بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)﴾ [آل عمران: 178]
يَعني: لا يَظُنَّ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ هٰذا الَّذي نُمِدُّهُم بِهِ، وَنُوَسِّعُ عَلَيْهِم فيهِ، وَنُمْهِلُهُم مَعَهُ، خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِم. فَقَد يَقولُ الواحِدُ مِنَ الكُفّارِ، وَهٰذا واقِعٌ نَراهُ اليَومَ أَيْضًا: انظُروا، نَحنُ في قُوَّةٍ، وَعِنْدَنا المالُ، وَعِنْدَنا السِّلاحُ، وَعِنْدَنا الغِنى، وَعِنْدَنا وَعِنْدَنا. ثُمَّ هٰؤُلاءِ الخُبَثاءُ يَسرِقونَ خَيْراتِ المُسلِمينَ جُمْلَةً جُمْلَةً، وَيَنْهَبونَ أَمْوالَهُم، وَيَتَصَرَّفونَ في بِلادِهِم، وَفي مائِهِم، وَتُرابِهِم، وَغِذائِهِم، وَأَرْزاقِهِم، ثُمَّ يَتَجَبَّرونَ بَعْدَ ذٰلِكَ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ ما هُم فيهِ دَليلُ خَيْرٍ، وَعَلامَةُ رِضا، وَشِعارُ فَلاحٍ. فَجاءَ القُرآنُ يَقْطَعُ عَنْهُم هٰذا الوَهْمَ، وَيُبْطِلُ هٰذا الظَّنَّ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فَلا يَغتَرَّنَّ أَحَدٌ بِما يَراهُ مِن طُولِ أَعْمارِهِم، أَوْ سَعَةِ أَرْزاقِهِم، أَوْ عُلُوِّ سُلطانِهِم، أَوْ كَثرَةِ أَمْوالِهِم، أَوْ تَمَكُّنِهِم في الأَرْضِ؛ فَإِنَّ هٰذا كُلَّهُ لَيسَ دَليلَ خَيْرٍ لَهُم، وَلَا بُشرى لَهُم، وَلَا كَرامَةً لَهُم عِنْدَ اللهِ، بَلْ قَد يَكونُ عَينَ الاِسْتِدْراجِ، وَعَينَ الإِمْلاءِ، وَعَينَ التَّأْخيرِ الَّذي يَظُنُّ صاحِبُهُ أَنَّهُ نِعمَةٌ، وَهُوَ في الحَقيقَةِ بَلاءٌ وَوَبالٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ سُبْحانَهُ حَقيقَةَ هٰذا الإِمْلاءِ، فَقالَ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. فَهٰذا الَّذي يُعطَوْنَهُ مِن طُولِ العُمُرِ، وَالتَّوْسِعَةِ في الرِّزْقِ، وَالإِمْهالِ في الزَّمانِ، لَيسَ خَيْرًا لَهُم، وَإِنَّما هُوَ تَأْخيرٌ لِيَزدادوا بِهِ إِثمًا، وَيَغْرَقوا أَكثَرَ في طُغْيانِهِم، وَيَتَمادَوْا في كُفْرِهِم، وَيَزْدادوا في القَتْلِ، وَالظُّلْمِ، وَالجَبَرُوتِ، وَالعُدْوانِ. فَما يُعطَوْنَهُ مِن مُهْلَةٍ لَيسَ رَحمَةً بِهِم، بَلْ هُوَ إِقامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِم، وَإِطْلاقٌ لَهُم حَتّى يَمْلَؤُوا صَحائِفَهُم بِمَزيدٍ مِنَ الآثامِ.
وَهُنَا إِشارَةٌ كَبيرةٌ؛ فَهٰذِهِ الآياتُ جاءَت في سِياقِ ما كانَ بَعْدَ أُحُدٍ، وَلَمَّا كانَتْ غَزْوَةُ بَدْرِ المَوْعِدِ، وَكانَ المَوْعِدُ بَيْنَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي سُفْيانَ، إِذْ قالَ أَبُو سُفْيانَ: يا مُحَمَّدُ، نَتَلاقى في بَدْرٍ في العامِ القابِلِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنْ شاءَ اللهُ. فَخَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ وَالمُؤْمِنونَ، وَأَمَّا أَبُو سُفْيانَ فَقَدْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَخافَ، وَبَحَثَ عَمَّن يُثَبِّطُ المُسلِمينَ، وَيُخَوِّفُهُم، وَيَصرِفُهُم عَنِ الخُروجِ. فَكانَتِ الحَرْبُ مِنْ أَوَّلِها تَخويفًا بِالقَتْلِ. وَهٰذا الَّذي نَسمَعُهُ إِلى اليَومِ: يُخَوِّفونَكَ بِالمَوْتِ، وَبِالقَتْلِ، وَبِالقُوَّةِ، وَبِالسِّلاحِ، وَبِالجُيوشِ، وَبِالتَّدميرِ. فَيُقالُ لَهُم: إِنْ شاءَ اللهُ قَتْلانَا شُهَداءُ في الجَنَّةِ، أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرزَقونَ، وَأَنْتُمْ، أَيُّهَا الكُفّارُ، أَذِلَّةٌ بِإِذْنِ اللهِ تُقْهَرونَ.
فَهٰؤُلاءِ المُثَبِّطونَ يُخَوِّفونَ مِنَ المَوْتِ. وَبَعْضُ النّاسِ اليَومَ يَقولُ: أَنا أَخافُ. فَيُقالُ لَهُ: تَخافُ مِمَّاذا؟ أَتَخافُ أَنْ تَموتَ؟ وَالمَوْتُ حَقٌّ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وَ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]. فَكِتابُكَ مَكْتوبٌ لَكَ، وَأَجَلُكَ مَضروبٌ عَلَيْكَ، وَلَنْ تَتَقَدَّمَ ساعَةً، وَلَنْ تَتَأَخَّرَ ساعَةً. وَلٰكِنْ شَتّانَ بَيْنَ مَوْتٍ وَمَوْتٍ؛ شَتّانَ بَيْنَ مَنْ يَموتُ عَلى فِراشِهِ بَعْدَ ضَعْفٍ وَعَجْزٍ وَتَنَكُّسٍ في الخَلْقِ، وَبَيْنَ مَنْ يَموتُ شَهيدًا في سَبيلِ اللهِ. فَإِنَّ الشَّهيدَ، كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ، رُوحُهُ تَصْعَدُ فَوْرًا إِلى الجَنَّةِ، وَيَتَنَعَّمُ نَعيمًا عاجِلًا، ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، وَجاءَ التَّعبيرُ بِالمُضارِعِ دَليلًا عَلى أَنَّ هٰذا الرِّزْقَ حاصِلٌ لَهُم عَلى الفَورِ.
فَمِن هاهُنا لا يَنْبَغي أَنْ يَسْكُنَ الخَوْفُ القَلْبَ مِنَ المَوْتِ بِالمَعْنَى الَّذي يُثَبِّطُ عَنْ طاعَةِ اللهِ، وَعَنْ نُصرَةِ دِينِهِ، وَعَنْ الجِهادِ في سَبيلِهِ. بَلْ يَنْبَغي أَنْ يُفَكِّرَ الإِنسانُ في الآخِرَةِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ خارِجٌ مِن هٰذِهِ الدُّنيا لا مَحالَةَ، وَأَنَّهُ سَيَرَى مَلَكَ المَوْتِ، وَسَيُفارِقُ هٰذِهِ الدُّنيا، فَيَسْتَعِدُّ لِتِلْكَ السّاعَةِ بِطاعَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى.
وَلِذٰلِكَ كانَتْ هٰذِهِ الآياتُ تَحُضُّ عَلى الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، وَتَحُثُّ عَلَيْهِ، وَلا يَنْبَغي أَنْ نَنْسَى أَنَّ الجِهادَ نَوْعانِ: جِهادٌ بِالبَيانِ، وَجِهادٌ بِالسِّنانِ. فَالجِهادُ بِالبَيانِ: بِاللِّسانِ، وَبِالتَّعْليمِ، وَبِالرَّدِّ عَلى الباطِلِ، وَبِإِظهارِ الحَقِّ. وَالجِهادُ بِالسِّنانِ: بِالسِّلاحِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ في مَكَّةَ، ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، كانَ يُجاهِدُ بِالبَيانِ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ جاءَ الإِذْنُ لَهُ بِالجِهادِ بِالسِّنانِ. ثُمَّ لَمَّا هاجَرَ إِلى المَدينَةِ، وَمَضَتِ السَّنَةُ الأُولى، جاءَ الإِذْنُ لَهُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ بِالجِهادِ بِالسِّنانِ، فَصارَ ﷺ يُجاهِدُ بِالبَيانِ وَالسِّنانِ مَعًا، بَعْدَ أَنْ كانَ قَبْلَ ذٰلِكَ يُجاهِدُ بِالبَيانِ.
وَإِذا نَظَرْتَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وَهِيَ نَحوُ عَشْرِ سِنِينَ، وَجَدْتَ، كَما قالَ العُلَماءُ مِنْهُم الحافِظُ العِراقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّ مَجْموعَ السَّرايا وَالبُعوثِ وَالغَزَواتِ بَلَغَ نَحوَ السِّتِّينَ، بَعْضُها خَرَجَ فيها النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَبَعْضُها أَرْسَلَ فيها البُعوثَ وَالسَّرايا. فَإِذا أَخَذْتَها عَلى عَشْرِ سِنِينَ، وَجَدْتَ أَنَّ مُعَدَّلَها نَحوُ سِتِّ مَرّاتٍ في السَّنَةِ الواحِدَةِ. وَهٰذا يَدُلُّكَ عَلى أَنَّ حَياةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ كانَتْ مَلِيئَةً بِالجِهادِ في سَبيلِ اللهِ.
وَيَنْبَغي أَنْ يُذْكَرَ هٰهُنا أَنَّ الجِهادَ لَمْ يُشْرَعْ لِلدِّفاعِ فَقَطْ، وَإِنْ كانَ الدِّفاعُ مَقْصِدًا، بَلْ شُرِعَ أَيْضًا لِنَشْرِ الإِسلامِ، وَلِإِعْزازِ الأُمَّةِ، وَلِإِظهارِ دِينِ اللهِ. وَمِن هٰذا بُشْرى النَّبِيِّ ﷺ بِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، إِذْ قالَ: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذٰلِكَ الْجَيْشُ، وَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا». وَقَدْ تَحَقَّقَ هٰذا بَعْدَ نَحوِ ثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ عَلى يَدِ السُّلْطانِ مُحَمَّدِ الفاتِحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكانَ شابًّا في أَوائِلِ شَبابِهِ. فَقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَفَتْحُ الشّامِ، وَفَتْحُ العِراقِ، وَفَتْحُ الأَنْدَلُسِ، وَفَتْحُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَيْسَ الأَمْرُ دِفاعًا مَحْضًا، بَلْ إِظْهارٌ لِدِينِ اللهِ، وَنَشْرٌ لِلْإِسلامِ، وَقَهْرٌ لِلْباطِلِ.
فَمَنْ كانَ يُخَوِّفُ المُسْلِمينَ مِن هٰذا، وَيُثَبِّطُهُمْ عَنْهُ، جَاءَهُ الجَوابُ مِنَ القُرآنِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾. فَالإِمْلاءُ لَهُم، وَهُوَ الإِطالةُ وَالإِمْهالُ وَالتَّأْخيرُ، لَيْسَ دَليلَ خَيْرٍ، بَلْ هُوَ دَليلُ اسْتِدْراجٍ. وَمِن مَعاني الإِمْلاءِ: الإِمْهالُ، وَالتَّأْخيرُ، وَإِطالَةُ العُمُرِ، وَالتَّوْسِعَةُ في الرِّزْقِ. فَتَجِدُ الواحِدَ مِن أَعْدائِنا بَلَغَ ما بَلَغَ مِنَ السِّنِّ، وَهُوَ لا يَزالُ يَتَجَبَّرُ، وَعِنْدَهُ المالُ، وَالسُّلْطانُ، وَالصِّحَّةُ، وَالأَسْبابُ، فَلا يَغْتَرَّنَّ أَحَدٌ بِذٰلِكَ، فَاللهُ قالَ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾. فَهٰذا إِمْلاءٌ لِلْكافِرينَ، لا كَرامَةٌ لَهُمْ.
وَفِي هٰذا إِشارَةٌ كَبيرةٌ جِدًّا، خُصوصًا في زَمانِنا؛ فَبَعْضُ النّاسِ قَدْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ، فَيَقولُ: لَوْ ذَهَبْتُ إِلى بِلادِ الكُفّارِ، وَأَقَمْتُ هُناكَ، وَحَصَلْتُ عَلى الإِقامَةِ، وَصارَ لي راتِبٌ شَهْرِيٌّ، وَصارَ لي تَأْمينٌ صِحِّيٌّ، وَوَجَدْتُ فُرصَةَ عَمَلٍ، وَوَجَدْتُ كَذا وَكَذا. فَيُقالُ لَهُ: اثْبُتْ بِدِينِكَ، وَاثْبُتْ في أَرْضِكَ، وَاثْبُتْ في بَلَدِكَ، وَخُصوصًا إِذا كُنْتَ في بِلادِ الشّامِ، وَأَخَصُّ مِن ذٰلِكَ إِذا كُنْتَ في فِلَسْطينَ. وَكَمْ نَرى مِن أَهْلِنا هُناكَ مَنْ ثَبَتَ في أَرْضِهِ، وَثَبَتَ في وَطَنِهِ، وَيُهْدَمُ بَيْتُهُ، فَيَنْصِبُ خَيْمَتَهُ فَوْقَ الرَّدْمِ، وَلَا يَتْرُكُ أَرْضَهُ، وَلا يَتْرُكُ وَطَنَهُ، وَلا يَتْرُكُ بَلَدَهُ، وَلَوْ جاءَتْهُ كُلُّ الإِغْراءاتِ بِالمالِ وَغَيْرِهِ. فَهٰؤُلاءِ هُمُ الَّذينَ عَرَفُوا الحَقَّ، وَعَرَفُوا أَنَّ ما عِنْدَ الكافِرِينَ لَيْسَ خَيْرًا لَهُمْ.
ثُمَّ قالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ في مَعْنى الإِمْلاءِ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَلْوَةِ، وَهِيَ المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ. فَيُقالُ: مَلَوْتُ مِنَ الدَّهْرِ مَلْوَةً، وَيُقالُ: مُلْوَةً، وَمِلاوَةً، وَمُلاوَةً، كُلُّ ذٰلِكَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وَقالَ الأَصْمَعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَمْلى عَلَيْهِ الزَّمانُ، أَي طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ. فَإِذا قيلَ: بَلَغَ مِنَ العُمُرِ ثَمانينَ سَنَةً، قالَتِ العَرَبُ: أَمْلى عَلَيْهِ الزَّمانُ، أَي أُطيلَ لَهُ في الزَّمانِ. وَكانَ أَبو عُبَيْدَةَ يَقولُ: المَلَا يُقالُ لِلأَرْضِ الواسِعَةِ. وَمِن هٰذا أَيْضًا أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يُقالُ لَهُما: المَلَوانِ، كَما يُقالُ في بَعْضِ الخُطَبِ: وَما تَعاقَبَ المَلَوانِ، أَي اللَّيْلُ وَالنَّهارُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، قالَ الإِمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فِيهِ دَليلٌ عَلى إِثْباتِ القَضاءِ وَالقَدَرِ. أَيْ: أَنَّ ما يَجري عَلَيْهِم مِنْ إِمْهالٍ، وَإِطالةِ عُمُرٍ، وَتَوْسِيعِ رِزْقٍ، وَازْدِيادِ إِثْمٍ، كُلُّهُ بِخَلْقِ اللهِ، وَمَشيئَتِهِ، وَقَضائِهِ، وَقَدَرِهِ. نَعَمْ، اللهُ أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ، وَنَهاهُمْ عَنِ الكُفْرِ، وَأَمَرَهُمْ بِالخَيْرِ، وَنَهاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَلٰكِنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَكُلُّ شَيءٍ بِمَشيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى. وَمِنْ حِكَمِ ذٰلِكَ أَنْ تَقومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِم، وَأَنْ يَبْلُغُوا الغايَةَ في طُغْيانِهِم، ثُمَّ يَأْخُذَهُمُ اللهُ أَخْذَ عَزيزٍ مُقْتَدِرٍ.
وَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وَقالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]. فَاللهُ خَلَقَنا، وَأَمَرَنا بِالعِبادَةِ، وَقالَ: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أَيْ: لِآمُرَهُمْ بِعِبادَتي. وَلٰكِنْ ما شاءَ اللهُ أَنْ يَكونَ الجَميعُ مُؤْمِنينَ، بَلْ قالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13]. فَأَسْماءُ أَهْلِ الجَنَّةِ مَكْتوبَةٌ، وَأَسْماءُ أَهْلِ النّارِ مَكْتوبَةٌ، وَالقَلَمُ قَدْ جَرَى بِذٰلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الإِنسانِ.
فَأَوَّلُ المَخْلوقاتِ الأَرْبَعَةِ: الماءُ، ثُمَّ العَرْشُ، ثُمَّ القَلَمُ، ثُمَّ اللَّوْحُ المَحْفوظُ. وَبَعْدَ خَلْقِ هٰذِهِ الأَرْبَعَةِ بِخَمْسينَ أَلْفَ سَنَةٍ، خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ، وَفي آخِرِ هٰذِهِ الأَيّامِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، خَلَقَ سَيِّدَنا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَمِنْهُ كانَ البَشَرُ. وَآدَمُ أَبُو البَشَرِ، لَا أَوادِمَ قَبْلَهُ، كَما يَتَوَهَّمُ بَعْضُهُمْ. وَالقَلَمُ كَتَبَ كُلَّ ما هُوَ كائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12]. فَقَبْلَ مَعْرَكَةِ حِطِّينَ، وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ صَلاحُ الدِّينِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كانَ مَكْتوبًا في اللَّوْحِ المَحْفوظِ: تَحْريرُ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى يَدِ السُّلْطانِ النّاصِرِ صَلاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ. وَمَكْتوبٌ أَيْضًا، وَنَحنُ لا نَعْلَمُ وَقْتَهُ، مَتى يَكونُ عَوْدُ فِلَسْطينَ لَنا. نَعْلَمُ يَقينًا أَنَّهُ سَيَكونُ، وَلٰكِنْ لا يَعْلَمُ وَقْتَهُ إِلَّا اللهُ. وَقَدْ خاضَ نَاسٌ في التَّحْديدِ، فَأَخْطَؤوا، وَمَرَّ الزَّمانُ وَما وَقَعَ ما زَعَموهُ. فَلا يَجوزُ أَنْ يُقالَ: بِحِسابِ سُورَةِ الإِسْراءِ، أَوْ بِعَدِّ الآياتِ، أَوْ بِضَرْبِ الأَرْقامِ، سَيَكونُ ذٰلِكَ في السَّنَةِ الفُلانيَّةِ؛ هٰذا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ. وَلٰكِنْ عِنْدَنا يَقينٌ أَنَّ الوَعْدَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللهَ قادِرٌ أَنْ يُهَيِّئَ الأَسْبابَ مِن حَيْثُ لا نَحْتَسِبُ، وَأَنْ يُبَدِّلَ الأَحْوالَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ.
وَمِن هٰهُنا يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. فَلَيْسَ الأَمْرُ مُجَرَّدَ عَذابٍ، بَلْ هُوَ عَذابٌ مَهينٌ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَزَّزوا بِالإِمْلاءِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ دَليلُ عِزٍّ، وَرَأَوْا أَنْفُسَهُمْ أَعِزَّةً بِما مُتِّعوا بِهِ مِن مالٍ، وَسُلطانٍ، وَصِحَّةٍ، وَأَعْمارٍ، وَأَنْفُسٍ، وَوَلَدٍ، وَعَتادٍ، فَخُتِمَ أَمْرُهُمْ بِعَذابٍ مُهِينٍ؛ لِأَنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَمَنْ طَلَبَ العِزَّةَ بِالباطِلِ أَذَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلى الحَقِّ أَهانَهُ اللهُ.
وَإِذا نَظَرْتَ إِلى هٰذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ: آيَةَ 176، وَآيَةَ 177، وَآيَةَ 178، رَأَيْتَ مِن بَلاغَةِ القُرآنِ وَدِقَّةِ خِتامِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ كِتابِ اللهِ. فَفي الآيَةِ 176 قالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وَفي الآيَةِ 177 قالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَفي الآيَةِ 178 قالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وَلِكُلِّ وَصفٍ مِن هٰذِهِ الأَوْصافِ مُناسَبَتُهُ الدَّقيقَةُ الَّتي خُتِمَتْ بِها الآيَةُ.
فَآيَةُ 176، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، لَمَّا كانَ فِيها ذِكْرُ المُسارَعَةِ، وَالمُسارَعَةُ في العادَةِ لا تَكونُ إِلَّا إِلى ما يَراهُ صاحِبُها أَمْرًا عَظيمًا وَنَفيسًا، خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، كَأَنَّهُمْ سَعَوْا إِلى ما ظَنُّوهُ عَظيمًا، فَقُوبِلوا بِعَذابٍ عَظيمٍ، إِهانَةً لَهُمْ وَجَزاءً لَهُمْ.
وَأَمَّا آيَةُ 177، وَهِيَ الَّتي فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 177]، فَلَمَّا كانَ فِيها ذِكْرُ الشِّراءِ وَالتِّجارَةِ وَالمُقابَلَةِ، وَالتّاجِرُ إِنَّما يَطْلُبُ بِتِجارَتِهِ رِبْحًا، قُوبِلَ هٰؤُلاءِ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، لِأَنَّهُمْ دَخَلوا صَفْقَةً خاسِرَةً، فَبَدَلَ الرِّبْحِ جاءَهُمُ الأَلَمُ.
وَأَمَّا آيَةُ 178، فَلَمَّا كانَ فِيها ذِكْرُ الإِمْلاءِ، وَالإِمْلاءُ فيهِ إِمْتاعٌ بِالمالِ وَالبَنينَ وَالصِّحَّةِ وَالأَسْبابِ، وَكانَ ذٰلِكَ سَبَبًا لِتَعَزُّزِهِم وَتَجَبُّرِهِم، خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ ذٰلِكَ يُعْطِيهِمُ العِزَّةَ، فَكانَ جَزاؤُهُمْ الإِهانَةَ.
فَمَعْنَى الآيَةِ الكَريمَةِ كُلِّها: لا يَظُنَّ الكُفّارُ أَنَّ ما نُطيلُهُ لَهُمْ مِن أَعْمارٍ، وَما نُوَسِّعُهُ عَلَيْهِم مِن أَرْزاقٍ، وَما نُمْهِلُهُمْ فيهِ مِن زَمانٍ، خَيْرٌ لَهُمْ، بَلْ هُوَ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وَإِمْلاءٌ لِيَزدادوا إِثمًا، وَلَهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ. وَأَمَّا أَنْتُمْ، أَيُّهَا المُؤْمِنونَ، فَاثْبُتوا، وَلا تَخافوا، وَامْضوا في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، جِهادِ البَيانِ وَجِهادِ السِّنانِ، وَمَنْ فاتَهُ جِهادُ السِّنانِ فَلا يَفوتَنَّهُ جِهادُ البَيانِ، بِالأَمْرِ بِالمَعْروفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَتَعْليمِ النّاسِ، وَتَثْبيتِ العَقيدَةِ، وَتَربِيَةِ الأَوْلادِ عَلى دِينِ اللهِ، فَإِنَّ أَعْداءَنا لا يُحارِبونَنا بِالسِّلاحِ فَقَطْ، بَلْ يُحارِبونَنا أَيْضًا بِالفِكْرِ الفاسِدِ، وَبِإِفْسادِ الأَجْيالِ. فَمِن نُصرَةِ دِينِ اللهِ أَنْ تَعتَنيَ بِتَربِيَةِ وَلَدِكَ، وَأَنْ تُعَلِّمَهُ القُرآنَ، وَالصَّلاةَ، وَالطَّهارَةَ، وَالعَقيدَةَ، وَمَجالِسَ العِلمِ، وَأَنْ تَرْفُقَ بِهِ حَتّى لا يَنْفِرَ، فَلَعَلَّ هٰذا الوَلَدَ الَّذي تُشَجِّعُهُ اليَومَ يَكونُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مِمَّن يَنْصُرُ اللهُ بِهِ الدِّينَ وَالأُمَّةَ.
وَاذْكُرُوا قَولَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ النّاسِ خَيْرٌ؟ فَقالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، وَقيلَ: فَأَيُّ النّاسِ شَرٌّ؟ قالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ». فَطُولُ العُمُرِ في نَفْسِهِ لَيْسَ خَيْرًا إِلَّا إِذا اقْتَرَنَ بِحُسْنِ العَمَلِ، وَإِلَّا كانَ حُجَّةً عَلَى صاحِبِهِ. وَكُلُّ يَوْمٍ يَطْلُعُ عَلَيْكَ يَقولُ بِلِسانِ الحالِ: أَنا يَوْمٌ جَديدٌ، وَأَنا عَلَيْكَ شَهيدٌ، فَاعْمَلْ فِيَّ؛ فَلَعَلَّهُ لا يَأْتيكَ بَعْدي يَوْمٌ آخَرُ.
فَاللهَ اللهَ في الثَّباتِ، وَاللهَ اللهَ في طاعَةِ اللهِ، وَاللهَ اللهَ في عَدَمِ الاغْتِرارِ بِما عِنْدَ الكُفّارِ؛ فَإِنَّ ما عِنْدَهُمْ إِمْلاءٌ، وَاسْتِدْراجٌ، وَتَأْخيرٌ، لا خَيْرَ لَهُمْ فيهِ، وَإِنَّما هُوَ لِيَزدادوا إِثمًا، وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.