بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180]
اِعلَمْ أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ وَتَعالَى لَمَّا ذَكَرَ فِي الآياتِ السّابِقَةِ مَا فِيهِ مُبالَغَةٌ فِي التَّحريضِ عَلَى بَذلِ المَالِ فِي الجِهادِ، وَبَيَّنَ الحَثَّ عَلَى الإِنفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، أَتبَعَ ذَلِكَ هُنَا بِذِكرِ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي حَقِّ مَنْ يَبخَلُ بِالمَالِ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً تَخْوِيفًا عَظِيمًا لِمَنْ يَمنَعُ الحَقَّ الَّذِي أَوجَبَهُ اللهُ عَلَيهِ فِي مَالِهِ.
قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ﴾ [آل عمران: 180]، مَعناهُ: لَا يَتَوَهَّمَنَّ هَؤُلَاءِ البُخَلاءُ أَنَّ بُخلَهُم وَإِمسَاكَهُم لِلمَالِ خَيرٌ لَهُم، فَإِنَّ بَعضَ النّاسِ يَقُولُ: أَنَا أُمسِكُ المَالَ لِنَفسِي، وَلِأَولادِي، وَلِمُستَقبَلِي، وَأَدَّخِرُهُ لِما قَدْ يَنزِلُ بِي فِيمَا بَعدُ، فَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا الإِمسَاكَ خَيرٌ لَهُ، وَالحَقُّ أَنَّهُ لَيسَ خَيرًا لَهُ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَبقَى وَبالُهُ عَلَيهِ، وَيَعودُ عُقُوبَةً عَلَيهِ يَومَ القِيامَةِ.
وَهُنَا إِشارَةٌ مُهِمَّةٌ إِلَى مَعنى البُخلِ، فَإِنَّ البُخلَ هُوَ: مَنْعُ أَداءِ الحَقِّ الواجِبِ فِي المَالِ. فَهَذَا هُوَ المَعنى الَّذِي يُوصَفُ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ بَخِيلٌ، وَيُعَدُّ البُخلُ مِن جُملَةِ المَعاصِي، بَل يَعُدُّهُ العُلَماءُ فِي جُملَةِ مَعاصِي القَلبِ؛ لِأَنَّهُ يَرجِعُ إِلَى شِدَّةِ تَعَلُّقِ القَلبِ بِالمَالِ، وَتَعَلُّقِ الشَّهوَةِ بِهِ، حَتَّى يَحْمِلَ صَاحِبَهُ عَلَى أَلَّا يُؤَدِّيَ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ فِيهِ.
فَالبُخلُ إِذًا هُوَ الاِمتِناعُ عَن أَداءِ حَقٍّ مالِيٍّ واجِبٍ، كَالزَّكاةِ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ، وَكَالنَّفَقَةِ الواجِبَةِ عَلَى الزَّوجَةِ وَالأَولادِ، وَنَحوِ ذَلِكَ. فَمَنْ اِمتَنَعَ عَن أَداءِ الحَقِّ الواجِبِ فِي المَالِ فَهُوَ بَخِيلٌ، وَالوَاقِعُ فِي هَذَا يُسَمَّى بَخِيلًا.
وَكَذَلِكَ إِذَا وُجِدَتْ فِي المُسلِمِينَ ضَرُوراتٌ لَمْ تُسَدَّ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيتُ مالٍ لِلمُسلِمِينَ كَمَا كَانَ فِيمَا مَضَى، وَكَانَ هُنَاكَ مَنْ يَمُوتُ مِنَ الجُوعِ، أَوْ يَمُوتُ مِنَ البَردِ، أَوْ وُجِدَتْ حَاجاتٌ كَبِيرَةٌ فِي نُصرَةِ دِينِ اللهِ وَالدِّفاعِ عَنهُ، مَعَ أَنَّ أَعداءَ الإِسلامِ يَبذُلُونَ الأَموالَ الكَثِيرَةَ لِحَربِ الإِسلامِ، وَلِنَقْضِ عُرَى الدِّينِ، وَلِإِفسادِ العَقِيدَةِ، وَبَثِّ المَفاهِيمِ الفاسِدَةِ، وَالسُّمُومِ الَّتِي تَنقُضُ أَصلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛ فَمَنْ كَانَ غَنِيًّا مُستَطِيعًا عَلَى سَدِّ هَذِهِ الضَّرُوراتِ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيَعلَمْ أَنَّهُ فِي جُملَةِ البُخَلاءِ، وَأَنَّهُ سَيُسأَلُ عَن ذَلِكَ يَومَ القِيامَةِ.
وَقَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى مِن أَهلِ الفَضلِ مَنْ يَقُومُ بِسَدِّ حَاجاتِ المُسلِمِينَ، حَتَّى فِي أَمرِ الزَّواجِ لِلشَّبابِ الَّذِينَ لَا يَستَطِيعُونَ، فَكَانَ الأَغنِياءُ يُعِينُونَهُم وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِن أَقارِبِهِم، وَهَذَا مِن عَظِيمِ القُرُباتِ وَسَدِّ الحَاجاتِ. أَمَّا اليَومَ، فَكَثِيرٌ مِنَ الأَغنِياءِ يَنظُرُونَ إِلَى أَبوابِ التَّوَسُّعِ فِي أَنفُسِهِم، مِن سَفَرٍ، وَمَآكِلَ، وَمَبَانٍ، وَنَحوِ ذَلِكَ، وَيَترُكُونَ الضَّرُوراتِ القَائِمَةَ فِي المُسلِمِينَ.
فَالحاصِلُ أَنَّ البُخلَ هُوَ مَنْعُ مَا أَوجَبَ اللهُ تَعالَى فِي المَالِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُوسِرًا وَلَكِنَّهُ لَا يُوَسِّعُ عَلَى نَفسِهِ فِي الأَثاثِ أَوِ اللِّباسِ أَوِ المَركَبِ أَوِ البِنَاءِ، فَهَذَا لَا يُسَمَّى بَخِيلًا. بَلْ لَوْ ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ فِي غَيبَتِهِ بِأَنَّهُ بَخِيلٌ لِهَذَا السَّبَبِ، لَوَقَعَ فِي الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ فِي البُهتَانِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ.
فَالمُرادُ بِالبُخلِ هُنَا: مَنْعُ الحَقِّ المَالِيِّ الواجِبِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، عَلَى قَولِ عَدَدٍ مِن أَهلِ التَّفسِيرِ، جَاءَتْ فِي الكَلامِ عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ»، رَوَاهُ البُخارِيُّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ البُخلَ دَاءٌ وَمَرَضٌ، وَسَبَبُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، شِدَّةُ تَعَلُّقِ القَلبِ بِالمَالِ.
فَيَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنَ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ هَذَا وَقَعَ فِي المَعصِيَةِ وَسُمِّيَ بَخِيلًا. ثُمَّ إِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ مَعَ البُخلِ: الحِرصَ وَالشُّحَّ. فَالبُخلُ: مَنْعُ حَقٍّ مالِيٍّ واحِدٍ. وَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمَنَعَ حُقُوقًا أُخَرَ، اِشتَدَّ وَصفُهُ. ثُمَّ يَأْتِي الشُّحُّ، وَهُوَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَجمَعُ بَينَ مَنْعِ الحُقُوقِ وَشِدَّةِ تَعَلُّقِ القَلبِ بِالمَالِ، حَتَّى لَا يُبَالِيَ صَاحِبُهُ مِن أَينَ دَخَلَ عَلَيهِ المَالُ، أَمِن حَلَالٍ أَمْ مِن حَرَامٍ.
ثُمَّ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى المَعنى الأَقرَبِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، بَعدَ بَيَانِ المَعنى العَامِّ لِلبُخلِ، قُلْنَا: إِنَّهَا فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ خُصُوصًا؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ الزَّكَاةُ ثُمَّ لَمْ يُؤَدِّهَا فَهُوَ بَخِيلٌ. وَيَدخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ أَخَّرَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنْ وَقتِهَا الواجِبِ.
فَمِمَّا يَدخُلُ فِي ذَلِكَ زَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمارِ، فَإِذَا اِشتَدَّ الحَبُّ، أَوْ تَمَرَ التَّمرُ، أَوْ زَبَّبَ العِنَبُ، وَبَلَغَ النِّصابَ، وَجَبَ إِخرَاجُ الزَّكَاةِ عَلَى الفَورِ؛ لِقَولِهِ تَعالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا شَهرًا أَوْ شَهرَينِ بِغَيرِ عُذرٍ، فَإِنْ أَخَّرَهَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى البُخلِ.
وَمِثلُ ذَلِكَ زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجارَةِ، فَمَنْ بَدَأَ بِتَقلِيبِ المَالِ بِنِيَّةِ التِّجارَةِ، وَحَالَ عَلَيهِ الحَولُ، أَيِ العَامُ الهِجرِيُّ، وَكَانَ عِندَهُ نِصابٌ، وَجَبَتْ عَلَيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى رَمَضانَ طَلَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، فَإِنَّ وَقتَ الوُجُوبِ إِذَا دَخَلَ لَزِمَ الأَدَاءُ عَلَى الفَورِ، وَبَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مَفتُوحٌ فِي كُلِّ وَقتٍ.
وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، فَإِذَا مَلَكَ الإِنسانُ نِصابًا مِن أَحَدِهِمَا، وَبَدَأَ الحَولُ مِن وَقتِ وُجُودِ النِّصابِ، ثُمَّ حَالَ عَلَيهِ الحَولُ، وَجَبَ عَلَيهِ أَنْ يُخرِجَ الزَّكَاةَ فِي اليَومِ الَّذِي حَالَ فِيهِ الحَولُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأخِيرُ بِلَا عُذرٍ. وَالمُرادُ بِالحَولِ هُنَا: العَامُ الهِجرِيُّ، لَا السَّنَةُ المِيلادِيَّةُ. وَالنِّصابُ فِي الذَّهَبِ الصَّافِي نَحوُ خَمسَةٍ وَثَمانِينَ غِرامًا، وَفِي الفِضَّةِ نَحوُ خَمسِمِائَةٍ وَخَمسَةٍ وَتِسعِينَ غِرامًا.
فَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، أَوْ مَنَعَهَا سِنِينَ، وَأَرَادَ أَنْ يَخرُجَ مِن هَذَا الوَصفِ الذَّمِيمِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ بِهِ، فَعَلَيهِ التَّوبَةُ، وَالتَّوبَةُ هِيَ: النَّدَمُ عَلَى المَعصِيَةِ، وَالعَزمُ عَلَى أَلَّا يَعودَ إِلَيهَا، مَعَ أَدَاءِ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ مِن حَقِّ الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسقُطُ عَنهُ.
وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ مَا يَفعَلُهُ مِنَ الحَجِّ، أَوِ العُمرَةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، أَوِ الصَّدَقَاتِ، يُسقِطُ عَنهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِن حَقٍّ مالِيٍّ واجِبٍ؛ فَإِنَّ الحَقَّ الواجِبَ يَبقَى فِي الرِّقابِ حَتَّى يُؤَدَّى. فَمَنْ تَرَكَ صَلاةً مَفروضَةً، أَوْ صِيامًا مَفروضًا، أَوْ زَكَاةً وَاجِبَةً، فَإِنَّ هَذَا الفَرضَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسقُطُهُ عَنهُ نَوافِلُ العِباداتِ.
ثُمَّ جَاءَ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي قَولِهِ تَعالَى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. وَالمَعنى: أَنَّ المَالَ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُؤَدَّ، يُصَيِّرُهُ اللهُ تَعالَى يَومَ القِيامَةِ عَلَى صُورَةٍ يَكُونُ بِهَا عَذَابًا عَلَى صَاحِبِهِ. فَيَكُونُ كَالطَّوقِ فِي عُنُقِهِ، وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمَثَّلُ لَهُ مَالُهُ حَيَّةً ذَكَرًا، أَي ثُعبانًا، وَهُوَ الشُّجاعُ الأَقرَعُ، لَهُ نَابانِ مِن شِدَّةِ سُمِّهِ، فَيُطَوِّقُ عُنُقَهُ، وَيَنهَشُهُ، وَيَدفَعُهُ إِلَى النّارِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَديثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ». ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180].
فَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمانِعِ الزَّكَاةِ، وَتارِكِ الزَّكَاةِ، وَالبَخِيلِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللهِ سُبحانَهُ فِي مَالِهِ. وَتارِكُ الزَّكَاةِ مِنَ المُسلِمِينَ لَيسَ كَافِرًا، وَلَكِنَّهُ فَاسِقٌ، مُرتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ مِنَ الكَبائِرِ، مُستَحِقٌّ لِلعُقُوبَةِ، وَلَيسَ خالِدًا فِي النّارِ إِذَا ماتَ عَلَى التَّوحِيدِ، بَلْ هُوَ تَحتَ المَشِيئَةِ، ثُمَّ مَآلُ المُسلِمِ أَهلِ الكَبائِرِ إِلَى الخُروجِ مِنَ النّارِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ.
وَمِنَ الفَوائِدِ المُهِمَّةِ هُنَا: أَنَّ مَنْ كَانَ عِندَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَجَبَ عَلَيهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحكامَ الزَّكَاةِ؛ لِئَلَّا يُخرِجَهَا عَلَى غَيرِ وَجهِهَا، فَيَقَعَ فِي مَعنى مَنعِهَا. فَلَوْ صَرَفَ الزَّكَاةَ فِي غَيرِ المَصارِفِ الثَّمانِيَةِ، أَوْ أَعطاهَا مَنْ لَا يَستَحِقُّهَا، لَمْ تَبرَأْ ذِمَّتُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُلحَقًا بِمانِعِ الزَّكَاةِ.
وَمِن ذَلِكَ أَيضًا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِعطاءُ الزَّكَاةِ لِمَنْ يَنتَسِبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِن آلِ بَيتِهِ الَّذِينَ تَحرُمُ عَلَيهِمُ الزَّكَاةُ؛ لِقَولِهِ ﷺ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ». أَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَتُعطَى لَهُم.
وَيَنبَغِي أَيْضًا أَنْ يَعرِفَ الإِنسانُ القَدرَ الَّذِي يُجزِئُهُ فِي الزَّكَاةِ، وَيَعرِفَ كَيفِيَّةَ التَّوكِيلِ فِيهَا. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوَكِّلَ فِي إِخراجِ الزَّكَاةِ، وَكَّلَ الثِّقَةَ، لِئَلَّا يُضيَّعَ المَالُ، وَلِئَلَّا يُوضَعَ فِي مَواضِعَ لَا تَصحُّ فِيهَا الزَّكَاةُ. وَالزَّكَاةُ فِيهَا تَمليكٌ لِلمُستَحِقِّ، فَلَا يَكفِي أَنْ يَضَعَهَا فِي حِسابٍ يَختَلِطُ بِأَموالِ الأَغنِياءِ، بَلْ لَا بُدَّ مِن وَصُولِهَا عَلَى الوَجهِ الشَّرعِيِّ.
فَإِنْ جَاءَ شَخصٌ، فَأَعطَاكَ عَينَ مَالٍ، وَقَالَ: هَذَا مالُ زَكاةٍ، وَصِّلْهُ، وَجَبَ إِيصالُ عَينِ ذَلِكَ المَالِ كَمَا هُوَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَختَلِطَ بِمالِكَ، أَوْ أَنْ تُبدِلَهُ بِغَيرِهِ. وَأَمَّا إِذَا وَكَّلَكَ بِالذِّمَّةِ، فَقَالَ: أَخرِجْ عَنِّي زَكاتِي، فَأَدَّيتَهَا أَنتَ مِن مالِكَ، ثُمَّ رَجَعتَ عَلَيهِ بِمَا أَنفَقتَ، فَهَذَا لَهُ مَخرَجُهُ عِندَ الفُقَهاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُستَعمَلُ فِي كَثِيرٍ مِن صورِ التَّحويلاتِ وَالإِيصالِ إِلَى البِلادِ الأُخرَى.
وَإِذَا تَكَلَّمْنَا عَلَى عُرُوضِ التِّجارَةِ، فَلَا بُدَّ مِن ضَبطِ الحَولِ مِن أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِالحِسابِ الهِجرِيِّ، ثُمَّ يُنظَرُ عِندَ تَمامِ الحَولِ: هَلْ بَلَغَ المَالُ الصّافِي نِصابًا أَمْ لَا؟ فَيُعتَبَرُ مَا فِي الصُّندوقِ مِن نُقودٍ، وَمَا عِندَهُ مِن بِضاعَةٍ تُقَوَّمُ، وَيُنظَرُ إِلَى صَافِي المَالِ، بَعدَ مَا طَرَأَ مِن شِراءٍ وَنَفقاتٍ وَغَيرِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخرِجُ رُبعَ العُشرِ.
وَأَمَّا الحُلِيُّ الَّذِي عِندَ النِّساءِ، فَإِذَا بَلَغَ نِصابًا، وَحَالَ عَلَيهِ الحَولُ، فَالاِحتِياطُ أَنْ تُخرَجَ زَكاتُهُ، وَلَوْ كَانَ مُستَعمَلًا لِلزِّينَةِ؛ لِأَنَّ بَعضَ الأَئِمَّةِ، كَالحَنَفِيَّةِ، يُوجِبُونَ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَهَذَا أَحوَطُ وَأَنفَعُ لِلفُقَراءِ.
وَكَذَلِكَ الأَموالُ المُدَّخَرَةُ مِنَ العُملاتِ الوَرَقِيَّةِ، فَعِندَ الإِمامِ الشّافِعِيِّ لَا زَكَاةَ فِي عَينِهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ لِلتِّجارَةِ، وَعِندَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتِ النِّصابَ وَحَالَ عَلَيهَا الحَولُ، وَالاِحتِياطُ أَنْ تُزَكَّى.
ثُمَّ قَالَ تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 180]، وَالمَعنى: لِماذا تَبخَلُونَ بِالمَالِ، وَالمَالُ كُلُّهُ مالُ اللهِ، وَإِلَيهِ يَرجِعُ مِيراثُ السَّماواتِ وَالأَرضِ؟ فَإِنَّ اللهَ تَعالَى هُوَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَإِلَيهِ تَؤُولُ جَمِيعُ الأَملاكِ، وَأَمَّا العَبدُ فَإِنَّهُ يَمُوتُ، وَيُخلِّفُ مَالَهُ لِغَيرِهِ. فَإِذَا كَانَ المَالُ مَآلُهُ إِلَى اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى، وَهُوَ الَّذِي أَعطَاكَهُ مِن فَضلِهِ، فَلِماذا تَبخَلُ بِهِ فِيما أَمَرَكَ بِهِ؟
وَهَذَا المَالُ أَيْضًا سَيفْنَى، وَلَنْ يَبقَى مِنهُ شَيءٌ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ الآيَةَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180]، أَي: أَنَّ اللهَ تَعالَى عَلِيمٌ بِأَعمالِ العِبادِ، لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِن بُخلِهِم، وَلَا مِن إِنفاقِهِم، وَلَا مِن نِيّاتِهِم وَمَقاصِدِهِم، فَهُوَ سُبحانَهُ يُجازِيهِم عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَمَنْ أَطاعَهُ وَبَذَلَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَجَدَ الخَيرَ وَالثَّوابَ، وَمَنْ بَخِلَ وَمَنَعَ، وَجَدَ الوَبَالَ وَالعِقابَ.