بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192)﴾ [آل عمران: 191-192]
هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ، الَّتِي أَخبَرَ سَيِّدُنَا عُثمَانُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّ مَن قَرَأَهَا فِي لَيلَةٍ، أَي هَذِهِ الخَوَاتِيمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ اللَّيلِ. وَهَذِهِ الآيَاتُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا استَيقَظَ فِي اللَّيلِ قَرَأَهَا، ثُمَّ يَمسَحُ ﷺ بِكَفِّهِ عَلَى وَجهِهِ، يَطرُدُ النَّومَ، ثُمَّ يَقُومُ بَعدَهَا ﷺ إِلَى صَلَاتِهِ، صَلَاةِ قِيَامِ اللَّيلِ. فَإِذًا هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ كَانَ لَهَا شَأنٌ خَاصٌّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، خُصُوصًا فِي اللَّيلِ.
وَمِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ (190)﴾ [آل عمران: 190]، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّعوَةِ إِلَى التَّفَكُّرِ، نَصِلُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. فَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الدَّلَائِلَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الإِلَهُ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، الخَالِقُ، وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا، خَلَقَ العَالَمَ وَمَا فِيهِ، عُلُوِيَّهُ وَسُفلِيَّهُ، إِنسِيَّهُ وَجِنِّيَّهُ، وَعَرشَهُ وَكُرسِيَّهُ، وَخَلَقَ العِبَادَ، وَخَلَقَ أَعمَالَ العِبَادِ، خَيرَهَا وَشَرَّهَا، كَثِيرَهَا وَقَلِيلَهَا، وَهُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الخَالِقُ العَالِمُ بِخَلقِهِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخَالِقِينَ؛ يَقُولُ الإِمَامُ الرَّازِيُّ رَحمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِ: بَعدَ أَن جَاءَ ذِكرُ الدَّلَائِلِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالدَّلَائِلِ عَلَى قُدرَةِ اللهِ وَحِكمَتِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَاءَ تَقرِيرُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، جَاءَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذِكرُ دَلَائِلَ عَلَى العُبُودِيَّةِ مِنَ المَخلُوقِ.
فَالإِلَهِيَّةُ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَمَّا العُبُودِيَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِي المَخلُوقِ، فَانظُرُوا وَنَحنُ فِي آيَاتِ التَّفَكُّرِ: مَاذَا سَنَجِدُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؟ جَاءَ ذِكرُ شَيءٍ يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ، وَشَيءٍ يَتَعَلَّقُ بِالجَوَارِحِ، وَشَيءٍ يَتَعَلَّقُ بِالقَلبِ. هَذَا الآنَ كَلَامُنَا عَن هَذَا العَبدِ، وَعَنِ الدَّلَائِلِ الَّتِي تَدُلُّ وَتَتَّصِلُ بِالعُبُودِيَّةِ.
فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾
بِاللِّسَانِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]
بِالجَوَارِحِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191]
بِالقَلبِ.
قَالُوا: فَإِذًا ظَهَرَت هُنَا أَشيَاءُ ثَلَاثَةٌ: التَّصدِيقُ بِالقَلبِ، وَالإِقرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالعَمَلُ بِالجَوَارِحِ. وَقَد جُمِعَت هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191].
ثُمَّ فِي الإِشَارَةِ إِلَى ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ يَقُولُ الرَّازِيُّ: فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى العُبُودِيَّةِ مِن جِهَةِ خَلقِ هَذَا اللِّسَانِ؛ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ يُقِرُّ بِأَنَّ هَذَا الإِنسَانَ عَبدٌ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الجَوَارِحَ كُلَّهَا مَخلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَكُلُّهَا تَشهَدُ. وَبِأَعمَالِنَا كَذَلِكَ نَشهَدُ، وَبِصَلَاتِنَا نَشهَدُ، وَبِقِيَامِنَا نَشهَدُ، وَبِزَكَاتِنَا نَشهَدُ، وَبِحَجِّنَا نَشهَدُ، وَبِعُمرَتِنَا نَشهَدُ، بِأَنَّنَا عَبِيدٌ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ اللهَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَالتَّفَكُّرُ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا القَلبِ، إِلَى الفِكرِ، إِلَى الرُّوحِ. وَالإِنسَانُ لَيسَ لَهُ إِلَّا هَذَا المَجمُوعُ: لِسَانٌ، وَأَركَانٌ، وَجَنَانٌ؛ لِسَانٌ، وَجَوَارِحُ، وَقَلبٌ. وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِن عَظِيمِ اللَّطَائِفِ فِي جَمعِهَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَالعَبدُ إِذَا كَانَ لِسَانُهُ مُستَغرِقًا بِذِكرِ اللهِ، وَهَكَذَا يَنبَغِي أَن نَكُونَ، وَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغَيرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَذكُرُ اللهَ كُلَّ أَحيَانِهِ؛ كَانَ ﷺ يَذكُرُ اللهَ كُلَّ أَحيَانِهِ، يَعنِي فِي كُلِّ أَحوَالِهِ. يَمشِي ﷺ يَذكُرُ اللهَ، تَمشِي أَنتَ فِي طَرِيقِكَ إِلَى المَسجِدِ تَذكُرُ اللهَ، تَقِفُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ تَذكُرُ اللهَ: «اللَّهُمَّ افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ»، وَتَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ». دَخَلتَ، وَأَنتَ فِي طَرِيقِكَ، فِي خُطُوَاتِكَ إِلَى مُصَلَّاكَ، فَلَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ فِيهَا غَفلَةٌ عَن ذِكرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. دَائِمَ الذِّكرِ، هَكَذَا يُعَلِّمُنَا النَّبِيُّ ﷺ.
تَخرُجُ مِنَ المَسجِدِ، مِن مُصَلَّاكَ، إِلَى بَابِ المَسجِدِ، فَاذكُرِ اللهَ، وَلَا تَغفُل. وَأَنتَ فِي طَرِيقِكَ إِلَى بَيتِكَ، أَو إِلَى مَركَبَتِكَ، تَذكُرُ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. تَنتَظِرُ طَعَامَكَ، تَنتَظِرُ شَرَابَكَ، تَقِفُ فِي طَرِيقِكَ، تُرِيدُ أَكلًا، تُرِيدُ شُربًا، تُرِيدُ نَومًا، قِيَامًا، قُعُودًا، فِي كُلِّ أَحوَالِكَ تَذكُرُ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. جَمَاعَةً نَذكُرُ اللهَ، وَفُرَادَى نَذكُرُ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. فَإِذًا فِي كُلِّ أَحوَالِنَا، هَكَذَا يَنبَغِي. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ هَكَذَا الإِرشَادُ فِيهَا، وَهَكَذَا كَذَلِكَ فِعلُهُ ﷺ؛ كَانَ ﷺ يَذكُرُ اللهَ كُلَّ أَحيَانِهِ.
فَإِذًا الآيَةُ السَّابِقَةُ، وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 190]، دَلِيلٌ عَلَى خَالِقِيَّةِ اللهِ، وَعَلَى قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ صِفَاتِ اللهِ لَيسَ فِيهَا نَقصٌ، وَأَنَّ صِفَاتِ اللهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللهِ؛ فَاللهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ، مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ فِي حَقِّهِ. أَمَّا فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَالكَلَامُ عَن أَيِّ شَيءٍ؟ عَنِ الكَمَالِ فِي العُبُودِيَّةِ؛ يَعنِي: كَيفَ يَكُونُ هَذَا العَبدُ المُؤمِنُ كَامِلًا؟ يُوجَدُ مَن هُوَ كَامِلٌ، وَيُوجَدُ مَن هُوَ نَاقِصٌ. فَكَيفَ يَكُونُ المُؤمِنُ كَامِلًا؟ يَتَّقِي اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ، وَيَجتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ، فَيَتَّقِي اللهَ تَعَالَى، فَيَصِيرُ فِي الكَمَالِ، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ أَدَّى بِهِ إِلَى أَن يَصِيرَ ذَاكِرًا لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كُلِّ أَحوَالِهِ.
وَلِذَلِكَ، فِي التَّرتِيبِ بَينَ الآيَتَينِ، يَقُولُ الإِمَامُ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا أَحسَنَ هَذَا التَّرتِيبَ فِي جَذبِ الأَروَاحِ»، فِي جَذبِهَا، «فِي ذِكرِ الحَقِّ وَالخَلقِ، وَفِي نَقلِ الأَسرَارِ مِن جَانِبِ عَالَمِ الغُرُورِ إِلَى المَلِكِ الغَفُورِ». فَآيَاتٌ تُشَاهِدُهَا مَخلُوقَةً، تَتَفَكَّرُ فِيهَا، فَتَذكُرُ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِذَا ذَكَرْتَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى صِرتَ فِي حَالِ الكَمَالِ.
وَكَذَلِكَ مِن جَمِيلِ وَلَطِيفِ المَعَانِي الَّتِي جَاءَت فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ [آل عمران: 191]، وَهَذَا فِي الوَاقِعِ ذَكَرَهُ عَدَدٌ مِن أَهلِ التَّفسِيرِ، أَنَّا نَستَطِيعُ أَن نَقُولَ: هَذَا عَلَى مَعنَى الذِّكرِ اللِّسَانِيِّ، وَهَذَا قَولٌ. وَقِيلَ أَيضًا: إِن قُلنَا ذِكرَ اللهِ بِاللِّسَانِ مَعَ الذِّكرِ القَلبِيِّ جَمَعنَا الأَمرَينِ، وَهَذَا هُوَ الأَكمَلُ وَالأَفضَلُ.
وَالذِّكرُ القَلبِيُّ مَعنَاهُ الخُشُوعُ، وَالخَوفُ مِنَ اللهِ، خَوفَ الإِجلَالِ وَالتَّعظِيمِ؛ هَذَا يُقَالُ لَهُ: ذِكرُ القَلبِ. فَإِذَا جَمَعنَا بَينَ الأَمرَينِ، بَينَ أَن تَذكُرَ اللهَ تَعَالَى بِلِسَانِكَ، وَقَلبُكَ حَاضِرٌ بِالخَوفِ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبِاستِحضَارِ عَظَمَةِ اللهِ، وَجَلَالِ اللهِ، وَقُدرَةِ اللهِ، كَانَ هَذَا أَكمَلَ، وَهُوَ مِمَّا يُوقِعُ فِي القَلبِ لَذَّةً كَبِيرَةً عِندَ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا قَولٌ ثَانٍ فِي تَفسِيرِ ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ [آل عمران: 191].
وَقَولٌ ثَالِثٌ، وَكَثِيرٌ مِمَّن قَالَ بِهِ أَيضًا، وَهُوَ أَنَّ ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ [آل عمران: 191]، يَعنِي: يُصَلُّونَ. فَالصَّلَاةُ ذِكرٌ. ثُمَّ قَالُوا: إِذَا قُلنَا: يُصَلُّونَ، فَمَعنَى ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]، إِن قُلنَا عَلَى مَعنَى الذِّكرِ الَّذِي بِاللِّسَانِ، فَهِمنَا: وَأَنَا قَائِمٌ أَذكُرُ اللهَ، وَأَنَا قَاعِدٌ أَذكُرُ اللهَ، وَأَنَا مُضطَجِعٌ عَلَى جَنبِي أَذكُرُ اللهَ، فِي كُلِّ أَحيَانِي أَذكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِلعِلمِ، عِندَمَا تَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»، فَقَد ذَكرتَ اللهَ مَعَ صَلَاتِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَعنِي: هَذَا يَدخُلُ فِي ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ «اللَّهُمَّ» الأَصلُ فِيهَا فِي اللُّغَةِ: «يَا اللهُ»، فَحُذِفَتِ اليَاءُ وَعُوِّضَت بِالمِيمِ. فَأَنتَ عِندَمَا تَقُولُ: «اللَّهُمَّ استَجِب»، فَالمَعنَى: يَا اللهُ استَجِب. فَإِذَا قُلتَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»، فَإِنَّكَ قَد ذَكَرتَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَعَلتَ مَعَ ذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَإِذًا مِنَ الأَقوَالِ فِي مَعنَى ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ أَنَّهُم يُصَلُّونَ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ يُقَالُ عَنهَا: ذِكرٌ. فَبَعضُ المُفَسِّرِينَ، مِنهُمُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَغَيرُهُ، ذَكَرُوا هَذَا القَولَ فِي جُملَةِ الأَقوَالِ، لَا عَلَى أَنَّهُ القَولُ الوَحِيدُ. قَالَ: ﴿يَذكُرُونَ اللهَ﴾ أَي يُصَلُّونَ. كَيفَ صَلَاتُهُم؟ ﴿قِيَامًا﴾ قَائِمِينَ عِندَ القُدرَةِ، ﴿وَقُعُودًا﴾ قَاعِدِينَ عِندَ العَجزِ، ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ مُضطَجِعِينَ عِندَ العَجزِ عَنِ القُعُودِ وَالقِيَامِ.
وَ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ حَالَانِ مِن ضَمِيرِ الفَاعِلِ فِي ﴿يَذكُرُونَ﴾ [آل عمران: 191]، وَ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ حَالٌ أَيضًا. فَإِذًا هُم عَلَى هَذَا المَعنَى فِي صَلَاتِهِم، وَالصَّلَاةُ ذِكرٌ لِلَّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
يُصَلُّونَ قَائِمِينَ. وَمِن أَركَانِ الصَّلَاةِ السَّبعَةَ عَشَرَ: القِيَامُ فِي الفَرضِ لِلقَادِرِ. أَمَّا فِي النَّفلِ، فَقَالَ العُلَمَاءُ: لَو صَلَّى جَالِسًا صَحَّ، وَلَكِنَّ الأَكمَلَ فِي القِيَامِ. فَنَقِفُ هُنَا قَلِيلًا عِندَ هَذِهِ المَسأَلَةِ: القِيَامُ فِي الفَرضِ لِلقَادِرِ؛ يَعنِي: مَن كَانَ قَادِرًا عَلَى القِيَامِ، وَأَرَادَ أَن يُصَلِّيَ الفَرضَ، لَا يَصِحُّ مِنهُ أَن يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَلَا مُضطَجِعًا، وَلَا مُستَلقِيًا، مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى القِيَامِ.
ثُمَّ لَو كَانَ وَاحِدٌ مَثَلًا يَستَطِيعُ أَن يَأتِيَ بِتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَهُوَ وَاقِفٌ يَستَطِيعُ، لَكِن بَعدَ ذَلِكَ يَصعُبُ عَلَيهِ أَن يَبقَى وَاقِفًا وَقتَ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ، لِأَنَّهَا رَابِعُ رُكنٍ مِن أَركَانِ الصَّلَاةِ؛ فَعِندَنَا: تَكبِيرَةُ الإِحرَامِ، وَالنِّيَّةُ، وَالقِيَامُ فِي الفَرضِ لِلقَادِرِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ الرُّكنُ الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ. فَمَثَلًا: هُوَ يَستَطِيعُ الإِتِيَانَ بِتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ قَائِمًا، لَكِن يَشُقُّ عَلَيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً أَن يَبقَى وَاقِفًا وَقتَ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ. فَهُنَا مَاذَا يَفعَلُ؟ القَاعِدَةُ الفِقهِيَّةُ: «لَا يَسقُطُ المَيسُورُ بِالمَعسُورِ». هَذِهِ قَاعِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ؛ يَعنِي: أَنَا فِي شَيءٍ عَاجِزٌ عَنهُ، فَلَا أُلحِقُ العَجزَ بِكُلِّ أَفعَالِي فِي الصَّلَاةِ. عَاجِزٌ أَنَا عَن رُكنٍ، فَأَنظُرُ مَاذَا أَعطَانِي الشَّرعُ فِي حَالِ العَجزِ عَن هَذَا الرُّكنِ، لَكِن لَا أُسقِطُ هَذَا العَجزَ عَلَى كُلِّ الصَّلَاةِ.
يَعنِي مُرَادِي هُنَا: أَنتَ تَستَطِيعُ مَثَلًا أَن تَأتِيَ بِتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ وَأَنتَ وَاقِفٌ، فَتَأتِي بِهَا وَأَنتَ وَاقِفٌ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ إِذَا مَا استَطَعتَ أَن تُكَمِّلَ القِيَامَ، عِندَهَا تَقعُدُ. أَمَّا أَن تَأتِيَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيكَ مِن بَيتِكَ إِلَى المَسجِدِ إِلَى مُصَلَّاكَ، فَإِذَا أَرَدتَ تَكبِيرَةَ الإِحرَامِ كَبَّرتَ وَأَنتَ جَالِسٌ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ. فَإِن كُنتَ قَادِرًا عَلَى أَن تَأتِيَ بِتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ، وَبِالفَاتِحَةِ حَالَ قِيَامِكَ، أَتَيتَ بِهَا حَالَ قِيَامِكَ، ثُمَّ إِذَا كُنتَ غَيرَ قَادِرٍ مَثَلًا عَلَى الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ، تَنتَقِلُ إِلَى الَّذِي يُرشِدُ إِلَيهِ الشَّرعُ فِي حَالَةِ القُعُودِ، وَهَكَذَا.
قَادِرٌ مَثَلًا عَلَى الإِتِيَانِ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى أَن تَكُونَ قَائِمًا، لَكِنَّكَ عَاجِزٌ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ، فَفِي الرَّكعَةِ الأُولَى إِذًا تَأتِي قَائِمًا؛ إِذًا مَا استَطَعتَ. وَمَاذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ «وَإِذَا أَمَرتُكُم بِأَمرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم». وَالشَّيءُ الَّذِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا (286)﴾ [البقرة: 286]. فَلَا أَشُقُّ عَلَى نَفسِي، وَلَكِن آتِي بِالشَّيءِ الَّذِي هُوَ مَقدُورٌ بِالنِّسبَةِ لِي، مَيسُورٌ بِالنِّسبَةِ لِي. وَأَمَّا المَعسُورُ فَأَنظُرُ: مَاذَا أَمَرَ الشَّرعُ بِهِ؟
وَالمَعسُورُ يَعنِي: مَا لَا يَستَطِيعُهُ، أَو مَا يَلحَقُهُ بِفِعلِهِ ضَرَرٌ، أَو تَلحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَا تُحتَمَلُ؛ لَيسَ مُجَرَّدَ التَّعَبِ، بَل مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَا تُحتَمَلُ تُذهِبُ عَلَيهِ خُشُوعَهُ. وَهَذَا يَدخُلُ فِيهِ الضَّرَرُ أَكِيدًا، لَكِنَّهُم قَالُوا: إِذَا كَانَ يَلحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَا تُحتَمَلُ، تُذهِبُ عَلَيهِ خُشُوعَهُ، فَإِذَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، صَارَ مَعسُورًا بِالنِّسبَةِ لَهُ.
أَلَيسَ يَحصُلُ هَذَا أَحيَانًا مِن شِدَّةِ الأَلَمِ؟ مِن شِدَّةِ الأَلَمِ قَد يَحصُلُ هَذَا. سُبحَانَ اللهِ! كَانَ بَعضُ الأَكَابِرِ فِي مَجلِسِ طُلَّابِهِ، فَيُصَلُّونَ الفَرضَ، فَبَعدَ صَلَاةِ الفَرضِ يَقُومُ هُوَ يُرِيدُ أَن يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ، فَيَجِدُهُم قَد تَفَرَّقُوا، فَيَقُولُ لَهُم: يَا أَهلَ العَافِيَةِ، لِمَاذَا تَترُكُونَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ؟ قَد يَأتِي عَلَى الوَاحِدِ مِنَّا يَومُ صِحَّةٍ، وَقَد يَأتِي بِسَبَبٍ مَا لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن صَلَاةِ النَّافِلَةِ، فَلِمَاذَا لَا يَغتَنِمُ الأَوقَاتَ الَّتِي هُوَ فِيهَا قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَن يَعتَنِيَ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَأَن يَعتَنِيَ بِهَذِهِ العِبَادَةِ؟
فَمِنَ العِبَادَاتِ أَوَّلُ مَا يُسأَلُ عَنهُ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ: الصَّلَاةُ. وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ وَعِمَادُ الدِّينِ. وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَّا أَهلُ الكَمَالِ. وَلِذَلِكَ، كَمَا قَالَ الأَكَابِرُ: الصَّلَاةُ لَذَّةُ المُتَّقِينَ. كَانَ بَعضُهُم إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ يَستَغرِقُ، حَتَّى إِنَّ أَولَادَهُ يَقُولُونَ: إِذَا أَرَدنَا أَن نَصنَعَ شَيئًا، فَعِندَمَا يَدخُلُ وَالِدُنَا فِي الصَّلَاةِ لَا يَشعُرُ بِنَا؛ يَستَغرِقُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَعُودُ يَتَفَكَّرُ فِي مَا هُوَ حَولَهُ.
مَرَّةً زَينُ العَابِدِينَ، الإِمَامُ السَّجَّادُ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم، دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ يَستَغرِقُ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الإِمَامُ السَّجَّادُ؛ لِكَثرَةِ مَا كَانَ يُصَلِّي، يَقُومُ اللَّيلَ كُلَّهُ. فَذَاتَ يَومٍ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ قِيَامِ اللَّيلِ، اشتَعَلَتِ النَّارُ فِي الحَيِّ الَّذِي بَيتُهُ فِيهِ، فَصَارَتِ النَّاسُ تَصرُخُ وَتَتَنَادَى فِيمَا بَينَهَا: يَا ابنَ بِنتِ رَسُولِ اللهِ، النَّارُ، النَّارُ، تَأكُلُ دَارَكَ. وَكَأَنَّهُ لَا يَسمَعُ. أَكمَلَ صَلَاتَهُ. صَارَتِ النَّارُ تَقتَرِبُ أَكثَرَ، وَالصُّرَاخُ يَرتَفِعُ أَكثَرَ، وَيُنَادُونَهُ، وَالإِمَامُ السَّجَّادُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ مُستَغرِقٌ فِي صَلَاتِهِ. أَتَتِ النَّارُ، فَأَكَلَت كُلَّ مَا كَانَ حَولَ دَارِهِ مِنَ الدُّورِ إِلَّا دَارَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ، قَالُوا لَهُ: يَا إِمَامُ، أَمَا سَمِعتَنَا نُنَادِي؟ أَمَا انتَبَهتَ إِلَى النَّارِ الَّتِي حَولَكَ؟ قَالَ لَهُم: شَغَلَتنِي نَارُ الآخِرَةِ عَن نَارِ الدُّنيَا.
اليَومَ كَم مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي، وَلِأَقلِّ صَوتٍ يَلتَفِتُ، وَمِنهُم مَن قَد يَقطَعُ الصَّلَاةَ؟ وَلِلعِلمِ، قَطعُ الصَّلَاةِ المَفرُوضَةِ بِلَا عُذرٍ مِنَ الكَبَائِرِ. بَعضُهُم يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدٌ طَرَقَ البَابَ أَقطَعُ الصَّلَاةَ. هَل تَعلَمُونَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَغَيرَهُم نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ مِن جُملَةِ مُبطِلَاتِ الصَّلَاةِ نِيَّةُ قَطعِهَا؟ لَو نَوَى، وَلَو لَم يَقطَعهَا بِعَمَلٍ آخَرَ، بِالنِّيَّةِ، إِذَا نَوَى قَطعَ الصَّلَاةِ بَطَلَت. بَل زَادُوا فَقَالُوا: وَبِنِيَّةِ تَعلِيقِ قَطعِهَا عَلَى شَيءٍ. مَا مَعنَى ذَلِكَ؟ لِأَنَّهُم قَالُوا: النِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ لَابُدَّ أَن تَكُونَ مُنعَقِدَةً؛ يَعنِي مَثَلًا: قَالَ: إِن جَاءَنِي وَاحِدٌ، أَو إِن جَاءَنِي اتِّصَالٌ، أَو إِن جَاءَنِي كَذَا، أَقطَعُ صَلَاتِي؛ قَالُوا: بَطَلَت صَلَاتُهُ فِي الحَالِ. ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي مُبطِلَاتِ الصَّلَاةِ.
هُنَا أَمرُ الصَّلَاةِ أَمرٌ مُهِمٌّ. فَإِذًا نُلَاحِظُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَجَمِيلٌ هَذَا التَّفسِيرُ أَيضًا فِي الذِّكرِ، أَنَّ ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]، عَلَى تَفسِيرِ مَن قَالَ: يُصَلُّونَ، مَعنَاهُ: قَائِمِينَ عِندَ القُدرَةِ، قَاعِدِينَ عِندَ العَجزِ، وَعَلَى جُنُوبِهِم. وَهُنَا هَذَا تَرتِيبٌ؛ يَعنِي لَا يَنتَقِلُ إِلَى وَاحِدٍ إِلَّا عِندَ العَجزِ عَنِ الأَوَّلِ. فَإِن عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنبِهِ، لَم يُذكَر هُنَا أَنَّهُ يُصَلِّي مُستَلقِيًا، لَكِن فِي مَن صَلَّى مُستَلقِيًا عِندَ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: يُرفَعُ شَيءٌ مِن صَدرِهِ، وَلَو بِوِسَادَةٍ أَو بِشَيءٍ، بِحَيثُ يَكُونُ وَجهُهُ وَصَدرُهُ إِلَى القِبلَةِ.
فَلَو كَانَ مَثَلًا وَاحِدٌ، اللهُ تَعَالَى يُعَافِي مَرضَانَا، اللهُ تَعَالَى يُعَافِي مَرضَانَا فِي مُستَشفَيَاتِنَا، فِيمَا بَقِيَ مِن مُستَشفَيَاتِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، لَو كَانَ وَاحِدٌ عَلَى سَرِيرِ الشِّفَاءِ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ، فَالصَّلَاةُ مَا سَقَطَت. قَادِرٌ هُوَ؟ لَا يَقدِرُ أَن يَقِفَ، فَيُصَلِّي قَاعِدًا. لَا يَقدِرُ؟ فَمُضطَجِعًا. لَا يَقدِرُ عَلَى جَنبِهِ؟ فَمُستَلقِيًا. قَائِمٌ، قَاعِدٌ، مُضطَجِعٌ، مُستَلقٍ. وَالمُستَلقِي يُرفَعُ بِشَيءٍ، بِحَيثُ إِنِ استَطَاعُوا، إِنِ استَطَاعَ، يَكُونُ صَدرُهُ وَوَجهُهُ هَكَذَا. فَإِن عَجَزَ عَن هَذَا، فَـ«فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم». هُنَا عَلَى حَسَبِ الاستِطَاعَةِ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: لَو عَجَزَ حَتَّى عَن هَذَا، يَصِيرُ بِالقَدرِ الَّذِي هُوَ استَطَاعَهُ، وَلَو كَانَ مُستَلقِيًا، ثُمَّ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، فَإِن عَجَزَ بِلِسَانِهِ، حَتَّى قَالُوا: يُجرِي ذَلِكَ عَلَى قَلبِهِ، وَلَا تَسقُطُ الصَّلَاةُ عَنهُ مَا دَامَ أَنَّهُ قَادِرٌ وَفِي وَعيِهِ. لِيَدُلَّكَ هَذَا عَلَى أَمرِ الصَّلَاةِ.
تَذَكَّرُوا: فِي مَرَضِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَمَّا أَفَاقَ ﷺ وَخَرَجَ إِلَى الصَّحَابَةِ، كَانَ يُوصِيهِم: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ. يُوصِي بِالصَّلَاةِ. اليَومَ، يَومُ الجُمُعَةِ، كَم مِنَ النَّاسِ يَكُونُ قَد نَامَ عَن صَلَاةِ الفَجرِ؟ كَم مِنَ النَّاسِ فِي يَومِ الجُمُعَةِ، الَّذِي كَانَ يُسَمِّيهِ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: عِيدَ المُسلِمِينَ، وَأَفضَلَ أَيَّامِ الأُسبُوعِ، يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ وَلَا يَعتَنِي؟ نَعَم، لَيسَ فِي النَّومِ تَفرِيطٌ إِذَا لَم يَتَعَمَّد، فَلَا مَعصِيَةَ عَلَيهِ، وَلَكِن يَكُونُ قَد فَاتَهُ مَا فَاتَهُ مِنَ الأَسرَارِ. أَمَّا مَن تَعَمَّدَ تَركَهُ، فَقَد وَقَعَ فِي مَعصِيَةٍ كَبِيرَةٍ. أَمَّا النَّائِمُ فَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيهِ. لَكِنَّ المُرَادَ: هَذَا الَّذِي يَسهَرُ وَيَتَأَخَّرُ، خُصُوصًا الآنَ مَعَ أَوقَاتِ الصَّيفِ، فَتَجِدُ النَّاسَ، وَتَسمَعُ، يَضحَكُونَ وَيَمرَحُونَ. سُبحَانَ اللهِ! يَنسَونَ مَا يَجِرِي فِي غَزَّةَ، وَمَا يَجِرِي فِي فِلَسطِينَ، وَيَنسَونَ أَمرَ الآخِرَةِ. تَجِدُ هَؤُلَاءِ فِي لَهوٍ، وَبَعضُهُم فِي مُوسِيقَى، تَسمَعُ آلَاتِ المُوسِيقَى، وَآلَاتِ اللَّهوِ، وَالضَّحِكَ، وَتَسمَعُ وَتَسمَعُ وَتَسمَعُ، وَعِندَ وَقتِ الفَجرِ تَكَادُ لَا تَسمَعُ أَحَدًا. وَقتَ الفَجرِ نَامُوا إِلَى مَا قَبلَ الفَجرِ بِسَاعَةٍ، ثُمَّ هَدَأَتِ الأَصوَاتُ. وَهَذَا عَكسُ مَا يَكُونُ عَلَيهِ الصَّالِحُونَ؛ يَنَامُونَ بَعدَ العِشَاءِ إِن لَم يَكُن عِندَهُم شَيءٌ، ثُمَّ يَستَيقِظُونَ وَقتَ السَّحَرِ، فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ. فَإِذًا أَمرُ الصَّلَاةِ أَمرٌ عَظِيمٌ.
هُنَا، عِندَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]، فَالأَفضَلُ أَن يَضطَجِعَ عَلَى الأَيمَنِ، الأَفضَلُ أَن يَضطَجِعَ عَلَى جَنبِهِ الأَيمَنِ. وَالاضطِجَاعُ عَلَى الجَنبِ الأَيمَنِ فِيهِ حَقِيقَةً لَطِيفَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا. لَم أَجِدهَا، فِيمَا نَظَرتُ فِيهِ، فِي كُتُبِ التَّفسِيرِ، إِلَّا عِندَ الرَّازِيِّ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَتُوجَدُ إِشَارَةٌ طِبِّيَّةٌ لَطِيفَةٌ فِي فَائِدَةِ الاضطِجَاعِ عَلَى الجَنبِ الأَيمَنِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالنِّسبَةِ لَكَ، حَالَ ذِكرِكَ لِلَّهِ، أَعوَنَ لِفِكرِكَ وَقَلبِكَ عَلَى قُوَّةِ الاستِحضَارِ. يَعنِي: لِعَقلِكَ وَلِقَلبِكَ وَلِفِكرِكَ، هُوَ أَقوَى مِن حَالَةِ الاستِلقَاءِ.
وَهَذَا مِمَّا يَدخُلُ فِيهِ مَا يُسَمَّى فِي الطِّبِّ الحَدِيثِ بِأُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِفِسيُولُوجِيَّا الجِسمِ؛ لِأَنَّ جِسمَكَ لَيسَ فِي كُلِّ حَالَةٍ عَلَى وَجهٍ وَاحِدٍ. فَنَحنُ لَمَّا نَتَكَلَّمُ أَكثَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ فِي هَذِهِ الآيَاتِ، سَتَجِدُ عَجَائِبَ. أَنتَ مِن جُملَةِ هَذِهِ العَجَائِبِ تَعرِفُ أَنَّ طَبِيعَةَ جِسمِ هَذَا الإِنسَانِ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. فَمَثَلًا: أَنتَ فِي حَالِ القِيَامِ يَكُونُ جِسمُكَ يَستَجِيبُ أَو يَتَفَاعَلُ مَعَ هَذِهِ الحَالَةِ بِإِفرَازِ إِنزِيمَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهُرمُونَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِذَا كُنتَ قَاعِدًا فَشَيءٌ آخَرُ، وَإِذَا كُنتَ مُضطَجِعًا فَشَيءٌ آخَرُ، وَإِذَا كُنتَ مُستَلقِيًا فَشَيءٌ آخَرُ، وَإِذَا كُنتَ مُستَيقِظًا فَشَيءٌ آخَرُ، وَإِذَا كُنتَ نَائِمًا فَشَيءٌ آخَرُ. لِذَلِكَ كُلُّ شَيءٍ، وَهَذَا مَعرُوفٌ حَتَّى فِي الطِّبِّ الحَدِيثِ، هَذَا الجِسمُ لَهُ أَسرَارٌ وَلَهُ عَجَائِبُ.
وَلِذَلِكَ تَقَدَّمَ مَعَنَا فِيمَا قَبلَ عِلَاجٌ يُغفِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذنِ اللهِ لِكَثِيرٍ مِنَ الأَمرَاضِ، مَا هُوَ؟ قِيَامُ اللَّيلِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ مِن جُملَةِ أَسرَارِ وَفَضَائِلِ وَفَوَائِدِ قِيَامِ اللَّيلِ: «يُخرِجُ الدَّاءَ مِنَ الجَسَدِ». هَذَا اللَّفظُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا المَوضِعِ: «يُخرِجُ الدَّاءَ مِنَ الجَسَدِ».
وَاحِدٌ يَنَامُ إِلَى وَقتٍ طَوِيلٍ، فَمَاذَا يَقُومُ فِي الصَّبَاحِ؟ اُنظُر: مَن يَتَكَلَّمُ الآنَ يَقُولُ لَكَ مَثَلًا: إِذَا قُمتَ فِي الصَّبَاحِ وَصِرتَ تَشتَكِي مِن دُوَارٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذَا مَثَلًا يَكُونُ عِندَكَ عَلَامَةً عَلَى نُقصٍ فِي الحَدِيدِ، أَو عَلَى مُشكِلَةٍ فِي الجُيُوبِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: عِندَكَ مُشكِلَةٌ فِي الكَبِدِ. يَستَدِلُّونَ عَلَيهَا بِنَوعِيَّةِ الدُّوَارِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَا أَفَقتَ. وَكَذَا تَشعُرُ أَحيَانًا فِي بَعضِ المَفَاصِلِ، فِي النَّهَارِ مَا كُنتَ تَشعُرُ وَأَنتَ تَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا نِمتَ وَاستَرخَيتَ، مَعَ طَبِيعَةِ جِسمِ هَذَا الإِنسَانِ فِي اللَّيلِ، تَتَرَاكَمُ أَشيَاءُ فِي المَفَاصِلِ. فَلَو قُمتَ فِي اللَّيلِ وَمَشَيتَ. وَابنُ الجَوزِيِّ يَقُولُ: لَو لَم يَكُن بِكَ قُوَّةٌ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ، فَقُم وَامشِ خُطُوَاتٍ فِي البَيتِ. أَهلُ الطِّبِّ يَعرِفُونَ هَذَا، وَهَذَا مَذكُورٌ عِندَهُم.
فَحَقِيقَةً هَذِهِ إِشَارَةٌ؛ وَالإِمَامُ الرَّازِيُّ يُعطِي إِشَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى مَعرِفَةٍ كَبِيرَةٍ بِالطِّبِّ. فَهُوَ يَقُولُ لَكَ: إِنَّهُ حَالَ اضطِجَاعِكَ تَكُونُ فِي حَالَةٍ أَعوَنَ لِفِكرِكَ وَقَلبِكَ عِندَمَا تَذكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَى قُوَّةِ الاستِحضَارِ.
خُذ أَنتَ أَيضًا الآنَ: النَّائِمُ يُستَحَبُّ لَهُ كَيفَ يَنَامُ؟ لَيسَ مُنكَبًّا عَلَى وَجهِهِ. هَذِهِ الضَّجعَةُ لَيسَت حَسَنَةً، وَلَيسَت مُستَحسَنَةً. حَتَّى قَالُوا: لَو رَأَيتَ وَاحِدًا يَنَامُ هَكَذَا، فَأَيقِظْهُ؛ لِأَنَّهَا لَيسَت جَيِّدَةً بِالمَرَّةِ لِلصِّحَّةِ، وَقَد تُلحِقُ بِهِ ضَرَرًا. يَنَامُ عَلَى بَطنِهِ، لَيسَ جَيِّدًا هَذَا. طَيِّبٌ، كَيفَ أَنَامُ؟ كَمَا كَانَ يَنَامُ النَّبِيُّ ﷺ. أَفضَلُ طَرِيقَةٍ، أَفضَلُ هَيئَةٍ لِلنَّومِ، تُعِينُ قَلبَكَ. قَلبُكَ بِأَيِّ نَاحِيَةٍ؟ فِي اليَسَارِ. أَنتَ تَضطَجِعُ عَلَى يَمِينِكَ، فَلَا تَجعَل ثِقَلًا عَلَى قَلبِكَ، فَيَجرِي الدَّمُ بِالتَّالِي، وَهَذَا يَكُونُ أَبعَدَ مِن أَن تَصِيرَ مَعَهُ جَلطَاتٌ، أَو يَحصُلَ تَجَمُّعٌ لِشَيءٍ مَثَلًا فِي شَرَايِينِهِ، أَو أَن تَتَصَلَّبَ الشَّرَايِينُ. هَذَا أَبعَدُ. جَرَيَانُ هَذَا الدَّمِ مُهِمٌّ، وَأَنتَ الآنَ فِي حَالَةِ نَومٍ لَا حَرَكَةَ فِيهَا. فَحَرَكَةُ الدَّمِ الآنَ فِي اللَّيلِ لَيسَت كَمَا هِيَ فِي النَّهَارِ. فَتَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِثِقَلٍ تَضَعُهُ عَلَى قَلبِكَ! هَذَا قَد يُسَبِّبُ لَكَ الأَمرَاضَ. الأَفضَلُ لَكَ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، أَن تَتَّبِعَ سُنَّتَهُ ﷺ. فَقَد كَانَ ﷺ يَنَامُ مُضطَجِعًا عَلَى جَنبِهِ الأَيمَنِ، وَكَانَ ﷺ يَضَعُ كَفَّهُ الأَيمَنَ، يَعنِي بَاطِنَ الكَفِّ الأَيمَنِ، تَحتَ خَدِّهِ الشَّرِيفِ؛ هَكَذَا كَانَ يَفعَلُ ﷺ، مَعَ النَّومِ عَلَى طَهَارَةٍ. وَإِذَا أَفَاقَ فِي اللَّيلِ ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى، وَاستَاكَ.
قُلنَا لَكُم فِي الجُمُعَةِ المَاضِيَةِ، إِن شَاءَ اللهُ، اللهُ يَجعَلُنَا مِنَ الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ: مِنَ الأَشيَاءِ المَطلُوبِ أَن تَترُكَهَا إِلَى جَنبِكَ: السِّوَاكُ، وَلَيسَ جِهَازَ التِّلِيفُونِ. جِهَازُ التِّلِيفُونِ هَذَا خَطَرٌ، خَطَرٌ كَبِيرٌ أَن يَبقَى إِلَى جِوَارِكَ. هَذَا يُؤَثِّرُ عَلَى دِمَاغِكَ، عَلَى عَقلِكَ، يُؤَثِّرُ عَلَيكَ تَأثِيرًا سَلبِيًّا كَبِيرًا جِدًّا جِدًّا. وَكَم مِنَ الدِّرَاسَاتِ وَالأَبحَاثِ تَذكُرُ هَذَا! لَيسَ شَيئًا جَيِّدًا. إِذًا، مَاذَا أَترُكُ إِلَى جِوَارِي؟ أَترُكُ السِّوَاكَ. فَإِذَا قُمتَ، استَكتَ. وَالسِّوَاكُ نَفسُهُ فِيهِ مَنَافِعُ. أَطيَبُهُ وَأَجوَدُهُ الأَرَاكُ، لَكِن بِمَا تَيَسَّرَ. وَالمَادَّةُ الَّتِي فِيهِ، دَائِمًا قُصَّهَا وَاجعَلهَا نَدِيَّةً، حَتَّى لَا تَنَجرِحَ اللِّثَةُ عِندَكَ. فَالمَادَّةُ الَّتِي فِيهِ تَبلَعُهَا، وَهَذِهِ فِيهَا نَفعٌ كَبِيرٌ لِلمَعِدَةِ وَلِلأَمعَاءِ. فِيهَا نَفعٌ كَبِيرٌ. قُلنَا: السِّوَاكُ فِيهِ أَكثَرُ مِن سَبعِينَ فَائِدَةً؛ فِيهِ فَوَائِدُ كَبِيرَةٌ. فَهَذَا الَّذِي تَترُكُهُ إِلَى جِوَارِكَ. وَالسِّوَاكُ يُعِينُكَ عَلَى أَن تَقُومَ فَتُصَلِّيَ فِي اللَّيلِ، يُعِينُكَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيلِ أَن يَكُونَ السِّوَاكُ إِلَى جِوَارِكَ.
يَنبَغِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَن يَكُونَ مَعَهُ سِوَاكٌ، وَلَا أَترُكَ السِّوَاكَ. وَإِذَا حَضَرتَ إِلَى المَسجِدِ، كَم أُحِبُّ أَنَّهُ مَثَلًا عِندَمَا نَقِفُ نُرِيدُ الصَّلَاةَ، تُخرِجُ السِّوَاكَ وَتَستَاكُ. لِمَاذَا نَنسَى السِّوَاكَ؟ «رَكعَتَانِ بِسِوَاكٍ خَيرٌ مِن سَبعِينَ رَكعَةً بِغَيرِ سِوَاكٍ». رَكعَتَانِ، يَعنِي يَا رَجُلُ، سَبعُونَ ضِعفًا! كَم يَعنِي؟ بِسَبَبِ هَذَا السِّوَاكِ تَتَضَاعَفُ الحَسَنَاتُ بِالنِّسبَةِ لَكَ. مَاذَا يَفُوتُكَ؟ هَذَا السِّوَاكُ. فَليَكُن عِندَكَ سِوَاكٌ، وَفِي أَبنَائِكَ اغرِس أَن يَكُونَ عِندَهُم سِوَاكٌ.
أَمَّا أَن تَجِدَ الأَولَادَ يَقُولُونَ: هَذَا الأَبُ ثَقَافَتِي أَن يَكُونَ عِندَهُ مَعجُونُ أَسنَانٍ وَيَكُونَ عِندَهُ… وَلَا أُرِيدُ أَن أَعتَرِضَ عَلَيكَ فِي هَذَا، لَكِن أَقُولُ لَكَ: أَولَى مِن هَذَا أَن تُعَلِّمَهُمُ السِّوَاكَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ دَائِمًا السِّوَاكُ مَعَهُ، حَتَّى فِي مَرَضِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَحِنُّ إِلَى السِّوَاكِ. وَيَقُولُونَ: الَّذِي يُوَاظِبُ عَلَى استِعمَالِ السِّوَاكِ، مِنَ الأَسرَارِ أَنَّ قَلبَهُ يَحِنُّ إِلَيهِ دَائِمًا. فَلَو طَلَعَ مَثَلًا السِّوَاكُ لَيسَ مَعَكَ، تَتَنَغَّصُ، تَتَنَكَّدُ، تَتَضَايَقُ: فِي شَيءٍ أَنَا نَسِيتُهُ. تَقِفُ، وَتُرِيدُ أَن تُصَلِّيَ، وَأَنتَ مُعتَادٌ أَن تُخرِجَ السِّوَاكَ وَتَستَاكَ، فَسِوَاكُكَ لَيسَ مَعَكَ. لَكِن مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَمِن بَرَكَةِ الفُقَهَاءِ وَاختِلَافِهِم، قَالَ الفُقَهَاءُ: إِن كُنتَ مَثَلًا لَم تَجِد هَذِهِ الآلَةَ، لَم تَكُن مَعَكَ، قَالُوا: وَلَو بِقِطعَةٍ خَشِنَةٍ. يَعنِي: لَو كَانَ المِندِيلُ هَذَا مَعَكَ، بَسَطتَ سِوَاكَكَ، لَا أُرِيدُ أَن يَفُوتَنِي الأَصلُ، وَلَو بِهَذَا أَفعَلُ. قَالُوا: وَلَو كَانَ بِخِرقَةٍ.
وَإِذًا قُلنَا: هَذَا مِن جُملَةِ المَعَانِي العَظِيمَةِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]. وَكَانَ أَيضًا فِي جُملَةِ مُنَاسَبَةِ ذِكرِ هَذَا الحَدِيثِ، أَنَّهُ كَانَ سَيِّدُنَا عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا جَاءَ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشتَكِي البَوَاسِيرَ، عَافَانَا اللهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ قَد تَصِلُ إِلَى مَرحَلَةٍ يَكُونُ فِيهَا مَعَ المَرضِ مَشَقَّةٌ كَبِيرَةٌ، لَا يَستَطِيعُ أَن يُصَلِّيَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا التَّرتِيبَ: «قَائِمًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَقَاعِدًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَعَلَى جَنبٍ».
وَبِالعَودِ إِلَى المَعنَى الَّذِي ابتدَأْنَا الكَلَامَ فِيهِ، وَهُوَ المَعنَى المُتَبَادِرُ، يَعنِي الأَكثَرُ فِي ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ﴾ [آل عمران: 191]، نَسمَعُ هُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مَن أَحَبَّ أَن يَرتَعَ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ فَليُكثِر ذِكرَ اللهِ». وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: «إِذَا مَرَرتُم بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارتَعُوا». قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكرِ». فَإِذًا هِيَ هَذِهِ، يُقَالُ لَهَا: رِيَاضُ الجَنَّةِ. وَهَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى الإِكثَارِ مِن ذِكرِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَيَقُولُ قَتَادَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]: هَذِهِ حَالَاتُكَ كُلُّهَا يَا ابنَ آدَمَ، فَاذكُرهُ وَأَنتَ عَلَى جَنبِكَ، يُسرًا مِنَ اللهِ وَتَخفِيفًا. يَقُولُ: هَذِهِ حَالَاتُكَ. مَا هِيَ حَالَاتُكَ؟ قَائِمٌ، قَاعِدٌ، مُضطَجِعٌ. فَيَقُولُ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ حَالَاتُكَ كُلُّهَا يَا ابنَ آدَمَ، فَاذكُرهُ وَأَنتَ عَلَى جَنبِكَ، يُسرًا مِنَ اللهِ وَتَخفِيفًا. يَعنِي: أَنتَ فِي كُلِّ أَحوَالِكَ كُن عَلَى الإِكثَارِ مِن ذِكرِ اللهِ. يَعنِي: يَنبَغِي أَن يَكُونَ المُؤمِنُ مُكثِرًا مِن ذِكرِ اللهِ. وَهَذَا مِن حَالَاتِ الكَمَالِ لِلمُؤمِنِ، أَن يُكثِرَ مِن ذِكرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كُلِّ أَحوَالِهِ، فَلَا يَترُكُ الذِّكرَ، وَلَا يُخلِي وَقتَهُ مِنَ الذِّكرِ.
أَلَيسَ اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا اللهَ ذِكرًا كَثِيرًا (41)﴾ [الأحزاب: 41]؟ مَاذَا قَالَ؟ ﴿ذِكرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]؛ إِذًا مَعنَاهُ: أَكثِرُوا مِن ذِكرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. أَكثِر مِن ذِكرِ اللهِ مَا استَطَعتَ، فِي أَحوَالِكَ، لِأَنَّ الإِكثَارَ مِن ذِكرِ اللهِ يَجعَلُ القَلبَ رَقِيقًا.
وَبَعدَ هَذَا البَيَانِ لِهَذَا المَوضِعِ مِنَ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]، نَأتِي إِلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191].
فَإِذًا بَعدَ ذِكرِ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِاللِّسَانِ، وَالأَركَانِ، وَالجَوَارِحِ، جَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالجَنَانِ، وَهُوَ القَلبُ: التَّفَكُّرُ فِي القَلبِ. لِذَلِكَ قُلتُ: بِالقَلبِ. وَالآنَ يَأتِي بَيَانُهُ، إِن شَاءَ اللهُ.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾
مَا هُوَ التَّفَكُّرُ هُنَا؟ الحَبرُ، حَبرُ الأُمَّةِ، البَحرُ، وَتُرجُمَانُ القُرآنِ، عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، يَقُولُ: تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ. يَعنِي: تَفَكَّرُوا فِي الخَلقِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ.
لِذَلِكَ لَمَّا نُصِبَت لَنَا الأَدِلَّةُ عَلَى خَالِقِيَّةِ اللهِ، وَوَحدَانِيَّةِ اللهِ، وَقُدرَةِ اللهِ، ذُكِرَت لَنَا الشَّوَاهِدُ مِنَ الخَلقِ؛ لِأَنَّ الفِعلَ يَدُلُّ عَلَى الفَاعِلِ، وَالخَلقَ يَدُلُّ عَلَى الخَالِقِ. وَالعَالَمُ سُمِّيَ عَالَمًا؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ، أَي دَلِيلٌ عَلَى صَانِعِهِ، وَهُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ. وَمِن هُنَا قِيلَ: جَاءَت تَسمِيَةُ العَالَمِ عَالَمًا. وَمَعنَى العَالَمِ، عِندَمَا تَقُولُ: العَالَمُ، أَي كُلُّ مَا سِوَى اللهِ. فَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ يُقَالُ لَهُ: عَالَمٌ. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (2)﴾ [الفاتحة: 2]، يَدخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ.
فَإِذًا هَذَا التَّفَكُّرُ الَّذِي أُمِرنَا بِهِ، أَن نَتَفَكَّرَ فِي خَلقِ اللهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى اختِرَاعِ هَذِهِ الأَجرَامِ، وَإِبدَاعِ صَنعَتِهَا، وَمَا كَانَ مِنَ التَّدبِيرِ فِيهَا، وَهُوَ شَيءٌ تَكِلُّ الأَفهَامُ عَنِ الإِحَاطَةِ بِهِ.
وَمِن فَوَائِدِ الفِكرِ، بَل مِن فَوَائِدِ الفِكرَةِ، أَنَّهَا تُذهِبُ الغَفلَةَ، وَتُحدِثُ لِلقَلبِ الخَشيَةَ. أَلَستَ بِحَاجَةٍ فِي بَعضِ الأَحيَانِ إِلَى أَن تُحَاسِبَ نَفسَكَ، تَتَفَكَّرَ، تُرَاجِعَ نَفسَكَ، تَقُولَ: أَنَا لِمَاذَا فَعَلتُ كَذَا؟ أَنَا لَعَلِّي لَمَّا قُلتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ آذَيتُ أَخِي. لَعَلَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَا كَانَت فِي مَكَانِهَا. لَعَلَّهُ كَانَ الأَنسَبُ أَنِّي مَا فَعَلتُ هَذَا. هَذَا كَيفَ يَأتِي؟ بِالتَّدَبُّرِ، بِالفِكرِ.
وَأَنتَ عِندَمَا تَنظُرُ فِيمَا حَولَكَ وَتَتَفَكَّرُ، فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الفِكرِ؟ مِن جُملَةِ الفَوَائِدِ: أَنِّي سَمِعتُ لِأُختٍ فَاضِلَةٍ يَومَ أَمسِ، فَكَانَت تَقُولُ: مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي صَارَ فِيهَا عِبرَةٌ لَنَا فِي غَزَّةَ، أَنَّنَا عَرَفنَا قِيمَةَ الحَيَاةِ؛ لِأَنَّنَا كُلَّ يَومٍ نَرَى المَوتَ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ لَا يَجِدُ هَذَا الفِكرَ، لَا يَتَفَكَّرُ فِي هَذَا. يَقُولُ لَكَ: نَحنُ فِي أَيِّ لَحظَةٍ، القَصفُ يَنزِلُ جَنَبِي، وَالقَذِيفَةُ تَنزِلُ جَنَبِي. ابنُ شَهِيدٍ، أَو أَخُو شَهِيدٍ، أَو أَبُو شَهِيدٍ، أَو قَرِيبُ شَهِيدٍ، يَقُولُ لَكَ: صِرنَا نُفَكِّرُ بِقِيمَةِ الحَيَاةِ. الَّتِي كَم مِنَ النَّاسِ يَعِيشُ، وَقَد لَا يَشعُرُ بِهَذِهِ القِيمَةِ.
فَكِّر بِحَيَاتِكَ. أَلَيسَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «اغتَنِم خَمسًا قَبلَ خَمسٍ»، وَمِنهَا: «وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ»؟ فَاليَومَ، يَا أَخِي، نَحنُ الآنَ، الحَمدُ لِلَّهِ، فِي مَسجِدٍ، فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ، هَل أَحَدٌ مِنَّا ضَامِنٌ أَنَّ الجُمُعَةَ القَادِمَةَ سَيَكُونُ عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ؟ لَا، لَسنَا ضَامِنِينَ أَن نَكُونَ عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ. أَمَا تَتَذَكَّرُونَ إِخوَةً لَنَا هُنَا؟ أَنَا أَذكُرُ بَعضَ الإِخوَةِ هُنَا، كَانَ يَقِفُ دَائِمًا كُلَّ جُمُعَةٍ فِي مَوضِعٍ مَعِينٍ، وَفِي جُمُعَةٍ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى. نَسأَلُ: أَينَ أَخُونَا فُلَانٌ؟ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى.
أَتَعرِفُ أَنتَ هَذِهِ القِيمَةَ؟ أَنتَ حَجَجتَ قَبلَ سَنَوَاتٍ، لَعَلَّهُ الآنَ قَد انقَضَى، وَلَعَلَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ لَكَ أَن تَحُجَّ بَعدَ تِلكَ المَرَّةِ. اِغتَنِم. جَاءَكَ رَمَضَانُ، اِغتَنِم. نَحنُ مُقبِلُونَ الآنَ عَلَى أَفضَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ، كَأَيَّامٍ وَكَشَهرٍ. أَفضَلُ الشُّهُورِ شَهرُ رَمَضَانَ، وَأَفضَلُ أَيَّامِ العَامِ الأَيَّامُ العَشرُ مِن ذِي الحِجَّةِ. فَاغتَنِمهَا بِصِيَامٍ، وَطَاعَةٍ، وَعِبَادَةٍ. وَهَكَذَا يَنبَغِي دَائِمًا أَن نَكُونَ عَلَى الفِكرِ.
﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ (192)﴾ [آل عمران: 191-192]
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
هَذَا التَّفَكُّرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعَلَى عَظِيمِ خَلقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَأخُذُ العَبدَ إِلَى أَن يَكُونَ عَلَى التَّوحِيدِ الشُّهُودِيِّ؛ أَي أَن يَشهَدَ قَلبُهُ وَحدَانِيَّةَ اللهِ وَقُدرَةَ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. فَإِذَا تَفَكَّرَ الإِنسَانُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ نَظَرَ إِلَى الدُّنيَا، فَوَجَدَ فِيهَا الحُلوَ وَالمُرَّ، وَالفَرَحَ وَالحُزنَ، وَالضَّحِكَ وَالبُكَاءَ، وَالغِنَى وَالفَقرَ، وَالصِّحَّةَ وَالمَرَضَ، وَالإِيمَانَ وَالكُفرَ، وَالحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ، وَهَكَذَا أَحوَالُ النَّاسِ مُتَبَايِنَةٌ. وَقَد خَلَقَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى المُتَضَادَّاتِ حَتَّى فِي أَجسَادِنَا؛ فَتَجِدُ فِي أَجسَادِنَا بَعضَ الأَعضَاءِ المَيلُ فِيهَا إِلَى الحَرَارَةِ، وَبَعضَهَا إِلَى البُرُودَةِ، وَبَعضَهَا إِلَى الرُّطُوبَةِ، وَبَعضَهَا إِلَى اليُبُوسَةِ، وَفِي هَذَا الجَسَدِ أَخلَاطٌ، فَإِن طَغَى شَيءٌ عَلَى شَيءٍ اختَلَّ، وَكَانَ ذَلِكَ دَاءَ هَذَا الجَسَدِ.
عِندَمَا تَتَفَكَّرُ فِي خَلقِ اللهِ، فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ، تَصِلُ إِلَى أَنَّ هَذَا المَخلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ عَظِيمٍ لَا يُشبِهُهُ. وَيَستَحِيلُ أَن يَكُونَ الخَالِقُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُشبِهُ المَخلُوقَ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ شَبَهٌ هُوَ مَخلُوقٌ مِثلُهُ، فَلَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ خَالِقًا. وَلِذَلِكَ مَا أَعظَمَ مَا جَاءَ عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي القُرآنِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)﴾ [الشورى: 11]. هَذِهِ أَصرَحُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. شَمِلَت هَذِهِ الآيَةُ التَّنزِيهَ كُلَّهُ؛ فَاللهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ مِنَ الأَجسَامِ العُلُوِيَّةِ، وَلَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ مِنَ الأَجسَامِ السُّفلِيَّةِ. اللهُ لَيسَ جِسمًا كَالشَّمسِ، وَلَا جِسمًا كَالقَمَرِ، وَلَا جِسمًا كَالمَلَائِكَةِ؛ وَالمَلَائِكَةُ أَجسَامٌ لَطِيفَةٌ. وَلَا هُوَ جِسمًا كَالإِنسَانِ؛ وَالإِنسَانُ جِسمٌ كَثِيفٌ. فَذَاتُ اللهِ لَا تُشبِهُ ذَوَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَصِفَاتُ اللهِ لَا تُشبِهُ صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ.
فَإِذًا هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ فِيهَا الحَثُّ لَنَا عَلَى أَن نَتَفَكَّرَ فِي خَلقِ اللهِ، وَلَيسَ فِي ذَاتِ اللهِ. وَمِن عَظِيمِ فَوَائِدِ هَذَا التَّفَكُّرِ فِي المَخلُوقَاتِ، وَهُوَ مَطلُوبٌ مِنَّا، أَنَّ الفِكرَةَ تُذهِبُ الغَفلَةَ، وَتُحدِثُ لِلقَلبِ الخَشيَةَ. وَقَد قِيلَ: مَا جُلِّيَتِ القُلُوبُ بِمِثلِ الأَحزَانِ، وَلَا استَنَارَت بِمِثلِ الفِكرِ. فَهَذَا التَّفَكُّرُ يَحتَاجُهُ العَبدُ. فَإِذَا تَفَكَّرتَ فِي المَخلُوقِ وَصَلتَ إِلَى هَوَانِ هَذِهِ الدُّنيَا. فَلَو كَانَت هَذِهِ الدُّنيَا تَسَاوِي عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى الكَافِرَ مِنهَا جُرعَةَ مَاءٍ. لَكِنَّهَا لَا تَسَاوِي عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، بَل لَا أَتَكَلَّمُ عَن كُلِّ البَعُوضَةِ، بَل عَن جُزءٍ مِنَ البَعُوضَةِ.
فَالَّذِينَ يَعلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ، يَعلَمُونَ أَنَّ هَذَا الخَالِقَ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، وَأَنَّهُ مَالِكُ المُلْكِ، وَالرَّازِقُ الرَّزَّاقُ، الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَالَّذِي بِيَدِهِ سُبحَانَهُ وَحدَهُ الإِغنَاءُ وَالإِفقَارُ، وَالإِعزَازُ وَالإِذلَالُ، وَالإِحيَاءُ وَالإِمَاتَةُ، وَالشَّقَاءُ وَالسَّعَادَةُ. هَذَا كُلُّهُ لِلَّهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ [آل عمران: 26].
وَهُنَا إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ، أَعْنِي الآيَةَ الحَادِيَةَ وَالتِّسعِينَ وَالمِائَةَ، ابتدَاؤُهَا بِمَاذَا؟ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]. قُدِّمَ هَذَا لِحِكمَةٍ عَلَى ذِكرِ التَّفَكُّرِ؛ يَعنِي جَاءَ ذِكرُ الذِّكرِ أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَ بَعدَهُ ذِكرُ ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]. وَالإِمَامُ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: لَمَّا وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالذِّكرِ، وَثَبَتَ أَنَّ الذِّكرَ إِنَّمَا يَكمُلُ مَعَ الفِكرِ، أَي مَعَ خُشُوعِ القَلبِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَذكُرُ، وَهَذَا يَذكُرُ، لَكِنَّ الَّذِي يَذكُرُ وَقَلبُهُ حَاضِرٌ، يَستَحضِرُ، يَقُولُ: اللهُ اللهُ اللهُ، وَيَشهَدُ هَذَا بِقَلبِهِ، يَستَحضِرُهُ بِقَلبِهِ، يَكُونُ حَالُهُ أَكمَلَ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي بَعضِ التَّفَاسِيرِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: 191] إِنَّهُم يَجمَعُونَ بَينَ ذِكرِ اللِّسَانِ وَذِكرِ القَلبِ. وَمَا مَعنَى ذِكرِ القَلبِ؟ ذِكرُ القَلبِ لَيسَ مُجَرَّدَ أَن تَقُولَ بِقَلبِكَ: اللهُ اللهُ، بَل ذِكرُ القَلبِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّرسِ المَاضِي، مَعنَاهُ الخَوفُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ خَوفَ الإِجلَالِ وَالتَّعظِيمِ. فَالأَكمَلُ عِندَمَا تَذكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَن تَذكُرَهُ بِاللِّسَانِ مَعَ استِحضَارِ القَلبِ. وَهَذَا يَكُونُ الحَالُ فِيهِ عَلَى كَمَالٍ.
وَحَتَّى فِي الدُّعَاءِ، أَلَيسَ قَد تَقَدَّمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَستَجِيبُ دَعوَةَ صَاحِبِ قَلبٍ لَاهٍ؟ فَعِندَمَا أَدعُو يَنبَغِي أَن أَستَحضِرَ بِقَلبِي، لَا أَن يَكُونَ الدُّعَاءُ بِاللِّسَانِ فَقَط. وَعِندَمَا يَسأَلُكَ أَخُوكَ الدُّعَاءَ، حَاوِل أَن تَقِفَ، وَأَن تَتَمَهَّلَ، وَأَن تَرفَعَ يَدَكَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ يُذَكِّرُكَ أَنَّكَ الآنَ فِي مَقَامٍ سَوفَ تَدعُو فِيهِ اللهَ تَعَالَى. ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ، مَعَ استِحضَارِ القَلبِ، تَدعُو. وَلِذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي أَسرَارِ ذَلِكَ عَنِ الصَّالِحِينَ: مَن وَجَدَ لَحظَةَ حَلَاوَةٍ فِي العِبَادَةِ، فَليُعَجِّل بِالدُّعَاءِ، لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ لَهُ. فَأَنتَ فِي لَحظَةٍ مِنَ اللَّحظَاتِ قَد يَقَعُ فِي قَلبِكَ لَذَّةٌ فِي العِبَادَةِ؛ قَد تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَد تَكُونُ فِي الدَّرسِ، وَقَد تَكُونُ فِي خَلوَةِ اللَّيلِ وَأَنتَ تَتَفَكَّرُ فِي أَحوَالِ الدُّنيَا، وَتَقُولُ: اُنظُر، سُبحَانَ اللهِ، تَقَلُّبَاتُ الدُّنيَا! اُنظُر كَيفَ أَهلُنَا يُقَتَّلُونَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسطِينِ! اُنظُر إِلَى أَحوَالِ الأُمَّةِ! اُنظُر إِلَى أَحوَالِ المُسلِمِينَ! وَفِي المُقَابِلِ أُنَاسٌ كَأَنَّهُم لَا يُشَاهِدُونَ هَذَا. فَتَتَفَكَّرُ، ثُمَّ قَد تَجِدُ أَنَّهُ قَد وَقَعَ فِي قَلبِكَ لَذَّةٌ، فَإِذَا وَقَعَت هَذِهِ اللَّذَّةُ فِي قَلبِكَ، فَسَارِع إِلَى الدُّعَاءِ؛ لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ لَكَ.
فَإِذًا هَذَا التَّفَكُّرُ حَالٌ مِن أَحوَالِ الكَمَالِ. وَلِذَلِكَ فَمِنَ المُلَاحَظَاتِ اللَّطِيفَةِ جِدًّا، الَّتِي أَشَارَ إِلَيهَا الإِمَامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قَالَ: اِعلَم أَنَّهُ تَعَالَى رَغَّبَ فِي ذِكرِ اللهِ، فِي قَولِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: 191]، وَلَمَّا آلَ الأَمرُ إِلَى الفِكرِ، أَي إِلَى قَولِهِ: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]، لَم يُرَغِّب فِي الفِكرِ فِي اللهِ، بَل رَغَّبَ فِي الفِكرِ فِي أَحوَالِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ. وَمَعنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الأَمرُ بِالتَّفَكُّرِ، كَانَ الأَمرُ بِالتَّفَكُّرِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ، وَلَيسَ فِي ذَاتِ اللهِ. وَلِذَلِكَ أُكَرِّرُ قَولَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا: تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ. تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ. أَنتَ تَتَفَكَّرُ فِي خَلقِ اللهِ، فَيَدُلُّكَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن وُجُودِ خَالِقٍ عَظِيمٍ لِهَذِهِ المَخلُوقَاتِ. أَمَّا التَّفَكُّرُ فِي ذَاتِ اللهِ فَنَحنُ مَنهِيُّونَ عَنهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَكُّرُ فِي ذَاتِ اللهِ.
وَلِمَاذَا لَا يَجُوزُ؟ اِسمَع قَولَ الحَقِّ سُبحَانَهُ: ﴿لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (103)﴾ [الأنعام: 103]. أَي لَا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ؛ لِأَنَّ الخَالِقَ يَستَحِيلُ أَن يُحِيطَ بِهِ المَخلُوقُ. وَالمَخلُوقُ قَد يَتَصَوَّرُ مَخلُوقًا مِثلَهُ، مَعَ أَنَّهُ فِي أَشيَاءَ مِنَ المَخلُوقَاتِ نَحنُ قَد لَا نَتَصَوَّرُهَا، لَكِنَّا آمَنَّا بِهَا. أَمَّا الخَالِقُ، فَيَستَحِيلُ أَن يَتَصَوَّرَهُ هَذَا المَخلُوقُ. وَمَعرِفَةُ اللهِ لَيسَت بِالتَّصَوُّرِ، وَهَذِهِ مُهِمَّةٌ جِدًّا يَا إِخوَةُ. لَيسَ كَمَا يَقُولُ بَعضُ النَّاسِ: خَلُّونَا نَتَصَوَّرُ رَبَّ العَالَمِينَ مَعَ بَعضٍ! لَا يَجُوزُ. لَاحِظِ الآيَةَ: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191] فِي مَاذَا؟ لَيسَ فِي ذَاتِ اللهِ، بَل ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]؛ يَعنِي التَّفَكُّرَ فِي أَيِّ شَيءٍ؟ فِي المَخلُوقِ.
وَرَوَى أَبُو القَاسِمِ الأَنصَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا فِكرَةَ فِي الرَّبِّ». هَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا فِكرَةَ فِي الرَّبِّ»؛ يَعنِي لَا يَجُوزُ أَن تَتَفَكَّرَ فِي ذَاتِ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ أَن تَتَصَوَّرَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. عَقلُكَ، مَهمَا كَانَ، مَحدُودٌ، وَلَا يَتَصَوَّرُ إِلَّا مَحدُودًا.
وَالصِّدِّيقُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ وَأَرضَاهُ قَالَ: العَجزُ عَن دَرَكِ الإِدرَاكِ إِدرَاكٌ، وَالبَحثُ عَن ذَاتِهِ كُفرٌ وَإِشرَاكٌ. أُعِيدُ: العَجزُ عَن دَرَكِ الإِدرَاكِ إِدرَاكٌ. هَذَا هُوَ الإِيمَانُ، وَهَذِهِ هِيَ المَعرِفَةُ بِاللهِ كَمَا يَجِبُ. فَمَعرِفَتُنَا بِاللهِ لَيسَت عَلَى سَبِيلِ الإِحَاطَةِ، بَل مَعرِفَتُنَا بِاللهِ هِيَ الإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ. وَقَد قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: غَايَةُ المَعرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ. هَذَا أَقصَى مَا يَتَوَصَّلُ إِلَيهِ العَارِفُونَ، لَيسَ أَن يَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ. مَعنَى كَلَامِهِ: أَنَّ أَقصَى مَا يَصِلُ إِلَيهِ العَبدُ هُوَ أَن يَعتَقِدَ اعتِقَادًا جَازِمًا أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ، بِلَا جِهَةٍ، بِلَا مَكَانٍ، وَأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ. وَالإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَإِذًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191] مَعنَاهُ: التَّفَكُّرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ، وَلَيسَ التَّفَكُّرَ فِي ذَاتِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَهُنَا تُوجَدُ كَلِمَةٌ تَحتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، وَهِيَ كَلِمَةٌ عَن إِمَامٍ مِن أَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ، اسمُهُ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَكَانَ مِنَ العَارِفِينَ. اَنتَبِهُوا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ: مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: مَن عَرَفَ نَفسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ. وَسَيَأتِي بَيَانُ هَذَا. وَقَد وَجَدتُ عَدَدًا مِن كُتُبِ التَّفسِيرِ يَروِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ؛ يَعنِي مَرفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، لَكِن بِالتَّحقِيقِ بَعضُ الحُفَّاظِ قَالَ: هُوَ يُروَى، وَلَم يَصِحَّ، يُروَى وَلَم يَثبُت. فَإِذَا أَرَدتَ أَن تَنسِبَهُ، فَالأَولَى نِسبَتُهُ إِلَى هَذَا الإِمَامِ.
فَمَا مَعنَى هَذِهِ العِبَارَةِ؟ قَولُنَا: مَن عَرَفَ نَفسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ، بَيَانُهُ أَنَّا عِندَمَا نَقُولُ: الحَادِثَاتُ، يَعنِي المَخلُوقَاتِ. فَمَن عَرَفَ نَفسَهُ، يَعنِي بِالعَلَامَاتِ، عَرَفَ أَنَّ نَفسَهُ مَخلُوقَةٌ. أُعطِيكَ دَلِيلًا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مُتَغَيِّرٌ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مُتَغَيِّرٌ. كَم قَلبُهُ يَتَقَلَّبُ! كَم يَتَقَلَّبُ الوَاحِدُ مِنَّا! لَا يُحصِي ذَلِكَ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحيَانًا، عِندَمَا يَحلِفُ، يَقُولُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ». فَاللهُ يُقَلِّبُ القُلُوبَ، وَقَلبُ الإِنسَانِ لَا يَبقَى عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّنَا نَسمَعُ كَثِيرًا اليَومَ، وَخُصُوصًا مِن بَعضِ الشَّبَابِ، مَن يَقُولُ: أَشعُرُ بِكَآبَةٍ؟ تَأَمَّل، إِذًا هَذَا الإِنسَانُ يَتَغَيَّرُ؛ الآنَ هُوَ فِي اكتِئَابٍ، وَالآنَ هُوَ فِي حُزنٍ. وَاللهِ لَن تَجِدَ شَيئًا يُرِيحُكَ كَذِكرِ اللهِ تَعَالَى. هَذَا لَيسَ مِن عِندِي، بَل اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَلَا بِذِكرِ اللهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ (28)﴾ [الرعد: 28]. وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ هَذَا الذِّكرُ، كَمَا قَدَّمتُ فِي أَوَّلِ الآيَةِ، مَعَ الفِكرِ، فَقَد جَمَعَهُمَا اللهُ فِي قَولِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191].
فَإِذًا مَعنى قَولِهِم: مَن عَرَفَ نَفسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ، أَي عَرَفَ نَفسَهُ بِالحُدُوثِ؛ عَرَفَ نَفسَهُ بِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ، وَعَرَفَ نَفسَهُ بِأَنَّهُ مُصَوَّرٌ، مُرَكَّبٌ، جِسمٌ. فَإِذَا عَرَفَ نَفسَهُ بِذَلِكَ، وَتَفَكَّرَ فِيهِ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ نَفسِهِ، سِيَاقِ التَّفَكُّرِ فِي خَلقِ اللهِ، عَرَفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ لَا بِدَايَةَ لَهُ، أَبَدِيٌّ لَا نِهَايَةَ لَهُ. فَيَقُولُ: أَنَا مُتَغَيِّرٌ، أَمَّا خَالِقِي فَهُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، سُبحَانَ الَّذِي يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ.
وَمِن وَجهٍ آخَرَ فِي المَعنَى: مَن عَرَفَ نَفسَهُ بِالإِمكَانِ، عَرَفَ رَبَّهُ بِالوُجُوبِ. وَمَا مَعنَى ذَلِكَ؟ عَرَفَ نَفسَهُ أَنَّهُ مِن جُملَةِ المُمكِنَاتِ العَقلِيَّةِ. وَالعَالَمُ، كَمَا قُلْنَا، هُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ. وَالعَالَمُ فِي الحُكمِ العَقْلِيِّ يُسَمَّى جَائِزًا عَقْلِيًّا، وَيُسَمَّى مُمكِنًا عَقْلِيًّا؛ يَعنِي العَقلَ يَتَصَوَّرُ أَن يَكُونَ هَذَا الإِنسَانُ مَوجُودًا، أَو يَكُونَ لَيسَ مَوجُودًا، فَهُوَ لَيسَ وَاجِبَ الوُجُودِ، بَل هُوَ مُمكِنُ الوُجُودِ. فَعِندَمَا تَعرِفُ نَفسَكَ بِذَلِكَ، فَتَعلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَن تَعِيشَ اليَومَ، وَيَجُوزُ أَلَّا تَبقَى إِلَى الأَضحَى، وَيَجُوزُ عَقلًا أَن تَقَعَ مِنكَ الأُضحِيَةُ، وَيَجُوزُ أَلَّا تَقَعَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ المُمكِنَاتِ العَقلِيَّةِ، وَلَيسَ مِنَ المُستَحِيلِ. فَعِندَمَا تَعرِفُ نَفسَكَ بِذَلِكَ، تَعرِفُ أَنَّ وَاجِبَ الوُجُودِ هُوَ اللهُ، الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ عَدَمُهُ.
وَمِن وَجهٍ ثَالِثٍ: مَن عَرَفَ نَفسَهُ بِالحَاجَةِ، عَرَفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ غَنِيٌّ. فَكُلُّنَا إِلَى اللهِ فَقِيرٌ، وَلَا نَستَغنِي عَنِ اللهِ طَرفَةَ عَينٍ. أَحيَانًا قَد تُسرِعُ لِتَشرَبَ، فَتَشرَقُ فِي الشُّربِ، فَلَا تَستَغنِي عَنِ اللهِ. أَلَيسَ قَد قَالُوا: مَن غَصَّ دَاوَى بِشُربِ المَاءِ غُصَّتَهُ، فَكَيفَ يَصنَعُ مَن قَد غَصَّ بِالمَاءِ؟ أَنتَ لَا تَستَغنِي عَنِ اللهِ. أَحيَانًا، وَفَجأَةً، وَلَيسَ كَمَا حَصَلَ فِي أَزمِنَةِ الكُورُونَا فَقَط، بَل فَجأَةً، يَقُولُ الإِنسَانُ: صَارَ مَعِي تَسَارُعٌ كَبِيرٌ فِي نَبَضَاتِ القَلبِ. وَقَبلَ أَيَّامٍ نَشَرَ بَعضُهُم مَقطَعًا كَانُوا فِيهِ فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ، مَجمُوعَةٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الإِذَاعَاتِ، فَجأَةً سَقَطَ وَاحِدٌ مِنهُم، فَجأَةً مَاتَ. وَفَجأَةً تَجِدُ أَنَّ النَّفَسَ قَدِ انقَطَعَ، وَلَم يَعُد هُنَاكَ نَفَسٌ. وَفَجأَةً تَأتِي غَلبَةُ سُعَالٍ لَا تَعرِفُ، وَفَجأَةً يَلمَعُ عَلَيكَ صُدَاعٌ، وَكُلُّ هَذَا فِيهِ فِكرٌ.
سُبحَانَ اللهِ! وَجَدتُ لِبَعضِهِم مَن يَقُولُ لَكَ: اُنظُر إِلَى الصُّدَاعِ؛ إِذَا كُنتَ تَشعُرُ أَنَّهُ مِن أَعلَى الرَّأسِ، فَهَذِهِ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّكَ مَرِيضٌ بِكَذَا، وَإِن كَانَ هُنَا فَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّكَ مَرِيضٌ بِكَذَا، وَإِن كَانَ هُنَا فَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّكَ مَرِيضٌ بِكَذَا، مَثَلًا يَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ مَرِيضٌ بِالجُيُوبِ الأَنفِيَّةِ، وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ. فَجأَةً! هَذِهِ كُلُّهَا أَسقَامٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّنَا نَحنُ فِي مَاذَا؟ فِي افتِقَارٍ إِلَى اللهِ. نَحنُ فُقَرَاءُ إِلَى اللهِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ قُوَّتَنَا حَقًّا، كَمَا قَالَ الأَكَابِرُ: القَوِيُّ مَنِ استَقوَى بِاللهِ. فَلَا تَظُنَّ أَنَّ القُوَّةَ بِالعَضَلَاتِ، وَلَا بِالمَالِ؛ فَلَحظَةٌ وَاحِدَةٌ قَد تَفقِدُ فِيهَا كُلَّ المَالِ، وَلَا بِالصِّحَّةِ؛ فَكَم مِن إِنسَانٍ رَأَيتَهُ كَانَ يُعَدُّ مِنَ الأَقوِيَاءِ، نَادِرَةً مِثلُهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا بَينَ البَشَرِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ صَارَ ضَعِيفًا عَاجِزًا، يُقَادُ عَلَى الكُرسِيِّ. فَمَن عَرَفَ نَفسَهُ بِالحَاجَةِ، عَرَفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ غَنِيٌّ.
فَإِذًا هَذَا مَعنَى هَذِهِ العِبَارَةِ: مَن عَرَفَ نَفسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ. وَهِيَ تُفَسِّرُ لَنَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]؛ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُم لَمَّا تَفَكَّرُوا فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ، استَدَلُّوا عَلَى وُجُودِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وَعِندَهَا يَصِلُ هَذَا العَبدُ الَّذِي تَفَكَّرَ إِلَى أَن يَقُولَ: هَذَا العَالَمُ كُلُّهُ أَجسَامٌ وَصِفَاتٌ لِلأَجسَامِ، وَهَذِهِ الأَجسَامُ مُرَكَّبَةٌ مِن جَوَاهِرَ، وَهَذِهِ الجَوَاهِرُ كُلُّهَا يَجتَمِعُ بَعضُهَا مَعَ بَعضٍ، فَإِذَا صَارَ جَوهَرَانِ فَأَكثَرُ كَانَ جِسمًا. فَيَقُولُ: إِذًا، عِندَمَا نَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُقِرِّينَ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ، عَرَفنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن هَذِهِ المَخلُوقَاتِ.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191]، اُنظُر فِي هَذِهِ المَعَانِي. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191]؛ عَجَائِبُ وَدَلَائِلُ. وَفِي دَلَائِلِ التَّوحِيدِ يُوجَدُ دَلَائِلُ فِي الآفَاقِ، وَيُوجَدُ دَلَائِلُ فِي الأَنفُسِ. وَقَد تَسأَلُ: أَيُّهَا أَعظَمُ بِالنِّسبَةِ لِلنَّاظِرِ مِنَّا؟ دَلَائِلُ الآفَاقِ أَعظَمُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَخَلقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ أَكبَرُ مِن خَلقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ (57)﴾ [غافر: 57]. فَأَنتَ مَاذَا تَكُونُ؟ أَنتَ جِسمٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى هَذِهِ الأَرضِ، وَبِالنِّسبَةِ إِلَى هَذِهِ السَّمَاوَاتِ. بَل أَقُولُ لَكَ شَيئًا أَقوَى: أَقوَى خَلقِ اللهِ عَلَى الإِطلَاقِ هُمُ المَلَائِكَةُ؛ أَقوَى مِنَ الجِنِّ بِكَثِيرٍ، وَأَقوَى مِنَ الإِنسِ بِكَثِيرٍ. وَهُم لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ، وَلَا يَنَامُونَ، وَلَا يَتعَبُونَ، وَلَا يَتَوَالَدُونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ (6)﴾ [التحريم: 6]. وَالمَلَكُ الوَاحِدُ كَم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ! وَعَدَدُهُم أَكثَرُ مِن عَدَدِ البَشَرِ وَالجِنِّ بِكَثِيرٍ، بَل قَالُوا: أَكثَرُ عَدَدًا مِن أَورَاقِ الأَشجَارِ، وَرِمَالِ الصَّحرَاءِ. لَا يُحصِي عَدَدَ المَلَائِكَةِ إِلَّا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَخَلقُ السَّمَاوَاتِ، كَم هُوَ خَلقٌ عَظِيمٌ! السَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَاللهُ قَالَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)﴾ [الذاريات: 47]؛ أَي بِقُوَّةٍ وَقُدرَةٍ. السَّمَاءُ بِنَاءٌ، جِسمٌ كَبِيرٌ كَثِيفٌ، مَرفُوعٌ مِن غَيرِ أَعمِدَةٍ. لِمَاذَا لَا يَسقُطُ؟ الآنَ هَذَا المَسجِدُ، لَو أَزَلتَ نِصفَ الأَعمِدَةِ، أَو أَقَلَّ، قَد يَنهَدُّ البِنَاءُ. أَمَّا السَّمَاءُ فَقَد رَفَعَهَا اللهُ تَعَالَى مِن غَيرِ أَعمِدَةٍ، وَهِيَ مَسكَنٌ لِلمَلَائِكَةِ. فَعِندَمَا تَتَفَكَّرُ أَنتَ فِي هَذِهِ الدَّلَائِلِ، تَجِدُ أَنَّهَا دَلَائِلُ فِي الآفَاقِ، فِيهَا شَوَاهِدُ عَظِيمَةٌ.
خُذ مِثَالًا آخَرَ: لَو نَظَرتَ إِلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِن أَورَاقِ شَجَرَةٍ، وَرَأَيتَ عِرقًا مُمتَدًّا فِي وَسَطِهَا، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِن ذَلِكَ العِرقِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ إِلَى الجَانِبَينِ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنهَا عُرُوقٌ دَقِيقَةٌ، وَلَا يَزَالُ يَتَشَعَّبُ مِن كُلِّ عِرقٍ عُرُوقٌ أُخرَى، حَتَّى تَصِيرَ فِي الدِّقَّةِ بِحَيثُ لَا يَرَاهَا البَصَرُ. لَو نَظَرتَ فِي وَرَقَةِ النَّعنَاعِ، رَأَيتَ عُرُوقًا ثُمَّ تَتَشَعَّبُ، ثُمَّ تَتَشَعَّبُ، ثُمَّ هُنَاكَ عُرُوقٌ لَا تَرَاهَا. فَعِندَمَا تَنظُرُ أَنتَ وَتَتَأَمَّلُ فِي ذَلِكَ، تَقِفُ عَلَى أَسرَارٍ بَالِغَةٍ وَعَجَائِبَ، وَدَقَائِقَ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. بِقُدرَةِ اللهِ، كَيفَ يَصعَدُ المَاءُ مِنَ التُّرَابِ إِلَى فَوقُ! قَد تَسمَعُ تَحلِيلَاتٍ كَثِيرَةً، مِنَ الضَّغطِ الأُسمُوزِيِّ وَغَيرِهِ، وَقَد تَسمَعُ شَيئًا كَثِيرًا فِي هَذَا، لَكِن بِالنِّهَايَةِ، أَيًّا كَانَ التَّعبِيرُ العِلمِيُّ وَالتَّحلِيلُ، وَأَيًّا كَانَتِ النَّظَرِيَّاتُ الَّتِي تَتَكَلَّمُ عَنهُ، فَإِنَّكَ عِندَمَا تَتَفَكَّرُ فِي هَذَا تَستَدِلُّ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى وُجُودِ خَالِقٍ عَظِيمٍ.
أَنتَ يَجرِي فِيكَ الدَّمُ. اُنظُر إِلَى قَلبِكَ: أُذَينٌ أَيمَنُ، وَبُطَينٌ أَيمَنُ، وَأُذَينٌ أَيسَرُ، وَبُطَينٌ أَيسَرُ، وَشِريَانٌ، وَوَرِيدٌ، يَخرُجُ الدَّمُ، وَيَتَدَفَّقُ الدَّمُ، وَيَنتَشِرُ الدَّمُ؛ هَذَا يَذهَبُ إِلَى الدِّمَاغِ، وَهَذَا يَذهَبُ إِلَى هُنَا، وَهَذَا يَذهَبُ إِلَى هُنَا. وَتَأتِي هَذِهِ الدَّورَةُ، وَتَصِلُ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ: الخَلَايَا، ثُمَّ تَأخُذُ مَا تَأخُذُهُ مِن هَذَا الدَّمِ، إِن كَانَ مِن غِذَاءٍ، وَإِن كَانَ مِن أُكسُجِينٍ، وَغَيرِهِ، ثُمَّ تَرجِعُ بَعدَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا، عِندَمَا تَتَفَكَّرُ فِي هَذَا، وَتَتَفَكَّرُ فِي القَلبِ، وَفِي تِلكَ الخَلِيَّةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الآمِرَةَ، الَّتِي تُعطِي السَّيَلَانَاتِ العَصَبِيَّةَ لِلقَلبِ حَتَّى يَتَحَرَّكَ وَحَتَّى يَنبِضَ، فَإِذَا صَارَ خَلَلٌ فِي أَيِّ شَيءٍ مِن هَذَا، قِيلَ: عَدَمُ انتِظَامٍ فِي ضَرَبَاتِ القَلبِ، عِلَاجُهُ كَذَا، خَفَقَانٌ فِي القَلبِ، عِلَاجُهُ كَذَا، انسِدَادٌ فِي الشَّرَايِينِ، عِلَاجُهُ كَذَا، هَذَا بِحَاجَةٍ إِلَى قَسطَرَةٍ، وَهَذَا بِحَاجَةٍ إِلَى قَلبٍ مَفتُوحٍ، وَهَذَا بِحَاجَةٍ إِلَى كَذَا.
فَأَينَمَا ذَهَبتَ وَتَفَكَّرتَ؛ فِي الشَّمسِ، وَالقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَالبِحَارِ، وَالجِبَالِ، وَالمَعَادِنِ، وَالنَّبَاتِ، وَالحَيَوَانِ؛ وَحَتَّى فِي الحَدِيثِ: «إِذَا وَقَعَت ذُبَابَةٌ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم فَليَغمِسهَا، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيهَا الدَّاءَ وَفِي الآخَرِ دَوَاءً». لِذَلِكَ قَالُوا: هَذَا يُعفَى عَنهُ إِذَا وَقَعَت وَمَاتَت فِيهِ فِي المَاءِ أَو فِي الطَّعَامِ، تُعتَبَرُ نَجَاسَةً، لَكِنَّهَا مَعفُوٌّ عَنهَا. وَكَم فِي هَذَا مِن أَبحَاثٍ وَدِرَاسَاتٍ! لَكِنَّ الصَّادِقَ المَصدُوقَ ﷺ هُوَ الَّذِي أَخبَرَ عَن ذَلِكَ. فَإِذًا، كَيفَمَا تَوَجَّهتَ بِفِكرِكَ، مَاذَا تَجِدُ؟ تَجِدُ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَلِذَلِكَ قَالُوا: الفِكرَةُ تُذهِبُ الغَفلَةَ، وَتَجلِبُ لِلقَلبِ الخَشيَةَ، كَمَا يُنبِتُ المَاءُ الزَّرعَ. فَكَمَا أَنَّكَ تَصُبُّ المَاءَ عَلَى الزَّرعِ فَيَنبُتُ، فَإِنَّ قَلبَكَ يَنبَغِي أَن يَكُونَ غِذَاؤُهُ بِمَاذَا؟ بِالفِكرِ، وَبِالخَشيَةِ مِنَ اللهِ. وَهَذَا هُوَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 191].
﴿الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ (192)﴾ [آل عمران: 191-192]
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]
أَي: رَبَّنَا، مَا خَلَقتَ هَذَا بِغَيرِ حِكمَةٍ، بَل خَلَقتَهُ لِحِكمَةٍ عَظِيمَةٍ. فَاللهُ تَعَالَى لَم يَخلُق شَيئًا عَبَثًا. حَتَّى الذُّبَابُ، لَو جَاءَ وَاحِدٌ فَقَالَ لَكَ: مَا الحِكمَةُ مِن خَلقِ الذُّبَابِ؟ قِيلَ: قَد يَكُونُ هَذَا مِن جُملَةِ الِابتِلَاءِ؛ أَتَصبِرُ أَم لَا تَصبِرُ؟ وَقَد جَاءَ مَلِكٌ، وَكَانَ بِحَضرَةِ عَالِمٍ كَبِيرٍ مِن عُلَمَاءِ الإِسلَامِ، فَجَاءَت ذُبَابَةٌ عَلَى أَنفِ المَلِكِ، فَقَالَ هَذَا المَلِكُ لِلعَالِمِ: مَا الحِكمَةُ مِن خَلقِهَا؟ اُنظُر كَيفَ أَزعَجَتنَا! فَقَالَ لَهُ: مِن جُملَةِ الحِكَمِ أَن يَقهَرَ اللهُ بِهَا الجَبَابِرَةَ.
أَلَيسَ المَلِكُ النَّمرُودُ هُوَ الَّذِي تَحَدَّى سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ؟ ذَاتَ يَومٍ، لَمَّا أَقَامَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ الحُجَّةَ عَلَيهِ، قَالَ لَهُ: طَيِّبٌ، يَا إِبرَاهِيمُ، تَأتِينِي فِي الغَدِ أَنتَ بِجَيشِكَ، وَأَنَا بِجَيشِي. فَلَمَّا جَاءَ الغَدُ، جَاءَ المَلِكُ وَمَعَهُ جَيشٌ كَبِيرٌ مَلَأَ الأَرضَ، وَجَاءَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَحدَهُ. وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى قُوَّةِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى يَقِينِهِ. فَنَظَرَ النَّمرُودُ نَظرَةَ المُتَكَبِّرِ، وَقَالَ لَهُ: أَينَ جَيشُكَ؟ مَا مَعَكَ أَحَدٌ! اُنظُر أَنَا، هَذَا جَيشِي. وَالنَّمرُودُ كَانَ قَد حَكَمَ الأَرضَ. وَجِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَالمَلَائِكَةُ، هُوَ مَا كَانَ يَرَاهُم؛ إِذِ المَلَائِكَةُ قَد تَحضُرُ مَعَ الأَنبِيَاءِ، لَكِنَّ النَّصرَ هُنَا لَم يَكُن بِقِتَالِ المَلَائِكَةِ، بَل كَانَ بِشَيءٍ آخَرَ. فَبَعَثَ اللهُ ذُبَابًا، سَدَّ عَينَ الشَّمسِ؛ مِن كَثرَةِ الذُّبَابِ، وَقَد يُسَمِّيهِ بَعضُهُم ذُبَابًا، وَقَد يُسَمِّيهِ آخَرُونَ بَعُوضًا، لِكَثرَتِهِ، حَتَّى لَم يَعُد يُرَى ضَوءُ الشَّمسِ. ثُمَّ سَلَّطَ اللهُ تَعَالَى الذُّبَابَ عَلَى النَّمرُودِ وَجَيشِهِ، فَصَارَت كُلُّ ذُبَابَةٍ تَمضِي فِي طَرِيقِهَا، عَرَّفَهَا اللهُ طَرِيقَهَا إِلَى جُندِيٍّ، فَتُصِيبُهُ، فَيَخِرُّ مَيِّتًا. فَاللهُ تَعَالَى قَهَرَهُ بِهَذَا.
وَأَمَّا النَّمرُودُ نَفسُهُ، فَقَد دَخَلَت وَاحِدَةٌ فِي مَنخَرِهِ، وَلَكِن قَدَّرَ اللهُ أَلَّا يَمُوتَ فَورًا. فَيُقَالُ: مَكَثَت فِي مَنخَرِهِ أَربَعَمِائَةَ سَنَةٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ! أَربَعَمِائَةَ سَنَةٍ تُحدِثُ لَهُ صُدَاعًا عَجِيبًا، وَمِن شِدَّةِ الصُّدَاعِ يَطلُبُ مِن خَدَمِهِ: اِضرِبُونِي بِالنِّعَالِ عَلَى رَأسِي، اِضرِبُونِي بِالمَرَازِبِ، بِالشَّوَاكِيشِ، عَلَى رَأسِي، حَتَّى يَخِفَّ الصُّدَاعُ، حَتَّى أَهلَكَهُ اللهُ تَعَالَى.
فَإِذًا كُلُّ شَيءٍ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُ حِكمَةً. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ (56)﴾ [الذاريات: 56]، أَي: لِآمُرَهُم بِعِبَادَتِي. وَلَكِن لِمَاذَا؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37]. وَعِندَهَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ﴾ [البقرة: 155]، فَهَذَا ابتِلَاءٌ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. فَيُظهِرُ اللهُ تَعَالَى مَنِ الَّذِي يَصبِرُ، وَمَنِ الَّذِي لَا يَصبِرُ. فَاللهُ مَا خَلَقَ شَيئًا عَبَثًا.
فَهَذَا مَعنَى ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]، أَي: مَا خَلَقتَهُ عَبَثًا، وَمَا خَلَقتَهُ لِغَيرِ حِكمَةٍ، بَل مَا خَلَقتَهُ إِلَّا لِحِكمَةٍ. وَمَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى شَيئًا إِلَّا وَفِيهِ حِكمَةٌ، وَإِن لَم نَعقِلِ الحِكمَةَ فِي بَعضِ الأَشيَاءِ.
لِذَلِكَ اُذكُرُوا مَعِي هَذِهِ الآيَةَ؛ فَهِيَ جِدًّا مُهِمَّةٌ، خُصُوصًا فِي بَابِ إِثبَاتِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ (23)﴾ [الأنبياء: 23]. فَلَو جَاءَ وَاحِدٌ فَقَالَ لَكَ: أَمَا تَرَى الكُفَّارَ كَيفَ يَكِيدُونَ لِلمُسلِمِينَ، وَكَيفَ يَذبَحُونَ المُسلِمِينَ، وَيَقتُلُونَ المُسلِمِينَ؟ أَيَقُولُ لَكَ: هَذَا قَضَاءٌ وَقَدَرٌ؟ فَأَقُولُ: نَعَم، كُلُّهُ قَضَاءٌ وَقَدَرٌ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾ [القمر: 49]. وَلَا يَعنِي ذَلِكَ، إِذَا قُلنَا: بِقَدَرٍ، أَلَّا نَأخُذَ بِالأَسبَابِ. لَا يَعنِي أَنَّنَا، إِنِ استَطَعنَا أَن نُعِدَّ العُدَّةَ، لَا نُعِدُّهَا. بَل قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيلِ﴾ [الأنفال: 60]. فَإِذَا استَطَعنَا أَن نُعِدَّ وَأَن نُوَاجِهَ العَدُوَّ، فَهَذَا لَا يُعَارِضُ القَضَاءَ وَالقَدَرَ. أَي: خُذ بِالأَسبَابِ، وَهَذِهِ الأَسبَابُ، وَالأَخذُ بِالأَسبَابِ، هُوَ مِن جُملَةِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ. فَأَخذُكَ بِالأَسبَابِ هُوَ مِن جُملَةِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ. وَلَن يَكُونَ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ، وَلَن يَكُونَ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ. اللهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
فَنَحنُ نُؤمِنُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَلَكِنَّنَا لَا نَصِلُ إِلَى سِرِّهِ. وَهَذَا هُوَ الفَرقُ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمسِكُوا». فَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: كَيفَ نَقُولُ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ «إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمسِكُوا»، وَمِن جِهَةٍ أُخرَى نَقُولُ: إِنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرٍ؟ فَنَقُولُ: نَعَم، الوَاجِبُ عَلَينَا أَن نُؤمِنَ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ. وَمَعنى الإِيمَانِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ: أَن نُؤمِنَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِخَلقِ اللهِ، وَبِعِلمِ اللهِ، وَبِمَشِيئَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن. فَنَحنُ نُؤمِنُ بِهَذَا، وَنَعتَقِدُ بِهَذَا، وَإِلَى هُنَا. هَذَا أُمِرنَا بِهِ، وَلَو لَم نَعقِلِ الحِكمَةَ فِي بَعضِ الأَشيَاءِ. فَمَا الَّذِي نُهِينَا عَنِ الخَوضِ فِيهِ؟ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ لِمُحَاوَلَةِ الوُصُولِ إِلَى سِرِّ القَدَرِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَصِلُ إِلَى سِرِّ القَدَرِ.
وَلِذَلِكَ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجهَهُ، لَمَّا جَاءَهُ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ فِي أَمرِ القَدَرِ، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ: سِرُّ اللهِ، فَلَا تَتَكَلَّف. فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيهِ السَّائِلُ فِي السُّؤَالِ، قَالَ لَهُ: أَمَا إِن أَبَيتَ، فَإِنَّهُ أَمرٌ بَينَ أَمرَينِ. وَسَأَذكُرُ عِبَارَةً مُختَصَرَةً جِدًّا، لَكِن فِيهَا مُجَلَّدَاتٌ مِنَ الشَّرحِ. قَالَ: أَمَا إِن أَبَيتَ، فَإِنَّهُ أَمرٌ بَينَ أَمرَينِ، لَا جَبرَ وَلَا تَفوِيضَ. وَمَا مَعنَى: لَا جَبرَ وَلَا تَفوِيضَ؟ أَي: لَا نَقُولُ بِأَنَّ العَبدَ مَجبُورٌ عَلَى فِعلِهِ، كَالرِّيشَةِ فِي الهَوَاءِ، لَيسَ لَهُ مَشِيئَةٌ وَلَا اختِيَارٌ؛ فَلَا نَقُولُ بِمَذهَبِ الجَبرِيَّةِ. وَلَا نَقُولُ بِمَذهَبِ المُعتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ العَبدَ لَهُ مُطلَقُ التَّفوِيضِ، بِمَعنى أَنَّهُ يَخلُقُ فِعلَهُ. فَالمُعتَزِلَةُ القَدَرِيَّةُ مَاذَا يَقُولُونَ؟ يَقُولُونَ: العَبدُ يَخلُقُ فِعلَهُ. وَيَقُولُونَ أَيضًا: إِذَا حَصَلَ شَرٌّ مِنَ العَبدِ، فَهَذَا لَيسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ، بَل بِمَشِيئَةِ العَبدِ. وَيَقُولُونَ: اللهُ شَاءَ لَهُ غَيرَ هَذَا، لَكِن نَفَذَت مَشِيئَةُ العَبدِ! فَجَعَلُوا اللهَ تَعَالَى مَغلُوبًا، مَقهُورًا! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ﴾ [يوسف: 21].
فَسَيِّدُنَا عَلِيٌّ أَعطَى المَنهَجَ الوَسَطَ فِي القَضَاءِ وَالقَدَرِ. مَا هُوَ؟ قَالَ: أَمَا إِن أَبَيتَ فَإِنَّهُ أَمرٌ بَينَ أَمرَينِ، لَا جَبرَ وَلَا تَفوِيضَ. وَمَعنَى ذَلِكَ، بِعِبَارَةٍ سَهلَةٍ جِدًّا، وَيَا لَيتَهَا تَستَقِرُّ فِي نُفُوسِنَا: العَبدُ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ. وَلِهَذَا أَذكُرُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَم هُوَ مَشهُورٌ عِندَ النَّاسِ أَن يَأتِيَ أَحَدُهُم فَيَقُولَ لَكَ: يَا شَيخُ، الإِنسَانُ مُسَيَّرٌ أَم مُخَيَّرٌ؟ وَعَلَى المَعنَى الَّذِي يَذكُرُهُ هَؤُلَاءِ النَّاسُ، يَجعَلُونَهَا: إِمَّا هَذَا، وَإِمَّا هَذَا! وَهَذَا غَلَطٌ. فَكَأَنَّكَ تَقُولُ: إِمَّا أَنَّهُ مُسَيَّرٌ، وَإِمَّا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ. طَيِّبٌ، هُوَ الإِنسَانُ يُسَيِّرُهُ اللهُ، بِمَعنى يُمَكِّنُهُ مِنَ السَّيرِ. وَحِينَ تَقُولُ: مُخَيَّرٌ، فَمَعنَى كَلِمَةِ مُخَيَّرٍ أَنَّهُ بَينَ أَمرَينِ. فَكَأَنَّكَ إِذَا قُلتَ: إِن كَانَ الأَوَّلُ لَم يَكُنِ الثَّانِي، وَإِن كَانَ الثَّانِي لَم يَكُنِ الأَوَّلُ. وَلَيسَ الأَمرُ هَكَذَا. فَمَاذَا تَقُولُ إِذًا؟ مِن أَينَ سَتَأخُذُ الجَوَابَ؟ مِنَ القُرآنِ. مَاذَا جَاءَ فِي القُرآنِ؟ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ (29)﴾ [التكوير: 29]. فَمَاذَا مَعنَى ذَلِكَ؟ لَكُم مَشِيئَةٌ، وَلَكُم اختِيَارٌ، لَكِن لَا مَشِيئَةَ نَافِذَةً لَكُم، وَلَا اختِيَارَ لَكُم، إِلَّا بِمَا شَاءَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُم، وَبِمَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُم.
ثُمَّ إِنَّ بَعضَ النَّاسِ يَصِلُ إِلَى نُقطَةٍ يُثِيرُونَهَا، وَسَأَذكُرُ لَكُم أَينَ يَثِيرُونَهَا تَحدِيدًا. أَمَا تَسمَعُونَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَن صَارَ يَتَكَلَّمُ بِإِنكَارِ عَذَابِ القَبرِ؟ بَلَى، صَارُوا يَتَجَرَّؤُونَ عَلَى إِنكَارِ عَذَابِ القَبرِ. وَقَد قَالَ بَعضُهُم: كَيفَ يُوجَدُ عَذَابُ قَبرٍ، وَالقِيَامَةُ لَم تَقُم؟ تَأَثَّرُوا بِبَعضِ مَن يَتَكَلَّمُ، وَلَا أُرِيدُ ذِكرَ أَسمَائِهِم، عَلَى مَوَاقِعِ مَا يُسَمَّى التَّوَاصُلَ، وَأَسمَاؤُهُم لَامِعَةٌ. فَمَاذَا يَقُولُونَ بِزَعمِهِم؟ يَقُولُ لَكَ: كَيفَ يَكُونُ عَذَابٌ فِي القَبرِ، وَالقِيَامَةُ لَم تَقُم، وَيَومُ الحِسَابِ لَم يَأتِ؟ ثُمَّ يَقُولُ، عَلَى زَعمِهِ: إِنَّ هَذَا يَكُونُ ظُلمًا مِنَ اللهِ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ عَذَابُ قَبرٍ!
فَأَقُولُ لَهُم: غَيرَ أَنَّ فِي القُرآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَذَابِ القَبرِ، وَفِي الحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ حَدِيثِ آحَادٍ، وَفِي الإِجمَاعِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ؛ أَقُولُ لَهُم أَيضًا فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبهَةِ: النَّمرُودُ الَّذِي ذَكَرتُهُ لَكُم، أَينَ كَانَ إِهلَاكُهُ؟ أَفِي الدُّنيَا أَم فِي الآخِرَةِ؟ وَفِرعَونُ، لَمَّا أَغرَقَهُ اللهُ، أَينَ كَانَ ذَلِكَ؟ أَفِي الدُّنيَا أَم فِي القَبرِ؟ وَقَومُ نُوحٍ، لَمَّا أَرسَلَ اللهُ الطُّوفَانَ عَلَيهِم، أَينَ كَانُوا؟ فَهَل تَعجِيلُ العُقُوبَةِ لِلكَافِرِ فِي الدُّنيَا يُنَافِي عَدلَ اللهِ تَعَالَى؟ لَا. فَلِذَلِكَ مُهِمٌّ جِدًّا فِي بَابِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ فَهمُ مَعنى الآيَةِ: ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ (23)﴾ [الأنبياء: 23]. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ، لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم لَكَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم».
فَلَاحِظُوا هُنَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ، فِي الحَقِيقَةِ، تُعطِينَا أَصلًا صَحِيحًا. فَنَحنُ فِي مَقَامٍ مَعَ هَذِهِ الآيَاتِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، وَقَد قَدَّمنَا أَنَّهُ يُروَى عَن سَيِّدِنَا عُثمَانَ أَنَّ مَن قَرَأَهَا فِي لَيلَةٍ كُتِبَ فِي جُملَةِ مَن قَامَ تِلكَ اللَّيلَةَ. وَنَحنُ، فِي الحَقِيقَةِ، نَفقِدُ خَيرَاتٍ عَظِيمَةً جِدًّا؛ فَإِنَّ الوَاحِدَ مِنَّا يَنبَغِي أَن يَقُومَ، وَأَن يَستَيقِظَ فِي اللَّيلِ، أَو حَتَّى لَيسَ شَرطًا أَن يَكُونَ قَد نَامَ، بَل قَبلَ أَن تَنَامَ، كَمَا أَنَّ الوَاحِدَ مِنَّا يَقرَأُ سُورَةَ المُلكِ، فَكَذَلِكَ يَنبَغِي أَن يَقرَأَ الآيَاتِ الأَخِيرَةَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، مِن قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: 190]؛ فَإِنَّ فَضلَهَا عَظِيمٌ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَافِظُ عَلَيهَا إِذَا استَيقَظَ فِي اللَّيلِ، وَهِيَ تُعِينُ عَلَى صَرفِ النُّعَاسِ، فَتُعِينُكَ عَلَى أَن تَقُومَ فِي اللَّيلِ.
فَبِهَذِهِ المَعَانِي وَالأَسرَارِ تَأمَّل هَذِهِ الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]. مَعنَاهُ: يَا رَبِّ، مَا خَلَقتَهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنَ الأَرضِ، وَمِنَ المَخلُوقَاتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَكَ حِكمَةٌ فِيهِ. فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ، مُنَزَّهٌ سُبحَانَهُ عَنِ السَّفَهِ، وَاللهُ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ (23)﴾ [الأنبياء: 23]. فَإِذًا أَنتَ فِي القَدَرِ تَصِلُ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تُسَلِّمُ. وَلَيسَ مَعنَى هَذَا أَنَّكَ تُعَطِّلُ عَقلَكَ. فَبَعضُهُم، إِذَا قُلتَ لَهُ: لَا تَتَكَلَّف لِلوُصُولِ إِلَى سِرِّ القَدَرِ، قَالَ لَكَ: يَعنِي نُعَطِّلُ العَقلَ؟ فَأَقُولُ لَهُ: بَل أَنَا أَستَعمِلُ عَقلِي حَتَّى أَصِلَ إِلَى مَرحَلَةٍ أَنِّي آمَنتُ بِمَا جَاءَ، وَصَدَّقتُ، وَكَانَ الِاستِدلَالُ بِهَذِهِ الآيَاتِ، وَبِمَا جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ، وَبِمَا جَاءَ فِي القُرآنِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِنَستَدِلَّ بِهِ عَلَى خَالِقٍ عَظِيمٍ، هُوَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثُمَّ اُنظُر أَيضًا إِلَى قَولِهِ بَعدَ ذَلِكَ: ﴿سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]. فَهِيَ هُنَا بَعدَ هَذَا المَوضِعِ مَعنَاهَا: يَا رَبِّ، أَنَا أُنَزِّهُكَ عَنِ السَّفَهِ، يَا رَبِّ، أَنَا أُنَزِّهُكَ عَنِ النَّقصِ، يَا رَبِّ، أَنَا أُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِكَ. ﴿سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]، سُبحَانَ اللهِ! وَلِذَلِكَ فَمِن عَظِيمِ مَعنى سُبحَانَ اللهِ: أُنَزِّهُ اللهَ. وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ سُبحَانَهُ، وَكُلَّ مَا خَلَقَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُوَ عَلَى الحِكمَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ.
وَلِهَذَا، فَمَرجِعُنَا أَصلًا فِي إِثبَاتِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ مِنَ القُرآنِ. وَزِد عَلَى ذَلِكَ هَاتَينِ الآيَتَينِ الجِدًّا مُهِمَّتَينِ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾ [القمر: 49]، وَالثَّانِيَةُ: ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ (23)﴾ [الأنبياء: 23]. فَإِذًا أَنتَ لَا تَسأَلُ رَبَّ العَالَمِينَ، فَتَقُولُ: يَا رَبَّنَا، لِمَاذَا فَعَلتَ هَكَذَا؟ فَبَعضُ النَّاسِ، إِذَا حَصَلَت مُصِيبَةٌ، عَلَى زَعمِهِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا مَاذَا فَعَلتُ حَتَّى تَفعَلَ بِي هَكَذَا؟ لَا تَقُل هَذَا. اللهُ تَعَالَى حَكِيمٌ. حَتَّى لَوِ ابتَلَاكَ اللهُ تَعَالَى؛ أَسأَلُكُم: مَن هُم أَعظَمُ الخَلقِ وَأَفضَلُ الخَلقِ؟ الأَنبِيَاءُ. وَمَن هُم أَكثَرُ النَّاسِ بَلَاءً؟ الأَنبِيَاءُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». فَإِذًا إِذَا سَأَلتَ عَنِ الحِكمَةِ: لِمَاذَا يُبتَلَى نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ؟ فَالجَوَابُ: رِفعَةٌ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَلِذَلِكَ أَنتَ تَقُولُ: مَا مِن شَيءٍ خُلِقَ هَكَذَا عَبَثًا. بَل أَقُولُ لَكَ شَيئًا: فِي أَجسَادِنَا خُلِقَتِ المُتَضَادَّاتُ. نَعَم، فِي أَجسَادِنَا المُتَضَادَّاتُ. وَخَلقُ المُتَضَادَّاتِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى. أَقُولُ لَكَ شَيئًا: المَاءُ يَجرِي فِي دَاخِلِ النَّبَاتِ، أَلَيسَ يُوجَدُ نَوعٌ مِنَ النَّبَاتِ تَأخُذُهُ، مَعَ أَنَّ المَاءَ مَوجُودٌ فِي دَاخِلِهِ، فَتَضرِبُ الأَغصَانَ بَعضَهَا بِبَعضٍ، فَتَخرُجُ مِنهَا نَارٌ بِقَدحِ نَارٍ؟ وَكَذَلِكَ فِينَا نَحنُ، بَعضُ أَعضَائِنَا أَميلُ إِلَى البُرُودَةِ، وَبَعضُهَا أَميلُ إِلَى الحَرَارَةِ، وَبَعضُهَا أَميلُ إِلَى الرُّطُوبَةِ، وَبَعضُهَا أَميلُ إِلَى اليُبُوسَةِ. فَاللهُ خَلَقَ الدَّاءَ، وَخَلَقَ الدَّوَاءَ. وَقَد ضَرَبتُ لَكُم مِثَالًا بِالذُّبَابَةِ الَّتِي كُنَّا نَذكُرُهَا فِي أَوَّلِ الدَّرسِ: «إِذَا وَقَعَتِ الذُّبَابَةُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم فَليَغمِسهَا، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيهَا الدَّاءَ، وَفِي الآخَرِ دَوَاءً». فَهَذِهِ مُتَضَادَّاتٌ.
وَشَيءٌ آخَرُ: اللَّسعُ، لَسعَةُ النَّحلِ، لَسعٌ، لَامٌ، سِينٌ، عَينٌ. مَا عِلَاجُ اللَّسعِ؟ اِقلِب كَلِمَةَ لَسعٍ؛ أَي: لَامٌ، سِينٌ، عَينٌ، فَتَصِيرُ: عَينٌ، سِينٌ، لَامٌ، عَسَلٌ. فَالعَسَلُ شِفَاءٌ وَدَوَاءٌ لِلسعِ. فَاللهُ تَعَالَى خَلَقَ الدَّاءَ، وَخَلَقَ الدَّوَاءَ. فَإِذًا خَلقُ المُتَضَادَّاتِ، أَي فِي المَخلُوقَاتِ، دَلِيلٌ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى كَمَالِ قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَلِذَلِكَ نَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ﴾ [آل عمران: 191]، أَي: لَيسَ عَبَثًا، وَلَا لَهوًا. وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا، إِذَا ذَكَرُوا هَذِهِ الآيَاتِ، وَرَأَوا المَأمُورَاتِ وَالمَنهِيَّاتِ، وَأَوامِرَ اللهِ وَنَوَاهِيَهُ، وَنَظَرُوا فِي هَذِهِ المَخلُوقَاتِ، فَكَأَنَّهُم يَقُولُونَ: سُبحَانَ اللهِ! نُنَزِّهُكَ يَا رَبَّنَا مِن أَن تَفعَلَ شَيئًا عَبَثًا، بَل خَلَقتَ مَا خَلَقتَ لِمَا أَرَدتَ، وَلِمَا عَلِمتَ. وَكَمَا أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا سُبحَانَكَ لَا عِلمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا﴾ [البقرة: 32]. فَمَا لَنَا مِن عِلمٍ.
وَاللهِ يَا إِخوَانِي، إِلَى اليَومِ نَتَعَلَّمُ، وَإِلَى اليَومِ نَسمَعُ أَشيَاءَ مَا كُنَّا قَد سَمِعنَاهَا فِي حَيَاتِنَا. إِلَى اليَومِ نَسمَعُ أُمُورًا مَا مَرَّت عَلَينَا مِن قَبلُ. كُنتُ فِي أَحَدِ المَجَالِسِ أَشرَحُ سُورَةَ الكَهفِ، فَلَمَّا ذَكَرتُ مَجمَعَ البَحرَينِ فِي سُورَةِ الكَهفِ، كَم مِنَ النَّاسِ لَا يَعرِفُ أَينَ مَجمَعُ البَحرَينِ! ثُمَّ عِندَمَا تَنظُرُ فِيمَا قَالَهُ العُلَمَاءُ، فِي أَقوَالِهِم، تَجِدُ أَنَّهُم تَكَلَّمُوا كَلَامًا طَوِيلًا جِدًّا، وَوَصَفُوا وَصفًا دَقِيقًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ لَهُ دَلِيلُهُ، وَلَهُ مُستَنَدُهُ. وَكَم مِنَ النَّاسِ عَاشَ وَمَا وَصَلَ إِلَى هَذَا المَعنَى، وَلَا وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الأَسرَارِ. وَرُبَّمَا بَعضُ النَّاسِ، لَمَّا سَمِعَ عَنِ الأَسرَارِ الَّتِي فِي العَشرِ الآيَاتِ الأَخِيرَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، قَالَ: أَنَا أَينَ كُنتُ كُلَّ هَذِهِ الفَترَةِ؟ أَي: فِي اللَّيلِ، كُنتُ أُفَوِّتُ، وَلَم أَكُن أَقرَأُ هَذِهِ الآيَاتِ، مَعَ أَنَّ ثَوَابَهَا أَنِّي، إِن شَاءَ اللهُ، أُكتَبُ فِي جُملَةِ مَن قَامَ تِلكَ اللَّيلَةَ. فَالإِنسَانُ إِلَى اليَومِ، إِلَى اليَومِ يَتَعَلَّمُ، وَتَمُرُّ عَلَيهِ أَشيَاءُ لَم تَكُن قَد مَرَّت عَلَيهِ مِن قَبلُ. وَلِذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ».
وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ شَيءٌ، فَالعُلَمَاءُ يَذُكُرُونَ كَلِمَةً. وَهَذِهِ الكَلِمَةُ، بِالمُنَاسَبَةِ، استَعمَلُوهَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَن يُنكِرُ عَذَابَ القَبرِ. كَيفَ؟ أَذكُرُهَا بِعُجَالَةٍ: بَعضُ مَن يُنكِرُ عَذَابَ القَبرِ يَقُولُ لَكَ: نَحنُ مَا شُفنَا. يَقُولُ: نَحنُ مَا شَهِدنَا عَذَابَ القَبرِ، فَكَيفَ نُؤمِنُ بِهِ؟ فَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: عَدَمُ الوِجدَانِ لَا يَستَلزِمُ العَدَمَ. أَي: إِذَا أَنَا لَم أَعرِف شَيئًا، أَو لَم أَشعُر بِشَيءٍ، أَو لَم أَرَ شَيئًا، فَهَل مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَعدُومٌ؟ لَا.
وَأَتَذَكَّرُ أَنَّ أُستَاذَ مَدرَسَةٍ، وَكَانَ مُلحِدًا، كَانَ يُدَرِّسُ الطُّلَّابَ، فَقَالَ لَهُم: لَا يُوجَدُ إِلَهٌ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَمَا دَلِيلُهُ، عَلَى زَعمِهِ؟ قَالَ: لَو كَانَ مَوجُودًا لَرَأَينَاهُ. فَإِذًا، بِمَا أَنَّنَا لَم نَرَهُ، فَهُوَ لَيسَ بِمَوجُودٍ! فَأَنكَرَ وُجُودَ اللهِ. فَقَامَ طِفلٌ صَغِيرٌ، طَالِبٌ صَغِيرٌ، وَقَالَ لَهُ: يَا أُستَاذُ! قَالَ: نَعَم. قَالَ: أَذكُرُ شَيئًا؟ قَالَ: نَعَم، اُذكُر. قَالَ: يَا أُستَاذُ، أَنتَ قُلتَ: إِنَّ الشَّيءَ إِذَا كُنَّا لَا نَرَاهُ فَهُوَ لَيسَ مَوجُودًا. إِذًا أَنتَ مَا فِيكَ عَقلٌ! قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَنَّنَا لَا نَرَى عَقلَكَ! فَهَل لَمَّا كُنَّا لَا نَرَى عَقلَهُ يَعنِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا عَقلَ لَهُ؟ هَذَا مَعنَى العِبَارَةِ: عَدَمُ الوِجدَانِ لَا يَستَلزِمُ العَدَمَ.
يَعنِي قُل لِمَن يَدَّعِي فِي العِلمِ مَعرِفَةً: عَلِمتَ شَيئًا، وَغَابَت عَنكَ أَشيَاءُ. وَمَرَّةً كُنتُ أَقرَأُ، فَوَجَدتُ فِي حَيَوَانٍ يُقَالُ لَهُ: السَّمَندَلُ، ذَكَرَهُ الشُّعَرَاءُ فِي بِلَادِ الأَندَلُسِ، وَذَكَرُوهُ، بِالمُنَاسَبَةِ، فِي بَابِ القَدَرِ؛ كَيفَ أَنَّ هُنَاكَ أَشيَاءَ هِيَ أَسبَابٌ، وَلَكِنَّهَا لَيسَت خَالِقَةً. قَالُوا:
دَعِ الفَخَارَ لِذِي الكِبرِيَاءِ وَالجَبَرُوتِ
نَسجُ دَاوُدَ لَم يُفِد لَيلَةَ الغَارِ
وَكَانَ الفَخَارُ لِلعَنكَبُوتِ
وَبَقَاءُ السَّمَندِ فِي لَهَبِ النَّارِ
مُزِيلٌ فَضِيلَةَ اليَاقُوتِ
وَأَينَ الشَّاهِدُ؟ قَالُوا: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ لَيسَت خَالِقَةً. فَالنَّارُ سَبَبٌ لِلإِحرَاقِ، لَكِن لَيسَ شَرطًا أَن يَحتَرِقَ كُلُّ شَيءٍ يَمُرُّ عَلَى النَّارِ. وَالدَّلِيلُ: السَّمَندَلُ. وَبَعضُهُم يُسَمِّيهِ السَّمَندَ، وَبَعضُهُم يُسَمِّيهِ السَّمَندَلَ. وَبَعضُهُم يَقُولُ: هُوَ مِنَ البَرمَائِيَّاتِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: يُوجَدُ فِي نَوَاحِي الصِّينِ. وَهُوَ عَجِيبٌ، وَإِذَا قَرَأتَ عَنهُ وَجَدتَ أُمُورًا عَجِيبَةً. وَأَغلَبُ النَّاسِ لَا يَعرِفُونَ عَنهُ. فَلَو جَاءَ وَاحِدٌ، فَقَالَ لَكَ: اِسمَع، هُنَاكَ حَيَوَانٌ مَوجُودٌ، هَذَا الحَيَوَانُ مِن أَسرَارِهِ أَنَّهُم إِذَا أَرَادُوا تَنظِيفَهُ وَضَعُوهُ فِي النَّارِ، فَيَتنَظَّفُ وَيَخرُجُ، وَيُؤخَذُ مِنهُ شَيءٌ فَيُمسَحُ بِهِ عَلَى الرَّاحَةِ، فَيَنبُتُ الشَّعَرُ فَورًا مِن مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَا أَدوِيَةَ، وَلَا مُقَوِّيَ شَعرٍ، وَلَا زِرَاعَةَ شَعرٍ! وَإِذَا أُخِذَ مِنهُ شَيءٌ، صَارَ عِندَكَ حَافِظَةٌ عَجِيبَةٌ، وَذَاكِرَةٌ عَجِيبَةٌ. فَيَأتِي وَاحِدٌ فَيَقُولُ: لَا يَا أَخِي، أَنَا لَا أُصَدِّقُ، أَنَا مَا عُمُرِي شُفتُ شَيئًا مِثلَ هَذَا! فَهَل إِذَا نَحنُ لَم نُشَاهِد مِثلَ هَذَا يَعنِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيسَ مَوجُودًا؟ لَا. فَإِذًا كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ لِحِكمَةٍ.
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
لَاحِظُوا: فِي وَصفِ هَؤُلَاءِ، مَعَ أَنَّهُم مِنَ الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ فِي كُلِّ أَحوَالِهِم، وَيَتَفَكَّرُونَ، وَيَدعُونَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، مَعَ ذَلِكَ مَاذَا مِن شَأنِهِم؟ أَنَّهُم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُم بِهَذَا الوَصفِ مِن أَكثَرِ النَّاسِ خَشيَةً وَخَوفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَكُلَّمَا كَانَ الإِنسَانُ قَلبُهُ يَتَفَكَّرُ، وَيَتَدَبَّرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَتَذَكَّرُ الآخِرَةَ، وَكُلَّمَا كَانَ هَذَا الإِنسَانُ مُكثِرًا مِن ذِكرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهَذَا، عِندَمَا يَدعُو، يَكُونُ دُعَاؤُهُ خَالِصًا، وَقَلبُهُ يَكُونُ مُخلِصًا، وَقَلبُهُ صَافِيًا.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾ [آل عمران: 192]
أَي: يَا رَبِّ، نَدعُوكَ أَن تُجِيرَنَا، وَأَن تَحفَظَنَا مِن عَذَابِ النَّارِ. ثُمَّ يَدعُونَ: يَا اللهُ، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾ [آل عمران: 192]، أَي: خِزيُ الَّذِي يَدخُلُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ هُوَ خِزيٌ عَظِيمٌ. يَا رَبِّ، لَا تُدخِلنَا النَّارَ. فَهَكَذَا مِن دُعَائِهِم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾ [آل عمران: 192].
وَهُنَا: مَا مَعنَى ﴿مَن تُدخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: 192]؟ قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: المُرَادُ عَلَى وَجهِ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ. وَالخُلُودُ الأَبَدِيُّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِمَن يَكُونُ؟ لِلكُفَّارِ. وَقَالُوا: الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّفسِيرِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]، أَي: مَا لَهُم أَعوَانٌ، وَلَا شُفَعَاءُ. فَبَعضُهُم قَالَ: هَذَا هُوَ المَعنَى، أَي: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾ [آل عمران: 192] عَلَى مَعنَى: مَن تُدخِلِ النَّارَ عَلَى وَجهِ التَّأبِيدِ وَالخُلُودِ.
لَكِن فَرِيقًا آخَرَ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ قَالُوا: المَعنَى لَيسَ هَكَذَا فَقَط، بَل ﴿مَن تُدخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: 192] يَشمَلُ هَذَا الكَافِرَ الأَصلِيَّ، الَّذِي يَكُونُ مُؤَبَّدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَشمَلُ المُسلِمَ العَاصِيَ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ، الَّذِي مَاتَ مِن غَيرِ تَوبَةٍ، وَشَاءَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَن يُعَذِّبَهُ فِي النَّارِ. لِأَنَّ مَنَ الَّذِي يَدخُلُ النَّارَ؟ الَّذِي يَدخُلُ النَّارَ هُمُ الكُفَّارُ، لَكِن عَلَى وَجهِ التَّأبِيدِ وَالخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَلَكِن يَدخُلُ النَّارَ أَيضًا بَعضُ المُسلِمِينَ العُصَاةِ؛ كَمَن كَانَ يَأكُلُ مَالَ اليَتِيمِ، أَو يَقطَعُ الرَّحِمَ، أَو يَترُكُ الصَّلَاةَ، أَو يَزنِي، أَو يَشرَبُ الخَمرَ، وَغَيرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ مُؤمِنٌ، مَا كَانَ كَفَرَ. فَهَذَا إِذَا مَاتَ وَلَم يَتُب إِلَى اللهِ، فَمَا حَالُهُ؟ العُلَمَاءُ يَقُولُونَ: هَذَا تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ.
وَمَا مَعنَى: تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ؟ نَحنُ نَتَكَلَّمُ الآنَ عَمَّن لَيسَ كَافِرًا. أَمَّا الكَافِرُ فَمُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]. أَمَّا المُسلِمُ العَاصِي مِن أَهلِ الكَبَائِرِ، فَأَلَيسَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ، وَالحَدِيثُ فِي البُخَارِيِّ: «يَخرُجُ قَومٌ مِنَ النَّارِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ»؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ أَيضًا: «شَفَاعَتِي لِأَهلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِي». أَي: تُوجَدُ شَفَاعَةُ إِنقَاذٍ مِنَ العَذَابِ. يَعنِي: يُوجَدُ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ مَن يَشفَعُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَيَعفُوَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم، وَلَا يُدخِلُهُمُ النَّارَ. وَهَذِهِ تُسَمَّى: شَفَاعَةَ إِنقَاذٍ. وَيُوجَدُ شَفَاعَةٌ أُخرَى تُسَمَّى: شَفَاعَةَ تَخفِيفٍ؛ أَي: يَدخُلُونَ النَّارَ مِنَ المُسلِمِينَ العُصَاةِ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ، وَبِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَخرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَبلَ أَن تَمضِيَ عَلَيهِمُ المُدَّةُ. فَإِذًا يَشمَلُ هَذَا، وَيَشمَلُ هَذَا.
فَقَالُوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾ [آل عمران: 191-192] يَشمَلُ الِاثنَينِ؛ يَشمَلُ الكَافِرَ، وَيَشمَلُ العَاصِيَ مِنَ المُسلِمِينَ الَّذِي شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَن يَدخُلَ النَّارَ وَأَن يُعَذَّبَ فِيهَا إِلَى مُدَّةٍ مِنَ الوَقتِ. لَكِن هُنَا قَالُوا: الخِزيُ دَرَجَاتٌ. فَالخِزيُ دَرَجَاتٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِخزَاءُ المُؤمِنِ، أَي العَاصِي مِن أَهلِ الكَبَائِرِ، تَأدِيبُهُ، وَإِنَّ فَوقَ ذَلِكَ لَخِزيًا. أَي: هُوَ أَخَذَ حِصَّتَهُ، وَدَخَلَ النَّارَ وَلَو لِفَترَةٍ، وَلَو غَمسَةً، فَإِنَّ فِي هَذَا عَذَابًا، لَكِن فَوقَ ذَلِكَ خِزيٌ أَعظَمُ، لِمَن؟ لِلكَافِرِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الكَافِرَ مُؤَبَّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
وَلِذَلِكَ، تَذَكَّرُوا، وَنَختِمُ بِهَذَا المَوضِعِ، إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى: لَا يَزُولُ مُسَمَّى الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ عَنِ المُسلِمِ إِلَّا بِالكُفرِ، إِلَّا بِالرِّدَّةِ. لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ المَعصِيَةِ. يَعنِي: قَد يَقَعُ وَاحِدٌ مِنَ المُسلِمِينَ فِي كَذبَةٍ، أَو فِي غِيبَةٍ، وَمَن يَسلَمُ مِن هَذَا إِلَّا النَّادِرُ، إِلَّا مَن رَحِمَ اللهُ؟ فَلَا نَقُولُ لَهُ: أَنتَ كَفَرتَ. لَو وَقَعَ فِي مَعصِيَةٍ، فَكَلِمَةُ كَافِرٍ كَلِمَةٌ كَبِيرَةٌ. أَن تَقُولَ: هَذَا كُفرٌ، وَتَقُولَ: هَذَا كَافِرٌ، لَا بُدَّ أَن يَكُونَ قَد رَجَعَ إِلَى أَصلِ الدِّينِ، وَأَن يَكُونَ فِي الدِّينِ مَا يَحكُمُ عَلَيهِ بِأَنَّهُ كُفرٌ. فَمَنِ الَّذِي يَكفُرُ؟ مَثَلًا: إِذَا استَحَلَّ المَعصِيَةَ، أَو أَشرَكَ بِاللهِ، أَو كَفَرَ بِاللهِ بِالقَولِ، كَمَسَبَّةِ اللهِ، أَو مَسَبَّةِ دِينِ الإِسلَامِ، أَو مَسَبَّةِ المَلَائِكَةِ، أَو كَفَرَ بِالفِعلِ، كَأَن رَمَى المُصحَفَ فِي القَاذُورَاتِ، أَو كَفَرَ بِالِاعتِقَادِ، بِأَنِ اعتَقَدَ أَنَّ للهِ شَرِيكًا، أَو شَبِيهًا، أَو مِثيلًا. فَهَذِهِ قَوَاعِدُ.
وَلِذَلِكَ جَاءَت كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ لِلإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ، وَهُوَ مِن كِبَارِ أَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ، قَالَ: وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ القِبلَةِ بِذَنبٍ، مَا لَم يَستَحِلَّهُ. فَلَا نَحكُمُ عَلَيهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي المَعصِيَةِ أَنَّهُ كَافِرٌ. لِذَلِكَ هُنَا قَالُوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]. أَمَّا الكُفَّارُ، فَمَا لَهُم شُفَعَاءُ فِي النَّارِ، وَلَا أَعوَانُ، وَلَا رَحمَةَ؛ ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]، وَ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنهُم مِن عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]. فَالكُفَّارُ فِي عَذَابٍ مُؤَبَّدٍ، خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.