بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]
لَمَّا بَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ، يَوْمَ بَدْرِ الْمَوْعِدِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ بِعَامٍ، مَنْ يُخَوِّفُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرْهِبُهُمْ بِأَنَّ هُنَاكَ جَيْشًا كَبِيرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لَمْ يَكُنْ جَوَابُ الْمُؤْمِنِينَ تَرَدُّدًا، وَلَا جُبْنًا، وَلَا تَرَاجُعًا، بَلْ كَانَ جَوَابُهُمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى بَدْرٍ، بَلْ قَذَفَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَوَلَّوْا الْأَدْبَارَ وَرَجَعُوا. وَفِي هٰذَا مَعْنًى عَظِيمٌ مِنْ مَعَانِي هٰذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّ التَّخْوِيفَ قَدْ يَكُونُ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِهٰذَا التَّثْبِيطِ وَالْإِرْجَافِ، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ فَلَا يُسَلِّمُونَ قُلُوبَهُمْ لِهٰذَا التَّخْوِيفِ.
وَإِذَا اسْتَحْضَرْتَ هٰذَا الطَّرِيقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَأَنْتَ تَرَى بُعْدَ الْمَسَافَاتِ وَشِدَّةَ الطَّرِيقِ، عَلِمْتَ كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ هٰذِهِ الْمَسَافَاتِ فِي خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَفِي خُرُوجِهِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَإِذَا مَرَرْتَ بِبِئْرِ الرَّوْحَاءِ، وَهِيَ عَلَى نَحْوِ سِتِّينَ كِيلُو مِتْرًا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي طَرِيقِ بَدْرٍ، تَذَكَّرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عِنْدَهَا وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَدْرٍ، وَأَنَّ هٰذَا الْبِئْرَ لَا يَزَالُ مَوْجُودًا إِلَى الْآنَ، وَمَاؤُهُ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنَ، وَهُوَ مِنْ أَعْذَبِ الْمِيَاهِ، وَأَنَّ النَّاحِيَةَ مَعْرُوفَةٌ بِاسْمِ الرَّوْحَاءِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مَرَّ بِهٰذِهِ النَّاحِيَةِ، وَبِهٰذَا الْبِئْرِ تَحْدِيدًا، سَبْعُونَ نَبِيًّا، فَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ، وَتَوَضَّأَ مِنْهُ نَبِيُّنَا ﷺ أَيْضًا، وَمَجَّ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ الشَّرِيفِ. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَمُرُّ بِهٰذَا الْفَجِّ. وَهٰذَا مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى التَّعَجُّبِ؛ فَوَسَطَ هٰذِهِ الصَّحْرَاءِ بَقِيَ هٰذَا الْمَكَانُ مَحْفُوظًا، وَبَقِيَتْ آثَارُهُ بَاقِيَةً.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَيَهْبِطَنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، إِمَامًا عَدْلًا، وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَجَّ الرَّوْحَاءِ»، وَجَاءَ أَيْضًا: «وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ». فَهٰذِهِ بُشْرَى مُحَقَّقَةٌ؛ لِأَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمُتْ، بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]، وَقَدْ رُفِعَ سَيِّدُنَا عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ إِلَى مَكَانٍ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ هُنَاكَ يُصَلِّي مَعَ الْمَلَائِكَةِ. ثُمَّ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ، وَكَانَ ذٰلِكَ مِنْ عَلامَاتِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، بَعْدَ انْقِضَاءِ أَكْثَرِ عَلامَاتِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى، نَزَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ نُزُولُهُ مِنْ جُمْلَةِ نَحْوِ عَشْرِ آيَاتٍ كُبْرَى، فَيَسْلُكُ فَجَّ الرَّوْحَاءِ، وَيَمُرُّ بِهِ، وَيُصَلِّي، وَهُنَاكَ مَوْضِعٌ صَغِيرٌ يُذْكَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يُكْمِلُ سَيِّدُنَا عِيسَى مَسِيرَهُ حَتَّى يَزُورَ النَّبِيَّ ﷺ. فَإِذَا كَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقْصِدُ زِيَارَةَ نَبِيِّنَا ﷺ، فَكَمْ فِي ذٰلِكَ مِنْ شَرَفٍ وَبَشَارَةٍ وَتَعْظِيمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَالسَّبَبُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ لِلتَّخْوِيفِ كَانَ يُرَادُ بِهِ تَثْبِيطُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْخُرُوجِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. أَيْ: إِنَّ ذٰلِكَ الْمُثَبِّطَ، وَذٰلِكَ الْمُرْجِفَ، وَذٰلِكَ الَّذِي يُحَاوِلُ صَرْفَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، هُوَ الشَّيْطَانُ. وَالشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي يُثَبِّطُنَا عَنِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَعِدُنَا الْفَقْرَ، وَيُخَوِّفُنَا مِنَ الْإِنْفَاقِ، وَيُخَوِّفُنَا مِنَ الْمَوْتِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَقْطَعَنَا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ.
فَكُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَخْطُوَ خُطْوَةً فِي الطَّاعَةِ، وَجَدْتَ الشَّيْطَانَ أَحْيَانًا يَتَسَلَّطُ عَلَيْكَ تَسَلُّطًا مُبَاشِرًا، وَأَحْيَانًا يَأْتِيكَ عَنْ طَرِيقِ بَعْضِ مَنْ حَوْلَكَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْأَوْلَادُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ»، أَيْ: إِنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ سَبَبٌ لِلْبُخْلِ فِي إِنْفَاقِ الْمَالِ، وَسَبَبٌ لِلْجُبْنِ عِنْدَ مَوَاطِنِ الْمَوْتِ وَالْجِهَادِ. فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُنْفِقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ بَابِ الرِّزْقِ وَالْفَقْرِ، فَيُخَوِّفُهُ، فَيَبْخَلُ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَوَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ تَزْهَقُ رُوحُكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ لا بُدَّ مِنْهُ، فَالشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ بِهٰذَا وَبِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: يُخَوِّفُ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ. وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا ذٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُلْقِي التَّخْوِيفَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ فَلَا يَسْتَجِيبُونَ لِهٰذَا التَّخْوِيفِ. فَلَمَّا قَالَ: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، دَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ غَيْرَ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ، لَا يَنْقَادُونَ لِإِرْجَافِهِ، وَلَا يَخْضَعُونَ لِتَثْبِيطِهِ.
وَقَدْ كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَقَبْرُهُ فِي الْمَعْلاةِ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَ الْحَقَّ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ، وَلَا قِلَّةُ السَّالِكِينَ. أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْمُضِيَّ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ، فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ، وَلَا تُبَالِ بِقِلَّةِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ، مَا دُمْتَ أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا دُمْتَ عَلَى الْحَقِّ فَأَنْتَ أُمَّةٌ، وَلَوْ كُنْتَ وَحْدَكَ. وَهٰذَا مَعْنًى عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي جَبَلِ النُّورِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُهُ، لَا فِي مَكَّةَ فَقَطْ، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كُلِّهَا. ثُمَّ كَانَ مَعَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْغَارِ يَوْمَ الْهِجْرَةِ، فَكَانَا اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ صَارَتْ هٰذِهِ الْأُمَّةُ الْعَظِيمَةُ الْكَبِيرَةُ.
وَهٰذَا يَتَجَلَّى لِلْمَرْءِ تَجَلِّيًا عَجِيبًا إِذَا ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ، فَيَسْمَعُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، أَوْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، لُغَاتِ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لُغَةً بَعْدَ لُغَةٍ، وَهٰذَا يَدْعُو رَبَّهُ بِلُغَتِهِ، وَهٰذَا يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِلُغَتِهِ وَيَبْكِي، وَهٰذَا بِلُغَةٍ، وَهٰذَا بِلُغَةٍ، وَكُلُّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّبَاعِ هٰذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ. فَمَنْ يَتَّبِعِ النَّبِيَّ ﷺ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ.
فَلَا تَسْتَجِبْ لِلشَّيْطَانِ؛ فَالشَّيْطَانُ دَائِمًا مَاذا يَفْعَلُ؟ يُخَوِّفُكَ، وَيُحَاوِلُ إِبْعَادَكَ. وَلِذٰلِكَ كَانَ هٰذَا التَّخْوِيفُ يَسْرِي فِي أَوْلِيَائِهِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، فَهٰؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِلشَّيْطَانِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أَيْ: لَا تَسْتَجِيبُوا أَنْتُمْ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لِلشَّيْطَانِ، وَلَا لِأَحْلافِ الشَّيْطَانِ، وَلَا لِتَخْوِيفِ أَوْلِيَائِهِ.
وَفِي هٰذَا الْمَوْضِعِ تَفْسِيرٌ لَطِيفٌ أَيْضًا، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، فِيهِ تَقْدِيرٌ، وَقَدْ رُوِيَ ذٰلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ الْمَعْنَى: يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَوْلِيَائِهِ الْكُفَّارِ. وَقَدْ رَوَى هٰذَا الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ فِي الظَّاهِرِ، وَلٰكِنَّ الْمَعْنَيَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤْمِنَ يَخَافُ الْكَافِرَ، وَيَرْهَبُهُ، وَيَضْعُفَ أَمَامَهُ، وَهٰذَا مَا وَقَعَ فِي بَدْرِ الْمَوْعِدِ تَحْدِيدًا، حِينَ حَاوَلَ الْمُشْرِكُونَ تَخْوِيفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْخُرُوجِ، فَجَاءَ الْأَمْرُ الْإِلٰهِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ فِيكُمْ هٰذَا التَّخْوِيفُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، أَيْ: لَا تَخَافُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ. وَأَنْتَ تُلاحِظُ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، عَلَى تَبَاعُدِ مَسَافَاتِهِمْ، وَعَلَى تَشَرْذُمِهِمْ، وَعَلَى شُؤْمِهِمْ، وَعَلَى خِسَّتِهِمْ، وَعَلَى خُبْثِهِمْ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اجْتَمَعُوا. وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ عُدْوَانٌ عَلَى هٰذِهِ الْأُمَّةِ، اجْتَمَعُوا. وَيُعْطُونَكَ بِأَفْوَاهِهِمُ الْكَلَامَ الْحُلْوَ، وَتَرَى مِنْهُمُ الْقَتْلَ، وَالدَّمَارَ، وَسَفْكَ الدِّمَاءِ، وَاسْتِبَاحَةَ الْأَعْرَاضِ. فَهٰذَا حَالُهُمْ. وَلِذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، مَهْمَا كَانَتْ وُعُودُهُمْ، أَنْ نَرْكَنَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَنْ يَتْرُكُوا الْمُسْلِمِينَ. قَدْ يَتْرُكُكَ إِلَى حِينٍ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْكَ بَعْدَ وَقْتٍ، حِينَ يَرَى أَنَّ الْأَسْبَابَ صَارَتْ مُنَاسِبَةً لَهُ، فَهُوَ لَا يَتْرُكُكَ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَلِّمَ لَهُ الْأَمْرَ، وَلَا أَنْ تَنْقَادَ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أَيْ: خَافُوا اللَّهَ، وَاجْعَلُوا الْخَوْفَ الْمُؤَثِّرَ فِي قُلُوبِكُمْ هُوَ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، لَا الْخَوْفَ مِنْ أَحْلافِ الشَّيْطَانِ. فَكَمَالُ الْإِيمَانِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْعَبْدِ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ. وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ الْأَحْزَابِ، حِينَ اجْتَمَعَ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ جَيْشٍ جُمِعَ لِلْعَرَبِ فِي ذٰلِكَ الْوَقْتِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ ثَابِتٌ، يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَالْغُبَارُ يُصِيبُ وَجْهَهُ الشَّرِيفَ، وَيَحْفِرُ بِنَفْسِهِ، وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ~ عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ». فَهٰذَا ثَبَاتٌ، وَلَا خَوْفَ فِيهِ مِنَ الْخَلْقِ، بَلِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ مُؤْتَةَ، كَمْ كَانَ جَيْشُ الْكُفَّارِ كَثِيرًا، وَمَعَ ذٰلِكَ يُعَلِّمُنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ لَا يَتَنَافَى مَعَ التَّوَكُّلِ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْلِحَةِ، وَأَقْوَاهَا، أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَسْبَابِ فَتَأْتِي بَعْدَ ذٰلِكَ. لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنْ دَخَلَ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ إِلَى قَلْبِهِ خَارَتْ قُوَاهُ، وَإِنْ ثَبَتَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ قَوِيَتْ نَفْسُهُ.
وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: 172]، حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: نَخْرُجُ، خَرَجُوا إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَهِيَ عَلَى نَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ أُحُدٍ مُبَاشَرَةً، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ جَرْحَى، حَتَّى إِنَّ الْأَخَوَيْنِ كَانَا مُصَابَيْنِ يَنْزِفَانِ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا رَاحِلَةٌ، فَكَانَ الْأَخُ الَّذِي إِصَابَتُهُ أَخَفُّ يَحْمِلُ أَخَاهُ الْآخَرَ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ. لَا يَخَافُ عَدُوَّ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَلٰكِنْ نَمُوتُ بِعِزَّةٍ، نَمُوتُ شُهَدَاءَ، وَهٰذَا الَّذِي يَتَمَنَّاهُ الْمُؤْمِنُ: أَنْ يَمُوتَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَكَمَالُ الْإِيمَانِ يَقْتَضِي هٰذَا.
فَلَا تَخَافُوا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُهُمْ، وَلَا تَرْهَبُوا جَمْعَهُمْ مَعَ طَاعَتِكُمْ لِلَّهِ. مَا دُمْتُمْ تُطِيعُونَ اللَّهَ، فَلَا تَخَافُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. وَهٰذَا الْمَعْنَى، حِينَ يَأْمُرُكَ اللَّهُ بِهِ، هُوَ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ. فَإِذَا جَاءَكَ مَنْ يَقُولُ: لَكِنَّ هٰؤُلَاءِ كَذَا وَكَذَا، قُلْ لَهُ: اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾. وَخَافُوا مَنْ؟ خَافُوا اللَّهَ: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فَفِي ثَنَايَا هٰذَا الْكَلَامِ مَعْنًى عَظِيمٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكَفَّلَ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَأَنَّهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ النَّصْرُ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصْرٌ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يَذْكُرُ فِي هٰذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ خَوْفٍ. وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا تَأْمَنْ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَأْمَنَ. وَهَلْ تَدْرِي مَا الْمَأْمَنُ؟ الْمَأْمَنُ: لِقَاءُ اللَّهِ عَلَى التَّقْوَى، أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ مُتَّقٍ. وَقَبْلَ ذٰلِكَ، فَالدُّنْيَا لَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ. فَلِمَ تَخَافُ مِنَ النَّاسِ؟ الرِّزْقُ بِيَدِ اللَّهِ، وَقَدْ يَفُوتُكَ رِزْقٌ عَاجِلٌ، وَيَكُونُ الْعِوَضُ عَنْهُ ظَفَرًا وَرِزْقًا آجِلًا كَبِيرًا. فَلَا تَخْشَ وَلَا تَخَفْ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَنْ يُذْكَرُ فِي مَعَانِي الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ: ابْنُ خُثَيْمٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ ثُمَّ يَاءٍ سَاكِنَةٍ. وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَمِنْ أَكْبَرِ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ. وَيَرْوِي عَنْهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِكِيرٍ، وَهُوَ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ فِي النَّارِ عِنْدَ الْحَدَّادِ، يُغْشَى عَلَيْهِ. وَلِمَاذَا؟ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى هٰذِهِ النَّارَ تَذَكَّرَ نَارَ الْآخِرَةِ. فَكَانَ دَائِمًا يُذَكِّرُ نَفْسَهُ، وَكَانَ قَلْبُهُ دَائِمًا مُمْتَلِئًا بِالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ فِي قَلْبِهِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ يَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ، وَيَقْدِرُ عَلَى مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ؛ فَهٰذَا الْخَوْفُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَهْجُرُ الْفِرَاشَ، وَيُقَلِّلُ مِنَ النَّوْمِ، وَيَقُومُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالسِّنَانِ وَالْبَيَانِ عَلَى حَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَيَبْذُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُحْسِنُ، وَيَقْوَى فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَلِذٰلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مِنْ عَلامَاتِ كَمَالِ الْإِيمَانِ: الْجُرْأَةُ فِي قَوْلِ الْحَقِّ، وَالْقُوَّةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَكَانَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ، إِذَا رَبَّى طُلَّابَهُ، يَقُولُ: أُحِبُّ الْجُرَآءَ فِي الْحَقِّ، أُحِبُّ أَنْ تَكُونُوا جُرَآءَ فِي قَوْلِ الْحَقِّ، أَقْوِيَاءَ فِي إِظْهَارِ الْحَقِّ. فَهٰذَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا ذَكَرَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالْكِيرِ غُشِيَ عَلَيْهِ، قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِذَا أَصَابَهُ ذٰلِكَ فَأَعْلِمُونِي. فَلَمَّا أَصَابَهُ ذٰلِكَ أَعْلَمُوهُ، فَجَاءَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي قَمِيصِهِ، فَوَجَدَ حَرَكَةَ قَلْبِهِ شَدِيدَةً، وَخَفَقَانَهُ عَالِيًا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هٰذَا أَخْوَفُ أَهْلِ زَمَانِكُمْ. وَالْمُرَادُ: فِيمَنْ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ فِي ذٰلِكَ الْوَقْتِ.
فَالْخَائِفُ مِنَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ، وَعِقَابُ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا عَاجِلًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ آجِلًا، وَعِقَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ. وَهُنَاكَ بَعْضُ الذُّنُوبِ تَكُونُ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهَا عَاجِلَةً قَبْلَ الْآجِلَةِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ تَعَالَى، مِثْلُ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ؛ فَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ لَا يَجِدُ بَرَكَةً، وَيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُعَاجَلَ بِعُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا. وَمِثْلُ قَاطِعِ الرَّحِمِ. وَمِثْلُ مَنْ يَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا». فَمَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّ هُنَاكَ عُقُوبَةً عَاجِلَةً قَدْ تَنْزِلُ بِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ الْخَائِفُ الَّذِي يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، بَلِ الْخَائِفُ الَّذِي يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَيْهِ. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ أَنَّهُ بَكَى ثُمَّ مَسَحَ دَمْعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، بَلِ الْخَائِفُ حَقًّا هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ هٰذَا سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ فَيَتْرُكُهُ. فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ أَكْلَ الرِّبَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ يَتْرُكُهُ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ لَا يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ تَرْكَ صِيَامِ رَمَضَانَ مَعْصِيَةٌ، أَوْ مَنْعَ الزَّكَاةِ مَعْصِيَةٌ، لَمْ يَتَجَرَّأْ عَلَى ذٰلِكَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]، وَقَالَ: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 41]. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَوْفِ مِنْهُ.
وَيَقُولُ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَائِدًا لَهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَالْعُلَمَاءِ. فَقَالَ: لَمَّا رَآنِي دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَعَافِيكَ وَيَشْفِيكَ، كَأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ. فَقَالَ لِي: أَتَرَى أَنِّي أَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ؟ إِنَّمَا أَخَافُ مِمَّا وَرَاءَ الْمَوْتِ. وَهٰذَا مِنْ أَدَقِّ مَا يُقَالُ فِي حَقِيقَةِ الْخَوْفِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ خَوْفًا مِنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ، بَلْ خَوْفٌ مِمَّا بَعْدَ الِانْتِقَالِ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ». فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ». أَمَامَنَا سَفَرٌ طَوِيلٌ، وَالدُّنْيَا قَصِيرَةٌ جِدًّا، وَمَا بَعْدَهَا هُوَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ. فَحَيَاةُ الْبَرْزَخِ وَحْدَهَا، مِنْ حِينَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ، كَمْ يَمْضِي عَلَيْنَا فِيهَا مِنَ السِّنِينَ؟ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذٰلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. وَذُكِرَ أَنَّهَا خَمْسُونَ مَوْقِفًا، الْمَوْقِفُ الْوَاحِدُ بِأَلْفِ سَنَةٍ. ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ خُلُودٌ لَا مَوْتَ بَعْدَهُ: إِمَّا فِي الْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِمَّا خُلُودٌ فِي النَّارِ لِلْكَافِرِينَ.
فَلِذٰلِكَ كَانَ ضَحِكُ النَّبِيِّ ﷺ تَبَسُّمًا، وَهٰذَا مِنَ الْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَلَّمَهَا مِنْهُ ﷺ؛ فَبَعْضُ النَّاسِ إِذَا ضَحِكَ مَلَأَ ضَحِكُهُ الْمَكَانَ، وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا. وَقَدْ عَلَّمَنَا ﷺ: «وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ»، لَا بِالْقَهْقَهَةِ وَالِانْفِلَاتِ. فَلَمَّا قَالَ: «لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، عَلِمْنَا أَنَّ حَالَنَا فِي الْغَالِبِ عَلَى عَكْسِ هٰذَا؛ فَضَحِكُنَا كَثِيرٌ، وَبُكَاؤُنَا قَلِيلٌ. فَمَتَى آخِرُ مَرَّةٍ بَكَيْتَ فِيهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ أَمَّا مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ ضَحِكْتَ؟ فَقَدْ يَكُونُ ذٰلِكَ قَرِيبًا جِدًّا. فَهٰذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا تُرَبِّينَا عَلَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ»، أَيْ: امْتَلَأَتْ وَاشْتَدَّ امْتِلَاؤُهَا بِالْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ مَسْكَنُ الْمَلَائِكَةِ. وَكَلِمَةُ «الْأَطِيطِ» مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَمَرَّةً كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ الْيَوْمَ بِاسْمِ مَسْجِدِ الْغَمَامَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي كَانَ يَقِفُ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مُصَلَّى الِاسْتِسْقَاءِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ، فِي نَاحِيَةِ أَسْوَاقِ التُّمُورِ الْقَدِيمَةِ تَقْرِيبًا. وَهُوَ فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي تَكُونُ خَلْفَ الْمُسَلِّمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذَا دَخَلَ مِنْ بَابِ السَّلَامِ، وَصَارَ وَجْهُهُ إِلَى بَابِ السَّلَامِ. فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ شَدِيدٌ، وَانْقَطَعَ الْمَطَرُ عَنْهُمْ زَمَانًا، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَلَامًا بَلِيغًا، لَمْ يَقُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ وَقَدِ انْقَطَعَ الْمَطَرُ، بَلْ قَالَ: أَتَيْنَاكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا عِنْدَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يَغِطُّ. ثُمَّ أَنْشَدَ قَائِلًا:
وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكُمْ فِرَارُنَا
وَأَيْنَ يَفِرُّ النَّاسُ إِلَّا إِلَى الرُّسُلِ
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ مِنْ سَحَابٍ، أَيْ: لَا سَحَابَ فِيهَا أَصْلًا، فَجَاءَتِ الْغَمَامَةُ، وَلِذٰلِكَ قِيلَ لَهُ: مَسْجِدُ الْغَمَامَةِ، ثُمَّ تَكَاثَفَتِ السُّحُبُ، وَنَزَلَ الْغَيْثُ، وَاسْتَمَرَّ الْمَطَرُ أُسْبُوعًا كَامِلًا لَا يَتَوَقَّفُ. ثُمَّ جَاءَ الرَّجُلُ بَعْدَ أُسْبُوعٍ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْغَرَقَ الْغَرَقَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا»، فَتَوَقَّفَ الْمَطَرُ. فَهٰذَا مِمَّا يُبَيِّنُ مَعْنَى «الْأَطِيطِ»، أَيْ: الاِمْتِلَاءَ وَالِاشْتِحَانَ.
فَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿بِأَيْدٍ﴾، أَيْ: بِقُوَّةٍ. فَهِيَ بِنَاءٌ مُحْكَمٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ، وَلَيْسَتْ كَمَا يُحَاوِلُ بَعْضُ الْغَرْبِيِّينَ أَنْ يُصَوِّرَهَا بِأَنَّهَا أَبْخِرَةٌ وَغَازَاتٌ فَقَطْ، بَلْ هِيَ سَمَاوَاتٌ مَبْنِيَّةٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَهُوَ فِيهَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ. وَهٰذِهِ السَّمَاءُ مَشْحُونَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذٰلِكَ أَنْ يَبْقَى الْمَلَكُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَلِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ عِبَادَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَوَظَائِفُ، وَيَنْزِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَحِينَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ ذٰلِكَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: يَأْمُرُ بِنُزُولِ مَلَكٍ، أَوْ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نُزُولُ رَحْمَةٍ لَا نُزُولُ نَقْلَةٍ. فَلِلْمَلَائِكَةِ وَظَائِفُ، وَهُمْ جُنُودُ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31].
وَكُلُّ هٰذِهِ الْمَعَانِي ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِذٰلِكَ نَرْجِعُ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ كَثِيرًا فِي بَابِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَابِدًا، إِمَامًا، زَاهِدًا. وَقَدْ كَانَ يَجْتَمِعُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَبِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنْ عَظِيمِ صَبْرِهِ وَخَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ، لَا يَأْذَنُ لِأَحَدٍ حَتَّى يَفْرُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ، يَعْطِيهِ مَزِيَّةً خَاصَّةً. وَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَبَا يَزِيدَ، لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّكَ، وَمَا رَأَيْتُكَ إِلَّا ذَكَّرْتَنِي الْمُخْبِتِينَ. وَالْمُخْبِتُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ. فَإِذَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ لَهُ ذٰلِكَ، وَيَقُولُ: لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّكَ، فَلِأَنَّهُ كَانَ عَظِيمَ الْعِبَادَةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخَوْفِ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ، إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُ، قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا عَلِمْتَ، وَمَا اسْتُؤْثِرَ بِهِ عَلَيْكَ فَكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ. أَيْ: مَا غَابَ عَنْكَ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْكَ عِلْمُهُ، فَرُدَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ يَقُولُ: وَمَا تَتَّبِعُونَ الْخَيْرَ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، وَمَا تَفِرُّونَ مِنَ الشَّرِّ حَقَّ فِرَارِهِ، وَلَا كُلُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَدْرَكْتُمْ، وَلَا كُلُّ مَا تَقْرَءُونَ تَدْرُونَ مَا هُوَ. ثُمَّ كَانَ يَقُولُ: السَّرَائِرُ، السَّرَائِرُ، اللَّاتِي يَخْفَيْنَ مِنَ النَّاسِ وَهُنَّ لِلَّهِ بَوَادٍ، الْتَمِسُوا دَوَاءَهُنَّ، وَمَا دَوَاؤُهُنَّ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ الْعَبْدُ، ثُمَّ لَا يَعُودَ. وَيَقُولُ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: مَا أَرَى الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا بِكَلِمَةٍ تَصْعَدُ. أَيْ: بِكَلِمَةٍ خَيْرٍ، وَذِكْرٍ، وَمَا فِيهِ نَفْعٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَحِبْتُ الرَّبِيعَ عِشْرِينَ عَامًا، فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةَ عِتَابٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَالَسْتُ الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ سِنِينَ، فَمَا سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لِي مَرَّةً: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ أَيْ: عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؟ فَمَا كَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْأَلُ عَنْهَا، بَلْ كَانَ لِسَانُهُ دَائِمًا فِي ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ، فَتَقُولُ لَهُ: يَا أَبَتَاهُ، أَلَا تَنَامُ؟ لِأَنَّهَا تَرَاهُ فِي اللَّيْلِ لَا يَنَامُ. فَيَقُولُ: كَيْفَ يَنَامُ مَنْ يَخَافُ جَهَنَّمَ؟ لَا تَتْرُكُنِي أَنَامُ. فَهٰذَا هُوَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُخْبِتِينَ.