بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
أَلَيْسَ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْنَا نُفُوسُنَا بِذَلِكَ؟ كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. فَمَا مِنْ رَأْسٍ فَوْقَ جَسَدٍ إِلَّا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الحُكْمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ لَابُدَّ لَهَا أَنْ تَذُوقَ المَوْتَ، وَلَابُدَّ أَنْ تُلَاقِيَهُ. وَجَاءَ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا سَتُلَاقِي مِنْهُ مَا تُلَاقِي، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْهَا مَا يَكُونُ عِنْدَ حُلُولِ سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَعِنْدَ نُزُولِ العَبْدِ عَلَى فِرَاشِهِ، وَمُعَايَنَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُعَايِنُهُ مِنْ قَبْلُ. فَكُلُّنَا مَيِّتٌ، لَا مَحَالَةَ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]. أَيْ: إِنَّمَا يُعْطَى الجَزَاءُ التَّامُّ، وَالوَفَاءُ الكَامِلُ، يَوْمَ القِيَامَةِ. فَأَمَّا الأَجْرُ فَهُوَ الثَّوَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلَهُمُ العِقَابُ التَّامُّ فِي يَوْمِ الفَصْلِ وَالقَضَاءِ. فَهُنَاكَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَيُجَازَى كُلُّ أَحَدٍ بِعَمَلِهِ، فَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. بَلْ إِنَّ الأَرْضَ يَوْمَئِذٍ يُنْطِقُهَا اللهُ، وَالجُلُودَ تَتَكَلَّمُ، وَالجَوَارِحَ تَشْهَدُ، فَيُوَفَّى العَبْدُ أَجْرَهُ أَوْ عِقَابَهُ عَلَى التَّمَامِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. فَحَتَّى القَلِيلُ القَلِيلُ، وَالكَثِيرُ الكَثِيرُ، كُلُّ ذَلِكَ يُوَافَى بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَنْ هُوَ النَّاجِي، وَمَنْ هُوَ الفَائِزُ حَقًّا، فَقَالَ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. فَهَذَا هُوَ الفَائِزُ عَلَى الحَقِيقَةِ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الفَائِزِينَ. وَمَعْنَى الزَّحْزَحَةِ: الإِبْعَادُ. فَمَنْ أُبْعِدَ عَنِ النَّارِ، وَسُلِّمَ مِنْ عَذَابِهَا، ثُمَّ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، فَقَدْ ظَفِرَ بِالخَيْرِ كُلِّهِ، وَفَازَ بِأَعْظَمِ نَعِيمٍ أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى، وَنَجَّاهُ مِنْ أَشَدِّ العَذَابِ، وَمِنْ أَصْعَبِ الدِّيارِ، تِلْكَ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: 29]. فَمَنْ سَلَّمَهُ اللهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَأَدْخَلَهُ دَارَ الرَّاحَةِ، وَالسَّلَامِ، وَالسَّلَامَةِ، تِلْكَ الدَّارُ الَّتِي لَا نَكَدَ فِيهَا، وَلَا هَمَّ، وَلَا غَمَّ، وَلَا مَوْتَ، فَقَدْ نَالَ الفَوْزَ المُطْلَقَ.
وَدَارُنَا هَذِهِ، أَيْ: الدُّنْيَا، يَكْفِي فِي بَيَانِ نَقْصِهَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّكَ لَوْ رُزِقْتَ وَلَدًا، وَتَعَلَّقَ قَلْبُكَ بِهِ، لَبَقِيَ عِنْدَكَ هَمٌّ أَنْ يَمْرَضَ، أَوْ يُصِيبَهُ دَاءٌ، أَوْ يَمُوتَ. وَكَمْ مِنْ وَالِدٍ فَارَقَ وَلَدَهُ! بَلْ كَمْ، كَمَا هُوَ الحَاصِلُ فِي غَزَّةَ، مِنْ أَبٍ يَقُولُ: أَوْلَادِي كُلُّهُمْ شُهَدَاءُ! فَيَبْقَى عِنْدَ الإِنْسَانِ هَمُّ الدُّنْيَا، وَخَوْفُ المَوْتِ، حَتَّى الصَّحِيحُ مِنَّا، وَالغَنِيُّ، وَالفَقِيرُ، وَالأَمِيرُ، كُلُّهُمْ إِذَا تَذَكَّرُوا المَوْتَ تَنَغَّصَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: مَنْ أُبْعِدَ عَنْهَا، وَنُحِّيَ عَنْ عَذَابِهَا، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُطْلَقُ، وَظَفِرَ بِالخَيْرِ الأَكْمَلِ. وَقِيلَ فِي مَعْنَى الفَوْزِ: نَيْلُ المَحْبُوبِ، وَالبُعْدُ عَنِ المَكْرُوهِ. فَهَذَا الَّذِي نَالَ المَحْبُوبَ، وَهُوَ الجَنَّةُ، وَأُبْعِدَ عَنِ المَكْرُوهِ، وَهُوَ النَّارُ، هُوَ الفَائِزُ حَقًّا.
وَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. أَلَا نَسْمَعُ بِالمَفَازَةِ؟ يُقَالُ: دَخَلَ فُلَانٌ المَفَازَةَ، وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا، وَيَعْرِفَ طَرِيقَهُ، وَإِلَّا هَلَكَ، لِأَنَّهَا مَوْضِعُ خَطَرٍ، فِيهَا الحَيَّاتُ، وَالعَقَارِبُ، وَالأَفَاعِي. فَسُمِّيَتْ مَفَازَةً؛ لأَنَّ مَنْ نَجَا مِنْهَا فَقَدْ فَازَ. وَكَذَلِكَ مَنْ نَجَا مِنَ النَّارِ، وَحَازَ ثَوَابَ اللهِ فِي الجَنَّةِ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا حَقِيقِيًّا.
فَلَا مَقْصُودَ لِلإِنْسَانِ وَرَاءَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ: الخَلَاصُ مِنَ العَذَابِ، وَالوُصُولُ إِلَى الثَّوَابِ. وَقَدْ كانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». فَقِيلَ: الحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا هِيَ العَمَلُ الصَّالِحُ، وَالحَسَنَةُ فِي الآخِرَةِ هِيَ الجَنَّةُ. فَمَنْ نَالَ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، نَجَّاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ، فَقَدْ نَالَ المُرَادَ الأَقْصَى، وَالغَايَةَ الَّتِي لَا مَطْلُوبَ بَعْدَهَا.
وَفِي الدُّنْيَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَسْعَى الإِنْسَانُ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ الحُظُوظَ كُلَّهَا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، لَابُدَّ أَنْ تَتَغَيَّرَ، وَلَابُدَّ أَنْ تَتَحَوَّلَ، وَلَابُدَّ أَنْ تَزُولَ عَنْهُ. فَإِنْ خَرَجَ الإِنْسَانُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِمًا فِي دِينِهِ، فَقَدْ رَبِحَ. وَمَعْنَى السَّلَامَةِ: أَنْ يَبْقَى لَهُ دِينُهُ، فَإِذَا اسْتَبْقَتِ الدُّنْيَا عَلَى المَرْءِ دِينَهُ، فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرٍ. فَلَا حَاجَةَ أَنْ يَتَحَسَّرَ الإِنْسَانُ، فَيَقُولَ: فَاتَتْنِي فِي شَبَابِي فُرْصَةُ عُمْرٍ، أَوْ فَاتَتْنِي وَظِيفَةٌ، أَوْ قِطْعَةُ أَرْضٍ، أَوْ شِرَاءُ عَقَارٍ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. لَا تَجْعَلْ نَفْسَكَ تَذْهَبُ حَسَرَاتٍ عَلَى عَرَضٍ زَائِلٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ ذَاهِبٌ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تُفَكِّرَ فِيهِ هُوَ مَا أَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. فَفَكِّرْ فِي الرِّحْلَةِ الَّتِي أَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا، وَفِي القَبْرِ الَّذِي سَتَنْزِلُ إِلَيْهِ. اليَوْمَ تُرِيدُ السَّفَرَ بِالطَّائِرَةِ فَتَطِيرُ، وَلَكِنْ غَدًا سَتَنْزِلُ نُزُولًا إِلَى القَبْرِ، فَاسْتَعِدَّ لِذَلِكَ السَّفَرِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ الاِسْتِعْدَادُ؟ يَكُونُ بِتَقْوَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَيْفَ تَكُونُ التَّقْوَى؟ تَكُونُ بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ، وَاجْتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ. فَتُؤَدِّي مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ مِنَ الوَاجِبَاتِ، وَتَجْتَنِبُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَيْكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الوَاجِبَاتِ: أَنْ تَتَعَلَّمَ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ، الَّذِي تَعْرِفُ بِهِ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَالوَاجِبَ وَالمُحَرَّمَ، وَمَا يُحِبُّهُ اللهُ وَمَا لَا يُحِبُّهُ. فَبِالعِلْمِ يَتَبَيَّنُ لَكَ الطَّرِيقُ.
وَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا لَا تُنَالُ بِالتَّمَنِّي. مَا بَالُ دِينِكَ تَرْضَى أَنْ تُدَنِّسَهُ، وَإِنَّ ثَوْبَكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ؟ تَرْجُو النَّجَاةَ، وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا؟ إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ. فَهَلْ رَأَيْتَ سَفِينَةً تَجْرِي عَلَى الأَرْضِ اليَابِسَةِ؟ كَذَلِكَ مَنْ رَجَا النَّجَاةَ، وَلَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهَا، لَمْ يَصِلْ.
فَطَرِيقُ الجَنَّةِ عِلْمٌ وَعَمَلٌ. تَتَعَلَّمُ، وَتَعْمَلُ. وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ لَابُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَمُوَافَقَةٍ لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». فَأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُنَا: الإِيمَانُ. فَمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الإِيمَانِ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا. فَمَنْ مَاتَ كَافِرًا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَنْ تُقْبَلَ لَهُ حَسَنَةٌ، مَهْمَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَعْمَلُ الكَافِرُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً فِي ظَاهِرِهَا، فَيَنْفَعُ بِهَا النَّاسَ، فَكَيْفَ لَا تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ؟ قُلْنَا: جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ». وَمَعْنَى «لَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا»: أَيْ يُجَازَى عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لَا أَنَّهَا تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ. فَقَدْ يُطْعِمُ يَتِيمًا، أَوْ يَبْنِيَ مَكَانًا لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ يُعِينُ بَعْضَ الجَائِعِينَ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ النَّاسُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ القَبُولِ، وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ. فَالإِيمَانُ بِاللهِ شَرْطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ.
فَإِذًا الكَافِرُ يُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، أَيْ: يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ، وَيَلْبَسُ، وَيَتَنَفَّسُ، وَيُرْزَقُ أَوْلَادًا، وَتَصِلُ إِلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الرَّحْمَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ. أَمَّا إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ، لَا رَحْمَةَ، وَلَا تَخْفِيفَ عَذَابٍ، وَلَا شَفَاعَةَ، وَلَا رَاحَةَ، بَلْ هُوَ فِي عَذَابٍ مُهِينٍ دَائِمٍ لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا. أَمَّا المُؤْمِنُ، فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا مَاتَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللهِ، كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ.
ثُمَّ أَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». أَيْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلَكَ النَّاسُ، فَعَامِلْهُمْ أَنْتَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَإِنْ دَخَلْتَ المَسْجِدَ، وَأَحْبَبْتَ أَنْ يُفْسِحَ لَكَ إِخْوَانُكَ، فَإِذَا سَبَقْتَهُمْ يَوْمًا، وَجَاءُوا بَعْدَكَ، فَأَفْسِحْ لَهُمْ أَنْتَ. فَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ كَمَالِ الإِيمَانِ.
وَنَعَمْ، أَصْلُ الإِيمَانِ يَحْصُلُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الاِعْتِقَادِ، فَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ: مُؤْمِنٌ، وَيُقَالُ لَهُ: مُسْلِمٌ. وَلَكِنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعَاصِي. وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكُنْ مِنَ الإِيمَانِ فِي مَزِيدِ
وَفِي صَفَاءِ القَلْبِ ذَاتَ تَجْدِيدِ
بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ
وَتَرْكِ مَا لِلنَّفْسِ مِنْ شَهَوَاتِ
فَشَهْوَةُ النَّفْسِ مَعَ الذُّنُوبِ
مُوجِبَتَانِ قَسْوَةَ القُلُوبِ.
وَإِنَّ أَبْعَدَ قُلُوبِ النَّاسِ
عَنْ رَبِّنَا الرَّحِيمِ قَلْب قَاسِي
أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، وَقَوْلَهُ: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ فَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، بَلِ المَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَكُونُ فِي حَالِ ضَعْفٍ فِي إِيمَانِهِ. أَمَّا كَمَالُ الإِيمَانِ، فَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذَا الفَوْزِ العَظِيمِ فِي الآخِرَةِ، فَقَالَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾». فَمَوْضِعُ السَّوْطِ فَقَطْ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ بَسَاتِينٍ، وَأَنْهَارٍ، وَزِينَةٍ، وَخُضْرَةٍ. فَمَهْمَا ذَكَرْتَ عَنِ الجَنَّةِ، فَهِيَ أَعْظَمُ نَعِيمٍ أَعَدَّهُ اللهُ لِأَهْلِ الإِيمَانِ فِي الآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ الكَامِلِ، وَمِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ المُقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فَإِذَا كانَ هَذَا هُوَ النَّعِيمُ العَظِيمُ المُقِيمُ فِي الجَنَّةِ، فَمَا شَأْنُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي نَحْنُ فِيهَا؟ إِنَّ العَيْشَ فِيهَا مَتَاعٌ يَغُرُّ الإِنْسَانَ، بِمَا يُمَنِّيهِ مِنْ طُولِ البَقَاءِ، وَدَوَامِ النِّعْمَةِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَرِيبٍ.
وَمَعْنَى المَتَاعِ: كُلُّ مَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنْ مَالٍ، أَوْ لِبَاسٍ، أَوْ بَيْتٍ، أَوْ سَيَّارَةٍ، أَوْ قِدْرٍ، أَوْ قَصْعَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَكُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا زَائِلًا يُقَالُ لَهُ: مَتَاعٌ. وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَغُرُّ الإِنْسَانَ مِمَّا لَا يَدُومُ، فَهُوَ مَتَاعٌ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الدُّنْيَا ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]؛ لأَنَّ مَنْفَعَةَ الإِنْسَانِ بِهَا كَمَنْفَعَتِهِ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ الزَّائِلَةِ، فَكَمَا أَنَّهَا تَزُولُ عَنْهُ، وَتَنْقَطِعُ، فَكَذَلِكَ الدُّنْيَا تَزُولُ عَنْهُ، وَلَا يَبْقَى لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَهَذَا المَتَاعُ مَتْرُوكٌ، يُوشِكُ أَنْ يَضْمَحِلَّ وَيَزُولَ. فَمَاذَا نَأْخُذُ مِنْهُ إِذًا؟ أَخْبِرْنِي: إِذَا نَزَلْنَا إِلَى القَبْرِ، مَاذَا نَأْخُذُ مِنَ المَتَاعِ؟ أَتَحْمِلُ مَعَكَ إِلَى قَبْرِكَ بَيْتَكَ، أَوْ أَثَاثَكَ، أَوْ سَيَّارَتَكَ؟ الإِنْسَانُ إِذَا رَحَلَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ فِي الدُّنْيَا، احْتَاجَ رُبَّمَا إِلَى سَيَّارَةٍ كَبِيرَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، لِيَنْقُلَ أَثَاثَهُ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ. أَمَّا إِذَا نَزَلَ إِلَى القَبْرِ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ لَا. فَأَيْنَ المَتَاعُ إِذًا؟ ذَلِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَمَتَّعُ بِهِ صَارَ مُتْعَةً لِغَيْرِكَ. فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ، وَلَا تُفْنِ عُمْرَكَ كُلَّهُ فِي طَلَبِ مَتَاعٍ غَدًا يَتَمَتَّعُ بِهِ غَيْرُكَ، وَأَنْتَ تَنْزِلُ وَحِيدًا إِلَى قَبْرِكَ.
فَلَذَّاتُ الدُّنْيَا، وَشَهَوَاتُهَا، وَزِينَتُهَا، وَزَخَارِفُهَا، كُلُّ ذَلِكَ خِدَاعٌ مُضْمَحِلٌّ، ذَاهِبٌ زَائِلٌ. ثُمَّ حَتَّى هَذَا المَتَاعُ، هَلْ رَأَيْتَ مَتَاعًا مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ؟ هَلْ رَأَيْتَ تَحْقِيقَ أَمَلٍ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ؟ الدُّنْيَا هَكَذَا، لَابُدَّ أَنْ تَتَجَرَّعَ فِيهَا المَرَارَةَ. فَقَدْ يُفْنِي الرَّجُلُ حَيَاتَهُ يَجْمَعُ المَالَ لِيُقِيمَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا، ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهُ. وَقَدْ يَشْتَرِي الثِّيَابَ، وَيُكَلِّفُ نَفْسَهُ عَنَاءَ جَمْعِ المَالِ، ثُمَّ عَنَاءَ الذَّهَابِ إِلَى الخَيَّاطِ، وَالمَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ لِلقِيَاسِ، ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَلْبَسَهَا. فَإِلَى أَيْنَ ذَهَبَتْ؟ ذَهَبَتْ إِلَى غَيْرِهِ.
قَدْ يَجْمَعُ المَالَ غَيْرُ آكِلِهِ~ وَيَأْكُلُ المَالَ غَيْرُ مَنْ جَمَعَهُ.
فَإِذًا هَذِهِ الدُّنْيَا مَتَاعُ الغُرُورِ. وَالمُوَسْوِسُ فِيهَا شَيْطَانٌ غَرُورٌ. بَلْ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّيْطَانِ: الغَرُورُ، لِأَنَّهُ يَخْدَعُ الإِنْسَانَ، وَيُمَنِّيهِ، وَيُغَرِّيهِ بِمَتَاعِ الغُرُورِ. وَكَمَا أَنَّهُ فِي بَابِ المُعَامَلَاتِ يُقَالُ: بَيْعُ الغَرَرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْرِيرِ وَالخِدَاعِ، فَكَذَلِكَ الدُّنْيَا فِيهَا تَغْرِيرٌ وَخِدَاعٌ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: مَا هِيَ إِلَّا شَيْءٌ يَخْدَعُ صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ زَوَالُهُ وَانْقِطَاعُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَصَرَ وَصْفُ الدُّنْيَا كُلِّهِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فَإِذَا قَالَ لَكَ قَائِلٌ: كَيْفَ الدُّنْيَا؟ فَقُلْ لَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
ثُمَّ إِنَّ فَسَادَ الدُّنْيَا لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي عَدَمِ نَيْلِ المَطْلُوبِ فِيهَا، بَلْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ إِنْسَانًا حَصَّلَ كُلَّ مَقْصُودَاتِهِ، وَنَالَ كُلَّ مُرَادَاتِهِ، مِنْ وَظِيفَةٍ، وَرَاتِبٍ، وَبَيْتٍ، وَصِحَّةٍ، وَسِعَةٍ فِي الرِّزْقِ، فَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الهَمُّ؟ يَدْخُلُ مِنْ قِصَرِ وَقْتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ عَدَمِ الوُثُوقِ بِهَذَا المَتَاعِ، وَمِنْ عَدَمِ العِلْمِ: هَلْ سَيَنْتَفِعُ بِهِ أَمْ لَا؟ فَتَجِدُهُ، بَعْدَ أَنْ حَصَّلَ، يَصِيرُ هَمُّهُ: كَيْفَ أُحَافِظُ عَلَى مَا جَمَعْتُ؟ كَيْفَ أُبْقِيهِ؟ كَيْفَ أَدْفَعُ عَنْهُ المَرَضَ، وَالعَطَبَ، وَالفَقْدَ؟ فَيَصِيرُ هَمُّهُ أَكْثَرَ، وَغَمُّهُ أَزْيَدَ مِنْ سُرُورِهِ.
وَلَا تَسْكُنُ نَفْسُ الإِنْسَانِ حَقًّا إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، وَأَنَّهُ رَاحِلٌ عَنْهَا، وَأَنَّ دَارًا عَظِيمَةً سَوْفَ تَأْتِي بَعْدَهَا. وَقَدْ قَالَ ﷺ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ». وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ حُرِمُوا فِي الدُّنْيَا، وَهُمْ أَيْضًا أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ»، فَقَدْ يَكُونُ الإِنْسَانُ غَنِيًّا صَالِحًا، وَلَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الفُقَرَاءِ.
وَقَدْ وُصِفَتِ الدُّنْيَا بِأَوْصَافٍ بَلِيغَةٍ، فَقِيلَ: لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلٌ سُمُّهَا. فَهِيَ فِي ظَاهِرِهَا لَيِّنَةٌ، تُرِيحُ النَّفْسَ، وَتُعْجِبُ القَلْبَ، وَلَكِنَّ فِي بَاطِنِهَا السُّمَّ القَاتِلَ. وَقِيلَ: الدُّنْيَا ظَاهِرُهَا مَطِيَّةُ السُّرُورِ، وَبَاطِنُهَا مَطِيَّةُ الشُّرُورِ. فَلَا يَكُونُ لَكَ فِيهَا شَيْءٌ حُلْوٌ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا بِطَاعَةِ اللهِ.
وَمَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إِلَّا التَاظَ مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلَاثٍ: أَمَلٍ لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٍ لَا يُدْرِكُ غِنَاهُ، وَشُغْلٍ لَا يَنْفَكُّ عَنَاهُ. فَمَنْ صَارَ هَمُّهُ الدُّنْيَا، لَنْ يَشْبَعَ مِنْهَا، وَلَنْ يَقْنَعَ، وَلَوْ حَازَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا آخَرَ. وَهُنَا يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى القَلْبِ أَسَرَهُ. فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الإِنْسَانُ بِالأَسْبَابِ فِي الكَسْبِ، وَيُؤَدِّيَ النَّفَقَةَ، وَيَتَصَدَّقَ، وَيُحْسِنَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا، وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرَ أَسِيرًا لَهَا. فَإِنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.
وَقِيلَ فِي الدُّنْيَا:
هِيَ الدَّارُ دَارُ الأَذَى وَالقَذَى
وَدَارُ الفَنَاءِ وَدَارُ الغِيَرِ
فَلَوْ نِلْتَهَا بِحَذَافِيرِهَا
لَمُتَّ وَلَمْ تَقْضِ مِنْهَا الوَطَرَ
أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الخُلُودِ
وَطُولُ الخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرُ
إِذَا أَنْتَ شِبْتَ وَبَانَ الشَّبَابُ
فَلَا خَيْرَ فِي العَيْشِ بَعْدَ الكِبَرِ
فَهَذِهِ الدُّنْيَا دَارُ مَرَضٍ، وَدَارُ عَنَاءٍ، وَدَارُ تَعَبٍ، وَدَارُ هَرَمٍ وَغُرُورٍ.
وَانْتَبِهْ هُنَا إِلَى مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ». وَمُخْتَصَرُ مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، بُعِثَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، أَيْ: يُبْعَثُ وَهُوَ عَلَى وَجْهٍ مِنَ العَذَابِ وَالشِّدَّةِ يُنَاسِبُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُ الخَمْرَ يُبْعَثُ وَهُوَ يَشْرَبُ الخَمْرَ، أَوْ إِنْ مَاتَ وَهُوَ يَزْنِي يُبْعَثُ وَهُوَ يَزْنِي، بَلِ المَعْنَى أَنَّهُ يُحْشَرُ عَلَى الحَالِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَيُجَازَى عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ». وَقَالَ المُلَّا عَلِيُّ القَارِيُّ: أَيْ مِنَ العَمَلِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، فَيُجَازَى بِهِ. فَمَنْ مَاتَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، بُعِثَ مُعَذَّبًا عَلَى حَالٍ شَدِيدَةٍ مِنَ العَذَابِ. فَمَثَلًا، قَدْ جَاءَ فِي آكِلِ مَالِ اليَتِيمِ أَنَّ النَّارَ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمَسَامِعِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ آكِلٌ لِمَالِ اليَتِيمِ، يُبْعَثُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا المَعْنَى مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ مِنَ الْقَبْرِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، فَالْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَالْمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِهِ». أَلَيْسَ قَدْ قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»؟ فَالعِبْرَةُ بِمَا يَخْتِمُ اللهُ لِلْعَبْدِ بِهِ.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
اِبتِداءً، ما هِيَ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ فِي جُملَةِ السِّياقِ؟ لَوْ رَجَعْنَا إِلَى الآياتِ الَّتِي كانَتْ قَبلَها، لَوَجَدْنَا الكَلامَ فِيها عَمَّا حَصَلَ فِي غَزوَةِ أُحُدٍ، وَقَدْ جَاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَجَاءَ الكَلامُ عَنِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أَثارُوا الفِتَنَ، وَرَوَّجُوا لِلأَكَاذِيبِ، وَحِينَ انسَحَبَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ بِنَحوِ ثُلُثِ الجَيشِ، كانَتْ هُنَاكَ أَراجِيفُ كَثِيرَةٌ يُثِيرُها المُنافِقُونَ، وَكانَ هَذَا مِمَّا يُحْزِنُ النَّبِيَّ ﷺ. ثُمَّ جاءَ بَعدَ ذَلِكَ الكَلامُ عَنِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ، فَقالَ اللهُ تَعالَى حِكايةً عَنْهُمْ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، فَقالُوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ. وَأَخبَرَ اللهُ تَعالَى عَنْ قَتلِهِمُ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ. ثُمَّ أَخبَرَ سُبحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ فِيهِم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183]، فَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِكَ يا مُحَمَّدُ حَتَّى نَرَى هَذِهِ الآيَةَ، أَنْ تَأتِيَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَ القَرابِينَ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ كاذِبُونَ.
فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَعدَ هَذَا كُلِّهِ، وَهُنَا حِكمَةٌ كَبِيرَةٌ؛ فَالمَقصُودُ مِنْهَا تَأكِيدُ التَّسلِيَةِ، أَيْ: التَّخفِيفِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَالمَعنى: لَوْ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانَ، وَلَوْ كانَ مِنَ اليَهُودِ ما كانَ، فَتَذَكَّرْ يا مُحَمَّدُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزالَةِ الحُزنِ مِنْ قَلبِكَ. وَفِي هَذَا تَوجِيهٌ لِلمُسلِمِ أَيْضًا: أَنَّهُ إِذا كَثُرَتْ عَلَيهِ الهُمُومُ وَالمَصائِبُ، فَلْيَتَذَكَّرِ المَوتَ؛ لِأَنَّهُ هَولٌ عَظِيمٌ، وَالأَهوالُ الَّتِي قَبلَهُ وَالَّتِي دُونَهُ، مَهْمَا عَظُمَتْ، فَهِيَ دُونَ مَا يَحصُلُ فِي أَلَمِ سَكَرَاتِ المَوتِ، وَدُونَ مَا يَجِدُهُ الإِنسانُ عِندَ مُفارَقَةِ الدُّنيا. فَإِذا تَذَكَّرَ المَوتَ، هانَتْ عَلَيهِ مَصائِبُ الدُّنيا. وَمَنْ أَرادَ أَنْ تَهُونَ عَلَيهِ مَصائِبُ الدُّنيا، فَلْيَتَذَكَّرِ الآخِرَةَ؛ فَمَنْ ذَكَرَ الآخِرَةَ هانَ عَلَيهِ مَا كانَ فِي هَذِهِ الدُّنيا مِنَ المَصائِبِ، مَهْما كانَتْ عَظِيمَةً.
فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فِي هَذَا المَوضِعِ، أَعْنِي قَولَهُ تَعالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، جاءَتْ لِلتَّخفِيفِ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ. وَذَلِكَ، كَما يَقُولُ الإِمامُ الرّازِيُّ، مِنْ وَجهَيْنِ: أَمَّا الوَجهُ الأَوَّلُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وَاليَهُودَ الَّذِينَ آذَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، عاقِبَتُهُم جَمِيعًا المَوتُ. فَالمَعنى: الكُلُّ سَيَموتُ، وَبِالتّالِي فَإِنَّ هَذِهِ الهُمُومَ وَالأَحزانَ سَتَزُولُ، وَلَنْ يَبْقَى مِنْها شَيْءٌ. فَقَدْ يَبْقَى الإِنسانُ مُتَحَسِّرًا عَلَى مَوقِفٍ مَا فِي حَياتِهِ، وَلَكِنَّهُ إِذا تَذَكَّرَ أَنَّهُ سَيَأتِي وَقتٌ يَزُولُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ، وَأَنَّ الدُّنيا سَتَفْنَى، وَأَنَّا سَنَرْحَلُ عَنْهَا، هانَ عَلَيهِ الأَمرُ. فَمَهْمَا بَلَغَ أَذَى المُنافِقِينَ وَأَذَى اليَهُودِ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وَالكُلُّ مَيِّتٌ.
وَأَمَّا الوَجهُ الثّانِي، فَهُوَ أَنَّ بَعدَ هَذِهِ الدّارِ، أَيْ: دارِ الدُّنيا، دارًا أُخرَى يَتَمَيَّزُ فِيها المُحسِنُ مِنَ المُسِيءِ. فَهُنَا الإِشارَةُ إِلَى دارَيْنِ: دارِ فَناءٍ وَزَوالٍ، وَدارِ بَقاءٍ وَجَزاءٍ. وَالمَعنى: أَنَّ هَذا الَّذِي يَرحَلُ عَنْ هَذِهِ الدُّنيا سَيَنْتَقِلُ إِلَى تِلكَ الدّارِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ فِيها مَنْ كانَ مُحسِنًا مِمَّنْ كانَ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ. أَلَا تَرَى قَولَهُ تَعالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20]. فَلَا يَسْتَوُونَ أَبَدًا.
وَهَذَا يُؤَكِّدُ لَنَا حَقِيقَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ أَنَّ الكُفَّارَ لَنْ تَكُونَ لَهُمْ شَفاعَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَّهُمْ فِي عَذابٍ أَبَدِيٍّ دَائِمٍ مُقِيمٍ فِي نارِ جَهَنَّمَ. فَمِنَ التَّكذِيبِ بِالدِّينِ أَنْ يُقالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلكُلِّ، حَتَّى لِلكُفَّارِ؛ لِأَنَّ قائِلَ هَذَا جَعَلَ الكافِرَ مُسَاوِيًا لِلمُؤمِنِ. وَشَفاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَفاعَةُ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، لِمَنْ تَكُونُ؟ إِنَّما تَكُونُ لِمَنْ كانَ مُؤمِنًا. وَقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، أَيْ: ارْتَضاهُ اللهُ؛ لِأَنَّهُ كانَ مِنْ أَهْلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَخَرَجَ مِنَ الدُّنيا عَلَى غَيرِ الإِسلامِ، فَلَيْسَ لَهُ رَحمَةٌ، وَلَا شَفاعَةٌ، وَلَا تَخفِيفٌ فِي الآخِرَةِ، وَلَا لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ تَخفِيفٍ. وَيَكْفِيكَ أَنْ تَذْكُرَ قَولَ الحَقِّ تَبارَكَ وَتَعالَى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. وَلِذَلِكَ كانَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: هَذِهِ أَشَدُّ آيَةٍ عَلَى الكُفَّارِ. فَأَيْنَ التَّخفِيفُ إِذًا؟ لَيْسَ لَهُمْ تَخفِيفٌ وَلَا راحَةٌ.
فَإِذًا فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسلِيَةٌ وَتَخفِيفٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهِيَ تَسلِيَةٌ لَنَا أَيْضًا اليَومَ، وَنَحْنُ نَشهَدُ هَذِهِ المَصائِبَ الَّتِي تَنْزِلُ بِالمُسلِمِينَ، خُصُوصًا فِي غَزَّةَ، وَالضِّفَّةِ، وَفِلَسطِينَ. فَهِيَ مَصائِبُ كَبِيرَةٌ، وَمَعَها تَآمُرُ أَعداءِ الإِسلامِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوبٍ، وَكَأَنَّ الأُمَّةَ قَصعَةُ طَعامٍ تَتَجاذَبُها أَيْدِي اللِّئامِ، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يُدِيرَ القَصعَةَ إِلَى ناحِيَتِهِ لِيَأكُلَ أَكثَرَ، وَيَأخُذَ أَكثَرَ. فَهَذِهِ مَصائِبُ عامَّةٌ، غَيرَ المَصائِبِ الخاصَّةِ الَّتِي مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا: فَبَعضُنا مُبتَلًى فِي صِحَّتِهِ، وَبَعضُنا مُبتَلًى فِي رِزقِهِ، وَبَعضُنا مُبتَلًى فِي وَلَدِهِ، وَبَعضُنا مُبتَلًى فِي مالِهِ. وَلَكِنَّا نَقولُ: اللّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا.
فَماذا يُخَفِّفُ؟ إِنَّهُ تَذَكُّرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. وَإِذًا سَنَرْحَلُ إِلَى تِلكَ الدّارِ، وَهُناكَ سَيَكُونُ، كَما سَيَأْتِي فِي الآيَةِ، الثَّوابُ وَالعِقابُ. فَهَذَا مِنْ أَقْوَى البَواعِثِ عَلَى إِزالَةِ الغَمِّ وَالحُزنِ وَالكَرْبِ مِنْ نُفُوسِنَا؛ لِأَنَّ الدُّنيا، بِالنِّهايَةِ، قَصِيرَةٌ، مَهْمَا رَأَيْتَها طَوِيلَةً. أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ جاءَ رَمَضانُ، وَكَيْفَ انقَضَى هَذَا الشَّهرُ الكَرِيمُ؟ اللهُ يَجعَلُنا مِنْ عُتَقائِهِ. كَيْفَ انقَضَى؟ دَخَلْتَ فِي شَوّالٍ، وَمَنْ يَصُومُ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنْهُ، السِّتَّ مِنْ شَوّالٍ، وَكَيْفَ انقَضَى هَذَا كُلُّهُ؟ وَالدُّنيا كُلُّها كَلَمْحِ البَصَرِ. وَيُوشِكُ بَعْدَ قَلِيلٍ أَنْ يَأْتِيَ الحَجُّ، وَهَكَذا يَدُورُ الزَّمانُ وَيَجْرِي. فَإِذًا مِمَّا يُعِينُكَ عَلَى تَخفِيفِ الحُزنِ: تَذَكُّرُ هَذَا المَعْنَى.
وَتَأكِيدًا لِهَذَا المَعْنَى، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، كانَتْ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ مِمَّا لَا يَعْمَلُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، وَهِيَ الوَصِيَّةُ بِالإِكثارِ مِنْ زِيارَةِ المَقابِرِ. قالَ ﷺ: «إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ». فَهِيَ تُذَكِّرُ بِالمَوتِ وَبِالآخِرَةِ. وَلَكِنْ، هَلِ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِهَذَا؟ إِنَّكَ إِذَا ذَهَبْتَ إِلَى المَقابِرِ وَجَدْتَهَا شِبْهَ فارِغَةٍ، إِلَّا إِذا كانَ هُنَاكَ شَخصٌ لَهُ مَيِّتٌ. أَمَّا فِي غَيرِ ذَلِكَ، فَأَكثَرُ النَّاسِ لَا يَذْهَبُونَ إِلَى المَقابِرِ. وَلَا تَجِدُ مُشكِلَةً فِي اصْطِفافِ السَّيّارَةِ عِنْدَ المَقْبَرَةِ، أَمَّا فِي الأَسواقِ فَتَحتاجُ إِلَى مَنْ يُنَظِّمُ الاصْطِفافَ خَارِجَها. وَهَذِهِ مُفارَقَةٌ عَجِيبَةٌ.
فَإِذَا زُرْتَ القَبْرَ، وَقَفْتَ وَنَظَرْتَ، وَقُلْتَ: إِذًا بَيْتِي هُوَ هَذَا! سَأَتْرُكُ بَيْتِيَ الَّذِي أَنَا الآنَ أَسكُنُ فِيهِ، وَسَأَصِيرُ أَيْنَ؟ سَأَصِيرُ فِي حُفْرَةٍ صَغِيرَةٍ ضَيِّقَةٍ، مِتْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، سَأَنْزِلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ، فَماذا أَعْدَدْتُ لَهُ؟ فَإِذا ذَكَرْتَ هَذَا، كانَ فِي ذَلِكَ، حَقِيقَةً، جِلَاءٌ لِلصَّدرِ. وَلِذَلِكَ كانَ الأَكابِرُ يَقُولُونَ: إِذا ضاقَتِ الصُّدُورُ، فَعَلَيْكُمْ بِالقُبُورِ. اِذْهَبْ إِلَى قَبْرِ أَبِيكَ، أَوْ جَدِّكَ، أَوْ بَعْضِ مَنْ فَقَدْتَ مِمَّنْ تَوَفَّاهُمُ اللهُ، وَقِفْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ، وَاستَحضِرْ: أَيْنَ كانَ هَؤُلاءِ بِالأَمْسِ؟ أَصْواتُهُمْ كانَتْ تَمْلَأُ الدُّنيا فِي بُيُوتِهِمْ، وَفِي نَعِيمِهِمْ، وَالآنَ قَدْ يَمُرُّ اليَومُ، وَالأُسبُوعُ، وَالشَّهرُ، وَأَكثَرُ، وَلَا يُذْكَرُونَ مَرَّةً واحِدَةً، وَقَدْ يُذْكَرُونَ أَحيانًا عَلَى وَجهِ الضَّحِكِ. فَإِذًا عِندَما تَتَذَكَّرُ المَوتَ، وَتَتَذَكَّرُ هَذِهِ الفائِدَةَ العَظِيمَةَ، وَتَعلَمُ أَنَّ مَوْضِعَ هَذِهِ الآيَةِ جَاءَ بَعدَ ذِكْرِ أَذَى اليَهُودِ وَالمُنافِقِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِلتَّخفِيفِ عَنْهُ ﷺ، عَلِمْتَ أَنَّ هَؤُلاءِ المُفتَرِينَ عَلَى اللهِ، الَّذِينَ قالُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، وَهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَآلُهُمْ جَمِيعًا المَوتُ. فَلَا يَحْزُنْكَ، يا رَسُولَ اللهِ، تَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيُفارِقُونَ هَذِهِ الدُّنيا. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ المَآلُ إِلَى الآخِرَةِ.
وَقَدْ أَخرَجَ ابنُ أَبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، أَنَّهُ قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ، وَجاءَتِ التَّعزِيَةُ، جاءَهُمْ آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ وَلَا يَرَونَ شَخصَهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ البَيْتِ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]، إِنَّ فِي اللهِ عَزاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَبِاللهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوابَ. فَقالَ عَلِيٌّ: هَذَا الخَضِرُ. فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتَرَدَّدُ فِي حُجرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها عِندَ وَفاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].
وَهُنَا، قَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ لَكُمْ مَا ذَكَرَهُ الإِمامُ القُرطُبِيُّ رَحْمَةُ اللهِ تَعالَى عَلَيْهِ فِي تَفسيرِهِ «الجَامِعِ لِأَحْكامِ القُرآنِ»، أُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ المَوتَ راحَةٌ لِبَعضِ النَّاسِ، وَهُوَ عَذابٌ لِبَعضٍ آخَرَ. فَهُوَ راحَةٌ لِلتَّقِيِّ. وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لَمَّا رَأَى جَنازَةً: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا أَلَّا نَتَمَنَّى المَوتَ، وَلَكِنْ لِنَقُلْ: اللّهُمَّ أَحْيِنَا مَا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لَنَا، وَتَوَفَّنَا مَا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لَنَا. وَلِذَلِكَ يُكرَهُ تَمَنِّي المَوتِ، وَقَدْ أُفرِدَتْ أَبْوابٌ فِي كَراهِيَةِ تَمَنِّيهِ. فَلَا تَتَمَنَّ المَوتَ لِضُرٍّ أَصابَكَ، وَلَا تَدْعُ عَلَى نَفْسِكَ بِهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، لَوْ مُتَّ، مَا يَكُونُ حالُكَ. فَبَدَلَ أَنْ تَتَمَنَّى المَوتَ، حَتَّى لَوْ نَزَلَ بِكَ داءٌ شَدِيدٌ، كَالسَّرَطانِ، أَوِ الفالِجِ، أَوِ الشَّلَلِ، أَوْ غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَمْراضِ الشَّدِيدَةِ، فَاصبِرْ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ رِفعَةً لَكَ فِي الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَديثِ أَنَّ بَعضَ المُؤمِنِينَ، قَبْلَ المَوتِ، يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، وَيَكْثُرُ عَلَيْهِمُ المَرَضُ، حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُهُمْ مِنَ الدُّنيا وَلَيسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
وَكَمْ مِنَ الصّالِحِينَ، فِيمَا نَقْرَأُ فِي سِيَرِهِمْ، أُصِيبُوا بِالفالِجِ قَبْلَ مَوتِهِمْ. وَبَعضُ النَّاسِ يَتَشَمَّتُ، فَيَقُولُ: هَذَا لِأَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا، وَاللهُ غَضِبَ عَلَيْهِ! وَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ قالَ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». وَقَدْ قُلْتُ: إِنَّهُ يُكرَهُ تَمَنِّي المَوتِ بِغَيرِ سَبَبٍ شَرعِيٍّ. أَمَّا إِذا كانَ لِغَرَضٍ أُخرَوِيٍّ، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ كَمَنْ يَسْأَلُ اللهَ الشَّهادَةَ. أَلَيْسَ الفارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بَعْدَ أَنْ حَجَّ، استَلقى تَحتَ شَجَرَةٍ، وَكانَتْ قَرِيبًا مِنْهُ حَفصَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها، فَصارَ يَقُولُ: اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَأَعْطاهُ اللهُ الاِثنَتَينِ. فَهَذَا غَرَضٌ شَرعِيٌّ أُخرَوِيٌّ. وَمِثلُ ذَلِكَ أَنْ يَتَمَنَّى الإِنسانُ أَنْ يَمُوتَ فِي مَكَّةَ، أَوْ فِي المَدِينَةِ، أَوْ عَلَى الشَّهادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.
وَإِذا عُلِمَ مَا ذَكَرْتُ، فَمِنْ هُنَا لَا يَجُوزُ سَبُّ المَوتِ عَلَى الإِطْلاقِ، وَلَا تَسْمِيَتُهُ شَرًّا عَلَى الإِطْلاقِ؛ لِأَنَّهُ، كَمَا سَمِعْتُمْ فِي الدُّعاءِ، قَدْ تَكُونُ الحَياةُ خَيْرًا، وَقَدْ يَكُونُ المَوتُ خَيْرًا. وَقَولُكَ: اللّهُمَّ تَوَفَّنِي مَا كانَ المَوتُ خَيْرًا لِي، مَعْناهُ: أَنَّكَ تَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ وَفاتَكَ راحَةً لَكَ، وَهَذَا لَا يُسَمَّى شَرًّا. وَمِنْ جَمِيلِ الدُّعاءِ: اللّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ، وَبَلِّغِ الأَجَلَ. وَهُوَ دُعَاءٌ مُختَصَرٌ، لَكِنَّهُ عَظِيمٌ جِدًّا، وَجَلِيلٌ جِدًّا. فَبَدَلَ أَنْ تَتَمَنَّى المَوتَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ عَلَى أَيِّ حالٍ تُفارِقُ الدُّنيا، قُلْ: اللّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ، وَبَلِّغِ الأَجَلَ. وَمَعناهُ: اللّهُمَّ بَلِّغْنِي أَجَلِي وَعَمَلِي حَسَنٌ. أَيْ: أَسْأَلُكَ حُسْنَ الخاتِمَةِ. فَإِذًا المَوتُ لَيسَ فِي كُلِّ الأَحيانِ شَرًّا، بَلْ قَدْ يَكُونُ راحَةً، كَما هُوَ لِلتَّقِيِّ. فَلَا يُسَبُّ المَوتُ.
وَهُنَا تَنبيهٌ عَلَى عِبارَةٍ خَطَأٍ يَستَعمِلُها بَعضُ النَّاسِ فِي بَعضِ التَّعازِي. فَبَعضُهُمْ يَترُكُ قَولَ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكُمْ، وَ«أَعْظَمَ» هِيَ الصَّوابُ، وَيُقالُ أَيْضًا: وَسَّعَ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي الصَّدْرِ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، وَنَحوَ ذَلِكَ مِنَ الأَدْعِيَةِ المَأثُورَةِ. فَيَأْتِي بَعْضُهُمْ، وَيَقولُ، وَالعِياذُ بِاللهِ: «يَنْساكَ المَوتُ». وَهَذَا فاسِدٌ. وَقَدْ سَمِعْتُهُ مَرّاتٍ وَمَرّاتٍ. كَيْفَ يَنْساهُ المَوتُ، وَاللهُ قالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]؟ كَيْفَ يُقالُ لَهُ: يَنْساكَ المَوتُ؟ المَوتُ لَا يَنْسَى أَحَدًا، وَكُلُّ واحِدٍ مِنَّا سَوفَ يَمُوتُ.
وَقَدْ قُلْتُ: إِنَّ المَوتَ، بِالنِّسبَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، يَكُونُ راحَةً. وَبَعدَ هَذا البَيانِ، أَشِيرُ إِلَى وَقفَةٍ جَمِيلَةٍ جِدًّا وَجَدْتُها لِلإِمامِ القُرطُبِيِّ رَحْمَةُ اللهِ تَعالَى عَلَيْهِ عِندَ هَذِهِ الآيَةِ. وَفِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، لَمْ أَجِدْ أَحَدًا وَقَفَ وَأَشارَ إِلَى هَذِهِ الإِشاراتِ كَما أَشارَ هُوَ، لَكِنَّهُ ذَكَرَها مُفَصَّلَةً، وَأَنَا سَأُوجِزُها هُنَا.
فَقَدْ وَجَدَ الإِمامُ القُرطُبِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، مُناسِبًا أَنْ يَذْكُرَ بَعْضَ الأَحكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَيِّتِ. فَبِماذا بَدَأَ؟ بَدَأَ بِذِكْرِ العَلاماتِ وَالأَماراتِ الَّتِي تَكُونُ لِهَذَا الإِنسانِ الَّذِي يَكُونُ فِي حالِ الاِحتِضارِ. فَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: ذائِقَةٌ لِشَيْءٍ لَا مَحِيدَ عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ ما قالَهُ بَعضُ الشُّعَراءِ:
المَوتُ بابٌ وَكُلُّ النَّاسِ داخِلُهُ
فَلَيتَ شِعْرِي بَعْدَ البابِ ما الدّارُ
الدّارُ جَنّاتُ عَدْنٍ إِنْ عَمِلْتَ بِما
يُرضِي الإِلَهَ وَإِنْ خالَفْتَ فَالنّارُ
هُما مَحَلّانِ ما لِلنّاسِ غَيْرُهُما
فَانظُرْ لِنَفْسِكَ ماذا أَنْتَ تَختارُ
ثُمَّ يَقولُ القُرطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: اِعلَمْ أَنَّ لِلمَوتِ أَسبابًا وَأَماراتٍ. فَمِنْ عَلاماتِ حُسْنِ الحالِ: عَرَقُ الجَبِينِ بَعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لِما رُوِيَ: «المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِينِ». فَيَقولُ القُرطُبِيُّ: هَذِهِ عَلامَةٌ. وَقَدْ شَهِدْتُ، مِمَّا يَسَّرَ اللهُ تَعالَى، مِمَّنْ تُوُفِّيَ وَهُوَ فِي حالِ نَزْعِ الرُّوحِ، فَكُنْتُ أَنْظُرُ، فَأَرَى بَعضَهُمْ، نَعَمْ، تَظهَرُ عَلَيْهِ هَذِهِ العَلامَةُ. وَالجَبِينُ هُنا غَيرُ الجَبهَةِ؛ فَهَذِهِ الجَبهَةُ نَسجُدُ عَلَيْها، لِقَولِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»، وَمِنْها الجَبهَةُ. أَمَّا الجَبِينُ فَهُوَ هَذَا الجانِبُ، وَالجانِبُ الآخَرُ جَبِينٌ آخَرُ، فَالجَبهَةُ بَيْنَ الجَبِينَيْنِ. وَسُبْحانَ اللهِ، تَنْظُرُ فَتَرَى، مَعَ أَنَّهُ قَدْ جُفِّفَ كُلُّهُ، تَرَى العَرَقَ هُنَا، فِي هَذَا المَوْضِعِ خُصُوصًا. وَهَذِهِ العَلامَةُ لَيْسَتْ دَائِمَةً، وَلَكِنَّهَا عَلامَةٌ. وَالحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَخرَجَهُ النَّسائِيُّ مِنْ حَديثِ بُرَيدَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِينِ».
ثُمَّ يَذكُرُ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ مِنَ الشَّيءِ المُستَحَبِّ، إِذا شَهِدْنا اِحتِضارَ إِنسانٍ، أَيْ: إِشرافَهُ عَلَى المَوتِ، أَنْ نُلَقِّنَهُ الشَّهادَةَ، مِنْ غَيرِ إِلْحاحٍ. وَهُنَا تَنبيهٌ: الكَلامُ عَنِ التَّلقِينِ وَهُوَ فِي الاِحتِضارِ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ تَلقِينٌ أَيْضًا بَعدَ دَفنِهِ. أَمَّا كَلامُنا هُنَا، فَعَنِ التَّلقِينِ عِندَ الاِحتِضارِ؛ لِقَولِهِ ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». وَفِي بَعْضِ المَعنى: لِتَكُونَ آخِرَ كَلامِهِ، فَيُختَمَ لَهُ عَلَى «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». وَلَكِنْ قَولَهُمْ: مِنْ غَيرِ إِلْحاحٍ، قَولٌ دَقِيقٌ؛ فَإِذا كُنْتَ فِي مَجلِسِ مُحتَضَرٍ، فَمُرَّ أَمامَهُ بِقَولِكَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِلْحاحًا، فَلَا تَرجِعْ فَتَقولَ لَهُ: قُلْ، ثُمَّ تُعِيدُ وَتُشَدِّدُ. بَلْ تُمرِّرُها، فَإِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى قالَها. وَإِلَّا فَاللهُ تَعالَى فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَلَكِنِ اِعلَمُوا أَنَّ الأَكْثَرَ يَنعَقِدُ لِسانُهُ، وَهُوَ عَلَى فِراشِ المَوتِ، فَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ؛ لِشِدَّةِ أَلَمِ سَكَرَاتِ المَوتِ. فَأَغلَبُ النَّاسِ لَا يَستَطيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ جاءَ أَنَّ أَلَمَ سَكَرَاتِ المَوتِ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ. فَالأَلَمُ الَّذِي يُصِيبُهُ عِندَ سَكَرَاتِ المَوتِ أَشَدُّ مِنْ مَجموعِ ما كانَ فِي حَياتِهِ كُلِّها مِنَ الأَمْراضِ وَالأَسْقامِ وَالتَّعَبِ، لَوْ جُمِعَ. فَما يَكُونُ فِي تِلكَ البُرهَةِ القَصِيرَةِ، وَقتَ السَّكَرَاتِ، أَشَدُّ مِنْ كُلِّ ما مَضَى.
ثُمَّ يُستَحَبُّ كَذَلِكَ عِندَ هَذَا المُحتَضَرِ أَنْ تُقْرَأَ عِندَهُ «يٰس». وَقَدْ رُوِيَ فِي الحَديثِ، وَهَذَا جاءَ عِندَ أَبِي داوُدَ: «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ». وَالعُلَماءُ فَصَّلُوا هُنَا، فَقالُوا: يُنزَّلُ هَذَا عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ: فِي حالِ الاِحتِضارِ، يُستَحَبُّ أَنْ تُقْرَأَ عِندَهُ «يٰس»، ثُمَّ بَعدَ مَوتِهِ كَذَلِكَ يُستَحَبُّ أَنْ تُقْرَأَ عَلَى مَيِّتِكَ «يٰس» إِذا ماتَ، وَكَذَلِكَ عِندَ زِيارَةِ قَبرِهِ. وَأَمَّا لَفظُ الإِمامِ أَحمَدَ فِي مُسنَدِهِ، وَابنِ حِبّانَ، وَقالَ: صَحِيحٌ، فَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ قالَ: «يس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، فَاقْرَؤُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ». وَحَتَّى مِنَ العُلَماءِ مَنْ ذَكَرَ، فِي بابِ الفَضائِلِ، فَضلَ قِراءَةِ سُورَةِ «يٰس» كُلَّ يَومٍ. لَكِنَّ كَلامَنا الآنَ أَخَصُّ بِقِراءَتِها عَلَى المَيِّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اقْرَؤُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ». وَلِأَنَّ قِراءَةَ القُرآنِ، وَثَوابَها، يَصِلُ إِلَى المَيِّتِ المُسلِمِ، بِإِذْنِ اللهِ تَعالَى. وَجاءَ كَذَلِكَ مِنْ حَديثِ أُمِّ الدَّرداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يس إِلَّا هُوِّنَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ». أَيْ: أَنَّ اللهَ تَعالَى يُخَفِّفُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ يَمْضِي الإِمامُ القُرطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَيَقولُ: فَإِذا ماتَ هَذَا الإِنسانُ، وَقُضِيَ الأَمرُ، تَبِعَ البَصَرُ الرُّوحَ. وَقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. فَتُسَلُّ الرُّوحُ، وَيَقولُ العُلَماءُ: تَبدَأُ مِنْ تَحتِ الجَسَدِ، فَيَبدَأُ الإِنسانُ يَفقِدُ شُعُورَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ تَصعَدُ الرُّوحُ، فَتَصعَدُ، فَتَصعَدُ، وَهُوَ يَنْظُرُ، حَتَّى إِذا صارَتْ فَوقَ، شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى فَوقُ، حَتَّى تَخرُجَ مِنْ يافُوخِهِ، فَعِندَها يَصِيرُ بَصَرُهُ شاخِصًا إِلَى فَوقُ، وَيَستَقِرُّ هُنَاكَ، وَتَكُونُ الرُّوحُ قَدْ فارَقَتْ جَسَدَهُ. وَهَذا هُوَ مَعْنَى المَوتِ: مُفارَقَةُ الرُّوحِ لِلجَسَدِ.
وَلَوْ سَأَلَ سائِلٌ: نَحنُ عِندَما نَنامُ نَقُومُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنا أَنْ نَقولَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». فَلِماذا سَمَّاهُ مَوتًا؟ قالُوا: لِأَنَّهُ كانَ فِي صُورَةِ المَيِّتِ، وَإِلَّا فَهُما مَوتَتانِ وَحَياتانِ، كَما قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11]. فَفَرْقٌ بَيْنَ المَوتِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُفارِقُ فِيهِ الرُّوحُ الجَسَدَ بِالكُلِّيَّةِ، وَبَيْنَ النَّومِ. فَفِي النَّومِ تَسرَحُ الرُّوحُ، لَكِنْ مِنْ غَيرِ أَنْ تَنْقَطِعَ عَنِ الجَسَدِ. وَمَنْ نامَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ، فَهَذَا مِمَّا يَجلِبُ لَهُ الرُّؤيا الصّالِحَةَ. وَقَدْ يَرَى الواحِدُ مِنَّا، وَهُوَ نائِمٌ، نَفْسَهُ فِي مَكَّةَ، أَوْ فِي المَدِينَةِ، وَبَعْضُهُم يُكرِمُهُ اللهُ فَيَرَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنامِ، وَاللهُ يَرزُقُنا جَمِيعًا رُؤيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَنامِ. فَالرُّوحُ تَمتَدُّ، كَالسِّلْكِ المَمدُودِ، وَتَسرَحُ، مِنْ غَيرِ أَنْ تَنْفَصِلَ بِالكُلِّيَّةِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ نامَ عَلَى طَهارَةٍ، فَإِنَّ رُوحَهُ تَبِيتُ تَحتَ العَرشِ. وَأَغلَبُ النَّاسِ لَا يَتَذَكَّرُ ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَذَكَّرُهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعالَى.
فَإِذًا، إِذا خَرَجَتْ هَذِهِ الرُّوحُ، اِرتَفَعَتِ العِباداتُ، وَزالَتِ التَّكالِيفُ. وَهُنَا تَوَجَّهَتْ عَلَى الأَحْياءِ أَحكامٌ. مِنْها: أَنَّهُ إِذا شَخَصَ بَصَرُ المَيِّتِ، اِستُحِبَّ أَنْ تُغَمَّضَ عَيْناهُ. وَمِنْها: أَنْ تُعْلِمَ إِخوانَهُ، وَسِيَّما الصُّلَحاءَ، بِأَنَّ أَخاكَ قَدْ ماتَ. وَلِماذا؟ لِأَنَّهُ أَلَيْسَ قَدْ جاءَ فِي بَعضِ الرِّواياتِ: أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ، أَيْ: مِنَ الصُّلَحاءِ، كانوا لَهُ شُفَعاءَ؟ وَالكَلامُ، بِالتَّأكِيدِ، عَنِ المُؤمِنِ، أَمَّا الكافِرُ فَلَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ. وَفِي بَعضِ الرِّواياتِ: أَرْبَعُونَ. فَيَقولُونَ: إِنَّهُ بِإِذْنِ اللهِ لَا يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ وَلَا فِي الآخِرَةِ. وَفِي بَعضِ الأَحيانِ قَدْ يَصعُبُ أَنْ تَجِدَ مِائَةً مِنَ الصُّلَحاءِ، فَجاءَتْ رِوايَةُ الأَربَعِينَ. فَأَنْتَ احْرِصْ: لَا بَأْسَ أَنْ تُخْبِرَ الأَقارِبَ، وَلَكِنِ احْرِصْ أَنْ تُرسِلَ خَبَرًا إِلَى أَهلِ الخَيرِ وَالصَّلاحِ؛ لِيَكُونَ فِي صَلاةِ الجَنازَةِ عَلَى الأَقَلِّ أَربَعُونَ مِنَ الصُّلَحاءِ، إِنْ لَمْ يَكُنِ المِائَةُ.
ثُمَّ تَأخُذُ بِتَجهِيزِ المَيِّتِ، وَتَذْكُرُ هُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوصَى بِماذا؟ أَوصَى بِالإِسراعِ، فَقالَ ﷺ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ». ثُمَّ إِنَّكَ عِندَما تُغَسِّلُ المَيِّتَ وَتُكَفِّنُهُ، فَالأَفضَلُ البَياضُ. وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». وَالنَّبِيُّ ﷺ، كَما أَخرَجَ أَبُو داوُدَ، كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثوابٍ بِيضٍ سَحولِيَّةٍ مِنْ كُرسُفٍ. وَقَدْ قالَ ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ». فَإِذًا صارَ الكَلامُ، عِندَ القُرطُبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، بَعدَ ذِكْرِ أَنَّ هَذَا الإِنسانَ خَرَجَتْ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُكَلَّفًا، إِلَى الأَحْكامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُسلِمِينَ.
ثُمَّ صَلاةُ الجَنازَةِ فَرضُ كِفايَةٍ. فَتُصَلَّى صَلاةُ الجَنازَةِ عَلَى هَذَا المَيِّتِ. وَفِي صَلاةِ الجَنازَةِ نَفعٌ لِهَذَا المَيِّتِ؛ فَأَنْتَ تَقْرَأُ القُرآنَ، وَأَنْتَ تَدْعُو. وَيَنْبَغِي هُنَا أَنْ نُخلِصَ فِي الدُّعاءِ لِلمَيِّتِ. فَإِذا صَلَّيتُمْ صَلاةَ الجَنازَةِ عَلَى إِخوانِكُمْ، فَأَخلِصُوا الدُّعاءَ لَهُمْ. تُخلِصُ الدُّعاءَ لِأَخِيكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا لَكَ. وَتَذَكَّرْ: قَدْ يَأتِي يَومٌ تَكُونُ أَنْتَ فِيهِ المَيِّتَ، فَماذا كُنْتَ تَتَمَنَّى؟ كُنْتَ تَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَنْ فِي المَسْجِدِ مُخلِصِينَ فِي الدُّعاءِ لَكَ.
ثُمَّ كَذَلِكَ دَفنُ مَيِّتِكَ فِي التُّرابِ. وَفِي هَذَا يَذكُرُونَ قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]، لَمَّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ. فَتَدْفِنُ هَذَا المَيِّتَ. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ»، وَقالَ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»، وَقالَ: «لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ». وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَلَّا يُذْكَرَ المَيِّتُ إِلَّا بِخَيْرٍ، إِلَّا إِذا كانَ هُنَاكَ سَبَبٌ شَرعِيٌّ، كَأَنْ يَكُونَ رَجُلًا عِندَهُ فَسادٌ، وَيُذكَرُ عَلَى وَجهِ التَّحذِيرِ، فَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ. أَمَّا مِنْ غَيرِ سَبَبٍ شَرعِيٍّ، فَلَا يَنْبَغِي. فَبَعضُ النَّاسِ يَجْلِسُ فِي المَجلِسِ، وَيَقولُ: فُلانٌ ماتَ، اللهُ يَرحَمُهُ، وَلَكِنْ… ثُمَّ يَبدَأُ يَذكُرُهُ بِما يَكرَهُ لَوْ كانَ حَيًّا، وَيَقولُ: اللهُ يَرحَمُهُ. لَا، لَا نُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنهُ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَنهُ، وَيَتَكَلَّمُ، وَيَتَكَلَّمُ. فَهَذَا لَا يَنْبَغِي. وَبَعضُهُمْ، وَهُوَ يَحمِلُ جِنازَتَهُ، يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. وَبَعضُهُمْ، وَهُوَ عِندَ القَبرِ، يَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا المَيِّتِ، وَيَقولُ: نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنهُ، اللهُ يَرحَمُهُ، بَعدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَكَلَّمَ فِي عِرضِهِ. فَهَذَا لَا يَنْبَغِي.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]. أَيْ: تُعْطَوْنَ ثَوابَ أَعْمالِكُمْ عَلَى الكَمالِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَلِماذا؟ لِأَنَّ الدُّنيا لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ، وَإِنَّما الآخِرَةُ هِيَ دارُ الجَزاءِ عَلَى العَمَلِ. أَمَّا هَذِهِ الدُّنيا، فَلَيْسَتْ هِيَ دارَ الجَزاءِ. وَوَجَدْتُ عِندَ بَعضِهِمْ إِشارَةً جَمِيلَةً، فِي قَولِهِ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ [آل عمران: 185]. فَلَمْ يَقُلِ النَّصُّ: وَإِنَّمَا تَأخُذُونَ أُجُورَكُمْ، بَلْ قالَ: ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: الأَجْرَ الوافِيَ التَّامَّ. قالُوا: لِأَنَّ بَعضَ النَّاسِ قَدْ يُعَجِّلُ اللهُ تَعالَى لَهُ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ قَبلَ مَوتِهِ، وَذَكَرَ بَعضُهُمْ أَنَّ الصّالِحِينَ يُعطِيهِمُ اللهُ النَّعِيمَ فِي قُبُورِهِمْ. أَلَيْسَ بَعضُ النَّاسِ، بِبَرَكَةِ عَمَلِهِ الصّالِحِ، قَدْ يُوَسِّعُ اللهُ عَلَيْهِ فِي رِزقِهِ، وَقَدْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِيتَةَ السُّوءِ؟ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]، أَيْ: إِنَّ الأَجْرَ الوافِيَ الكامِلَ إِنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ.