بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 183-184]
لَمَّا تَقَدَّمَ مَعَنَا قَبْلَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، وَجَاءَ البَيَانُ أَنَّ هَذَا الكَلامَ صَدَرَ مِنْ فِنْحاصَ وَغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، لَمَّا أَرادُوا تَكْذِيبَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، حِينَ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِ الرِّبا، وَأَمَرَ بِبَذْلِ الصَّدَقاتِ وَالإِنْفاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَرادُوا أَنْ يَدْفَعُوا كَلامَهُ، وَأَنْ يَسْتَبْعِدُوا مَعْناهُ، فَقالُوا: إِذًا يَكُونُ اللهُ فَقِيرًا إِلَيْنا! وَقالُوا: نَحْنُ الأَغْنِياءُ وَاللهُ هُوَ الفَقِيرُ! وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ البُهْتانِ، وَأَشَدِّ الجُرْأَةِ عَلَى اللهِ تَعالَى، وَعَلَى أَنْبِيائِهِ، بَلْ قَدْ عُرِفُوا بِشِدَّةِ جُرْأَتِهِمْ عَلَى نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ عَلَى الخالِقِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى.
وَعَطْفًا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ ذِكْرِ فَضَائِحِهِمْ وَبُهْتانِهِمْ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183].
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي اليَهُودِ، وَخُصَّ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدَ، وَمالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وَفِنْحاصُ، وَغَيْرُهُمْ. أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وَقَدْ عَهِدَ اللهُ إِلَيْنا فِي التَّوْراةِ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَيَكُونُ لِهَذِهِ النَّارِ دَوِيٌّ خَفِيفٌ تَنْزِلُ بِهِ مِنَ السَّماءِ، فَإِنْ جِئْتَنا بِهَذَا صَدَّقْناكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهُمْ وَإِبْطالًا لِدَعْواهُمْ.
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: 183]، لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَمَرَنا، بَلْ قالُوا: عَهِدَ إِلَيْنا. وَبَيْنَ الأَمْرِ وَالعَهْدِ فِي مِثْلِ هَذا المَقامِ فَرْقٌ؛ لأَنَّ العَهْدَ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مُتَقَدِّمٍ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا أَمْرٌ قَدِيمٌ مَعْهُودٌ إِلَيْنا، مُوصًى بِهِ فِي التَّوْراةِ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ كاذِبُونَ؛ لأَنَّ التَّوْراةَ قَدْ دَخَلَهَا التَّحْرِيفُ، تَحْرِيفًا فِي المَعانِي، وَتَحْرِيفًا فِي الأَلْفاظِ، فَلَمْ تَبْقَ عَلَى وَجْهِها الَّذِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ. وَكانَ فِي أَيْدِي بَعْضِ أَحْبارِهِمْ شَيْءٌ مِنْ صُحُفٍ فِيهَا ذِكْرُ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ أَحْمَدَ ﷺ، وَفِيهَا أَنَّ الزَّانِيَ المُحْصَنَ يُرْجَمُ، وَلَكِنَّهُمْ أَرادُوا إِخْفاءَ ذَلِكَ.
فَحاصِلُ كَلامِهِمْ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَهُمْ فِي التَّوْراةِ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِأَيِّ رَسُولٍ حَتَّى تَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَّماءِ، فَتَأْكُلَ قُرْبانَهُ، فَجَعَلُوا هَذِهِ العَلامَةَ شَرْطًا فِي الإِيمانِ بِالرُّسُلِ.
