بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]
لَفِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَفِي تَعَاقُبِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَاختِلَافِهِمَا، أَدِلَّةً وَاضِحَةً، وَبَرَاهِينَ سَاطِعَةً، عَلَى صَانِعٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ، عَلِيمٍ، حَكِيمٍ، قَادِرٍ، مُقتَدِرٍ. فَالآيَاتُ هُنَا بِمَعنَى العَلَامَاتِ الدَّالَّاتِ، وَلَكِنَّ هٰذِهِ العَلَامَاتِ لَا يَقِفُ عِندَهَا، وَلَا يَنتَفِعُ بِهَا، إِلَّا مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وَإِذَا نَظَرتَ إِلَى الفَاكِهَةِ، وَجَدتَ لَهَا قِشرًا وَلُبًّا، وَقَد يَكُونُ القِشرُ أَحيَانًا مُمتَزِجًا بِاللُّبِّ، فَيُعَكِّرُ عَلَيكَ صَفَاءَهُ، وَلَكِن مَاذَا لَو كَانَ اللُّبُّ صَافِيًا خَالِصًا، وَهُوَ الَّذِي أَنتَ تَسعَى إِلَيهِ وَتَبحَثُ عَنهُ؟ فَلِهٰذَا لَمَّا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، كَانَ المَعنَى: لِمَن خَلُصَ عَقلُهُ عَنِ الهَوَى، خُلُوصَ اللُّبِّ عَنِ القِشرِ. فَكَمَا أَنَّ النَّاسَ، فِي الغَالِبِ، إِنَّمَا يَطلُبُونَ اللُّبَّ الصَّافِيَ، فَكَذٰلِكَ هٰذِهِ الآيَاتُ إِنَّمَا يَنتَفِعُ بِهَا مَن خَلُصَ عَقلُهُ عَنِ الهَوَى؛ فَيَرَى أَنَّ العَرَضَ المُحدَثَ فِي الجَوَاهِرِ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ الجَوَاهِرِ.
وَبَيَانُ ذٰلِكَ: أَنَّ العَالَمَ، مَا مَعنَاهُ؟ العَالَمُ هُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ يُقَالُ لَهُ: عَالَمٌ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ العَالَمَ. وَاللهُ أَزَلِيٌّ، لَا بَدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَالعَالَمُ حَادِثٌ. ثُمَّ إِنَّ هٰذَا العَالَمَ يَنحَصِرُ فِي شَيئَينِ اثنَينِ لَا يَخرُجُ عَنهُمَا: يَنحَصِرُ فِي جَوَاهِرَ وَأَعرَاضٍ. وَقَد يُعَبِّرُ عُلَمَاءُ التَّوحِيدِ عَن ذٰلِكَ فَيَقُولُونَ: أَحجَامٌ وَأَعرَاضٌ. فَالأَعرَاضُ تَعنِي الصِّفَاتِ. فَمَثَلًا: أَنَا جِسمٌ، وَلٰكِنَّ حَرَكَتِي وَسُكُونِي عَرَضٌ. فَالعَالَمُ يَنحَصِرُ فِي هٰذَا: أَعيَانٌ، وَإِن شِئتَ قُلتَ: أَحجَامٌ، أَو جَوَاهِرُ، أَو أَجسَامٌ، وَأَعرَاضٌ هِيَ الصِّفَاتُ.
وَمَعرِفَةُ هٰذَا مَا أَهَمِّيَّتُهَا؟ أَهَمِّيَّتُهَا هُنَا، فِي هٰذَا المَوضِعِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ فِيهِ الآنَ عَنِ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ عَلَى وُجُودِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، الَّذِي نَستَدِلُّ عَلَيهِ مِن خِلَالِ مَا سَمِعنَاهُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ العَالَمَ يَنحَصِرُ فِي هٰذِهِ الجَوَاهِرِ وَالأَعرَاضِ، وَأَنَّ الجَوهَرَ لَهُ قِيَامٌ بِذَاتِهِ، وَيَشغَلُ حَيِّزًا، وَأَنَّ العَرَضَ يَقُومُ بِالجَوهَرِ وَلَا يَقُومُ بِذَاتِهِ، بَل يَقُومُ بِغَيرِهِ، كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، فَمَثَلًا: الشَّمسُ حَجمٌ، فَيُقَالُ لَهَا: جَوهَرٌ، وَحَرَارَةُ الشَّمسِ يُقَالُ لَهَا: عَرَضٌ.
ثُمَّ نَقُولُ: الجَوَاهِرُ وَالأَجسَامُ لَا تَخلُو مِنَ الأَعرَاضِ، وَهٰذَا أَمرٌ مُشَاهَدٌ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا الآنَ، مَثَلًا، إِمَّا أَن يَكُونَ سَاكِنًا، وَمَتَى يَنقَطِعُ سُكُونُهُ؟ إِذَا تَحَرَّكَ. فَهُنَا حَرَكَةٌ وَسُكُونٌ. وَقَد يَكُونُ الإِنسَانُ فِي حُزنٍ، ثُمَّ يَنتَقِلُ إِلَى فَرَحٍ، وَهٰكَذَا. فَالجَوَاهِرُ، أَي: الأَجسَامُ، لَا تَخلُو مِنَ الأَعرَاضِ، وَهٰذَا أَمرٌ مُشَاهَدٌ.
وَلٰكِنَّ الأَعرَاضَ حَادِثَةٌ. فَإِذًا الأَجسَامُ، أَوِ الجَوَاهِرُ، أَوِ الأَعيَانُ، الَّتِي تَقُومُ بِهَا الأَعرَاضُ، لَا بُدَّ أَن تَكُونَ حَادِثَةً. وَالجَوَاهِرُ، كَمَا قَدَّمنَا، لَا تَخلُو مِنَ الأَعرَاضِ، فَإِذَا كَانَتِ الأَعرَاضُ حَادِثَةً، فَلَا بُدَّ أَن يَكُونَ الجَوهَرُ حَادِثًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَعرَاضَ حَادِثَةٌ أَن تَنظُرَ: مَا مِن جِسمٍ مُتَحَرِّكٍ إِلَّا وَالعَقلُ قَاضٍ بِجَوَازِ سُكُونِهِ، وَمَا مِن سَاكِنٍ إِلَّا وَالعَقلُ قَاضٍ بِجَوَازِ حَرَكَتِهِ. فَالمُتَحَرِّكُ مُتَحَرِّكٌ بِطُرُوء الحَرَكَةِ عَلَيهِ، وَهٰذَا الَّذِي لَحِقَهُ هُوَ طَارِئٌ، بِطُرُوءه وَحُدُوثِهِ، وَالسَّابِقُ الَّذِي كَانَ قَبلَ ذٰلِكَ قَدِ انعَدَمَ. فَإِذًا هٰذَا التَّعَاقُبُ يُمكِنُ أَن نُعَبِّرَ عَنهُ بِعِبَارَةٍ سَهلَةٍ، وَهِيَ: التَّغَيُّرُ.
وَهٰذَا التَّغَيُّرُ مِن صِفَاتِنَا نَحنُ، وَالأَرضُ تَتَغَيَّرُ، وَأَحوَالُنَا تَتَغَيَّرُ. فَقَد كُنتَ حَملًا فِي بَطنِ أُمِّكَ، ثُمَّ صِرتَ تَتَحَرَّكُ فِي بَطنِهَا، ثُمَّ نَزَلتَ، فَصَرَختَ، ثُمَّ صِرتَ تَتَغَيَّرُ، فَشَيئًا فَشَيئًا تَخرُجُ مِنكَ الحُرُوفُ، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ تَحبُو حَبوًا عَلَى الأَرضِ، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ تُحَاوِلُ المَشيَ، فَتَمشِي قَلِيلًا وَتَتَعَثَّرُ، وَيَأخُذُ وَالِدَاكَ بِيَدِكَ، ثُمَّ شَيئًا فَشَيئًا صِرتَ تَعرِفُ كَيفَ تَتَكَلَّمُ، وَكَيفَ تَمشِي، وَهٰكَذَا. وَكُلُّهُ تَغَيُّرٌ، إِلَى أَن صِرتَ شَابًّا، وَصِرتَ قَوِيًّا، وَصِرتَ جَلدًا، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ صِرتَ إِلَى نُزُولٍ مَرَّةً ثَانِيَةً، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الخَلقِ﴾ [يس: ٦٨]. فَصِرتَ تَرجِعُ إِلَى الضَّعفِ. فَإِذًا: ضَعفٌ، ثُمَّ قُوَّةٌ، ثُمَّ ضَعفٌ، وَهٰذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى مَاذَا؟ يَدُلُّ عَلَى التَّغَيُّرِ. وَهٰذَا التَّغَيُّرُ هُوَ أَصرَحُ عَلَامَاتِ الحُدُوثِ؛ أَي: أَدَلُّ مَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ هٰذَا العَالَمَ حَادِثٌ مَخلُوقٌ.
وَهٰذَا مِمَّا يَستَعمِلُهُ عُلَمَاءُ التَّوحِيدِ فِي الرَّدِّ عَلَى المُلحِدَةِ. وَأَكثَرُ مَا يَستَعمِلُونَهُ أَن يَقُولُوا: هٰذَا مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ يَحتَاجُ إِلَى مَن غَيَّرَهُ، وَالَّذِي يَحتَاجُ إِلَى غَيرِهِ هُوَ مُفتَقِرٌ إِلَيهِ، فَإِذًا هٰذَا المُحتَاجُ يَكُونُ مَخلُوقًا.
فَإِذًا كُنَّا قَد قُلنَا: العَالَمُ يَنحَصِرُ فِي جَوَاهِرَ وَأَعرَاضٍ، وَالأَعرَاضُ حَادِثَةٌ، فَإِذًا الجَوَاهِرُ حَادِثَةٌ، فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ: العَالَمُ حَادِثٌ. وَهٰذَا كُلُّهُ نَستَطِيعُ أَن نَجعَلَهُ رَقمًا أَوَّلًا. ثُمَّ نَنتَقِلُ إِلَى الرَّقمِ الثَّانِي، فَنَقُولُ: العَالَمُ الحَادِثُ ـ وَكَلِمَةُ حَادِثٍ، إِذَا استَعمَلَهَا العُلَمَاءُ، فَإِنَّهُم يُرِيدُونَ بِهَا: مَخلُوقٌ ـ لَا بُدَّ لَهُ مِن مُحدِثٍ؛ أَي: المَخلُوقُ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ. وَأَنتَ لَا تُصَدِّقُ أَن يَأتِيَ الشَّيءُ هٰكَذَا وَحدَهُ. فَالفِعلُ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِلٍ. وَالبَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ، وَأَثَرُ السَّيرِ يَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ.
هَب أَنَّكَ دَخَلتَ المَسجِدَ، وَقَبلَ أَن تَدخُلَ المَسجِدَ كُنتَ تَسمَعُ صَوتَ المُدَرِّسِ وَهُوَ يُعطِي الدَّرسَ، وَأَنتَ بَعدُ لَم تُبصِرهُ. فَلَو جَاءَكَ وَاحِدٌ مِنَ الخَارِجِ، وَقُلتَ لَهُ: الدَّرسُ بَدَأَ، كَأَنِّي تَأَخَّرتُ اليَومَ، هَل بَدَأَ الدَّرسُ؟ فَقَالَ لَكَ: لَا، مَا بَدَأَ المُدَرِّسُ. تَقُولُ لَهُ: كَيفَ، وَأَنَا أَسمَعُ الصَّوتَ؟ فَيَقُولُ لَكَ: نَعَم، الصَّوتُ، وَلٰكِنَّهُ لَيسَ مِنَ المُدَرِّسِ. فَتَقُولُ لَهُ: وَمِن أَينَ الصَّوتُ؟ فَيَقُولُ: هٰكَذَا، الصَّوتُ وَحدَهُ. فَتَقُولُ: هٰذَا فِي عَقلِهِ خَلَلٌ. وَهٰؤُلَاءِ المُلحِدَةُ فِي عُقُولِهِم خَلَلٌ. فَأَنتَ لَا تُصَدِّقُ أَن صَوتَ إِنسَانٍ وَاحِدٍ يَأتِي مِن غَيرِ أَن يَكُونَ هُنَاكَ مَصدَرٌ لِهٰذَا الصَّوتِ، فَكَيفَ تُصَدِّقُ أَنَّ العَالَمَ بِكُلِّ مَا فِيهِ جَاءَ هٰكَذَا صُدفَةً، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ خَالِقٌ؟
وَلِذٰلِكَ فَهٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا. وَقَد بَدَأنَاهَا بَعدَ تِلَاوَتِهَا بِإِعطَاءِ شَيءٍ مُختَصَرٍ فِيهَا، بِبَيَانِ الِاستِدلَالِ العَقلِيِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهَا، ثُمَّ نَستَرسِلُ، بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، فِي دَلَالَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا عَظِيمَةٌ جِدًّا.
وَلِهٰذَا فَإِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ، فِي كِتَابِ اللهِ، هِيَ الآيَةُ رَقمَ مِائَةٍ وَتِسعِينَ. وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا»، «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا». فَكَم مِنَ النَّاسِ يَمُرُّ عَلَيهَا وَيَمضِي! وَهُنَا قَالُوا: المَعنَى أَنَّهُ يُوجَدُ دَلِيلٌ عَقلِيٌّ إِجمَالِيٌّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ مَعرِفَتُهُ. أَمَّا الدَّلِيلُ العَقلِيُّ التَّفصِيلِيُّ، فَذٰلِكَ فَرضُ كِفَايَةٍ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ العَقلِيُّ الإِجمَالِيُّ، فَهٰذَا فِي الغَالِبِ لَا يَخلُو مِنهُ قَلبُ مُسلِمٍ.
وَكَيفَ هُوَ؟ أَن يَتَفَكَّرَ الإِنسَانُ فِي نَفسِهِ تَفَكُّرًا يَسِيرًا، فَيَقُولَ: أَنَا كُنتُ بَعدَ أَن لَم أَكُن، وَمَا كَانَ بَعدَ أَن لَم يَكُن لَا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِن وُجُودِ خَالِقٍ. أَو كَمَا يُقَالُ: الفِعلُ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِلٍ.
وَقَد جَاءَت كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ عَنِ الإِمَامِ أَبِي مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَعَن غَيرِهِ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ، قَالُوا: «لَا فَاعِلَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ». وَنَحنُ لَنَا فِعلٌ، أَكِيدٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. فَلَنَا أَعمَالٌ، وَلَسنَا مَجبُورِينَ عَلَى أَعمَالِنَا، بَل لَنَا اختِيَارٌ وَلَنَا مَشِيئَةٌ. وَلٰكِن، عِندَمَا تُقَالُ هٰذِهِ العِبَارَةُ: «لَا فَاعِلَ عَلَى الحَقِيقَةِ»، فَالمُرَادُ بِهَا: لَا خَالِقَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ. فَأَنتَ تَفعَلُ، وَلِهٰذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَاذَا فَعَلتَ اليَومَ مِنَ الصَّبَاحِ؟ تَقُولُ: صَلَّيتُ الفَجرَ، وَانتَظَرتُ، وَصَلَّيتُ الضُّحَى. وَيُقَالُ لَكَ: مَاذَا فَعَلتَ مِنَ الأَذكَارِ؟ فَتَقُولُ: فَعَلتُ كَذَا، وَقَرَأتُ سُورَةَ الكَهفِ، مَثَلًا، وَعَمِلتُ أَورَادِي فِي كَذَا وَكَذَا مِن ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَيُقَالُ: هٰذَا فِعلُكَ. نَعَم، هُوَ فِعلُكَ، وَهُوَ كَسبٌ لَكَ، وَلٰكِنَّ الخَالِقَ، الفَاعِلَ عَلَى الحَقِيقَةِ، هُوَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَإِذًا، بَعدَ هٰذَا البَيَانِ، فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ضُرِبَ هُنَا المِثَالُ فِي أَيِّ شَيءٍ؟ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ. فَفِي مَقَامِ التَّفَكُّرِ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، هٰذِهِ المَخلُوقَاتُ لَا بُدَّ لَهَا مِن خَالِقٍ. وَخَالِقُ المَخلُوقِ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَّى يُشبِهُ الخَالِقُ مَخلُوقَهُ». فَيَستَحِيلُ أَن يُشبِهَ الخَالِقُ مَخلُوقَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ شَبَهٌ أَو مِثَالٌ لَا يَكُونُ خَالِقًا لَهُ. وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَا تَضرِبُوا لِلَّهِ الأَمثَالَ﴾ [النحل: ٧٤].
وَأَمَّا فِي مُنَاسَبَةِ نُزُولِ هٰذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ تَرجُمَانُ القُرآنِ الكَرِيمِ، عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا: إِنَّ أَهلَ مَكَّةَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَن يَأتِيَهُم بِآيَةٍ، فَنَزَلَت هٰذِهِ الآيَةُ. يَعنِي: أَرَادُوا مُعجِزَةً، وَقَد كَانُوا شَاهَدُوا مُعجِزَاتٍ، وَلٰكِنَّ شِدَّةَ البَلَادَةِ عِندَ بَعضِ هٰؤُلَاءِ، وَشِدَّةَ التَّكَبُّرِ، جَعَلَتهُم كُلَّمَا رَأَوا آيَةً طَلَبُوا آيَةً أُخرَى. فَكُلَّمَا شَاهَدُوا شَيئًا طَلَبُوا آيَةً أُخرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. فَنَزَلَت هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ. طَلَبُوا آيَةً بِمَعنَى المُعجِزَةِ، وَلٰكِن نَزَلَت عَلَيهِم آيَةٌ مِنَ القُرآنِ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وَالمَعنَى: تَفَكَّرُوا وَاعتَبِرُوا، أَيُّهَا النَّاسُ، فِيمَا خَلَقَ اللهُ. أَتَطلُبُونَ آيَةً، وَقَد أَعمَت أَبصَارَكُم عَن رُؤيَةِ السَّمَاءِ؟ تَقُولُونَ: السَّمَاءُ بَعِيدَةٌ. وَأَرجُلُكُم عَلَى الأَرضِ، فَقَد أَعمَت أَبصَارَكُم وَعُقُولَكُم عَن رُؤيَةِ هٰذِهِ الآيَاتِ فِي الأَرضِ. فَهُم كَالَّذِي يُشَاهِدُ دَلِيلًا وَاضِحًا أَمَامَ عَينِهِ، ثُمَّ يَطلُبُ دَلِيلًا أَبعَدَ مِن ذٰلِكَ. أَنتَ الَّذِي أَمَامَكَ لَا تَلتَفِتُ إِلَيهِ، ثُمَّ تَطلُبُ شَيئًا بَعِيدًا عَنكَ! وَلِمَاذَا تَطلُبُهُ، وَهُوَ أَمَامَكَ؟ خَلقُ السَّمَاوَاتِ، وَخَلقُ الأَرضِ، وَمَعَاشُكُم، وَأَرزَاقُكُم فِي السَّمَاءِ وَفِي الأَرضِ.
ثُمَّ انظُر فِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ. سُبحَانَ اللهِ! لَيلٌ ثُمَّ نَهَارٌ. هَل يَحصُلُ فِي الوَقتِ نَفسِهِ لَيلٌ وَنَهَارٌ؟ لَا يَحصُلُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. فَأَنتَ هُنَا، لَو جَمَعتَ لِجَانًا، وَاستَنفَرتَ النَّاسَ، فِي بَعضِ الأَحيَانِ، لِتَنظِيمِ النَّاسِ أَوِ المُرُورِ، وَرَأَيتَ كَيفَ يَجتَمِعُ مَن يَجتَمِعُ لِأَجلِ التَّنظِيمِ، ثُمَّ يَنحَرِفُ هٰذَا عَنِ الخَطِّ، وَيَذهَبُ هٰذَا مِن هُنَا، وَذٰلِكَ مِن هُنَاكَ، وَهٰذَا يُخطِئُ فِي الطَّرِيقِ، وَهٰذَا يَمشِي بِاتِّجَاهٍ، وَذٰلِكَ بِاتِّجَاهٍ آخَرَ، فَتَرَى الِاضطِرَابَ. أَمَّا الشَّمسُ وَالقَمَرُ، فَيَنتَظِمَانِ فِي مَدَارِهِمَا كُلَّ يَومٍ، لَا يَخرُجَانِ. فَلَا تَأتِي الشَّمسُ اليَومَ فِي مَسَارٍ، وَغَدًا فِي مَسَارٍ آخَرَ، بَل هِيَ مُنتَظِمَةٌ. فَهَل عَقلُكَ يُصَدِّقُ، أَو يَقبَلُ، أَنَّهَا هٰكَذَا وَحدَهَا؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمسُ تَجرِي لِمُستَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]. فَهَل هِيَ هٰكَذَا وَحدَهَا، مِن غَيرِ مُدَبِّرٍ؟ مِن غَيرِ خَالِقٍ؟ مِن غَيرِ صَانِعٍ؟
كُنتَ نُطفَةً مَيِّتَةً، وَإِذَا بِكَ الآنَ تَنطِقُ، وَتَسمَعُ، وَتُبصِرُ، وَتَتَكَلَّمُ. كُنتَ لَا تُمَيِّزُ، وَقَد تَمُدُّ يَدَكَ وَأَنتَ طِفلٌ، قَبلَ أَن تَصِلَ إِلَى سِنِّ التَّميِيزِ، إِلَى النَّارِ فَتُحرِقُ نَفسَكَ، وَالآنَ صَارَ عِندَكَ عَقلٌ. فَإِذًا هٰذِهِ العَلَامَاتُ الَّتِي أَمَامَكُم فِي السَّمَاوَاتِ، وَفِي الأَرضِ، وَفِي اللَّيلِ، وَفِي النَّهَارِ؛ اللَّيلُ، قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَجَعَلنَا اللَّيلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]، وَالنَّهَارُ: ﴿وَجَعَلنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]. فَهٰذَا وَقتٌ تَرتَاحُ فِيهِ، وَهٰذَا وَقتٌ لِلنَّومِ.
فَإِن جَرَّبتَ، وَعَكَستَ، وَأَرَدتَ أَن تَجعَلَ نَومَكَ فِي النَّهَارِ، اضطَرَبَتِ الهُرمُونَاتُ وَالإِنزِيمَاتُ فِي جِسمِكَ، وَهٰذَا مَعرُوفٌ عِندَ أَهلِ الطِّبِّ. بَل مِمَّا وَجَدتُهُ يَذكُرُهُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ يَقُولُ: الأَصلُ أَن يَنَامَ الإِنسَانُ بَعدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، إِذَا لَم تَكُن هُنَاكَ حَاجَةٌ. فَمَا كَانَ عِندَهُمُ السَّهَرُ كَمَا هُوَ الآنَ. لَم يَكُن عِندَهُم ذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي العِشَاءَ وَيَنَامُ، إِلَّا إِذَا كَانَت هُنَاكَ مَصلَحَةٌ أَو حَاجَةٌ. فَيَنَامُ مُبَكِّرًا، حَتَّى يَستَيقِظَ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ. وَيَقُولُ: السَّاعَةُ الَّتِي تَنَامُهَا قَبلَ انتِصَافِ اللَّيلِ تُعَادِلُ سَاعَتَينِ بَعدَ انتِصَافِهِ. وَاللَّيلُ، إِن أَرَدتَ حِسَابَهُ، فَإِنَّكَ تَحسِبُهُ مِنَ المَغرِبِ إِلَى الفَجرِ، ثُمَّ تَقسِمُهُ عَلَى اثنَينِ. فَإِذَا تَأَخَّرتَ فِي النَّومِ، لَن تَأخُذَ مَا تَحتَاجُ إِلَيهِ، كَمَا لَو أَنَّكَ نِمتَ قَبلَ انتِصَافِ اللَّيلِ. وَفِي الغَالِبِ، إِن نِمتَ بَعدَ مُنتَصَفِ اللَّيلِ، لَا تَقوَى عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ، أَمَّا إِن نِمتَ قَبلَ ذٰلِكَ، فَتَجِدُ أَنَّكَ تَستَيقِظُ.
وَهٰذِهِ كُلُّهَا جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى آيَاتٍ وَعِبَرًا. فَيُقَالُ، مَثَلًا: إِنَّ فِي اللَّيلِ إِفرَازَاتٍ مُعَيَّنَةً فِي الجِسمِ، فِي الكَبِدِ، وَفِي الهُرمُونَاتِ، وَفِي الإِنزِيمَاتِ، وَفِي الأَعصَابِ، تَكُونُ فِي اللَّيلِ وَلَا تَكُونُ فِي النَّهَارِ، وَفِي أَشيَاءَ فِي النَّهَارِ لَا تَكُونُ فِي اللَّيلِ. فَهٰذِهِ لَهَا وَقتٌ، وَتِلكَ لَهَا وَقتٌ. وَهٰذَا كُلُّهُ جَعَلَهُ خَالِقٌ عَظِيمٌ. فَهٰذَا مِن عَجَائِبِ مَخلُوقَاتِ اللهِ.
وَلِأَجلِ هٰذَا الَّذِي ذَكَرتُهُ لَكُم، وَإِن لَم يَكُن هُوَ مَوضُوعَنَا هُنَا بِشَكلٍ مُبَاشِرٍ، يُقَالُ لَكَ: مِن أَسبَابِ طَردِ الدَّاءِ مِنَ الجَسَدِ أَن تَقُومَ فَتُصَلِّيَ فِي اللَّيلِ. وَكَيفَ ذٰلِكَ؟ يُقَالُ: لِأَنَّ هُنَاكَ إِفرَازَاتٍ مُعَيَّنَةً فِي اللَّيلِ، فَإِذَا استَرسَلتَ فِي النَّومِ، وَلَم تَقطَع نَومَكَ، تَتَرَاكَمُ، فَتَستَيقِظُ وَمَعَكَ أَلَمُ المَفَاصِلِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الأَمرَاضِ. فَقَد يَقُولُ الإِنسَانُ: استَيقَظتُ فَشَعَرتُ بِدُوَارٍ، أَو شَعَرتُ بِأَلَمٍ. وَلَو قُمتَ فِي اللَّيلِ، وَهٰذَا قَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ، إِذَا قُمتَ فِي اللَّيلِ فَصَلَّيتَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ قِيَامَ اللَّيلِ مَطرَدَةٌ لِلدَّاءِ مِنَ الجَسَدِ. وَأَطِبَّاءُ العَرَبِ مَعرُوفٌ عِندَهُم هٰذَا. وَلَا أَدرِي كَيفَ اليَومَ أَطِبَّاءُ هٰذَا العَصرِ؛ يَعنِي، إِذَا دَقَّقُوا فِي جِسمِ الإِنسَانِ، يَذكُرُونَ هٰذَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الإِنسَانَ يَحتَاجُ أَلَّا يَكُونَ ذٰلِكَ كُلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي اللَّيلِ، بَل يَحتَاجُ أَحيَانًا إِلَى شَيءٍ مِنَ الحَرَكَةِ.
فَهٰذِهِ كُلُّهَا، إِذًا، آيَاتٌ وَعَلَامَاتٌ تَدُلُّ عَلَى قُدرَةِ اللهِ، وَتَدُلُّ عَلَى صُنعِ اللهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنعَتِهِ». فَهٰذِهِ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقٌ. فَإِذًا العَقلُ السَّلِيمُ، صَاحِبُ اللُّبِّ، لَا يَقبَلُ أَن يَكُونَ هٰذَا العَالَمُ مِن غَيرِ خَالِقٍ، لَا يَقبَلُ. أَتَقبَلُ أَن هٰذَا المَسجِدَ وَحدَهُ ارتَفَعَت أَعمِدَتُهُ، وَصَارَت أَرضُهُ، وَصَارَ سَقفُهُ، وَهٰذَا كُلُّهُ صَارَ وَحدَهُ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ هُنَاكَ بَنَّاءٌ بَنَاهُ؟ لَا تَقبَلُ. فَهٰذَا استِدلَالٌ بَسِيطٌ. إِذًا هٰذَا يَدُلُّ: الفِعلُ يَدُلُّ عَلَى الفَاعِلِ، وَهٰذَا الخَلقُ يَدُلُّ عَلَى الخَالِقِ العَظِيمِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَإِذَا استَرسَلنَا، أَيُّهَا الإِخوَةُ، فِي بَيَانِ مُنَاسَبَةِ هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَإِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، الَّذِي قَدَّمتُ ذِكرَهُ، كَانَ يَذهَبُ بَعضَ اللَّيَالِي، فَيَبِيتُ فِي بَيتِ مَيمُونَةَ. وَمَن هِيَ مَيمُونَةُ؟ مَيمُونَةُ بِنتُ الحَارِثِ، مِن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا. وَمَاذَا تَكُونُ لِابنِ عَبَّاسٍ؟ هِيَ خَالَتُهُ. وَقَبرُهَا مَوجُودٌ عَلَى مَدخَلِ مَكَّةَ، فَإِذَا دَخَلتَ، يَعنِي قَبلَ أَن تَصِلَ إِلَى حَدِّ مَسجِدِ التَّنعِيمِ، فِي وَادٍ اسمُهُ: وَادِي سَرِفٍ، فِي مَحَطَّةِ بَنزِينٍ مَكتُوبٍ عَلَيهَا: مَحَطَّةُ وَادِي سَرِفٍ، وَفِي مُقَابِلِهَا، فِي نَاحِيَةٍ يُقَالُ لَهَا الآنَ: النُّورَانِيَّةُ، هٰكَذَا يَقُولُونَ بِلُغَتِهِمُ المَعرُوفَةِ هُنَاكَ، يُوجَدُ قَبرُ السَّيِّدَةِ مَيمُونَةَ فِي ذٰلِكَ المَكَانِ.
وَكَانَ ابنُ أُختِهَا، عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، يَذهَبُ إِلَى بَيتِ السَّيِّدَةِ مَيمُونَةَ خَالَتِهِ. وَكَانَ يَفعَلُ هٰذَا مِنَ الصِّغَرِ، فَحَصَّلَ عِلمًا كَبِيرًا، حَتَّى صَارَ يُقَالُ فِيهِ: الحَبرُ، حَبرُ الأُمَّةِ، وَحَتَّى صَارَ يُقَالُ فِيهِ: تَرجُمَانُ القُرآنِ. وَلِذٰلِكَ، لَو جَرَّبتَ وَعَمِلتَ عَمَلِيَّةَ بَحثٍ، عِندَ مَن تُرِيدُ، مَثَلًا عِندَ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ أَكثَرَ مَن يَنقُلُ عَنهُ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ. وَحَتَّى لَو قِيلَ لَكَ بَعدَ ذٰلِكَ: مَن تُرِيدُ؟ قِيلَ: مُجَاهِدٌ، أَوِ السُّدِّيُّ، أَوِ الحَسَنُ، أَو عَطَاءٌ، فَفِي الغَالِبِ سَتَجِدُ أَنَّ السَّنَدَ يَنتَهِي إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ.
فَفِي لَيلَةٍ، ذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا إِلَى بَيتِ خَالَتِهِ، فَقَالَ: لَأَنظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ يَعنِي: اللَّيلَةَ أُرِيدُ أَن أَنظُرَ كَيفَ هِيَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ. فَطُرِحَت لِلنَّبِيِّ ﷺ وِسَادَةٌ، فَيَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فَاضطَجَعتُ فِي عَرضِ الوِسَادَةِ، وَاضطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهلُهُ، يَعنِي خَالَتَهُ، فِي طُولِهَا. وَكَانَ ذٰلِكَ بَعدَ العِشَاءِ. فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انتَصَفَ اللَّيلُ. يَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ: أَو قَبلَهُ بِقَلِيلٍ، أَو بَعدَهُ بِقَلِيلٍ.
فَلَمَّا قَامَ ﷺ، وَانظُرُوا هُنَا، فِي هٰذَا تَعلِيمٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ فِي الغَالِبِ، عِندَمَا تَقُومُ فِي اللَّيلِ، تَجِدُ ثِقَلًا فِي عَينِكَ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ نَفسُكَ تَغلِبُكَ عَنِ القِيَامِ. يَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فَجَعَلَ ـ أَي: النَّبِيُّ ﷺ ـ يَمسَحُ النَّومَ عَن وَجهِهِ بِيَدَيهِ، يَمسَحُ النَّومَ عَن وَجهِهِ بِيَدَيهِ. وَهُنَا الفَائِدَةُ العَظِيمَةُ جِدًّا: ثُمَّ قَرَأَ العَشرَ الآيَاتِ الخَوَاتِيمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وَلِذٰلِكَ فَجَدِيرٌ بِنَا أَن نَحفَظَ هٰذِهِ الآيَاتِ. وَقَد قُلتُ لَكُم: وَقَد بَلَغنَا العَشرَ الآيَاتِ الأَخِيرَةَ، الخَوَاتِيمَ، مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، وَهٰذَا مِن أَعظَمِ أَسرَارِهَا، غَيرَ مَا تَقَدَّمَ، هٰذَا الَّذِي ذَكَرتُهُ.
فَإِذَا قُمتَ فِي اللَّيلِ، وَفَتَحتَ عَينَيكَ، وَوَجَدتَ ثِقَلًا فِي القِيَامِ، وَإِن لَم تَجِد ثِقَلًا، فَقَد تَجِدُ الثِّقَلَ فِيمَا بَعدُ؛ فَإِنَّ لِلشَّيطَانِ مَدَاخِلَ خَبِيثَةً. فَمَاذَا تَفعَلُ؟ تَبدَأُ بِقِرَاءَةِ الآيَاتِ العَشرِ الأَخِيرَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، وَتَمسَحُ عَلَى وَجهِكَ. فَهٰكَذَا كَانَ يَفعَلُ النَّبِيُّ ﷺ. فَإِذًا هٰذَا عِندَ القِيَامِ مِنَ النَّومِ فِي اللَّيلِ. وَمِن جُملَةِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفعَلُهُ، إِذَا قَامَ فِي اللَّيلِ لِصَلَاةِ قِيَامِ اللَّيلِ، أَنَّهُ كَانَ يَقرَأُ الآيَاتِ العَشرَ الخَوَاتِيمَ الأَخِيرَةَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، مِن قَولِ اللهِ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ثُمَّ يَمسَحُ ﷺ وَجهَهُ الشَّرِيفَ، وَهٰكَذَا يَمسَحُ النَّومَ عَن وَجهِهِ. فَهٰذَا مِن أَعظَمِ مَا يُعِينُكَ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ، وَعَلَى مُكَابَدَةِ صَلَاةِ اللَّيلِ.
ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ يُكمِلُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَيَقُولُ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ. أَتَعرِفُونَ مَا كَانَ عِندَهُم؟ لَم تَكُن عِندَهُم حَنَفِيَّاتٌ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ، وَإِنَّمَا كَانَ عِندَهُم الشَّنُّ؛ يَعنِي شَيئًا مِثلَ القِربَةِ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الشَّنِّ، الَّذِي هُوَ مِثلُ القِربَةِ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ، فَتَوَضَّأَ مِنهَا، فَأَحسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.
وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ مَاذَا يَفعَلُ؟ كَانَ يُرَاقِبُ النَّبِيَّ ﷺ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقُمتُ فَصَنَعتُ مِثلَ مَا صَنَعَ. قَالَ: ثُمَّ ذَهَبتُ فَقُمتُ إِلَى جَنبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى رَأسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي فَفَتَلَهَا. فَصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، فَالمَجمُوعُ ثَمَانٍ. وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَانٍ فِي قِيَامِ اللَّيلِ. وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ الأُخرَى زَادَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الثَّمَانِي، وَنَحنُ فِي رَمَضَانَ نَزِيدُ إِلَى العِشرِينَ أَيضًا، وَلٰكِن هٰذَا كَانَ مِن جُملَةِ أَحوَالِهِ ﷺ. فَكَانَ قَد صَلَّى هٰذَا، ثُمَّ أَوتَرَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «اجعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُم مِنَ اللَّيلِ وِترًا». يَعنِي: اجعَلُوا آخِرَ مَا تَختِمُونَ بِهِ صَلَاتَكُم مِن حَيثُ الأَفضَلِيَّةِ الوِترَ. ثُمَّ اضطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ، حَتَّى جَاءَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبحَ؛ يَعنِي: كَانَ قَد دَخَلَ وَقتُ صَلَاةِ الصُّبحِ.
فَهٰذَا الَّذِي ذَكَرتُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ عِنَايَةٌ خَاصَّةٌ بِهٰذِهِ الآيَاتِ العَشرِ الخَوَاتِيمِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى فِيهَا اختِصَارٌ أَكثَرُ، وَلٰكِنِّي أَذكُرُهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا فَائِدَةً زَائِدَةً، أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيتِ خَالَتِي مَيمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَخِيرُ، عِندَ ذٰلِكَ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ. وَالنَّظَرُ إِلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهَا مَهبِطُ الرَّحَمَاتِ، وَلِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ. نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ، وَبَدَأَ بِقِرَاءَةِ هٰذِهِ الآيَاتِ.
فَإِذًا، هُنَا، فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، الَّتِي فِيهَا ذِكرُ عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، حَثٌّ لَنَا عَلَى مَعرِفَةِ اللهِ كَمَا يَجِبُ، وَعَلَى تَوحِيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمَعرِفَتُنَا بِاللهِ لَيسَت مَعرِفَةَ إِحَاطَةٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاعلَم أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩]. فَهٰذِهِ هِيَ المَعرِفَةُ: أَن تَعلَمَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، وَأَن تَتَفَكَّرَ فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرَ فِي ذَاتِ اللهِ. وَلِذٰلِكَ كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا يَقُولُ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللهِ». فَتَفَكَّر فِي الخَلقِ، وَلَا تَتَفَكَّر فِي الخَالِقِ.
وَهٰذِهِ الدَّلَائِلُ الَّتِي نَزَلَت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالإِشَارَةُ إِلَيهَا، تَدُلُّ عَلَى الإِعجَازِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، بِهٰذَا النَّظمِ، وَأَنَّهُ جَاءَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهَا رَدٌّ وَفَضحٌ لِهٰؤُلَاءِ المُعَانِدِينَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُشَاهِدُونَ هٰذِهِ الآيَاتِ. وَهٰذِهِ الآيَاتُ فِيهَا بَثٌّ لِأَنوَارِ المَعرِفَةِ؛ لِأَنَّهَا عِندَمَا تَنصِبُ الدَّلَائِلَ، تُشرِقُ بِهَا القُلُوبُ.
وَأَذكُرُ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَت ذَاتَ يَومٍ أُمُّ الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا: مَاذَا كَانَ مِن أَكثَرِ عِبَادَةِ أَبِي الدَّردَاءِ؟ قَالَت: الفِكرُ. يَعنِي: كَانَ لَهُ أَوقَاتٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا. وَهٰذَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ مِن جُملَةِ السَّاعَاتِ الأَربَعِ؛ تُقَسَّمُ أَربَعَ سَاعَاتٍ، كَمَا جَاءَ فِي بَعضِ صُحُفِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَمِنهَا سَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي خَلقِ اللهِ. تَتَفَكَّرُ فِي نَفسِكَ، وَفِيمَا حَولَكَ، وَفِي هٰذِهِ المَنَافِعِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَكَ.
وَهٰذِهِ الآيَاتُ وَالدَّلَائِلُ هِيَ أَدِلَّةٌ عَقلِيَّةٌ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ العُلَمَاءُ: العَقلُ السَّلِيمُ يَصِلُ إِلَى أَنَّ هٰذَا العَالَمَ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ صَانِعٍ، وَلَو لَم يَسمَع بِدَعوَةِ نَبِيٍّ. وَلِذٰلِكَ أَلَيسَ أَحيَانًا نَسمَعُ أَنَّ فُلَانًا، مَثَلًا، كَانَ عَلَى الفِطرَةِ؟ وَمَعنَى قَولِهِم: عَلَى الفِطرَةِ، أَي: أَنَّهُ بِعَقلِهِ وَصَلَ، مَعَ أَنَّهُ مَا وَصَلَتهُ، مَثَلًا، دَعوَةُ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ. فَيُقَالُ لَكَ: عَلَى الفِطرَةِ. وَالفِطرَةُ السَّلِيمَةُ هٰكَذَا؛ لَا تَقبَلُ أَنِّي أَنَا وُجِدتُ، وَلَيسَ لِي مَن أَوجَدَنِي، وَأَنِّي خُلِقتُ، وَلَيسَ لِي مَن خَلَقَنِي. بَل لَا بُدَّ لِي مِن خَالِقٍ، وَهٰذَا الخَالِقُ لَا يُشبِهُنِي، وَمَا حَولِي كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ.
وَلِذٰلِكَ كَانَ وَاعِظُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، ابنُ السَّمَّاكِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، يَقُولُ: «نَظَرُكَ فِيكَ يَكفِيكَ». نَظَرُكَ فِيكَ يَكفِيكَ، فِي هٰذِهِ الدَّلَائِلِ الَّتِي هِيَ فِيكَ أَنتَ. تَمشِي عَلَى كَم قَدَمٍ؟ عَلَى اثنَتَينِ. وَلِمَاذَا تَجِدُ الحِصَانَ وَغَيرَ ذَوَاتِ الأَربَعِ يُقَالُ لَهَا: ذَوَاتُ الأَربَعِ؟ لَو شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَن يُمشِيَكَ عَلَى وَجهِكَ، لَأَمشَاكَ عَلَى وَجهِكَ. وَلِذٰلِكَ جَاءَ أَنَّ الكُفَّارَ يَومَ القِيَامَةِ، اللهُ يُمشِيهِم عَلَى وُجُوهِهِم. وَلَو شَاءَ اللهُ أَن تَمشِيَ عَلَى وَجهِكَ فِي الدُّنيَا، لَمَشَيتَ عَلَى وَجهِكَ. وَشَاءَ اللهُ لَكَ أَن تَسمَعَ بِأُذُنَينِ، وَتَتَكَلَّمَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، فَليَكُن مَا تَسمَعُ أَكثَرَ مِمَّا تَتَكَلَّمُ بِهِ، إِلَّا مَا كَانَ فِي خَيرٍ. أُذُنَانِ وَلِسَانٌ: اسمَع، تَعَلَّم، اسعَ إِلَى المَعرِفَةِ، وَلَا تَتَكَلَّم إِلَّا عِندَ الحَاجَةِ إِلَى الكَلَامِ.
وَالإِشَارَةُ الأُخرَى الَّتِي أَرَدتُ ذِكرَهَا: أَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبلَ ذٰلِكَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، فِي آيَةٍ كَرِيمَةٍ سَيَأتِي ذِكرُهَا، إِن شَاءَ اللهُ، ذِكرُ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَلٰكِن هُنَا مَاذَا ذُكِرَ؟ ذُكِرَ خَلقُ السَّمَاوَاتِ، وَخَلقُ الأَرضِ، وَاختِلَافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ: ثَلَاثَةٌ. فَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: لِمَاذَا جَاءَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، عِندَ ذِكرِ هٰذِهِ الآيَاتِ، ذِكرُ ثَمَانِيَةٍ، وَهُنَا جَاءَ ذِكرُ ثَلَاثَةٍ؟ فَقَالَ العُلَمَاءُ: هُنَاكَ فَرقٌ بَينَ مَا يَحتَاجُهُ الطَّالِبُ وَالسَّالِكُ فِي الِابتِدَاءِ، وَبَينَ مَا يَحتَاجُهُ عِندَ الِانتِهَاءِ. فَفِي الأَوَّلِ يُرِيدُ أَدِلَّةً كَثِيرَةً: أَعطِنِي دَلِيلًا، وَاثنَينِ، وَثَلَاثَةً، وَأَربَعَةً، وَخَمسَةً، فَذُكِرَت هُنَاكَ ثَمَانِيَةٌ. أَمَّا بَعدَ أَن ذُكِرَت لَهُ هٰذِهِ الأَدِلَّةُ كُلُّهَا، فَإِنَّ حَاجَتَهُ لَيسَت إِلَى الزِّيَادَةِ فِي العَدَدِ، بِقَدرِ مَا هِيَ إِلَى فَهمِ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنَ الأَدِلَّةِ مِن قَبلُ. فَأَحيَانًا يَكُونُ عِندَكَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ، أَو عَشَرَةُ أَدِلَّةٍ، وَلٰكِنَّكَ لَا تُفَكِّرُ فِيهَا التَّفكِيرَ الكَافِيَ. فَتَأخُذُ أَدِلَّةً كَثِيرَةً، ثُمَّ تَقُولُ: أُرِيدُ زِيَادَةً. فَيُقَالُ لَكَ: فِي الأَوَّلِ اضبِط مَا عِندَكَ، وَتَمَكَّن فِيمَا عِندَكَ. أَلَيسَ فِي البِنَاءِ مَاذَا يَفعَلُونَ؟ أَلَيسَ يُمَكِّنُونَ الأَسَاسَ فِي الأَوَّلِ، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ يَتَوَسَّعُونَ؟ وَأَنتَ، قَبلَ أَن تَتَوَسَّعَ فِي الأَدِلَّةِ، مَا أَخَذتَهُ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَلَو كَانَ دَلِيلًا وَاحِدًا، يَكفِيكَ أَن تَتَفَكَّرَ فِيهِ. فَإِنَّكَ لَو فَكَّرتَ فِي نَفسِكَ فَقَط، لَكَانَ هٰذَا كَافِيًا، وَمُعِينًا لَكَ عَلَى دَحرِ الشَّيطَانِ.
ثُمَّ مِن لَطِيفِ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قَالَ: هٰذَا الكِتَابُ، يَعنِي: القُرآنَ الكَرِيمَ، مِن جُملَةِ المَقصُودِ فِيهِ جَذبُ القُلُوبِ وَالأَروَاحِ عَنِ الِاشتِغَالِ بِالخَلقِ إِلَى الِاستِغرَاقِ فِي مَعرِفَةِ الحَقِّ. بِمَعنَى: أَنَّكَ قَبلَ أَن تَتَدَبَّرَ آيَاتِ القُرآنِ، لَعَلَّكَ تُكثِرُ مِنَ التَّفكِيرِ فِي أُمُورِ الدُّنيَا: رِزقِي، وَمَعَاشِي، وَصِحَّتِي، وَحَيَاتِي. فَإِذَا قَرَأتَ القُرآنَ الكَرِيمَ، وَتَدَبَّرتَ آيَاتِهِ، جَعَلَكَ تَزهَدُ فِي ذٰلِكَ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَكَ، بِسَبَبِ هٰذَا التَّدَبُّرِ، نُورًا فِي قَلبِكَ، وَهٰذَا هُوَ نُورُ مَعرِفَةِ التَّوحِيدِ.
وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ سَيِّدَنَا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا، قَالَ ذَاتَ يَومٍ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا: أَخبِرِينِي بِأَعجَبِ مَا رَأَيتِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ. يَعنِي: أَخبِرِينِي بِأَكثَرِ شَيءٍ تَعَجَّبتِ مِنهُ، وَهُوَ يَسأَلُ عَمَّن؟ يَسأَلُ عَن سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ. فَقَالَ: أَخبِرِينِي بِأَعجَبِ مَا رَأَيتِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَبَكَت، وَأَطَالَتِ البُكَاءَ، ثُمَّ قَالَت: كُلُّ أَمرِهِ عَجَبٌ. لٰكِنَّهَا ذَكَرَت هٰذَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالَّذِي نَحنُ فِيهِ، فَقَالَت: أَتَانِي فِي لَيلَتِي ﷺ، فَدَخَلَ فِي لِحَافِهِ، حَتَّى أَلصَقَ جِلدَهُ بِجِلدِي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، هَل لَكِ أَن تَأذَنِي لِي اللَّيلَةَ فِي عِبَادَةِ رَبِّي؟ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ قُربَكَ، وَأُحِبُّ مُرَادَكَ. يَعنِي: أَنَا، مِن نَاحِيَةٍ، لَا أُرِيدُ أَن تَترُكَنِي، وَلٰكِن، مِن نَاحِيَةٍ ثَانِيَةٍ، أَنتَ مُرَادُكَ أَن تُطِيعَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَأَنَا أُحِبُّ مُرَادَكَ، وَقَد أَذِنتُ لَكَ. وَفِي هٰذَا عَظِيمُ الأَدَبِ، وَعَظِيمُ الخُلُقِ، عِندَ أَفضَلِ مَن عَلَّمَ الخَلقَ، مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَقَامَ ﷺ إِلَى قِربَةٍ مِن مَاءٍ فِي البَيتِ، فَتَوَضَّأَ، وَلَم يُكثِر مِن صَبِّ المَاءِ. وَيُكرَهُ الإِسرَافُ فِي المَاءِ فِي الوُضُوءِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِسرَافُ فِي مَاءِ المَسجِدِ فَيَكُونُ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مَوقُوفٌ، وَأَمَّا فِي مَائِكَ أَنتَ فَيَكُونُ الإِسرَافُ مَكرُوهًا. فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقَرَأَ مِنَ القُرآنِ، وَجَعَلَ يَبكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ، فَجَعَلَ يَبكِي. قَالَت عَائِشَةُ: حَتَّى رَأَيتُ دُمُوعَهُ قَد بَلَّتِ الأَرضَ. فَأَتَاهُ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُؤذِنُهُ بِصَلَاةِ الغَدَاةِ، عَنِ الفَجرِ، فَرَآهُ يَبكِي، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَبكِي وَقَد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا». ثُمَّ قَالَ: مَا لِي لَا أَبكِي، وَقَد أَنزَلَ اللهُ فِي هٰذِهِ اللَّيلَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. ثُمَّ قَالَ: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا». نَزَلَت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَكَى، وَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَكَى، وَعَلَّمَنَا أَن نَقرَأَهَا فَنَبكِي، وَقَالَ: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا».