بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)﴾ [آل عمران: ١٨٨-١٨٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِما أَتَوا﴾ الخِطابُ فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَي لا تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ أَنَّ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِما صَنَعُوا مِنَ الباطِلِ وَالتَّدلِيسِ وَالكِتمانِ ناجُونَ مِن عَذابِ اللهِ. وَقَولُهُ: ﴿بِما أَتَوا﴾ أَي بِما فَعَلُوا، فَإِنَّ «أَتى» وَ«جاءَ» يُستَعمَلانِ فِي مَعنى «فَعَلَ» فِي بَعضِ المَواضِعِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِما لَم يَفعَلُوا﴾ أَي يُحِبُّونَ أَن يَمدَحَهُمُ النّاسُ عَلَى أَمرٍ لَم يَقُومُوا بِهِ، وَأَن يُوصَفُوا بِالصِّدقِ وَالنُّصحِ وَالإِيمانِ وَالعِلمِ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُم عَلَى خِلافِ ذٰلِكَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحسَبَنَّهُم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أَي لا تَظُنَّنَّهُم بِمَنجاةٍ مِنَ العَذابِ، وَلَا بِمَبعَدَةٍ عَنهُ. فَالمَفازَةُ هُنا مَوضِعُ الفَوزِ وَالنَّجاةِ، وَالمَعنى أَنَّهُم لَيسُوا ناجِينَ مِن عِقابِ اللهِ، بَل هُم مُتَوَعَّدُونَ بِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أَي وَلَهُم عَذابٌ مُوجِعٌ مُؤلِمٌ، جَزاءَ فَرَحِهِم بِالباطِلِ، وَحُبِّهِم أَن يُحمَدُوا بِما لَم يَفعَلُوا، وَكَتمِهِمُ الحَقَّ، وَإِظهارِهِم خِلافَ ما فِي قُلُوبِهِم.
وَقَد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَ اليَهُودَ عَن شَيءٍ مِمّا فِي التَّوراةِ، فَكَتَمُوا الحَقَّ، وَأَخبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وَأَظهَرُوا لَهُ أَنَّهُم صَدَقُوهُ، وَطَلَبُوا أَن يَحمَدَهُم عَلَى ذٰلِكَ، وَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِن تَدلِيسٍ وَكَتمانٍ. فَأَطلَعَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى حَقِيقَةِ حالِهِم، وَأَنزَلَ وَعِيدَهُم، تَسلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وَبَيانًا لِخَطَرِ فِعلِهِم.
وَعَلَى هٰذا يَكونُ المَعنى: لا تَحسَبَنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَدلِيسِهِم عَلَيكَ، وَيُحِبُّونَ أَن تَحمَدَهُم بِما لَم يَفعَلُوا مِن إِخبارِكَ بِالصِّدقِ عَمّا سَأَلتَهُم عَنهُ، ناجِينَ مِنَ العَذابِ، بَل لَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ الآيَةَ فِي المُنافِقِينَ، يَفرَحُونَ بِما أَتَوا مِن إِظهارِ الإِيمانِ لِلمُسلِمِينَ، وَالتَّوَصُّلِ بِذٰلِكَ إِلى أَغراضِهِم، وَيُحِبُّونَ أَن يَحمَدَهُمُ المُؤمِنُونَ عَلَى إِيمانٍ لَم يَكُن حَقِيقَةً فِي قُلُوبِهِم. فَهُم يُظهِرُونَ ما لَيسَ عِندَهُم، وَيَطلُبُونَ المَحمَدَةَ عَلَى ما لَم يَفعَلُوا.
وَالمَعنيانِ مُتَقارِبانِ؛ فَكُلُّ مَن فَرِحَ بِباطِلِهِ، وَأَحبَّ أَن يُمدَحَ بِما لَم يَفعَل، فَلَهُ نَصِيبٌ مِن هٰذا الوَعِيدِ بِحَسَبِ حالِهِ. فَفِي الآيَةِ تَحذِيرٌ شَدِيدٌ مِنَ الرِّياءِ، وَالكَذِبِ، وَالتَّزَيُّنِ بِما لَيسَ فِي الإِنسانِ، وَطَلَبِ ثَناءِ النّاسِ عَلَى عَملٍ لَم يَعمَلهُ أَو صِفَةٍ لا يَتصِفُ بِها.
وَلَيسَ المَذمُومُ مُجرَّدَ الفَرَحِ بِطاعَةِ اللهِ فَرَحَ شُكرٍ وَسُرُورٍ بِفَضلِ اللهِ، فَهٰذا مَحمُودٌ إِذا صاحَبَهُ تَواضُعٌ وَاعتِرافٌ بِالمِنَّةِ للهِ. وَإِنَّما المَذمُومُ أَن يَفرَحَ العَبدُ بِعَمَلِهِ فَرَحَ إِعجابٍ وَكِبرٍ، أَو يَفرَحَ بِمَعصِيَتِهِ وَتَدلِيسِهِ، ثُمَّ يُحِبَّ أَن يَحمَدَهُ النّاسُ عَلَى صِدقٍ أَو تَقوًى أَو عِلمٍ أَو إِخلاصٍ لَم يَتَحَقَّق بِهِ.
وَمِن هٰذا أَن يَتَظاهَرَ الإِنسانُ بِالعِلمِ وَهُوَ جاهِلٌ، أَو يَتَزَيَّنَ بِالصَّلاحِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى المَعصِيَةِ، أَو يَدَّعِيَ خِدمَةَ الدِّينِ وَهُوَ يَطلُبُ الدُّنيا وَالجَاهَ، أَو يَنسبَ إِلى نَفسِهِ فَضلًا لَم يَفعَلهُ، أَو عَملًا لَم يُنجِزْهُ، ثُمَّ يَطلُبَ المَحمَدَةَ وَالثَّناءَ. فَهٰذا مِن أَخلاقِ أَهلِ التَّدلِيسِ وَالنِّفاقِ.
وَفِي الآيَةِ تَربِيَةٌ لِلمُؤمِنِ عَلَى الصِّدقِ مَعَ اللهِ وَمَعَ النّاسِ، فَلا يَطلُبُ مَحمَدَةً إِلّا عَلَى حَقٍّ، وَلا يَقبَلُ أَن يُوصَفَ بِما لَيسَ فِيهِ، وَلا يَغتَرُّ بِثَناءِ الخَلقِ إِذا كانَ اللهُ يَعلَمُ مِن حالِهِ خِلافَ ما يَقولُونَ. فَالعِبرَةُ بِما عِندَ اللهِ، لا بِما يَتَناقَلُهُ النّاسُ مِن مَدحٍ وَثَناءٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ﴾ أَي لِلهِ وَحدَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِما كَيفَ يَشاءُ، وَلا يَخرُجُ شَيءٌ عَن سُلطانِهِ وَقَهرِهِ. فَهُوَ المالِكُ الحَقُّ، وَكُلُّ مَن سِواهُ مَملُوكٌ لَهُ، مُحتاجٌ إِلَيهِ، فَقِيرٌ إِلى فَضلِهِ.
وَفِي هٰذا تَكذِيبٌ لِمَن قالَ قَولًا فاسِدًا فِي حَقِّ اللهِ، كَمَن زَعَمَ أَنَّ اللهَ فَقِيرٌ، تَعالى اللهُ عَن قَولِهِم عُلُوًّا كَبِيرًا. فَكَيْفَ يَكونُ فَقِيرًا مَن لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ؟ بَل هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، وَالعِبادُ كُلُّهُم فُقَراءُ إِلَيهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أَي إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمكِنٍ، وَمِن ذٰلِكَ أَنَّهُ قادِرٌ عَلَى عِقابِ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِباطِلِهِم وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِما لَم يَفعَلُوا. فَلَا يَظُنُّوا أَنَّ إِمهالَ اللهِ لَهُم عَجزٌ عَن أَخذِهِم، بَل هُوَ حِلمٌ وَاستِدراجٌ إِلى أَجَلٍ قَدَّرَهُ اللهُ.
وَفِي خِتامِ الآيَةِ بِذِكرِ المُلكِ وَالقُدرَةِ تَهديدٌ لَهُم، وَتَسلِيَةٌ لِلمُؤمِنِينَ؛ فَمَن كانَ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ لَهُ، وَكانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا، فَهُوَ قادِرٌ عَلَى أَن يَكشِفَ كَذبَ الكاذِبِينَ، وَيُبطِلَ تَدلِيسَ المُدَلِّسِينَ، وَيُجازِيَ كُلَّ عَبدٍ بِما عَمِلَ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى حَذَّرَ مِن حالِ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِما أَتَوا مِن تَدلِيسٍ أَو نِفاقٍ أَو باطِلٍ، وَيُحِبُّونَ أَن يَحمَدَهُمُ النّاسُ بِما لَم يَفعَلُوا. فَهٰؤُلاءِ لَيسُوا بِمَنجاةٍ مِن عَذابِ اللهِ، بَل لَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ. ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ أَنَّ لَهُ وَحدَهُ مُلكَ السَّماواتِ وَالأَرضِ، وَأَنَّهُ قادِرٌ عَلَى عِقابِهِم، فَلَا يَغتَرُّ مُغتَرٌّ بِإِمهالِ اللهِ، وَلَا يَطلُبِ العَبدُ مَحمَدَةَ النّاسِ بِما لَيسَ فِيهِ، بَل يَصدُقُ مَعَ رَبِّهِ، وَيَطلُبُ رِضاهُ لا ثَناءَ الخَلقِ.