وَأَمَّا مَعْنى القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ، فَهُوَ أَنَّهُ كانَ فِي زَمَنِ بَعْضِ الأَنْبِياءِ أَنَّهُ إِذا قَرَّبَ أَحَدٌ قُرْبانًا إِلَى اللهِ، أَوْ جِيءَ بِالغَنائِمِ، كانَ مِنْ عَلامَةِ قَبُولِ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَّماءِ، لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ، فَتَأْكُلَ ذَلِكَ القُرْبانَ. فَكانَ هَذَا فِي بَعْضِ الأَزْمِنَةِ عَلامَةً عَلَى القَبُولِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطاءٌ: أَنَّ بَنِي إِسْرائِيلَ كانُوا، حِينَ كانُوا عَلَى الإِيمانِ، يَذْبَحُونَ لِلهِ، فَيَأْخُذُونَ الثَّرْبَ وَأَطايِبَ اللَّحْمِ، فَيَضَعُونَها فِي وَسَطِ بَيْتٍ مَكْشُوفِ السَّقْفِ، وَيَقُومُ النَّبِيُّ الَّذِي فِيهِمْ يُناجِي رَبَّهُ دَاخِلَ البَيْتِ، وَيَكُونُ القَوْمُ خارِجَهُ، فَإِذا قُبِلَ القُرْبانُ نَزَلَتْ نارٌ بَيْضاءُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ، وَلَا دُخانَ لَها، فَأَكَلَتْ ذَلِكَ القُرْبانَ. وَهَذا كانَ مِنْ خَوارِقِ العاداتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللهُ عَلَى أَيْدِي بَعْضِ أَنْبِيائِهِ.
وَكَذَلِكَ يُذْكَرُ فِي قِصَّةِ قُرْبانِ قابِيلَ وَهابِيلَ أَنَّهُ تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ، وَكانَ مِنْ عَلامَةِ القَبُولِ نُزُولُ النَّارِ عَلَى القُرْبانِ المَقْبُولِ.
فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ جَعَلُوا هَذَا شُبْهَةً، وَقالُوا: إِذًا لَا نُؤْمِنُ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَذِهِ العَلامَةِ بِعَيْنِها. وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُها: أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا مِنْ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ما هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ العَلامَةِ، فَلِماذا تَرَكُوا جَمِيعَ المُعْجِزاتِ، وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ إِلَّا إِذا رَأَيْنا نُزُولَ النَّارِ عَلَى القُرْبانِ؟ فَهَذا تَحَكُّمٌ وَتَعَنُّتٌ، لَا طَلَبُ حَقٍّ وَهُدًى.
وَهُنَا يُنَاسِبُ أَنْ يُبَيَّنَ مَعْنَى المُعْجِزَةِ حَتَّى يُسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظُ فِي مَوْضِعِهِ. فَالمُعْجِزَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِنَبِيٍّ، أَمَّا مَا يَجْرِي عَلَى يَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ خَرْقِ العادَةِ، فَيُسَمَّى كَرامَةً وَلَا يُسَمَّى مُعْجِزَةً. وَتَعْرِيفُ المُعْجِزَةِ: أَمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، يَظْهَرُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ، سالِمٌ مِنَ المُعارَضَةِ بِالمِثْلِ، مُوافِقٌ لِلتَّحَدِّي. وَقَدْ تَحْصُلُ المُعْجِزَةُ بَعْدَ اقْتِراحٍ مِنْ قَوْمِ النَّبِيِّ، وَقَدْ تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ اقْتِراحٍ.
وَاللهُ سُبْحانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ العادَةَ، وَهُوَ القادِرُ عَلَى خَرْقِها لِمَنْ شاءَ. فَنَبِيُّنَا ﷺ أُسْرِيَ بِهِ فِي نَحْوِ ثُلُثِ لَيْلَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّماواتِ، وَأَخْرَجَ اللهُ لَهُ الأَنْبِياءَ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَصَلَّى بِهِمْ إِمامًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِراشِهِ فِي نَحْوِ ثُلُثِ لَيْلَةٍ، وَهَذا كُلُّهُ خَرْقٌ لِلْعادَةِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا تَكَلَّمَ جِذْعُ النَّخْلِ، وَسَمِعَ مَنْ فِي المَسْجِدِ بُكَاءَهُ، وَكَذَلِكَ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَهُوَ أَعْظَمُ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ، أَعْجَزَ الفُصَحاءَ وَالبُلَغاءَ، وَتَحَدَّاهُمْ اللهُ أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مِثْلِهِ، ثُمَّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، فَعَجَزُوا، وَالتَّحَدِّي قائِمٌ.
فَإِذًا يُقالُ لِهَؤُلاءِ: لَوْ كانَ قَصْدُكُمْ الاِهْتِداءَ لَكَفَتْكُمْ مُعْجِزَةٌ واحِدَةٌ، وَكَيْفَ وَقَدْ ظَهَرَتْ لَكُمْ مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ؟ فَلِماذا هَذَا التَّحَكُّمُ؟ وَلِماذا قُلْتُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نَرى هَذِهِ المُعْجِزَةَ بِعَيْنِها؟ وَالإِمامُ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كانَ يُبْطِلُ مِثْلَ هَذِهِ الشُّبَهِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، فَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ صَحَّ الإِيمانُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَكُّمُ عَلَيْهِ بِأَنْواعٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الفَوائِدِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ هَذا: أَنَّ مِمَّا يُفِيدُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ القَطْعِيَّ الحَواسَّ السَّلِيمَةَ، وَالعَقْلَ السَّلِيمَ، وَالخَبَرَ الصّادِقَ. فَالحَواسُّ السَّلِيمَةُ تُعْطِي اليَقِينَ، وَالعَقْلُ السَّلِيمُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلٌ بِلا فاعِلٍ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الخالِقُ مُشابِهًا لِلْمَخْلُوقِ. وَالخَبَرُ الصّادِقُ، وَمِنْهُ الخَبَرُ المُتَواتِرُ، يُفِيدُ اليَقِينَ القَطْعِيَّ. وَقَدْ تَواتَرَتِ الأَخْبارُ فِي جُمْلَةٍ مِنْ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَثَبَتَتْ بِهَا نُبُوَّتُهُ ثُبُوتًا يَقِينِيًّا.
ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ الإِلَهِيُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183].
فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: 183]، أَيْ: قَدْ جاءَكُمْ أَنْبِياءُ وَرُسُلٌ مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالحُجَجِ الواضِحاتِ، وَالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: 183]، أَيْ: وَجاءُوكُمْ أَيْضًا بِهَذِهِ العَلامَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُونَها، وَهِيَ القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ. وَإِنَّما أُفْرِدَ ذِكْرُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ البَيِّناتِ؛ لأَنَّهُ مَوْضِعُ شُبْهَتِهِمْ، وَمَدارُ دَعْواهُمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]. وَهَذا مِنْ أَبْلَغِ الإِلْزامِ وَالإِفْحامِ. أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِي أَنَّكُمْ لَا تُخَالِفُونَ هَذا العَهْدَ المَزْعُومَ، وَأَنَّكُمْ لَا تَرُدُّونَ الرُّسُلَ إِذا جاءُوكُمْ بِالقُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ، فَلِماذا قَتَلَ أَسْلافُكُمُ الأَنْبِياءَ الَّذِينَ جاؤُوهُمْ بِالبَيِّناتِ، وَبِهَذِهِ العَلامَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ إِلَّا بِها؟
وَإِنَّما خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: 183]، مَعَ أَنَّ القَتْلَ صَدَرَ مِنْ أَسْلافِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ كانُوا راضِينَ بِفِعْلِهِمْ، مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ فِعْلُ آبائِهِمْ لِرِضاهُمْ بِهِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَوْمُ بُهْتانٍ وَمَكْرٍ وَخُبْثٍ، لَيْسُوا أَهْلَ صِدْقٍ فِي طَلَبِ الحَقِّ، بَلْ هُمْ أَهْلُ عِنادٍ وَتَلَوُّنٍ. وَقَدْ قَتَلُوا يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنْشارِ، وَقَتَلُوا عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فِي يَوْمٍ واحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَحاوَلُوا قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَإِذا كانُوا قَدْ رَأَوْا البَيِّناتِ وَالمُعْجِزاتِ وَالعَلاماتِ الَّتِي طَلَبُوها، فَلِماذا فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ مَا فَعَلُوا؟ فَهَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعْواهُمْ كاذِبَةٌ.
وَهُمْ قَوْمٌ اشْتَهَرُوا بِقَتْلِ الأَنْبِياءِ، وَقَدْ كَثُرَ فِي كِتابِ اللهِ تَذْكِيرُهُمْ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ جَرائِمِهِمْ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَتَلَوَّنُونَ، وَيَتَظاهَرُونَ بِالمَظْلُومِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ هُمُ الظّالِمُونَ القاتِلُونَ، وَهَذَا مِنْ خَبَثِهِمْ وَمَكْرِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184].
فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَتَخْفِيفٌ عَنْهُ؛ لأَنَّ الإِنْسانَ إِذا كانَ عَلَى الحَقِّ، ثُمَّ جاءَ مَنْ يُكَذِّبُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَيُعانِدُهُ وَيَفْتَرِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تَتَأَذَّى بِذَلِكَ، خُصُوصًا إِذا كانَتْ غَيْرَتُهُ لِدِينِ اللهِ عَظِيمَةً. وَنَبِيُّنَا ﷺ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَكْذِيبُهُمْ، وَعِنادُهُمْ، وَافْتِراؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَلَغُوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ حاوَلُوا قَتْلَهُ، كَما فَعَلُوا فِي خَيْبَرَ فِي قِصَّةِ الشّاةِ المَسْمُومَةِ، وَكَما فَعَلُوا فِي تَأْلِيبِ الأَحْزابِ عَلَيْهِ، وَمَا كانَ مِنْ شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَقالَ اللهُ لَهُ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ [آل عمران: 184]، أَيْ: إِنْ يُكَذِّبْكَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ أَوِ المُشْرِكُونَ، ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: 184]، أَيْ: لَسْتَ أَوَّلَ مَنْ نالَهُ التَّكْذِيبُ، بَلْ قَدْ كُذِّبَ قَبْلَكَ رُسُلٌ كِرامٌ، مَعَ أَنَّهُمْ جاءُوا بِالبَيِّناتِ وَالحُجَجِ وَالمُعْجِزاتِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ سَيِّدُنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أَعْطاهُ اللهُ مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةً، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101]. وَمِنْهَا: العَصا، وَاليَدُ، وَالجَرادُ، وَالقُمَّلُ، وَالضَّفادِعُ، وَالدَّمُ، وَالطُّوفانُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ. وَرَأَوْا انْشِقاقَ البَحْرِ، وَإِغْراقَ فِرْعَوْنَ، وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمَّا ذَهَبَ مُوسَى إِلَى المِيقاتِ، اتَّبَعَ بَعْضُهُمُ السّامِرِيَّ، وَعَبَدُوا العِجْلَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَكَفَرُوا بَعْدَ مَا شاهَدُوا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ.
وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ كَبِيرَةٌ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى المُعْجِزَةَ آمَنَ، فَأَبُو لَهَبٍ رَأَى مُعْجِزاتٍ، وَلَمْ يُؤْمِنْ، وَأَبُو جَهْلٍ رَأَى مُعْجِزاتٍ، وَلَمْ يُؤْمِنْ. فَالهِدايَةُ بِيَدِ اللهِ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشاءُ. وَنَحْنُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ، آمَنَّا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مَعَ أَنَّنا لَمْ نَرَهُ فِي حَياتِهِ، وَلَمْ نَرَ انْشِقاقَ القَمَرِ، وَلَا نُطْقَ الجِذْعِ، وَلَا تَسْبِيحَ الطَّعامِ فِي كَفِّهِ ﷺ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِالخَبَرِ الصّادِقِ، وَبِما جاءَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ.
فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ أَرادَ الحَقَّ يَكْفِيهِ دَلِيلٌ واحِدٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَحْتاجُ إِلَى التَّكَلُّفِ فِي طَلَبِ كَثْرَةِ الأَدِلَّةِ تَعَنُّتًا. فَآيَةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ، أَوْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَوْ إِجْماعٌ ثابِتٌ، يَكْفِي فِي قِيامِ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ أَرادَ الاِسْتِرْشادَ.
وَاللهُ تَعالَى يَخْلُقُ الهِدايَةَ فِي قَلْبِ مَنْ شاءَ، وَيَخْتِمُ عَلَى قُلُوبِ مَنْ شاءَ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 7]، وَقالَ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. فَبَعْضُ القُلُوبِ يَفْتَحُها اللهُ لِلْهُدَى، وَبَعْضُها يَجْعَلُ عَلَيْها أَقْفالًا. وَنَحْنُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ نَرَى هَذا مَشْهُودًا؛ فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرَحُ اللهُ صَدْرَهُ فَيَتُوبُ وَيُنِيبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى قَلْبُهُ قاسِيًا لَا يَنْتَفِعُ.
وَاللهُ أَمَرَ العِبادَ كُلَّهُمْ بِالإِيمانِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ لِكُلِّهِمُ الإِيمانَ، بَلْ قالَ تَعالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13]. فَمَنْ وُجِدَ فِي نَفْسِهِ خَيْرٌ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
وَمِنْ أَبْلَغِ الأَمْثِلَةِ عَلَى أَنَّ الهِدايَةَ بِيَدِ اللهِ قِصَّةُ السَّحَرَةِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإِنَّهُمْ جاءُوا صَباحًا وَهُمْ سَحَرَةٌ كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، وَاجْتَمَعُوا فِي مَلَإٍ عَظِيمٍ لِيُعارِضُوا مُوسَى، فَلَمَّا أَلْقَى عَصاهُ، وَصارَتْ ثُعْبانًا حَقِيقِيًّا، عَلِمُوا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ، فَآمَنُوا فِي الحَالِ، وَقالُوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: 70]. وَتَوَعَّدَهُمْ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ، فَثَبَتُوا عَلَى الإِيمانِ، وَنالُوا الشَّهادَةَ. فَقَدْ أَصْبَحُوا سَحَرَةً كَفَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَداءَ بَرَرَةً، وَهَذا مِنْ عَجائِبِ قُدْرَةِ اللهِ فِي هِدايَةِ مَنْ يَشاءُ.
ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184].
فَأَمَّا ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: 184]، فَهِيَ المُعْجِزاتُ وَالحُجَجُ الواضِحاتُ.
وَأَمَّا ﴿الزُّبُرِ﴾ [آل عمران: 184]، فَهِيَ الكُتُبُ. يُقالُ: هَذا مَزْبُورٌ، أَيْ: مَكْتُوبٌ. وَلِذَلِكَ قِيلَ لِكِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الزَّبُورُ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ زَبُورًا؛ لأَنَّهُ فِيهِ زَجْرٌ وَمَواعِظُ، مِنْ مادَّةِ الزَّبْرِ، وَهُوَ الزَّجْرُ وَالمَنْعُ. وَقِيلَ: كانَ كِتابُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّهُ حِكَمًا وَمَواعِظَ، وَكانَ إِذا قَرَأَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحُسْنِ صَوْتِهِ، سَبَّحَتْ مَعَهُ الطَّيْرُ وَالجِبالُ.
وَأَمَّا ﴿الْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]، فَالْمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، أَيْ: الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ المُنِيرَةُ، وَإِنَّما وُصِفَتْ بِأَنَّها مُنِيرَةٌ؛ لأَنَّها تُنِيرُ الطَّرِيقَ، وَتُبَيِّنُ الحَقَّ، وَتَهْدِي إِلَيْهِ. فَكَمَا يُقالُ: أَنارَ لَكَ الطَّرِيقَ، يُقالُ لِمَا يُبَيِّنُ سَبِيلَ الحَقِّ إِنَّهُ مُنِيرٌ. وَالأَنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَنارُوا لِلنّاسِ الطَّرِيقَ، وَالكُتُبُ السَّماوِيَّةُ أَنارَتْ لَهُمُ السَّبِيلَ؛ لِمَا فِيها مِنَ الهُدى وَالحِكْمَةِ.
وَجَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعالَى، وَعَدَدُها مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، كُلُّها فِيهَا تَوْحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْها أَنَّ عِيسى ابْنُ اللهِ، وَلَا أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ. فَالكُتُبُ المُحَرَّفَةُ الَّتِي فِيها نِسْبَةُ الوَلَدِ إِلَى اللهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى كُتُبًا سَماوِيَّةً وَلَا مُقَدَّسَةً؛ لأَنَّ الَّذِي يُسَمَّى كَذَلِكَ هُوَ مَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعالَى. وَأَنْبِياءُ اللهِ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ واحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].
فَالآيَتانِ فِيهِما إِظْهارُ كَذِبِ اليَهُودِ فِي دَعْواهُمْ، وَإِبْطالُ شُبْهَتِهِمْ فِي اشْتِراطِهِمْ نُزُولَ النَّارِ عَلَى القُرْبانِ، وَفِيهِما بَيَانٌ أَنَّهُمْ قَدْ جاءَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ وَالآياتِ مَا يَكْفِي لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ عِنادِهِمْ وَبُهْتانِهِمْ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِياءَ، وَفِيهِما أَيْضًا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، بِأَنَّ التَّكْذِيبَ سُنَّةٌ جَرَتْ مِنَ المُكَذِّبِينَ مَعَ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلُ، مَعَ أَنَّهُمْ جاءُوا بِالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالكِتابِ المُنِيرِ.