بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 186-187]
خاطَبَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ وَأُمَّتَهُ فِي هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، فَأَخبَرَهُم بِما لا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِم مِنَ الاِبتِلاءِ وَالأَذَى، وَبَيَّنَ لَهُم سَبيلَ النَّجاةِ عِندَ نُزولِ المِحَنِ، ثُمَّ كَشَفَ فَضِيحَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، وَأَنَّهُم أُخِذَ عَلَيهِمُ المِيثاقُ أَنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ، فَكَتَمُوهُ، وَنَبَذُوهُ، وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ عَرَضًا قَلِيلًا مِنَ الدُّنيا.
قَولُهُ تَعالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، مَعناهُ: وَاللهِ لَتُخْتَبَرُنَّ، وَلَتَقَعَنَّ عَلَيْكُمُ المِحَنُ وَالاِبتِلاءاتُ، فَـ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: 186] اللَّامُ فِيها لَامُ القَسَمِ، وَتَقديرُ الكَلامِ: وَاللهِ لَتُبْلَوُنَّ. وَهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِأُمَّتِهِ. وَمَعنى ذَلِكَ أَنَّ المِحَنَ وَالاِبتِلاءاتِ لَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَظهَرُ بِذَلِكَ المُؤْمِنُ حَقًّا مِنْ غَيرِهِ. وَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى يُنزِلُ البَلاءَ عَلَى العَبدِ، فَيُظهِرُ حالَهُ لِلنَّاسِ، أَمَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ عالِمٌ بِالأَزَلِ، عِلمًا أَبَدِيًّا لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَطرَأُ عَلَيهِ زِيادَةٌ وَلَا نُقصانٌ، فَهُوَ يَعلَمُ مَنْ سَيَصبِرُ عِندَ نُزولِ المِحَنِ، وَمَنْ لَا يَصبِرُ، وَلَكِنَّهُ سُبحانَهُ يُظهِرُ ذَلِكَ بَينَ النَّاسِ؛ لِيُعلَمَ الصّابِرُ مِنْ غَيرِهِ، وَكَما قالَ تَعالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37]. فَيَظهَرُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وَيَظهَرُ مَنْ يَرضى عَنِ اللهِ وَمَنْ يَتَسَخَّطُ عَلَيهِ. فَالكافِرُ تَجِدُهُ جاحِدًا لِنِعَمِ اللهِ، مُتَسَخِّطًا عَلَى رَبِّهِ، وَاللهُ تَعالَى يُظهِرُ حالَ العِبادِ، فَيَنكَشِفُ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ. فَاللهُ سُبحانَهُ هُوَ الَّذِي يَختَبِرُ عِبادَهُ، وَلَيسَ العِبادُ هُمُ الَّذِينَ يَختَبِرُونَ رَبَّهُم.
وَقَولُهُ: ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ أَنْواعِ الاِبتِلاءِ مَا يَكونُ فِي المَالِ. فَقَدْ يَنْزِلُ عَلَى المُؤْمِنِ مَا يُذهِبُ مالَهُ، أَوْ يُنقِصُهُ، أَوْ يُتْلِفُهُ، أَوْ يَحرِمُهُ الاِنتِفاعَ بِهِ. وَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالَى أَعلَمَنا أَنَّ هَذا الاِبتِلاءَ سَيَنزِلُ، لِنُهَيِّئَ أَنفُسَنا لَهُ قَبلَ وُقوعِهِ. فَنَحنُ فِي الدُّنيا، وَلَسْنا فِي الجَنَّةِ، وَما دُمْنا فِي الدُّنيا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُصِيبَنا الآفاتُ وَالأَمراضُ وَالمَصائِبُ. فَقَدْ يَكونُ الإِنسانُ فِي صِحَّةٍ وَعافِيَةٍ، ثُمَّ يَظهَرُ عَلَيهِ مَرَضٌ فُجائِيًّا، وَقَدْ يَكونُ مُوسِرًا، ثُمَّ يَفقِدُ مالَهُ فِي لَحظَةٍ. وَهَكَذا أَنْواعُ الاِبتِلاءِ كَثِيرَةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ سُبحانَهُ قَدْ هَيَّأَنا لِنُزولِ هَذِهِ الاِبتِلاءاتِ، حَتَّى تَكونَ نُفوسُنا مُستَعِدَّةً عِندَ نُزولِ البَلاءِ، وَحَتَّى نُوَطِّنَ أَنفُسَنا عَلَى اِحتِمالِ الأَذَى، وَالشَّدائِدِ، وَالمَصائِبِ، إِذا وَقَعَتْ.
فَقَولُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: 186]، مَعناهُ: اِعلَمُوا ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَنْواعِ البَلاءِ، فَهَيِّئُوا أَنفُسَكُمْ قَبلَ أَنْ يَنْزِلَ. فَهَذِهِ النِّعمَةُ الَّتِي بَينَ يَدَيكَ، أَوْ هَذا الشَّيءُ الَّذِي بَينَ يَدَيكَ، قَدْ تَفقِدُهُ فِي أَيِّ لَحظَةٍ. وَقَدْ تَفقِدُ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ مِنْ أَهلِكَ أَوْ إِخوانِكَ فِي لَحظَةٍ واحِدَةٍ. فَعَظيمُ المُواساةِ لَنا، أَيُّها الإِخوَةُ، فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّنا نُهَيِّئُ أَنفُسَنا لِلبَلاءِ. فَإِذا نَزَلَ البَلاءُ، كانَ أَوَّلُ ما يَظهَرُ مِنَ العَبدِ حَالُهُ عِندَ الصَّدمَةِ الأُولى. أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»؟ فَهُنا يَظهَرُ أَقوَى الاِختِبارِ. فَبَعضُ النَّاسِ، أَوَّلَ ما يَسمَعُ الخَبَرَ الشَّدِيدَ، يَستَرجِعُ، وَيَقولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، الحَمدُ لِلَّهِ، لِلَّهِ ما أَخَذَ، وَلِلَّهِ ما أَعطَى، اللّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْها. وَبَعضُ النَّاسِ لَا، بَلْ تَجِدُهُ فَزِعًا جَزِعًا، صارِخًا، لَمْ يَكُنْ فِي قَلبِهِ ذاكَ الصَّبرُ، بَلْ مِنْهُمْ، وَالعِياذُ بِاللهِ، مَنْ يَكفُرُ بِاللهِ أَوَّلَ ما يَسمَعُ الخَبَرَ، وَيَعتَرِضُ عَلَى اللهِ، وَيَتَسَخَّطُ عَلَيهِ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الآياتِ الكَرِيمَةِ الَّتِي فِيها التَّهْيِئَةُ لَنا.
وَقَولُهُ: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، أَيْ: وَسَتُبتَلَوْنَ فِي أَنفُسِكُمْ أَيْضًا. وَهَذا يَدخُلُ فِيهِ القَتلُ، وَالأَسرُ، وَالجِراحُ، وَالمَرَضُ، وَسائِرُ ما يَنْزِلُ بِالإنسانِ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي نَفسِهِ. وَنَحنُ الآنَ، وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، فِي صِحَّةٍ وَعافِيَةٍ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يُعَرِّفَنا نِعَمَهُ بِدَوامِها لَا بِزَوالِها، وَلَكِنْ فِي هَذَا الوَقتِ نَفسِهِ، كَمْ مِنْ مَرِيضٍ مِنْ إِخوَانِنا، وَكَمْ مِنْ مُبتَلًى؟ وَقَولُهُ: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ما يَقَعُ لِأَخِيكَ المُؤْمِنِ كَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ لَكَ؛ لِأَنَّ المُؤمِنِينَ كَالنَّفسِ الواحِدَةِ، وَقَدْ قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وَقَدْ زادَ عَطاءٌ رَحِمَهُ اللهُ، فَقالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ، أَخَذَ المُشرِكُونَ مِنْهُم أَموالَهُمْ لَمَّا هاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَعَذَّبُوهُمْ، وَبَاعُوا أَمْوالَهُمْ. وَذَهَبَ عَدَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إِلَى سَبَبٍ قَوِيٍّ فِي نُزولِ هَذِهِ الآيَةِ. وَمَعرِفَةُ أَسبابِ النُّزولِ نافِعَةٌ؛ فَإِنَّ الإِمامَ ابنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ يَذكُرُ الأَقوالَ، ثُمَّ يَقولُ: أَولَاها عِندِي كَذا. وَقَدْ يَسمَعُ الإِنسانُ أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَذا، وَيَسمَعُ مِنْ غَيرِهِ أَنَّها نَزَلَتْ فِي كَذا، وَهَذا وارِدٌ؛ لِأَنَّ بَعضَ الآياتِ يُذكَرُ لَها عِدَّةُ أَقوالٍ فِي سَبَبِ النُّزولِ، فَيَأْتِي الطَّبَرِيُّ، أَوْ غَيرُهُ، فَيُرَجِّحُ أَقوَى الأَقوالِ. فَإِنْ أُخِذَ بِأَنَّ سَبَبَ النُّزولِ كَذا، كانَ لِلتَّفسيرِ وَجهٌ، وَإِنْ أُخِذَ بِقَولٍ آخَرَ، كانَ لَهُ وَجهٌ آخَرُ، مَعَ بَقاءِ القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ: العِبرَةُ بِعُمومِ اللَّفظِ لَا بِخُصوصِ السَّبَبِ. وَمَعْنى ذَلِكَ: أَنَّ الآيَةَ، وَإِنْ نَزَلَتْ فِي واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّ حُكمَها لَا يَختَصُّ بِتِلكَ الواقِعَةِ، بَلْ يَتَعَدَّاها إِلَى كُلِّ ما يَدخُلُ تَحتَ لَفظِها العَامِّ. فَهَذِهِ الآيَةُ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّها نَزَلَتْ فِي كَعبِ بنِ الأَشرَفِ، فَلَيسَ الأَمرُ مَحصورًا فِي زَمَنِهِ، بَلْ مَعْناها باقٍ فِي كُلِّ زَمانٍ: هَيِّئْ نَفسَكَ، يا عَبدَ اللهِ، لِنُزولِ البَلاءِ، فَإِنَّكَ سَتُبتَلَى فِي مالِكَ، وَسَتُبتَلَى فِي نَفسِكَ، وَسَتَسمَعُ أَذًى كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَمِنَ المُشرِكِينَ. فَالعِبرَةُ بِعُمومِ اللَّفظِ، وَلَوْ لَمْ نَأْخُذْ بِهَذِهِ القاعِدَةِ، لَصارَتْ آياتُ القُرآنِ الكَرِيمِ كَأَنَّها مَحصورَةٌ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذا باطِلٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَولَهُ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، نَزَلَ فِي مُناسَبَةٍ، وَلَكِنْ حُكمُهُ باقٍ إِلَى يَومِ القِيامَةِ؟ وَكَذَلِكَ الأَمرُ فِي سائرِ الأَحكامِ.
وَمِنْ أَقوَى ما ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّها نَزَلَتْ فِي كَعبِ بنِ الأَشرَفِ، ذَلِكَ اليَهُودِيِّ الخَبِيثِ. وَقِصَّتُهُ أَنَّهُ كانَ شاعِرًا مِنْ شُعَراءِ اليَهُودِ، يَهجُو النَّبِيَّ ﷺ هِجاءً شَدِيدًا، وَيَتَشَبَّبُ بِنِساءِ المُسلِمِينَ، أَيْ: يَذْكُرُهُنَّ فِي الشِّعرِ بِما فِيهِ أَذًى لِلعِرضِ، وَيُحَرِّضُ المُشرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَدْ جاءَ عَنْ جابِرٍ، أَنَّهُ، مِنْ شِدَّةِ ما وَقَعَ مِنْ أَذَى هَذَا اليَهُودِيِّ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». فَقامَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقتُلَهُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ». فَكانَ هَذا مِنْ جُمْلَةِ أَنْواعِ الأَذَى الَّذِي دَخَلَ فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ [آل عمران: 186].
وَقَولُهُ تَعالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]، مَعناهُ: سَتَسمَعُونَ، يا مُحَمَّدُ وَيا أُمَّتَهُ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصارَى الَّذِينَ يَنتَسِبُونَ إِلَى الكِتابِ، وَمِنَ المُشرِكِينَ، أَذًى كَثِيرًا. وَهَذا الأَذَى يَدخُلُ فِيهِ الطَّعنُ فِي الدِّينِ، وَالهِجاءُ، وَالإِرجافُ، وَالصَّدُّ عَنِ الإِيمانِ، وَالتَّحقِيرُ لِأَهلِ الحَقِّ، وَالتَّشْكِيكُ فِيما جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَكَعبُ بنُ الأَشرَفِ كانَ مِثالًا لِهَذَا؛ فَقَدْ كانَ يُحَرِّضُ المُشرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشِعرِهِ، فَانطَلَقَ إِلَيهِ خَمسَةٌ مِنَ الأَنصارِ، فِيهِم مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ، وَكانَ فِي العَوالِي، وَالعَوالِي ناحِيَةٌ مَعروفَةٌ فِي المَدِينَةِ، وَتَمْرُها وَعَجْوَتُها مِنْ أَشهَرِ ما يَكونُ. فَلَمَّا رَآهُم كَعبٌ، ذُعِرَ مِنهُم، وَأَنكَرَ شَأنَهُم، فَقالُوا: جِئْناكَ لِحاجَةٍ. فَقالَ: فَلْيَدنُ إِلَيَّ بَعضُكُمْ؛ لِأَنَّهُ كانَ جَبانًا، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهُم، وَصارَ يُحادِثُهُ عَنِ الأَذراعِ، وَأَوْهَمُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ شِراءَ شَيءٍ مِنْهُ، وَكانَ مُرابِيًا، فَعَرَضُوا عَلَيهِ ما عَرَضُوا، فَقالَ لَهُم: تَأتُونِي فِي وَقتِ كَذا. فَاتَّفَقُوا عَلَى مَوْعِدٍ، وَوَعَدُوهُ أَنْ يَأتُوهُ عِشاءً فِي اللَّيلِ. فَلَمَّا جاءُوا، نادَوْهُ، فَقالَتِ امرَأَتُهُ: ما طَرَقَكَ هَؤُلاءِ السّاعَةَ لِشَيءٍ تُحِبُّهُ. وَقالَتْ: أَرسِلْ إِلَى أَمثالِهِم مِنْ قَومِكَ يَكونُونَ مَعَكَ، فَأَبَى. وَقالَ لَهُم فِيمَا أَوْهَمُوهُ: أَتَرهَنُونَنِي أَبناءَكُمْ؟ فَقالُوا: نَستَحِي أَنْ تُعَيَّرَ أَبناؤُنا. قالَ: أَتَرهَنُونَنِي نِساءَكُمْ؟ فَقالُوا: لَا نَأمَنُكَ. وَلَكِنْ نَرهَنُكَ سِلاحَنا. فَاطْمَأَنَّ عَدُوُّ اللهِ، وَنَزَلَ إِلَيهِم، وَكانَ يَفوحُ عِطرُهُ. فَقالُوا: ما هذِهِ الرِّيحُ؟ فَدَنَا إِلَيهِ بَعضُهُم يَشَمُّ رِيحَهُ، ثُمَّ اعتَنَقَهُ، فَقَالُوا: اِقتُلُوا عَدُوَّ اللهِ، فَقَتَلُوهُ. وَكانَ فِي هَذِهِ الحادِثَةِ زَجرٌ لِليَهُودِ؛ لِأَنَّهُم تَجَرَّؤُوا كَثِيرًا عَلَى المُسلِمِينَ، وَزَادَ أَذاهُمْ يَومًا بَعدَ يَومٍ. فَلَمَّا استَيقَظُوا عَلَى خَبَرِ مَقتَلِ زَعِيمٍ مِنْ زُعَمائِهِم، ذُعِرُوا، وَذَهَبَ الخُبَثاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُونَ، وَيَقُولُونَ: قُتِلَ سَيِّدُنا غِيلَةً! فَذَكَّرَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَنِيعِهِ، وَبِأَنَّهُ كانَ يُؤذِيهِ، وَيَنالُ مِنْ أَعراضِ المُسلِمِينَ، وَيُحَرِّضُ عَلَيهِم. فَكانَ هَذَا جَزاءَهُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ، مَعَ أَنَّهُ أَعلَمُ النَّاسِ بِالحِلمِ وَالخُلُقِ الحَسَنِ، فَقَدْ كانَ سَيِّدَ المُجاهِدِينَ أَيْضًا، وَإِذا رَأَى أَنَّ الأَذَى قَدْ زَادَ، وَأَنَّ الحاجَةَ دَعَتْ إِلَى زَجرِ أَهلِ الفَسادِ، أَمَرَ بِمِثلِ هَذَا.
فَالمَعْنى إِذًا: أَنَّكُمْ سَتُبتَلَوْنَ فِي أَموالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وَسَتَسمَعُونَ أَذًى كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَمِنَ المُشرِكِينَ. وَهَذا الأَذَى لَمْ يَنقَطِعْ، بَلْ نَحنُ فِي هَذا الزَّمانِ نَسمَعُ أَنْواعًا مِنَ الطَّعنِ فِي الدِّينِ، وَالسَّعْيِ فِي تَبدِيلِ دِينِ اللهِ، وَالصَّدِّ عَنِ الإِيمانِ، وَتَخطِئَةِ مَنْ آمَنَ. وَكَمْ نَسمَعُ اليَومَ مِمَّن يَنتَسِبُ إِلَى الحَضارَةِ، أَوْ إِلَى التَّحدِيثِ، أَوْ إِلَى الحُرِّيَّةِ، مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُبَدِّلَ أَحكامَ اللهِ، وَيُغَيِّرَ دِينَهُ، وَيُسَمِّيَ ذَلِكَ حُرِّيَّةً، أَوْ تَطَوُّرًا، أَوْ حَضارَةً. فَيَقولُ بَعضُهُم: لِماذا نَبقَى عِندَ النُّصوصِ كَما جاءَتْ؟ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ تَحريرَها، وَإِنَّما يُرِيدُ تَبدِيلَ دِينِ اللهِ. فَيُسَمِّي الخَمرَ بِاسْمٍ آخَرَ، وَيُسَمِّي الرِّبا بِاسْمٍ آخَرَ، وَيُسَمِّي خُروجَ المَرأَةِ كاشِفَةً عَورَتَها بِاسْمٍ آخَرَ. بَلْ بَلَغَ الأَمرُ أَنْ يَقولَ بَعضُهُم، وَهُوَ يَنتَسِبُ إِلَى العِلمِ: لَا نَصَّ فِي الكِتابِ وَلَا فِي الحَديثِ عَلَى وُجوبِ سَترِ المَرأَةِ عَورَتَها عِندَ خُروجِها أَمامَ الأَجانِبِ! وَهَذَا مِنْ أَعظَمِ الكَذِبِ وَالأَذَى. وَبَعضُهُم يَتَجَرَّأُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَصفُهُ بِما لَا يَلِيقُ، أَوْ يَزعُمُ أَنَّهُ يُخطِئُ فِي الشَّرِيعَةِ. وَهَذا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186].
وَهُنَا تَنبيهٌ مُهِمٌّ: إِذا سَمِعْنا فِي القُرآنِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 186]، أَوْ سَمِعْنا: أَهلَ الكِتابِ، فَلَيسَ المَعنى أَنَّهُمْ مُؤمِنُونَ حَقًّا، بَلِ المُرادُ الَّذِينَ يَنتَسِبُونَ إِلَى الكِتابِ. أَمَّا الكِتابُ فِي أَصلِهِ، فَالتَّوراةُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وَالإِنجِيلُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وَالزَّبورُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وَالقُرآنُ كِتابٌ سَماوِيٌّ. فَالتَّوراةُ أُنزِلَتْ عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ، وَالإِنجِيلُ عَلَى عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، وَالزَّبورُ عَلَى داوودَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَالقُرآنُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. فَإِذا قُلنا: التَّوراةُ، فَالمُرادُ بِها مَا أُنزِلَ عَلَى مُوسَى، لَا المَحرَّفُ الَّذِي فِي أَيدِي النَّاسِ اليَومَ. وَإِذا قُلنا: الإِنجِيلُ، فَالمُرادُ بِهِ مَا أُنزِلَ عَلَى عِيسى، لَا المَحرَّفُ. وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ نَسَبُوا أَنفُسَهُمْ إِلَى الكِتابِ، فَخاطَبَهُمُ اللهُ عَلَى هَذا الاِعتِبارِ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. فَبَعدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ سُبحانَهُ أَنَّ البَلاءَ وَالأَذَى وَاقِعانِ لَا مَحالَةَ، بَيَّنَ لَنا بِماذا نُقابِلُ ذَلِكَ. أَنْ نُقابِلَهُ بِالصَّبرِ وَالتَّقْوَى. وَدَخَلَ فِي هَذا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُؤْمِنُونَ. وَمَعْنى ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: 186]: إِنْ تَصبِرُوا عَلَى أَذاهُمْ، وَالصَّبرُ هُنا لَا يَعْنِي أَنْ نَكونَ أَذِلَّاءَ عِندَهُمْ، لَا، بَلْ نَحنُ أَعِزَّاءُ بِدِينِنَا، وَلَا نَذِلُّ لِكافِرٍ. وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». وَلَكِنَّ الصَّبرَ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يَدخُلُ فِيها الصَّبرُ الوَاجِبُ بِأَنْواعِهِ. فَمِنْهُ: الصَّبرُ عَلَى أَداءِ ما افْتَرَضَ اللهُ تَعالَى عَلَيْنا؛ فَإِنَّ أَداءَ الواجباتِ يَحتاجُ إِلَى صَبرٍ. وَمِنْهُ: الصَّبرُ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ؛ أَيْ: أَنْ نَحبِسَ أَنفُسَنا عَنِ الحَرامِ. وَمِنْهُ: الصَّبرُ عَلَى ما ابتَلاكَ اللهُ تَعالَى بِهِ؛ بِمَعْنى أَلَّا تَتَسَخَّطَ عَلَى اللهِ، وَلَا تَعتَرِضَ عَلَيْهِ. فَالصَّبرُ مَعناهُ: حَبْسُ النَّفسِ، وَقَهرُها عَلَى مَكروهٍ تَتَحَمَّلُهُ، أَوْ عَلَى لَذِيذٍ تُفارِقُهُ. وَقَولُهُ: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 186]، أَيْ: تَتَّقُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَلَا تَترُكُوا الواجباتِ، وَلَا تَقَعُوا فِي المُحَرَّماتِ.
فَإِذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، كانَ هَذا مِنْ صَوابِ التَّدبِيرِ، وَمِنْ كَمالِ الرُّشدِ. وَهَذا مَعنى قَولِهِ: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. أَيْ: مِنَ الأُمورِ الَّتِي يُعزَمُ عَلَيها، وَيُؤَكَّدُ فِعلُها، وَلَا يَنبَغِي لِعاقِلٍ تَركُها. وَمِنْهُ ما وَرَدَ فِي الحَديثِ: «وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي». فَمَعنى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]: مِنْ صَوابِ التَّدبِيرِ الَّذِي لَا شَكَّ أَنَّ الرُّشدَ فِيهِ، وَمِنَ الأُمورِ الَّتِي يَنبَغِي أَنْ يُؤَكِّدَ العَبدُ عَلَى نَفسِهِ فِعلَها، وَلَا يَترُكَها.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]. فَبَعدَ البَيانِ الَّذِي جاءَ بِما سَيُصِيبُ النَّبِيَّ ﷺ وَالمُسلِمِينَ مِنْ أَنْواعِ الأَذَى وَأَنْواعِ البَلاءِ، وَبَعدَ ذِكرِ الشُّبَهِ الَّتِي أَثارَها الطّاعِنُونَ، جاءَ البَيانُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيُبْطِلَ هَذِهِ الشُّبَهَ. وَهُنَا تَنبيهٌ: إِذا أَثارَ الطّاعِنُونَ شَيئًا، فَنَحنُ نُسَمِّيهِ شُبْهَةً، وَلَا نُسَمِّيهِ دَلِيلًا. فَالدَّليلُ، فِي الأُصولِ، هُوَ ما يَقودُكَ إِلَى الحَقِّ. فَإِذا قُلتَ: ما دَليلُ أَهلِ السُّنَّةِ عَلَى إِثباتِ عَذابِ القَبرِ؟ قُلتَ: مِنَ الأَدِلَّةِ قَولُهُ تَعالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46]، وَمِنها قَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. وَإِذا قُلتَ: ما دَليلُ إِثباتِ القَدَرِ؟ قُلتَ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. فَهَذا دَلِيلٌ يُوصِلُكَ إِلَى الحَقِّ. أَمَّا الشُّبهَةُ، فَهِيَ شَيءٌ مُضمَحِلٌّ، لَيسَ دَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ يُوهِمُ مَنْ يَسمَعُهُ أَنَّهُ دَلِيلٌ. فَقَدْ يَأتِيكَ واحِدٌ يُنْكِرُ القَدَرَ، ثُمَّ يَقولُ لَكَ: أَلَيسَ اللهُ قالَ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]؟ فَتَقولُ: نَعَمْ، اللهُ لَا يَظلِمُ أَحَدًا، وَلَا يُريدُ ظُلمًا لِلعالَمِينَ، وَقَدْ قالَ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. وَلَكِنْ أَيْنَ مَا تَقولُهُ مِنَ الآيَةِ؟ فَهُوَ أَثارَ شُبهَةً، وَزَعَمَ أَنَّ إِثباتَ القَدَرِ يَلزَمُ مِنْهُ نِسبَةُ الظُّلمِ إِلَى اللهِ، وَهَذا باطِلٌ. فَالشُّبهةُ شَيْءٌ، وَالدَّليلُ شَيْءٌ آخَرُ. وَهَؤُلاءِ اليَهُودُ وَغَيرُهُمْ إِنَّما كانُوا يُثِيرُونَ الشُّبَهَ، لَا الأَدِلَّةَ.
فَلَمَّا جاءَ رَدُّ تِلكَ الشُّبَهِ، جاءَ البَيانُ مِنَ اللهِ تَعالَى: أَنَّكُم، يا يَهُودُ، وَيا نَصارَى، وَيا مَنْ يَنتَسِبُ إِلَى الكِتابِ، قَدْ جاءَتكُمُ الأَخبارُ مِنْ قَبلُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلِماذا تُكَذِّبُونَهُ الآنَ؟ فَما أَثَرْتُمُوهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكرُهُ لَيسَ حُجَجًا وَلَا أَدِلَّةً، بَلْ هُوَ شُبَهٌ. فَجاءَ مَزيدٌ مِنْ دَحضِها وَإِبطالِها بِقَولِهِ تَعالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 187]، أَيْ: وَاذكُرْ، يا مُحَمَّدُ، إِذْ أَخَذَ اللهُ عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبلُ العَهدَ المُؤَكَّدَ، وَالمِيثاقَ الغَلِيظَ، بِأَنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنَّاسِ، وَلَا يَكتُمُوهُ.
وَقَولُهُ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]، قَدِ اخْتَلَفَ أَهلُ التَّفسيرِ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران: 187]. فَبَعضُهُم قالَ: المَقصودُ الكِتابُ؛ لِأَنَّهُ أَقرَبُ مَذكورٍ. وَبَعضُهُم قالَ: المَقصودُ مُحَمَّدٌ ﷺ، أَيْ: لَتُبَيِّنُنَّ وَصْفَهُ، وَنُبُوَّتَهُ، وَصِحَّةَ دِينِهِ لِلنَّاسِ. وَهَذا مَعْنًى حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُمْ كانُوا يَجِدُونَ وَصفَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ، وَكانَ مَأخُوذًا عَلَيهِم أَنْ يُبَيِّنُوا ذَلِكَ، وَلَا يَكْتُمُوهُ. فَيَشْمَلُ هَذا أَنْ يُبَيِّنُوا صِحَّةَ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا. وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]، تَأكيدٌ لِلمَعنى، فَـ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران: 187] مَعناهُ: لَتُظهِرُنَّهُ، وَ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] أَيْ: لَا تُخفُوا النُّصوصَ الَّتِي عِندَكُم، وَلَا تُحَرِّفُوا، وَلَا تَكْذِبُوا، وَلَا تُثِيرُوا الشُّبَهَ.
فَماذا كانَ مِنهُمْ؟ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]. وَالنَّبذُ مَعناهُ: الطَّرحُ وَالتَّركُ. أَيْ: طَرَحُوا هَذا المِيثاقَ، وَتَرَكُوا ما أُخِذَ عَلَيهِم، وَلَمْ يَقُومُوا بِهِ، بَلْ أَلقَوْهُ خَلفَ ظُهورِهِم، كَأَنَّهُ شَيءٌ لَا قِيمَةَ لَهُ عِندَهُمْ. وَماذا استَبدَلُوا بِهِ؟ قالَ تَعالَى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187]. أَيْ: اسْتَبْدَلُوا بِالحَقِّ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيهِم بَيانُهُ مَتاعًا قَلِيلًا مِنَ الدُّنيا الزّائِلَةِ، مِنْ جاهٍ، أَوْ مالٍ، أَوْ رِياسَةٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ عاجِلَةٍ. فَكَيْفَ كانَتْ تِجارَتُهُمْ؟ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]. فَهِيَ تِجارَةٌ خاسِرَةٌ، وَصَفْقَةٌ فاسِدَةٌ. وَكَما قالَ تَعالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16].
فَالحاصِلُ: أَنَّ اللهَ تَعالَى أَخبَرَ فِي هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أَنَّ البَلاءَ وَاقِعٌ لَا مَحالَةَ عَلَى المُؤمِنِينَ فِي أَموالِهِم وَأَنْفُسِهِم، وَأَنَّهُمْ سَيَسمَعُونَ أَذًى كَثِيرًا مِنْ أَهلِ الكِتابِ وَمِنَ المُشرِكِينَ، وَأَنَّ طَرِيقَ النَّجاةِ عِندَ ذَلِكَ هُوَ الصَّبرُ وَالتَّقْوَى، وَأَنَّ هَذَا مِنْ عَزْمِ الأُمورِ. ثُمَّ فَضَحَ اللهُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، بِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَيهِمُ المِيثاقَ أَنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ، فَكَتَمُوهُ، وَنَبَذُوهُ، وَبَاعُوهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ، فَكانَتْ صَفْقَتُهُمْ مِنْ أَخبَثِ الصَّفَقاتِ، وَمِنْ أَعظَمِ أَسْبابِ ضَلالِهِم وَخُسْرانِهِم.