافُ بَعضٍ. يَتَكَالَبُونَ، مَهمَا كَانَ بَينَهُم مِن خِلَافٍ. فَلَا تَنخَدِع؛ إِذَا كَانَ الأَمرُ ضِدَّ المُسلِمِينَ اجتَمَعُوا جَمِيعًا. وَهٰذَا حَالُهُم. وَانظُرُوا: هٰذَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي نَزَلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قَبلَ مِئَاتِ السِّنِينَ. مَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّ هٰذَا حَالُنَا مَعَ هٰؤُلَاءِ؛ يَتَكَالَبُونَ، نَعَم، وَيَتَّفِقُونَ، وَفِي أَمرِ الحَربِ عَلَى المُسلِمِينَ، مَهمَا اختَلَفُوا، تَجِدُهُم يَتَّفِقُونَ.
أَلَيسَ نَقُولُ: أُولُو العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ هُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا الغَايَةَ فِي الصَّبرِ؟ يَعنِي: مَعنَى ذٰلِكَ أَنَّ هٰذَا مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ. فَهَيِّئ نَفسَكَ، أَيُّهَا المُسلِمُ، أَنَّكَ فِي حَيَاتِكَ سَوفَ تَتَلَقَّى أَذًى كَثِيرًا مِنَ المُشرِكِينَ. فَإِيَّاكَ أَن تَظُنَّ أَنَّهُ إِذَا ضَحِكَ لَكَ، أَو وَادَعَكَ اليَومَ، أَو سَالَمَكَ، أَنَّهُ سَيَبقَى هٰكَذَا. إِن فَعَلَ هٰذَا، فَلِمَاذَا يَفعَلُهُ؟ لَهُ مَأرَبٌ دُنيَوِيٌّ الآنَ، وَلَعَلَّهُ يَعتَبِرُ أَنَّ قُوَّتَهُ مَا اكتَمَلَت، وَلَعَلَّهُ يَعتَبِرُ أَنَّهُ إِن هَاجَمَكَ قَد يُصَابُ، فَيَنتَظِرُ، كَالأَفعَى، حَتَّى يَجِدَ الوَقتَ الَّذِي يَرَاهُ مُنَاسِبًا، فَيَنفُثَ سُمَّهُ. وَهٰكَذَا دَائِمًا أَعدَاءُ الإِسلَامِ. مَهمَا فَعَلتَ لَهُم، سُبحَانَ اللهِ، كُلَّمَا وَجَدتَ مَن يَقتَرِبُ مِنهُم، وَيَتَوَدَّدُ، وَيَتَذَلَّلُ إِلَيهِم، أَذَلُّوهُ أَكثَرَ؛ هٰكَذَا طَرِيقَتُهُم.
فَالقُرآنُ الكَرِيمُ هَيَّأَكَ: كُن عَلَى الصَّبرِ، كُن عَلَى القُوَّةِ وَالتَّحَمُّلِ، ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
ثُمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخرَى أَيضًا أَنَّ هٰذَا الفِنحَاصَ قَالَ: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ، لِمَاذَا يَستَقرِضُنَا وَهُوَ غَنِيٌّ؟ ثُمَّ قَالَ أَيضًا: إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَغلُولَةٌ. وَهٰذِهِ العِبَارَاتُ كُلُّهَا لِليَهُودِ.
وَلِلعِلمِ، أَيُّهَا الإِخوَةُ، هٰؤُلَاءِ جَاءَ فِيهِم، يَعنِي فِي افتِرَاقِهِم، قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «افتَرَقَتِ اليَهُودُ إِلَى إِحدَى وَسَبعِينَ فِرقَةً، وَافتَرَقَتِ النَّصَارَى إِلَى اثنَتَينِ وَسَبعِينَ فِرقَةً، وَتَفتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبعِينَ فِرقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً». وَفِي بَعضِ الأَلفَاظِ: «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصحَابِي».
لٰكِنِ الِانتِبَاهَ فِي قَولِهِ ﷺ: «تَفتَرِقُ إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبعِينَ فِرقَةً»؛ فَالسَّوَادُ الأَعظَمُ مَنِ الَّذِينَ هُم عَلَى الحَقِّ. وَهٰؤُلَاءِ، مَعَ أَنَّ بَينَهُم فِيمَا بَينَهُم اختِلَافًا شَدِيدًا، إِلَّا أَنَّهُم، سُبحَانَ اللهِ، عَلَى المُسلِمِينَ يَجتَمِعُونَ.
مَن نَسَبَ الوَلَدَ إِلَى اللهِ، كَمَا فَعَلَ هٰؤُلَاءِ، فَهٰذَا شَتمٌ لِلهِ. مَن نَسَبَ الوَلَدَ إِلَى اللهِ فَهٰذَا شَتمٌ لِلهِ. فِي حَقِّنَا نَحنُ، لَو أَنَّ وَاحِدًا جَاءَهُ مَولُودٌ، فَالنَّاسُ تَفرَحُ، وَهٰذَا لَيسَ شَتمًا فِي حَقِّكَ، أَيُّهَا الإِنسَانُ، بَل قَد يَكُونُ مَدحًا؛ يَقُولُونَ: هٰذَا كَثِيرُ الوَلَدِ. أَمَّا فِي حَقِّ اللهِ، فَهُوَ نَقصٌ وَشَتمٌ. وَلِهٰذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ، فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَتَمَنِي ابنُ آدَمَ، وَلَم يَكُن لَهُ ذٰلِكَ، أَمَّا شَتمُهُ إِيَّايَ فَقَولُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا».
وَلِذٰلِكَ فِي عِبَارَةٍ جَمِيلَةٍ مُهِمَّةٍ فِي العَقِيدَةِ، يَقُولُهَا الأُستَاذُ الكَبِيرُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي تَفسِيرِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ: «لَا مَجَالَ لِلقِيَاسِ فِي أَسمَاءِ اللهِ، إِنَّمَا نَرجِعُ فِي ذٰلِكَ إِلَى التَّوَقُّفِ». يَعنِي: فِي أَسمَائِنَا قَد تَقِيسُ، أَمَّا فِي أَسمَاءِ اللهِ فَلَا تَقِيسُ. وَزِد عَلَى ذٰلِكَ مَا قَالَهُ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَا يَجُوزُ تَسمِيَةُ اللهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوِ الإِجمَاعِ». يَعنِي: لَا يَجُوزُ أَن تُطلِقَ مِن عِندِكَ اسمًا عَلَى اللهِ، أَو وَصفًا لِلهِ. فَمَثَلًا، لَا يَجُوزُ أَن تَقُولَ عَنِ اللهِ: مُهَندِسٌ، وَإِن أَرَدتَ مَعنًى يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ. وَكَذٰلِكَ لَا يَجُوزُ أَن تُسَمِّيَ اللهَ عِلَّةً، أَو سَبَبًا، أَو قُوَّةً. وَإِذَا أَرَدتَ أَن تَدعُوَ، فَإِنَّكَ تَقِفُ عَلَى مَا وَرَدَ، فَلَا تَقُولُ مَا لَم يَرِد.
ثُمَّ هٰؤُلَاءِ اليَهُودُ مَاذَا فَعَلُوا؟ نَسَبُوا الوَلَدَ إِلَى اللهِ. فَإِذًا: مَن نَسَبَ الوَلَدَ إِلَى اللهِ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا بِاللهِ، وَلَا يَكُونُ مُوَحِّدًا. فَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَمَّن يَعتَقِدُ فِي اللهِ الوَلَدَ: إِنَّهُ مُؤمِنٌ بِاللهِ. بَعضُ النَّاسِ ـ وَالعِيَاذُ بِاللهِ ـ يَهلِكُ نَفسَهُ بِهٰذَا، فَيَقُولُ عَن هٰؤُلَاءِ: إِنَّهُم مُؤمِنُونَ بِاللهِ، مَعَ أَنَّهُم نَسَبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى الوَلَدَ. وَهٰؤُلَاءِ لَيسُوا مُؤمِنِينَ بِاللهِ. أَلَم يَقُلِ اللهُ: ﴿لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]؟
يَعنِي: أَنتَ تَعجَبُ لِأَعمَالِهِمُ اليَومَ؟ تَعجَبُ لِنَقضِهِمُ العَهدَ؟ يَا أَخِي، القُرآنُ الكَرِيمُ يُخبِرُكَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ أَنَّهُم قَالُوا: اللهُ فَقِيرٌ، وَنَحنُ الأَغنِيَاءُ.
﴿سَنَكتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]
أَي: سَنَكتُبُ مَا قَالُوهُ مِنَ الإِفكِ وَالفِريَةِ عَلَى رَبِّهِم، وَسَنَكتُبُ قَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ. أَلَيسَ كَانَ تَقَدَّمَ فِي آيَاتٍ سَبَقَت ذِكرُ الأَمرِ بِالزَّكَاةِ وَبَذلِ المَالِ؟ فَهُم، لَمَّا كَانُوا يَسمَعُونَ هٰذِهِ الآيَاتِ، لِشُؤمِ حَالِهِم، قَالُوا: إِذًا اللهُ مُحتَاجٌ إِلَى أَموَالِنَا، بِزَعمِهِمُ الخَبِيثِ. وَمَاذَا يُرِيدُونَ بِهٰذَا؟ قَالَ بَعضُ أَهلِ التَّفسِيرِ: إِنَّ مُرَادَهُم أَن يُكَذِّبُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ. يَعنِي: يُرِيدُونَ أَن يَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَستَ صَادِقًا فِيمَا تَقُولُ، حِينَ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَأمُرُنَا أَن نَبذُلَ أَموَالَنَا فِي سَبِيلِ اللهِ. فَكَانَ مُرَادُهُم تَكذِيبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَفِي إِشَارَةٍ ثَانِيَةٍ: كَيفَ كَانَ حَالُ الغَنَائِمِ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ، قَبلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ لَم تُحَلَّ الغَنَائِمُ إِلَّا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَمَاذَا كَانَ يُصنَعُ بِالغَنَائِمِ فِيمَا مَضَى؟ كَانَت تُجمَعُ فِي مَكَانٍ، ثُمَّ تَأتِي نَارٌ فَتَرفَعُهَا، وَلَم يَكُونُوا يَأخُذُونَهَا. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِيمَا ذَكَرَ مِن خَصَائِصِهِ: «وَأُحِلَّت لِيَ الغَنَائِمُ، وَلَم تَحِلَّ لِسُودِ الرُّءُوسِ قَبلَكُم». مَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّ هٰذِهِ الغَنَائِمَ صَارَت لِأُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَهُم مَاذَا قَالُوا؟ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، مُوسَى مَاذَا كَانَ يَفعَلُ بِالغَنَائِمِ؟ مَا كَانَ يُوَزِّعُهَا، إِنَّمَا كَانَت تَجِيءُ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ فَتَرفَعُهَا، وَلٰكِنَّكَ أَنتَ تَأخُذُ الغَنَائِمَ وَتُوَزِّعُهَا. فَهُم يُرِيدُونَ بِذٰلِكَ تَكذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَلِأَجلِ هٰذَا كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَولِهِ، وَقَالُوا: إِذًا، عَلَى قَولِكَ بِحِلِّ الغَنَائِمِ، وَأَنَّ هٰذَا مِن عِندِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَكُونُ فَقِيرًا. وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَهٰذَا هُوَ مُلَخَّصُ طَرِيقَتِهِمُ الفِكرِيَّةِ الخَبِيثَةِ الشَّيطَانِيَّةِ. وَأَنتَ اليَومَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنهُم عَلَى هٰذَا النَّهجِ: طَرِيقَةٌ شَيطَانِيَّةٌ خَبِيثَةٌ جِدًّا فِي الكَلَامِ. وَهٰكَذَا هُم؛ يُرِيدُونَ أَن يُكَذِّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ.
﴿وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]
قَد يَقُولُ قَائِلٌ: لَكِن هَل هُم قَتَلُوا مُحَمَّدًا ﷺ؟ أَلَيسَ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ خَاتَمُ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ؟ أَلَيسَ لَيسَ بَعدَ رَسُولِ اللهِ نَبِيٌّ؟ وَقَد قَالَ ﷺ: «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». بَلَى، هُوَ كَذٰلِكَ؛ فَلَيسَ بَعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيٌّ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فَكَيفَ جَاءَ هُنَا: ﴿وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ﴾ [آل عمران: ١٨١]، مَعَ أَنَّهُم هُم حَاوَلُوا قَتلَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلٰكِن لَم يَقتُلُوهُ؟ قِيلَ: إِنَّ آبَاءَهُم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأَنبِيَاءَ، وَهُم قَدِ استَحَلُّوا ذٰلِكَ، وَكَانُوا بِهِ رَاضِينَ، فَلِذٰلِكَ قِيلَ: ﴿وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ﴾ [آل عمران: ١٨١]. أَي: استَحسَنُوا قَتلَ آبَائِهِم لِلأَنبِيَاءِ. وَفِي يَومٍ وَاحِدٍ قَتَلُوا سَبعِينَ نَبِيًّا فِي بَيتِ المَقدِسِ. يَعنِي: أَنتَ لَو نَظَرتَ، لَوَجَدتَ أَنَّ أَكثَرَ الأَنبِيَاءِ بُعِثُوا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ، وَأَكثَرَ مَن قَتَلَ الأَنبِيَاءَ هُم بَنُو إِسرَائِيلَ. ثُمَّ هٰؤُلَاءِ الأَبنَاءُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مَاذَا كَانَ مِنهُم؟ استَحَلُّوا، وَاستَحسَنُوا، مَا فَعَلَهُ آبَاؤُهُم. فَإِذًا: هُم كَانُوا رَاضِينَ بِفِعلِ آبَائِهِم، فَلِذٰلِكَ أَخبَرَ اللهُ عَنهُم فَقَالَ: ﴿سَنَكتُبُ مَا قَالُوا وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وَهٰذَا تَهدِيدٌ لَهُم، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ هٰذَا الَّذِي هُم يَفعَلُونَهُ كُلَّهُ مَكتُوبٌ عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. لٰكِن، مَعَ أَنَّ الكِتَابَةَ لِمَا سَيَكُونُ مِن هٰؤُلَاءِ قَبلَ خَلقِهِم كُلِّهِ مَكتُوبَةٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، فَلِمَاذَا ذَكَرَ هُنَا: ﴿سَنَكتُبُ﴾ [آل عمران: ١٨١]؟ هُنَا فِي هٰذَا إِشَارَةٌ إِلَى التَّهدِيدِ لَهُم. وَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: وَمَن الَّذِي يَكتُبُ؟ الَّذِينَ يَكتُبُونَ هُم المَلَائِكَةُ، فَهُنَاكَ كَتَبَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ. وَلٰكِن، بِمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأمُرُ المَلَائِكَةَ بِذٰلِكَ، فَيَصِحُّ أَن يُقَالَ: ﴿سَنَكتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِذٰلِكَ. أَلَستَ تَقُولُ: السُّلطَانُ بَنَى المَدِينَةَ، مَعَ أَنَّهُ مَا رَفَعَ حَجَرًا وَاحِدًا، بَلِ العُمَّالُ هُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذٰلِكَ؟ لٰكِن لَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ، صَحَّ أَن يُقَالَ: السُّلطَانُ بَنَى المَدِينَةَ. فَهٰذَا يَصِحُّ مِن حَيثُ اللُّغَةِ. وَمَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ الكَتَبَةَ أَن يَكتُبُوا ذٰلِكَ.
فَمَعنَى ذٰلِكَ: تَهدِيدٌ وَوَعِيدٌ لَهُم، بِأَنَّ أَقوَالَكُم، وَأَفعَالَكُم، وَرِضَاكُم بِقَتلِ آبَائِكُم لِأَنبِيَاءِ اللهِ، كُلَّ ذٰلِكَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَعلَمُهُ.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مُستَغنٍ عَنِ الكِتَابَةِ؛ فَاللهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ بِحَالِ هٰؤُلَاءِ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى مَن يَكتُبُ. لٰكِن لِمَاذَا الكِتَابَةُ؟ لِأَجلِنَا نَحنُ؛ لِأَنَّ مَعَنَا كَتَبَةً. ﴿وَإِنَّ عَلَيكُم لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١]. قَالُوا: هٰذَا تَنبِيهٌ لِلعِبَادِ: مَعَكُم مَلَائِكَةٌ تَكتُبُ. أَلَيسَ قَد جَاءَ أَيضًا قَولُ الحَقِّ سُبحَانَهُ: ﴿مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؟
وَالحَقِيقَةُ أَنَّنَا، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ، نَنسَى ذٰلِكَ، وَعِندَمَا نَنسَى ذٰلِكَ نَتَجَرَّأُ عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ. أَمَّا لَو كَانَ الإِنسَانُ قَوِيَّ الِاستِحضَارِ: أَنَّ مَعِي مَلَائِكَةً تَكتُبُ كُلَّ كَلِمَةٍ أَقُولُهَا، لَكَانَ ذٰلِكَ أَردَعَ لَهُ. وَلَمَّا سَأَلَ مُعَاذٌ: أَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ ﷺ: «وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ـ أَو قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِم ـ إِلَّا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِم». يَعنِي: مَعنَى ذٰلِكَ أَنَّكَ تُؤَاخَذُ بِهٰذِهِ الكَلِمَةِ. وَلَا يَكفِي، وَلَا يُخَلِّصُكَ، أَن تَقُولَ: لَا، أَنَا مَا كَانَت نِيَّتِي أَن أَكذِبَ. فَبِالنَّتِيجَةِ: أَنتَ كَذَبتَ، أَوِ اغتَبتَ، أَو عَمِلتَ النَّمِيمَةَ، فَأَنتَ مُؤَاخَذٌ بِهٰذَا. فَإِذًا: كُلُّ هٰذَا مَكتُوبٌ. وَلٰكِنَّ تَكرَارَ ذٰلِكَ فِي النُّصُوصِ فِيهِ تَهدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
فَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ يَفعَلُ مَعصِيَةً، وَقُلتَ لَهُ: احذَر، المَلَائِكَةُ تَكتُبُ عَمَلَكَ، فَإِنَّ هٰذَا يَردَعُهُ وَيَزجُرُهُ. وَإِلَّا، فَكُلُّ شَيءٍ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحنُ نُحيِي المَوتَى وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وَالإِمَامُ المُبِينُ هُوَ اللَّوحُ المَحفُوظُ. مَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّ كُلَّ شَيءٍ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ. وَهٰذَا مُهِمٌّ جِدًّا فِي بَابِ إِثبَاتِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ؛ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِتَقدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّ شَيءٍ بِتَقدِيرِ اللهِ، وَكُلَّ شَيءٍ قَضَاءٌ وَقَدَرٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وَإِذًا: كُلُّ شَيءٍ مَكتُوبٌ، وَإِذًا: كُلُّ شَيءٍ يَحصُلُ فَهُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمَا هُوَ الوَعِيدُ الَّذِي جَاءَ لَهُم؟
﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]
هٰذَا تَهدِيدٌ. ﴿وَنَقُولُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، يَعنِي: يَومَ القِيَامَةِ، حِينَ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المَلَائِكَةَ بِأَن تَقذِفَ هٰؤُلَاءِ الفُجَّارَ الكُفَّارَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيُقَالُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ: احذَرُوا اليَومَ؛ كُلُّ مَا تَفعَلُونَهُ وَتَقُولُونَهُ مَكتُوبٌ، وَيَومَ القِيَامَةِ لَكُم عَذَابُ الحَرِيقِ، أَي: عَذَابُ النَّارِ.
وَمَاذَا يَقُولُ العُلَمَاءُ؟ أَي: كَمَا أَذَقتُمُ المُسلِمِينَ سَتَذُوقُونَ غَدًا يَومَ القِيَامَةِ مَا هُوَ أَشَدُّ.
هٰذَا، إِخوَانِي، مِمَّا يُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّ كُلَّ الآيَاتِ، سُبحَانَ اللهِ، فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَقٌّ. كَم مِنَ الدَّلَائِلِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ الَّتِي تَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الكُفَّارَ مُخَلَّدُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، لَا يَخرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ بِسَبَبِ كُفرِهِم بِاللهِ؟ ثُمَّ هُم، أَيضًا، مِنهُم مَن يَزِيدُ عَلَى ذٰلِكَ، فَيَقتُلُ المُسلِمِينَ، وَيُذِيقُهُمُ الغُصَصَ، وَيُحَاصِرُهُم، وَيُجِيعُهُم، وَيُعَطِّشُهُم، وَيَقصِفُهُم، وَيَسفِكُ دِمَاءَهُم، وَيَهدِمُ دُورَهُم، وَيَترُكُهُم فِي البَردِ، وَيَترُكُهُم فِي الخِيَامِ فِي العَرَاءِ، وَيُذِيقُهُم أَنوَاعَ العَذَابِ. فَهٰذِهِ الغُصَصُ الَّتِي نَذكُرُهَا، مَاذَا لَهُم يَومَ القِيَامَةِ؟ لَهُم عَذَابُ النَّارِ. بَل يَقُولُ الضَّحَّاكُ: إِنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ ـ وَهُم مِنَ المَلَائِكَةِ ـ يُعَذِّبُونَ هٰؤُلَاءِ الكُفَّارَ.
﴿ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]
قِيلَ: المُرَادُ بِذٰلِكَ: النَّارُ المُحرِقَةُ المُلتَهِبَةُ؛ لِأَنَّهُ قَد تَكُونُ هُنَاكَ نَارٌ، وَلٰكِن غَيرَ مُلتَهِبَةٍ، فَالنَّارُ اسمٌ جَامِعٌ مِن حَيثُ اللُّغَةِ، فَقَد تُوقِدُ نَارًا، ثُمَّ تَكُونُ بَعدَ ذٰلِكَ رَاكِدَةً، لَم تَلتَهِب، مِثلَ الجَمرِ. فَهُنَاكَ نَارٌ مُلتَهِبَةٌ، وَنَارٌ غَيرُ مُلتَهِبَةٍ. فَلَمَّا جَاءَ قَولُ الحَقِّ سُبحَانَهُ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، دَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيسَت أَيَّ نَارٍ، بَل هِيَ النَّارُ المُحرِقَةُ المُلتَهِبَةُ. وَمَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّهُم، إِذَا كَانُوا قَد عَذَّبُونَا اليَومَ بِالنَّارِ، وَأَحرَقُونَا، وَقَصَفُونَا، وَقَتَلُونَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. أَي: تِلكَ النَّارُ المُحرِقَةُ المُلتَهِبَةُ، وَعَذَابُهَا أَلِيمٌ مُوجِعٌ.
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]
هٰذَا العَذَابُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِن عِقَابِهِم. نَنتَقِلُ إِلَى الآيَةِ التَّالِيَةِ، إِن شَاءَ اللهُ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]، يَعنِي: هٰذَا العِقَابُ لَكُم، وَعَذَابُ النَّارِ لَكُم، وَأَنتُم خَالِدُونَ فِي جَهَنَّمَ، وَنَارُكُم نَارٌ مُحرِقَةٌ.
حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ ـ وَهٰذَا وَرَدَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ـ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلًا مِن نَارٍ، يُكَلَّفُ الكَافِرُ أَن يَصعَدَهُ عَلَى وَجهِهِ سَبعِينَ سَنَةً صُعُودًا، ثُمَّ سَبعِينَ سَنَةً نُزُولًا، وَكُلُّ ذٰلِكَ فِي النَّارِ. يُشوَى فِي النَّارِ، وَأَثنَاءَ ذٰلِكَ تَلفَحُهُم رِيحٌ بَارِدَةٌ جِدًّا، فَيَجتَمِعُ عَلَيهِم عَذَابَانِ. أَلَيسَ الآنَ، عِندَمَا تَأتِي مَا يُقَالُ لَهَا: مَوجَةُ صَقِيعٍ، نَستَعمِلُ عِبَارَةً فَنَقُولُ: احتَرَقَتِ المَزرُوعَاتُ؟ يَعنِي: البَردُ الشَّدِيدُ يُحرِقُ. فَيَجتَمِعُ عَلَيهِم أَمرَانِ: النَّارُ المُحرِقَةُ، وَالبَردُ الشَّدِيدُ، الزَّمهَرِيرُ. فَتَتَنَاثَرُ لُحُومُهُم، وَتَتَنَاثَرُ عِظَامُهُم، وَبَعدَ ذٰلِكَ يَجِدُونَ شِدَّةً، فَلَا يَجِدُونَ إِلَّا آنِيَةً، ﴿مِن عَينٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥]، شَرَابًا فِي دَرَجَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ مِنَ الغَلَيَانِ. وَيَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ: هٰذَا أَبَدًا؛ يَعنِي: لَن يَجِدَ هٰؤُلَاءِ غَدًا سَاعَةً مِن رَاحَةٍ، وَلَا سَاعَةً مِن تَخفِيفٍ، بَل هُم فِي ذُلٍّ وَهَوَانٍ.
فَإِذًا: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]، أَي: ذٰلِكَ العَذَابُ الَّذِي ذُكِرَ سَبَبُهُ مَا فَعَلتُمُوهُ أَنتُم. وَلٰكِن قَد يَقُولُ قَائِلٌ: الَّذِي فَعَلَ هُوَ الإِنسَانُ، فَلِمَاذَا يُقَالُ: ﴿بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]؟ أَلَيسَ يُقَالُ: هٰذَا فِعلُ يَدِهِ؟ قَالُوا: لِأَنَّ اليَدَ آلَةُ الفِعلِ، فَحَسُنَ إِسنَادُ الفِعلِ إِلَيهَا عَلَى سَبِيلِ المَجَازِ، وَإِن كَانَ الفَاعِلُ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ الإِنسَانُ. يَعمَلُ وَاحِدٌ شَيئًا خَطَأً، ثُمَّ تَأتِي تُوَبِّخُهُ فَتَقُولُ لَهُ: هٰذَا عَمَلُ يَدِكَ، وَهٰذَا بِسَبَبِ فِعلِكَ أَنتَ. هُوَ الإِنسَانُ الَّذِي فَعَلَ، وَلٰكِن لَمَّا كَانَتِ الآلَةُ هِيَ يَدَهُ، أُسنِدَ الفِعلُ إِلَى اليَدِ. وَهٰذَا عَلَى سَبِيلِ المَجَازِ. وَإِن كَانَ هُنَا قَد جَاءَ بِلَفظِ الجَمعِ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وَقَد يَأتِي بضميرِ التَّثنِيَةِ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وَقَد جَاءَ هٰذَا أَيضًا.
فَإِذًا: هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ، وَهٰؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَنبِيَاءَ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، مَا لَهُم يَومَ القِيَامَةِ؟ لَهُم عَذَابُ الحَرِيقِ، وَلَهُم عَذَابُ جَهَنَّمَ.
﴿وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]
اللهُ تَعَالَى عَدلٌ فِي حُكمِهِ. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، وَمَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّ اللهَ عَدلٌ فِي حُكمِهِ. فَمَعنَى الآيَةِ: إِن أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى بِكُم هٰذِهِ العُقُوبَةَ، فَلَا يَكُونُ هٰذَا ظُلمًا مِنَ اللهِ، بَل هُوَ عَدلٌ مِنَ اللهِ. فَاللهُ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى عُقُوبَةً لِلكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ فِي هٰذِهِ الدُّنيَا مِنَ الكُفرِ بِاللهِ، الَّذِي هُوَ أَعظَمُ الذُّنُوبِ، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ بِمَا كَانُوا يَزِيدُونَ مِن أَنوَاعِ الظُّلمِ. فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم عُقُوبَةً فِي الآخِرَةِ، وَذٰلِكَ لَا يَكُونُ ظُلمًا مِنَ اللهِ.
وَلِمَاذَا لَا يَكُونُ ظُلمًا مِنَ اللهِ؟ لِأَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ، وَاللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَاللهُ يَفعَلُ بِخَلقِهِ مَا يُرِيدُ. الآنَ اُنظُر: مَن أَفضَلُ الخَلقِ؟ الأَنبِيَاءُ أَفضَلُ الخَلقِ، ﴿وَكُلًّا فَضَّلنَا عَلَى العَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]. الأَنبِيَاءُ هُم صَفوَةُ الخَلقِ. فَمَن أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنيَا؟ الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ بَعدَهُمُ الصَّالِحُونَ. قَالَ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». لِمَاذَا يَحصُلُ ذٰلِكَ؟ لَو سَأَلَ سَائِلٌ. هٰذَا رِفعَةٌ لَهُم فِي الدَّرَجَةِ عِندَ اللهِ، وَلَيسَ عُقُوبَةً. وَالصَّالِحُونَ اليَومَ، عِندَمَا يَنزِلُ عَلَيهِمُ البَلَاءُ، وَتَنزِلُ عَلَيهِمُ المَصَائِبُ، فَيَصبِرُونَ وَيَحتَسِبُونَ، يَكُونُ ذٰلِكَ رِفعَةً لَهُم فِي الدَّرَجَةِ.
وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَن يُدعَى إِلَى الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يَحمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ». يَعنِي: أَوَّلُ مَن يُدعَى مِنَ المُسلِمِينَ هُمُ الَّذِينَ يَحمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. فَإِذًا: ابتِلَاءُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لِلأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الدُّنيَا هُوَ رِفعَةٌ لَهُم فِي الدَّرَجَةِ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَكُونُ ظُلمًا. وَالظُّلمُ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ.
فَلَا يَجُوزُ أَن يَدعُوَ وَاحِدٌ بِقَولِهِ: اللهُ يَظلِمُكَ. بَعضُ السُّفَهَاءِ، أَحيَانًا، يَقُولُونَ، وَبَعضُهُم يَزِيدُ، فَيَقُولُ: اللهُ يَظلِمُكَ كَمَا ظَلَمتَنِي. وَهٰذَا بَاطِلٌ؛ فَقَد قَالَ اللهُ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وَقَالَ: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وَقَالَ: ﴿وَلَا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. فَالظُّلمُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ.
سُؤَالٌ: مَا هُوَ تَعرِيفُ الظُّلمِ؟ الظُّلمُ: مُخَالَفَةُ أَمرِ وَنَهيِ مَن لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ. وَتَعرِيفٌ آخَرُ: وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ. وَأَنتَ تَظلِمُ نَفسَكَ؛ لِذٰلِكَ الَّذِي يَقَعُ فِي المَعصِيَةِ، وَلَو كَانَت صَغِيرَةً، يُسَمَّى هٰذَا ظُلمًا. فَتَقُولُ: أَنَا ظَلَمتُ نَفسِي. ﴿لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فَلَو كَانَتِ المَعصِيَةُ صَغِيرَةً، فَهِيَ ظُلمٌ. وَالمَعصِيَةُ الكَبِيرَةُ ظُلمٌ أَكبَرُ، وَالكُفرُ ظُلمٌ أَكبَرُ، وَهُوَ أَشَدُّ الظُّلمِ، وَأَكبَرُ الظُّلمِ عَلَى الإِطلَاقِ. وَالكُفرُ بِاللهِ هُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ. ﴿وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، يَعنِي: هُمُ بلغوا الغايةَ فِي الظُّلمِ؛ لِأَنَّ أَعلَى الظُّلمِ، وَأَشَدَّ الظُّلمِ، وَأَكبَرَ الظُّلمِ، هُوَ الكُفرُ.
وَهٰذَا قَدِ اجتَمَعَ فِي اليَهُودِ، ثُمَّ زَادُوا عَلَى ذٰلِكَ بِقَتلِ الأَنبِيَاءِ، ثُمَّ بِمَا كَانَ مِنهُم بَعدَ ذٰلِكَ. فَفِي الآيَةِ إِعلَامٌ، بَعدَ هٰذَا، بِأَنَّ العَذَابَ الَّذِي يُنزِلُهُ اللهُ تَعَالَى بِهِم هُوَ عُقُوبَةٌ لَهُم. وَهٰذَا العَذَابُ فِي الآخِرَةِ. أَمَّا ابتِلَاءُ اللهِ تَعَالَى لِلأَنبِيَاءِ فِي هٰذِهِ الدُّنيَا، وَالأَنبِيَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا، وَكَذٰلِكَ الِابتِلَاءُ الَّذِي يَنزِلُ عَلَى الصَّالِحِينَ، فَهُوَ رِفعَةُ دَرَجَةٍ. وَفِي كُلِّ ذٰلِكَ لَا يَكُونُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ظَالِمًا؛ فَاللهُ تَعَالَى لَا يَظلِمُ أَحَدًا؛ لِأَنَّ الظُّلمَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَهُوَ مَالِكُ المُلكِ، لَا آمِرَ لَهُ، وَلَا نَاهِيَ لَهُ. فَإِذَا قُلنَا: الظُّلمُ مُخَالَفَةُ أَمرٍ وَنَهيٍ مِمَّن لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ، فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا آمِرَ لَهُ، وَلَا نَاهِيَ لَهُ، بَل هُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقُ الخَلقِ.
وَلِذٰلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم لَكَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم». يَعنِي: اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُستَحِيلُ عَلَيهِ أَن يَكُونَ ظَالِمًا.
فَإِذًا: العَبدُ إِذَا نَزَلَت عَلَيهِ مُصِيبَةٌ، فَلَيسَ لَهُ أَن يَعتَرِضَ عَلَى اللهِ، وَلَا أَن يَتَسَخَّطَ عَلَى اللهِ. بَعضُ النَّاسِ يَتَذَمَّرُ تَذَمُّرًا شَدِيدًا، فَيَقُولُ: اُنظُر كَيفَ الِابتِلَاءُ يَنزِلُ بِي، وَكَيفَ المَصَائِبُ، وَكَيفَ كَذَا وَكَيفَ كَذَا، وَلٰكِنِ اُنظُر إِلَى الكُفَّارِ كَيفَ هُم فِي بَسطٍ مِنَ العَيشِ. فَيُقَالُ لَهُ: إِيَّاكَ أَن تَنظُرَ إِلَى هٰذَا؛ فَالدُّنيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ قَلِيلٌ، وَالآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى.