بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)﴾ [آل عمران: 179]
يُبَيِّنُ اللهُ تباركَ وتعالى في هٰذِهِ الآيةِ الكريمةِ أَنَّهُ لا يَتْرُكُ المؤمنينَ مُخْتَلِطِينَ بِأَهْلِ النِّفاقِ، ولا يَدَعُ الأُمورَ مُلْتَبِسَةً حتّى لا يُعْرَفَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، وَلا المُخلِصُ مِنَ المُنافِقِ، بَلْ مِنْ سُنَنِ اللهِ تعالى أَنْ يُظْهِرَ الأُمورَ، وَأَنْ يُبَيِّنَ أَحْوالَ العِبادِ، وَأَنْ يَمِيزَ بَيْنَ الخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ. فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مَعناهُ: ما كانَ اللهُ لِيَتْرُكَ المؤمنينَ عَلَى الحالِ الَّتي أَنْتُمْ عَلَيْها، إِنْ أُخِذَ الخِطابُ على قَولِ مَنْ قالَ: إِنَّ المُرادَ بِهِ الكُفّارُ، أَيْ: ما كانَ اللهُ لِيَتْرُكَ المؤمنينَ مُلْتَبِسِينَ بِالكُفّارِ، أَوْ عَلَى حالٍ لا يَتَبَيَّنُ فيها المُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنَ المُنافِقِ المُرْتابِ.
فَمَعنى الآيةِ: أَنَّ اللهَ تعالى لا يَتْرُكُ أَهْلَ الإِيمانِ وَأَهْلَ النِّفاقِ مُخْتَلِطِينَ اخْتِلاطًا لا يَظْهَرُ مَعَهُ أَمْرُ هٰذا مِنْ هٰذا، حتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، أَيْ: حتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ عَنِ المُخْلِصِ، وَيُظْهِرَ أَهْلَ الصِّدْقِ وَأَهْلَ الإِيمانِ، وَيُبَيِّنَ أَهْلَ الكُفْرِ وَالنِّفاقِ. وَهٰذا مِنْ مَقاصِدِ الاِبْتِلاءِ، وَمِنْ حِكَمِ المِحَنِ، وَمِنْ أَسْرارِ التَّمْحِيصِ الَّذي يُجْرِيهِ اللهُ تعالى على عِبادِهِ.
وَإِذا أَخَذْنا الآيةَ على السِّياقِ الَّذي وَرَدَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَهُوَ السِّياقُ الَّذي لا تَزالُ هٰذِهِ الآياتُ تَتَوالى فيهِ، تَبَيَّنَ لنا هٰذا المَعنى أَشَدَّ التَّبَيُّنِ. فَإِنَّكُمْ تَذْكُرونَ أَنَّ خُروجَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ باتِّجاهِ أُحُدٍ كانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَأَنَّ المَعْرَكَةَ نَفْسَها كانَتْ يَوْمَ سَبْتٍ. فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكانَ مَعَهُ نَحْوُ الأَلْفِ، وَكانَ جَيْشُ المُشْرِكينَ نَحْوَ الثَّلاثَةِ آلَافٍ، بَلَغَ ﷺ مَوْضِعًا قَرِيبًا مِنْ ساحَةِ القِتالِ، وَهُوَ المَوْضِعُ المَعْروفُ الآنَ عِنْدَ كثيرٍ مِنَ الزّائِرينَ بِمَسْجِدِ الدِّرْعِ، أَوْ مَسْجِدِ اللَّأْمَةِ، وَاللَّأْمَةُ مَعناها الدِّرْعُ. وَهٰذا المَكانُ مَعْروفٌ الآنَ، إِذا خَرَجَ الإِنسانُ مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُتَوَجِّهًا إِلى أُحُدٍ، وَسارَ في الطَّريقِ المَشْهورِ الَّذي يُسَمَّى طَريقَ سَيِّدِ الشُّهَداءِ، كانَ جَبَلُ أُحُدٍ أَمامَهُ، وَكانَ هٰذا المَسْجِدُ إِلى يَسارِهِ على الطَّريقِ الرَّئيسِ. وَقَدْ صارَ اسمُ الحَيِّ هُناكَ أَيْضًا يُعْرَفُ بِحَيِّ الدِّرْعِ.
فَلَمّا وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلى هٰذا المَوْضِعِ، وَصارَ الأَمْرُ قَريبًا مِنْ ساحَةِ القِتالِ، انْسَحَبَ رَأْسُ المُنافِقينَ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلولٍ، بِثُلُثِ الجَيْشِ. وَهٰذا، بِحِساباتِ الجُيوشِ وَمَوازينِ الحُروبِ، أَمْرٌ مُزَلْزِلٌ جِدًّا؛ فَأَنْ يَنْسَحِبَ ثُلُثُ الجَيْشِ قُبَيْلَ القِتالِ، وَهُمْ قَريبونَ مِنَ المَعْرَكَةِ، أَمْرٌ يُحْدِثُ رَجَّةً شَديدَةً في الصُّفوفِ. فَانْسَحَبَ نَحْوُ ثَلاثِمِائَةِ مُقاتِلٍ، وَلَمْ يَكْتَفِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِالانْسِحابِ، بَلْ صَنَعَ صَنْعَةَ أَهْلِ النِّفاقِ في كُلِّ زَمانٍ، وَهِيَ الإِرْجافُ، وَبَثُّ الوَهْنِ، وَنَفْخُ الذُّعْرِ، وَتَزْيِينُ التَّراجُعِ. فَصارَ يَقولُ لِمَنْ بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنْتُمْ إِلى أَيْنَ تَذْهَبونَ؟ أَنْتُمْ تُهْلِكونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنْتُمْ تَذْهَبونَ إِلى حَتْفِكُمْ، بَقِيتُمْ سَبْعَمِائَةٍ في مُواجَهَةِ ثَلاثَةِ آلَافٍ، وَالكُفّارُ يَسْتَأْصِلونَكُمْ، فَارْجِعوا وَانْسَحِبوا مِنْ ساحَةِ القِتالِ.
فَهٰهُنا ظَهَرَ التَّمْييزُ، وَبانَتِ الغَرْبَلَةُ، وَانْكَشَفَتِ السَّرائِرُ. وَهٰذا مِنْ مَعاني قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فَإِنَّ مِنَ المُنافِقينَ مَنْ يَنْدَسُّ في الأُمَّةِ، وَيَبْقى مَخْفِيًّا، حتّى تَأْتيَ الفِتَنُ، وَتَنْزِلَ المِحَنُ، فَيَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَتَظْهَرَ حَقيقَتُهُ. وَكَذٰلِكَ في زَمانِنا تَجِدُ أَبْواقًا ناعِقَةً، وَأَلْسِنَةً مَأْجورَةً، وَأَقلامًا مُنْحَرِفَةً، كَأَنَّ وَظيفَتَها أَنْ تَضْرِبَ هٰذِهِ الأُمَّةَ مِنْ داخِلِها، وَأَنْ تَبُثَّ فيها الوَهْنَ، وَالذُّعْرَ، وَالخَوْفَ، وَاليَأْسَ، وَإِحْساسَ الهَزيمَةِ. يَقولونَ لِلنّاسِ: أَنْتُمْ مَهْزومونَ، وَأَنْتُمْ لا تَقْدِرونَ على مُواجَهَةِ العَدُوِّ، وَتَنازَلوا عَنْ أَرْضِكُمْ، وَاهْجُروا فِلَسْطينَ، وَأَنْتُمْ سَتُبادونَ، وَلا مَأْوَى لَكُمْ. وَيَتَعَمَّدونَ أَنْ يُتْرَكوا أَهْلَنا في البَرْدِ، وَبِلا مَأْوًى، وَبِلا غِطاءٍ، وَبِلا سَكَنٍ، وَيُضَيِّقوا عَلَيْهِم إِلى أَقْصى دَرَجَةٍ؛ لِيُخْرِجوهُمْ مِنْ أَرْضِهِم. وَلٰكِنَّ كُلَّ هٰذِهِ الأَبْوابِ، عِنْدَ حَقيقَةِ الأَمْرِ، كَالسَّرابِ، لا أَثَرَ لَها عِنْدَ قَضاءِ اللهِ وَوَعْدِهِ.
فَكُلَّما مَرَرْتَ عَلى هٰذِهِ الآيةِ، وَعَلى مِثْلِها، فَخُذِ الجَوابَ مِنْ كِتابِ اللهِ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فَهٰذَا الاِبْتِلاءُ، وَهٰذِهِ المِحْنَةُ، وَهٰذَا التَّضْيِيقُ، وَهٰذَا التَّمْييزُ، كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ ما يُظْهِرُ اللهُ بِهِ أَهْلَ النِّفاقِ، وَيُبَيِّنُ بِهِ أَهْلَ الصِّدْقِ.
وَلِذٰلِكَ يَقولُ قائِلٌ: حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ قَتْلٌ، وَحَصَلَ الآنَ قَتْلٌ، وَرَأَيْنا في أُحُدٍ مَصْرَعَ سَيِّدِ الشُّهَداءِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَرَأَيْنا التَّمْثيلَ بِجَسَدِهِ، وَبَقْرَ بَطْنِهِ، وَإِخْراجَ كَبِدِهِ، وَجَدْعَ أَنْفِهِ، وَقَطْعَ آذانِهِ، وَجَعْلَها حُلِيًّا لِلنِّساءِ، وَقُتِلَ نَحْوُ سَبْعينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ. فَما الحِكْمَةُ؟ يُقالُ: مِنَ الحِكَمِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]. أَلَيْسَتْ عِنْدَنا شَهادَةُ مَعْرَكَةٍ في سَبيلِ اللهِ؟ أَلَيْسَ الشَّهيدُ مَنْزِلَتُهُ عَظيمَةً؟ أَلَيْسَ اللهُ قالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]؟ فَمِنَ الحِكَمِ أَنْ يَشاءَ اللهُ لِبَعْضِ عِبادِهِ أَنْ يَكونوا شُهَداءَ مَعْرَكَةٍ، وَأَنْ يَفوزوا بِهٰذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ.
وَمِنَ الحِكَمِ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ اللهُ بِالاخْتِبارِ أَمْرَ العِبادِ. فَلَمّا كانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ما كانَ، ظَهَرَ النِّفاقُ، وَانْكَشَفَ المَرَضُ، وَبانَتِ السَّرائِرُ. وَلَمّا صَرَخَ ابْنُ قَمِيئَةَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وَأَرادَ بِذٰلِكَ أَنْ يُزَلْزِلَ الجَيْشَ أَكثَرَ، وَصَدَّقَ بَعْضُ المُسْلِمينَ ذٰلِكَ، وَتَفَرَّقَ النّاسُ بَعْدَ اخْتِراقِ الصُّفوفِ وَالتِفافِ المُشْرِكينَ مِنْ جِهَةِ جَبَلِ الرُّماةِ، وَصَعِدَ بَعْضُهُمْ إِلى الجَبَلِ، وَنَزَلَ بَعْضُهُمْ إِلى الوادِي، حَصَلَتِ الفِتْنَةُ، وَبانَتِ المَعْدِنِيّاتُ. فَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّقَ وَتَراجَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ وَقاتَلَ.
وَمِن أَعْظَمِ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ يَوْمَئِذٍ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَلَمّا لَقِيَ بَعْضَ مَنْ تَرَكَ سَاحَةَ القِتالِ، وَقالَ لَهُمْ: أَيْنَ تَذْهَبونَ؟ قالوا: يُقالُ إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ ماتَ. فَقالَ لَهُمْ: إِنْ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قَدْ ماتَ، فَما تَصْنَعونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ ارْجِعوا فَموتوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسولُ اللهِ ﷺ. ثُمَّ قالَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ عِنْدَ أُحُدٍ. فَرَجَعَ وَقاتَلَ قِتالًا شَديدًا، وَتَلَقّى في جَسَدِهِ أَكْثَرَ مِن سَبْعينَ ضَرْبَةً، حَتّى لَمْ يُعْرَفْ جَسَدُهُ مِنْ كَثْرَةِ ما أُصيبَ بِهِ، وَما عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ إِلَّا مِنْ أَطْرافِ أَصابِعِهِ، فَقالَتْ: هٰذِهِ أَصابِعُ أَخي أَنَسٍ. فَهٰذا كُلُّهُ مِنْ مَعاني قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
ثُمَّ قالَ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فَعِلْمُ الغَيْبِ الكُلِّيُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لا يَعْلَمُ الغَيْبَ كُلَّهُ إِلَّا اللهُ. لا مَلَكٌ يَعْلَمُ الغَيْبَ كُلَّهُ، وَلا نَبِيٌّ يَعْلَمُ الغَيْبَ كُلَّهُ، وَلا أَحَدٌ مِنَ الخَلْقِ يَعْلَمُ الغَيْبَ كُلَّهُ، بَلِ اللهُ سُبْحانَهُ وَحدَهُ هُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ.
فَمِن هٰهُنا يُعْلَمُ بُطْلانُ ما يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذونَ، وَالكُهّانُ، وَأَهْلُ الدَّجَلِ، الَّذينَ يَقُولونَ لِلنّاسِ: في بَدايَةِ السَّنَةِ أَصْحابُ بُرْجِ كَذا يَصيرُ لَهُم كَذا، وَأَصْحابُ بُرْجِ كَذا يَحْدُثُ لَهُم كَذا، وَالدَّوْلَةُ الفُلانيَّةُ سَيَقَعُ فيها كَذا، وَالشَّخْصُ الفُلانيُّ سَيَموتُ، وَالفُلانيُّ سَيَغْتَني، وَهٰذا كُلُّهُ دَجَلٌ، وَكَذِبٌ، وَشَياطينُ، وَلا يَنْبَغي لِلمُؤْمِنِ أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ. فَإِنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ يُصيبونَ في بَعْضِ الأَشياءِ! قيلَ لَهُ: نَعَمْ، قَدْ يَقَعُ وَفْقًا لِبَعْضِ ما قالوا، وَلٰكِنَّهُمْ يَخْلِطونَ الحَقَّ القَليلَ بِكَذِبٍ كَثيرٍ. قَدْ يَقولُ الواحِدُ مِنهُمْ مِائَةَ أَمْرٍ، فَيَقَعُ واحِدٌ مِنْها، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الجُهّالُ، وَيَنْسَوْنَ تِسْعَةً وَتِسْعينَ كَذِبَةً.
وَالشَّياطينُ أَصلًا لا تَعْلَمُ الغَيْبَ. هِيَ تُحاوِلُ أَنْ تَسْتَرِقَ السَّمْعَ، وَتَقْتَرِبَ مِنَ السَّماءِ، وَلٰكِنَّ الشُّهُبَ مُسَلَّطَةٌ عَلَيْها مِنْ بعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلا تَسْتَطيعُ أَنْ تَخْتَرِقَ السَّماءَ، وَإِنَّما قَدْ تَقْتَرِبُ، فَتَسْمَعُ بَعْضَ ما يَتَذاكَرُهُ المَلائِكَةُ مِنَ الأَوامِرِ الَّتي أُمِروا بِتَنْفيذِها، فَتَأْخُذُ مِنْ ذٰلِكَ كَلِمَةً، ثُمَّ تَخْلِطُ بِها مِائَةَ كَذِبَةٍ. فَلا يَنْبَغي لِلمُؤْمِنِ أَنْ يَذْهَبَ إِلى الكاهِنِ، أَوِ العَرّافِ، أَوْ مَنْ يَقْرَأُ الكَأْسَ أَوِ الفِنْجانَ، أَوْ يَنْظُرُ في الأَبْراجِ، أَوْ يَسْأَلُ عَنْ بَخْتِهِ، أَوْ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ. بَلْ يَقولُ: يا رَبِّ، وَيَدْعو اللهَ تعالى، وَلا يَذِلُّ نَفْسَهُ لِهٰؤُلاءِ. وَقَدْ جاءَ في الحَديثِ أَنَّ مِنْ عَلاماتِ عِزِّ العَبْدِ المُؤْمِنِ اسْتِغْناؤُهُ عَنِ النّاسِ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: ما كانَ اللهُ لِيَجْعَلَكُمْ، أَيُّهَا النّاسُ، مُطَّلِعينَ عَلَى الغَيْبِ كُلِّهِ، حَتّى تَعْلَموا مَنْ هُوَ المُؤْمِنُ الصّادِقُ، وَمَنْ هُوَ المُنافِقُ الكاذِبُ، وَمَنْ هُوَ مِن أَهْلِ الخَيْرِ، وَمَنْ هُوَ مِن أَهْلِ الشَّرِّ، مِن غَيْرِ ابْتِلاءٍ وَلا اخْتِبارٍ. لا، بَلْ اللهُ يُجْرِي الاِبْتِلاءاتِ، وَيُنْزِلُ المِحَنَ، فَتَظْهَرُ بِها الأَحْوالُ.
وَلٰكِنَّ اللهَ، إِذا شاءَ، يُطْلِعُ بَعْضَ رُسُلِهِ على بَعْضِ الغَيْبِ، لا اسْتِقلالًا مِنْهُم، وَلٰكِنْ وَحْيًا مِنَ اللهِ، فَلِذٰلِكَ قالَ: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وَ«يَجْتَبِي» مَعناها: يَصْطَفي، وَيَخْتارُ، وَيَقْرُبُهُ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِ. فَالنُّبُوَّةُ اصْطِفاءٌ مِنَ اللهِ، وَالرِّسالَةُ اجْتِباءٌ مِنَ اللهِ، وَإِذا اجْتَبى اللهُ رَسولًا مِنْ رُسُلِهِ، أَطْلَعَهُ على ما شاءَ مِنَ الغَيْبِ الَّذي يَخْبِرُ بِهِ النّاسَ، وَيَكونُ ذٰلِكَ مِن وَحْيِ اللهِ لا مِن ذَواتِ الأَنْبِياءِ.
وَمِن هٰهُنا نَفْهَمُ أَنَّ الأَنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَدْ أَخْبَروا عَنْ أَشْياءَ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ فَوَقَعَتْ، وَهِيَ مِنَ الغَيْبِ، وَلٰكِنَّها مِنْ وَحْيِ اللهِ، لا مِنْ عِلْمِهِمُ الذّاتِيِّ المُسْتَقِلِّ. فَنَبِيُّنَا ﷺ كَمْ أَخْبَرَ عَنْ أَشْياءَ في المُسْتَقْبَلِ وَوَقَعَتْ؟ أَخْبَرَ عَنْ عَلاماتِ السّاعَةِ، وَأَخْبَرَ عَنْ كَثْرَةِ القَتْلِ، وَهٰذا مَوْجودٌ. وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ في آخِرِ الزَّمانِ تَكْثُرُ الزَّلازِلُ، وَهٰذا أَيْضًا مِمَّا نَراهُ. وَأَخْبَرَ ﷺ عَنْ أَشْياءَ لَمْ تَكُنْ في زَمانِهِ، ثُمَّ حَصَلَتْ بَعْدَهُ. فَأَنْتَ اليَومَ تَمْشي بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدينَةِ، فَتَرى بَعْضَ الرِّمالِ الَّتي كانَتْ صَحْراءَ صَفْراءَ صِرْفًا، قَدِ اكْتَسَتْ خُضْرَةً، وَتَرى جُزءًا مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ قَدْ لَبِسَ الخُضْرَةَ، حَتّى تَتَعَجَّبَ: كَيْفَ نَبَتَ العُشْبُ عَلى هٰذِهِ الصُّخورِ؟ وَفي الوَقْتِ الَّذي نَرى فيهِ بِلادَ الشّامِ، الَّتي عُرِفَتْ بِالخَيْراتِ وَالأَنْهارِ وَالمَطَرِ، نَرى أَحْيانًا في الحِجازِ سُيولًا، وَفَيَضاناتٍ، وَأَمطارًا غَزيرَةً عَجيبَةً. فَيُسَمِّي بَعْضُ النّاسِ هٰذا تَبَدُّلًا مُناخِيًّا، وَيُعَبِّرونَ بِتَعْبيراتٍ حَديثَةٍ، وَلٰكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ أَنَّ أَحْوالَ النّاسِ، وَالأَرْضِ، وَالجَوِّ، تَتَغَيَّرُ في آخِرِ الزَّمانِ.
وَفي حَديثِ جِبْريلَ الطَّويلِ لَمّا قالَ ﷺ: «وَأَنْ تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ رِعاءَ الشّاءِ يَتَطاوَلونَ في البُنْيانِ»، كانَتْ جَزيرَةُ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ خِيامًا وَأَبْنِيَةً بَسيطَةً، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَصَوَّرُ ما نَراهُ اليَومَ مِنَ الشَّواهِقِ وَالأَبْنِيَةِ العالِيَةِ. وَلٰكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِذٰلِكَ فَوَقَعَ، فَكانَ مِنَ الغَيْبِ الَّذي أَعْلَمَهُ اللهُ إيّاهُ.
وَكَذٰلِكَ أَخْبَرَ ﷺ بِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَوَقَعَ بَعْدَ ثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ في آخِرِ الزَّمانِ إِذا قاتَلَ المُسْلِمونَ اليَهودَ، يَنْطِقُ الشَّجَرُ وَالحَجَرُ، فَيَقولُ: يا مُسْلِمُ، يا عَبْدَ اللهِ، هٰذا يَهودِيٌّ خَلْفي، تَعالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا شَجَرَ الغَرْقَدِ. وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ بُحَيْرَةَ طَبَرِيّا سَتَجِفُّ عِنْدَ خُروجِ يَأْجوجَ وَمَأْجوجَ، وَهِيَ إِلى الآنَ لَمْ تَجِفَّ. فَهٰذِهِ كُلُّها أَخْبارٌ غَيْبِيَّةٌ أَخْبَرَ بِها النَّبِيُّ ﷺ، وَلَيْسَ مَعْنى ذٰلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ كُلَّهُ، بَلْ مَعناهُ أَنَّ اللهَ أَطْلَعَهُ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ وَحْيًا وَإِكْرامًا.
فَمَعْنى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أَنَّ اللهَ يَصْطَفي مَنْ شاءَ مِنَ البَشَرِ، فَيَجْعَلُهُمْ أَنْبِياءَ وَرُسُلًا، وَيُوحِي إِلَيْهِم بِبَعْضِ الغَيْبِ الَّذي يُخْبِرونَ بِهِ عَنِ اللهِ تعالى، وَيَكونُ هٰذا عَلَى وَجْهِ الوَحْيِ، لا عَلَى وَجْهِ الاسْتِقْلالِ. وَهُنَا لَفْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ مُهِمَّةٌ: عِلْمُ الغَيْبِ الكُلِّيُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا مَا عِلِمَهُ الأَنْبِياءُ مِنَ الغَيْبِ فَهُوَ بِتَعْلِيمِ اللهِ لَهُمْ، لا بِذَوَاتِهِم.
ثُمَّ قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. وَهٰذا تَفْريعٌ عَلَى ما سَبَقَ؛ أَيْ: إِذا كانَ اللهُ هُوَ عالِمَ الغَيْبِ، وَهُوَ الَّذي يَجْتَبي مَنْ يَشاءُ مِنْ رُسُلِهِ، وَهُوَ الَّذي يُظْهِرُ الأُمورَ وَيُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَآمِنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلا تَتَّبِعوا أَهْلَ النِّفاقِ، وَلا أَهْلَ الدَّجَلِ، وَلا أَهْلَ التَّشْكِيكِ، وَلا مَنْ يَبُثُّونَ الوَهْنَ وَاليَأْسَ وَالارْتِيابَ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآيةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. فَالمَطْلوبُ مِنْكُمْ أَمْرانِ: الإِيمانُ، وَالتَّقْوى. الإِيمانُ الصَّحيحُ، وَالتَّقْوى الصّادِقَةُ. فَإِذا حَقَّقْتُم هٰذَيْنِ، كانَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَجْرٌ عَظيمٌ. وَهٰذا يَرْبِطُ أَوَّلَ الآيةِ بِآخِرِها؛ فَلَمّا بَيَّنَ أَنَّ اللهَ يُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَأَنَّهُ لا يُطْلِعُ الخَلْقَ عَلَى الغَيْبِ كُلِّهِ، وَأَنَّهُ يَجْتَبي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ، أَرْشَدَ العِبادَ إِلى ما يَنْبَغي عَلَيْهِم، وَهُوَ: أَنْ يُؤْمِنوا، وَأَنْ يَتَّقوا، فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلوا ذٰلِكَ، كانَ لَهُم أَجْرٌ عَظيمٌ.
فَخُلاصَةُ مَعْنى الآيةِ: أَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ أَهْلَ الإِيمانِ مُخْتَلِطينَ بِأَهْلِ النِّفاقِ دُونَ تَمْييزٍ، بَلْ يُجْرِي عَلَيْهِم مِنَ الابْتِلاءاتِ وَالمِحَنِ ما يَظْهَرُ بِهِ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، وَالخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ. وَأَنَّ اللهَ لا يُطْلِعُ الخَلْقَ عَلَى الغَيْبِ الكُلِّيِّ، وَلٰكِنَّهُ يَصْطَفي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ، فَيُعْلِمُهُ بِبَعْضِ الغَيْبِ وَحْيًا. وَالواجِبُ عَلَى العِبادِ أَنْ يُؤْمِنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَأَنْ يَتَّقوا اللهَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلوا ذٰلِكَ، فَلَهُمْ أَجْرٌ عَظيمٌ.